استئناف النفط الفنزويلي.. طريق شاق يتجاوز التطلعات الأمريكية – شاشوف

استئناف النفط الفنزويلي طريق شاق يتجاوز التطلعات الأمريكية شاشوف


تتصدر قضايا النفط الفنزويلي النقاشات الدولية كأداة سياسية استراتيجية، رغم تدهور الإنتاج بسبب العقوبات الأمريكية وسوء البنية التحتية. رغم أن فنزويلا تمتلك أكبر احتياطي نفطي مؤكد، إلا أن الإنتاج انخفض بشدة، ومن المتوقع أن يتطلب إحياؤه استثمارات ضخمة تصل إلى 100 مليار دولار ومدة زمنية طويلة تتراوح بين 5-15 عاماً. التحديات تشمل الحاجة لاستقرار أسعار النفط واستثمارات مستدامة، فضلاً عن العوامل السياسية المعقدة. المستقبل يعتمد على نجاح فنزويلا في تحويل ثروتها النفطية إلى منبع اقتصادي أو الاستمرار في العجز رغم احتياطياتها الهائلة.

الاقتصاد العالمي | شاشوف

لا يزال ملف النفط الفنزويلي يتصدر النقاشات الدولية، كونه أداة سياسية واستراتيجية تلتقي عندها مصالح واشنطن ومصالح الشركات الغربية، بينما تواجه دولة تمتلك أكبر احتياطي نفطي مؤكد في العالم توترات غير مسبوقة.

بعد عقود من العقوبات الأمريكية، دخل قطاع النفط الفنزويلي مرحلة تآكل عميق، حيث أعاد التحول السياسي الأخير، المتمثل في اعتقال الرئيس مادورو على يد الإدارة الأمريكية، خلط الأوراق وفتح المجال لتوقعات جديدة. بعض محللي الطاقة يتحدثون عن عودة تدريجية لإنتاج النفط الفنزويلي، كما يورد شاشوف، لكن ضمن أفق زمني طويل قد يمتد إلى عقد كامل أو أكثر.

واقع الإنتاج

فنزويلا تمتلك أكبر احتياطيات نفطية مؤكدة في العالم، لكن إنتاجها شهد تراجعاً حاداً على مدار العقد الماضي، حيث انخفض بأكثر من الثلث خلال 25 عاماً، بسبب تدهور البنية التحتية، وهجرة الكفاءات النفطية، وتراجع الاستثمارات، فضلاً عن العقوبات.

وفق تقديرات محللي الطاقة التي تتبّعها شاشوف، فإن القدرة الإنتاجية التي كانت تتراوح سابقاً بين مليوني إلى مليونين ونصف المليون برميل يومياً تراجعت بشكل كبير، وهو تراجع لا يُعد تفصيلاً ثانوياً، بل هو انعكاس لانهيار هيكلي في القطاع النفطي بأسره.

عملت شركات النفط الأجنبية في فنزويلا لأكثر من قرن، مستفيدة من قربها الجغرافي من الولايات المتحدة التي كانت شريكاً استراتيجياً رئيسياً. كان النفط الفنزويلي الثقيل والرخيص مزيجًا مثاليًا للمصافي الأمريكية التي صُممت بنيتها التحتية خصيصاً لمعالجة هذا النوع من الخام.

في أوائل تسعينيات القرن الماضي، قامت فنزويلا بتطبيق سياسات تهدف إلى تحفيز الاستثمار النفطي، إلا أن هذا المسار تغيّر جذريًا مع وصول هوغو تشافيز إلى السلطة عام 1999، حيث زادت السيطرة الحكومية على شركة النفط الوطنية، مما أدى إلى تدهور البنية التحتية وانخفاض القدرة التشغيلية، وانسحاب تدريجي للشركات الأجنبية.

وفقًا لموقع CNN بيزنس، يشير بشار الحلبي، محلل أسواق النفط والطاقة في شركة Argus، إلى أن العقوبات والأوضاع السياسية والاقتصادية لعبت دوراً محورياً في خروج عدد كبير من الخبرات النفطية من القطاع، مما أفقد الشركة الوطنية أساسها البشري وأدى إلى تفاقم أزمة الإنتاج.

