تشير التطورات في اليمن إلى التباينات السياسية بين السعودية والإمارات، لكن العلاقات الاقتصادية بين البلدين لا تزال قوية. رغم الخلافات، تظهر البيانات أن التجارة الثنائية بلغت حوالي 30 مليار دولار بنهاية 2023، مع تنوع في المنتجات المتبادلة. الاستثمارات الإماراتية في السعودية تتجاوز 9.2 مليار دولار، مما يعزز الروابط الاقتصادية. كما أن العلاقات التجارية تلعب دورًا حيويًا في استقرار المنطقة. يظهر أن المصالح الاقتصادية الاستراتيجية تمنع تصاعد التوترات السياسية إلى أزمات تجارية، مع إدارة العلاقات بمرونة رغم المنافسة في بعض القطاعات.
الاقتصاد العربي | شاشوف
بينما تعيد الاضطرابات المتزايدة في جنوب اليمن تصوير الفروقات السياسية بين السعودية والإمارات، يتضح وجود مسار آخر هادئ ولكنه أكثر استقراراً، وهو مسار المصالح الاقتصادية العميقة التي لا تزال تربط بين الاقتصادين السعودي والإماراتي.
رغم الخلافات السياسية والعسكرية، تبدو العلاقات التجارية بين البلدين متينة، كما تشير وكالة “رويترز”، مدفوعة بحسابات استراتيجية تتجاوز المتغيرات اللحظية.
وفقاً لرؤية “شاشوف”، تُظهر التجربة الخليجية الحديثة أن الخلافات السياسية لا تؤدي بالضرورة إلى قطيعة اقتصادية استثنائية. وعلى عكس أزمة 2017 التي شهدت فرض حصار تجاري شامل على قطر، يستبعد تكرار سيناريو مشابه بين الرياض وأبوظبي.
يوافق المحللون على أن حجم المصالح المتبادلة اليوم أكبر بكثير، وأن كلفة أي صدام اقتصادي ستكون مرتفعة لكلا الطرفين، ويعزي الخبراء ذلك إلى غياب “الشهية الإقليمية” لمواجهات جديدة في منطقة تعاني أصلاً من انعدام الأمن وتباطؤ اقتصادي عالمي.
بالإضافة إلى ذلك، لا تزال النظرة البراغماتية تجاه السياسة الخارجية، باعتبارها أداة لدعم الأعمال والاستثمار بدلاً من تعطيلها، تؤثر في سلوك العاصمتين الخليجيتين، مما يعزز الروابط الاقتصادية ضد الاضطرابات السياسية.
ترابط اقتصادي بأرقام ثقيلة
تعكس الأرقام حجم هذا التشابك، فوفقاً للبيانات السعودية التي تتبعها شاشوف، بلغ حجم التجارة الثنائية السنوية بين السعودية والإمارات حوالي 30 مليار دولار بنهاية عام 2023، محققاً نمواً يقرب من 42% مقارنة بعام 2020.
ولم تقتصر العلاقة على التبادل التجاري فقط، إذ كانت الإمارات خامس أكبر وجهة للصادرات السعودية، وثالث أكبر مصدر للواردات إلى المملكة خلال عام 2024، مما يبرز دور أبوظبي ودبي في سلاسل الإمداد السعودية.
تعكس هذه الأرقام شبكة مصالح مترابطة تشمل التجارة والاستثمار والخدمات اللوجستية، مما يجعل أي اهتزاز سياسي قادراً على التأثير بشكل أقل على هذا المسار.
وتتميز العلاقات التجارية بين البلدين بالتنوع، حيث تشمل النفط المكرر والذهب والمجوهرات والسلع الاستهلاكية المعاد تصديرها، مثل الأجهزة الإلكترونية.
يُعتبر ميناء جبل علي في دبي شرياناً حيوياً لهذه الحركة التجارية، حيث يمر عبره جزء كبير من البضائع المتجهة إلى السوق السعودية، على الرغم من الاستثمارات الضخمة التي تضخها الرياض لتوسيع موانئها وتعزيز الشحن المباشر.
كما لا يقتصر التشابك على مستوى الشركات الكبرى، بل يمتد إلى الحياة اليومية للمستهلكين، ففي متاجر التجزئة المنتشرة في البلدين، مثل سلسلة “لولو هايبر ماركت” الإماراتية، تُعرض بشكل اعتيادي منتجات سعودية أساسية، من حليب “المراعي” إلى دجاج “اليوم”، مما يعكس تداخلاً عميقاً في الأسواق الاستهلاكية.
الاستثمارات.. ركيزة إضافية للاستقرار
على صعيد الاستثمار، تشير البيانات الإماراتية إلى أن الاستثمارات الإماراتية في السعودية تتجاوز 9.2 مليار دولار بحسب اطلاع شاشوف، مقابل استثمارات سعودية مباشرة في الإمارات تزيد عن 4.3 مليار دولار.
تعمل في الإمارات أكثر من أربعة آلاف علامة تجارية سعودية، إلى جانب العديد من الوكالات التجارية والمشروعات المشتركة في قطاعات حيوية تشمل الخدمات اللوجستية وتجارة التجزئة والضيافة.
هذا التداخل الاستثماري يشكل شبكة مصالح يصعب تفكيكها دون تكبد خسائر ملموسة، ويجعل من الاستقرار الاقتصادي أولوية تتفوق على الخلافات السياسية المؤقتة.
ورغم هذا الترابط، لا تخلو العلاقة من منافسة واضحة، فقد سبقت الإمارات جيرانها بتوقيع حوالي 30 اتفاقية تجارية ثنائية مع دول أخرى، متجاوزة الإطار التفاوضي البطيء لمجلس التعاون الخليجي، الذي كانت السعودية طرفاً رئيسياً فيه.
في المقابل، اتخذت الرياض خطوات تُعتبر تنافسية، أبرزها قرار عام 2021 الذي اشترط على الشركات الأجنبية إنشاء مقرات إقليمية في المملكة للحصول على العقود الحكومية، مما فُسر على نطاق واسع كتحرك لاستقطاب الشركات بعيداً عن دبي.
ومع ذلك، فإن هذا التنافس، وفقاً للخبراء الاستراتيجيين، ليس بجديد، ويجري ضمن حدود محسوبة، فالدفع نحو مقاطعة أو صدام اقتصادي مباشر من شأنه أن يقوض الطموحات التنموية الكبرى لكلا البلدين، خاصّة في ظل خطط التحول الاقتصادي طويلة الأجل.
البعد الإقليمي
تتجاوز أهمية العلاقات التجارية السعودية الإماراتية حدود البلدين، إذ تُعتبر ركيزة أساسية لتدفقات التجارة والاستثمار في الشرق الأوسط.
فالسعودية، باعتبارها أكبر اقتصاد عربي، والإمارات، كمركز مالي ولوجستي محوري، وفقاً لرويترز، تمثلان بوابتين رئيسيتين لرؤوس الأموال والبضائع والخدمات في المنطقة.
أي توتر اقتصادي بينهما قد يزعزع ثقة المستثمرين ويضعف الترابط الإقليمي، وهو ما يتعارض مع أولوية الاستقرار التي تسعى إليها العاصمتان.
لذا، تواصل الحسابات الاقتصادية الاستراتيجية السيطرة على العلاقة، وتمنع الخلافات السياسية من التحول إلى أزمة تجارية مفتوحة.
تظهر التجربة الراهنة أن العلاقات السعودية الإماراتية تُدار اليوم بمنطق الفصل النسبي بين السياسة والاقتصاد، فرغم التباينات في ملفات إقليمية حساسة مثل اليمن، تبقى المصالح التجارية والاستثمارية عاملاً كابحاً لأي تصعيد اقتصادي.
تم نسخ الرابط
(function(d, s, id){
var js, fjs = d.getElementsByTagName(s)[0];
if (d.getElementById(id)) return;
js = d.createElement(s); js.id = id;
js.src = ‘//connect.facebook.net/ar/sdk.js#xfbml=1&version=v3.2’;
fjs.parentNode.insertBefore(js, fjs);
}(document, ‘script’, ‘facebook-jssdk’));