جميع هذه العوامل تضافرت لتؤدي إلى التراجعات الحادة التي شهدها القطاع على مدى العقدين الماضيين، مما أفرغ فنزويلا من قدرتها على استغلال احتياطياتها الضخمة.

رغم تصريحات ترامب حول الاعتماد على الشركات الأمريكية لإعادة بناء قطاع النفط الفنزويلي، إلا أن الواقع أكثر تعقيدًا كما تراه شاشوف، فعودة الإنتاج ليست مجرد قرار سياسي يُتخذ بمرسوم، بل هي مسار طويل محفوف بالمخاطر.

يشير تقرير CNN إلى أن أول ما تحتاجه الشركات الأجنبية هو ضمانات واضحة من الجانب الفنزويلي، في ظل بيئة استثمارية غير مشجعة حالياً، خاصة مع الأسعار الراهنة للنفط. إلى جانب ذلك، فإن تكلفة استخراج النفط الفنزويلي مرتفعة مقارنة بدول الجوار أو بالشرق الأوسط، فضلاً عن تكلفة معالجته وتحويله إلى منتجات قابلة للتسويق.

أيضًا، تحتاج المصافي الأمريكية، التي ستكون الوجهة الأساسية لهذا النفط، إلى استقرار طويل الأمد في الإمدادات، وهو ما لا يمكن ضمانه دون إعادة تأهيل شاملة للقطاع.

سيناريوهات زمنية: من أشهر إلى عقود

على المدى القصير، يُمكن أن تؤدي تحسينات محدودة خلال فترة تتراوح بين ستة أشهر وسنة إلى رفع القدرة الإنتاجية بنحو 200 إلى 300 ألف برميل يومياً، من خلال عمليات صيانة وإعادة تشغيل جزئية.

أما على المدى المتوسط والبعيد، أي بين خمس وعشر سنوات، فإن الأمر يتطلب استثمارات ضخمة قد تتجاوز 100 مليار دولار، بهدف إعادة الإنتاج إلى مستويات تقارب 3.5 مليون برميل يومياً، وهو الرقم الذي يوازي مكانة فنزويلا النفطية التاريخية.

تعتقد شركة “ريستاد إنرجي” لتحليلات الطاقة، وفق ما تتابعه شاشوف، أن إحياء إنتاج النفط الفنزويلي ممكن من الناحية التقنية، لكن في أفق زمني طويل قد يصل إلى 15 عاماً للوصول إلى مستوى 3 ملايين برميل يومياً، إذا انطلقت دورة استثمار جديدة على الفور.

تشير الشركة إلى أن استثمارات محدودة في الصيانة وإعادة التأهيل يمكن أن تضيف ما يصل إلى 300 ألف برميل يومياً، ولكن تجاوز عتبة 1.4 مليون برميل يومياً سيظل صعباً دون ضخ رؤوس أموال كبيرة.

ووفقًا لتقديراتها، تحتاج فنزويلا إلى استثمارات مستقرة تفوق 10 مليارات دولار سنوياً حتى عام 2040، لرفع الإنتاج إلى نحو مليوني برميل يومياً بحلول أوائل ثلاثينيات القرن الحالي، ثم إلى 3 ملايين برميل يومياً لاحقاً. جزء كبير من هذه الأموال سيخصص في المراحل الأولى لإصلاح خطوط الأنابيب ووحدات المعالجة والبنية التحتية للموانئ.

كما ترى ريستاد إنرجي أن توليد الزخم الاستثماري يحتاج إلى ضخ أكثر من 30 مليار دولار من رأس المال الخارجي في المراحل الأولى، مع ضرورة استقرار أسعار النفط فوق نطاق 70 إلى 80 دولاراً للبرميل خلال ثلاثينيات القرن الحالي لتحقيق هدف 3 ملايين برميل يومياً.

إذا بقيت الأسعار دون ذلك، فإن مستويات إنتاج تتراوح بين 2 و2.5 مليون برميل يومياً تبدو أكثر واقعية.

يقدّر ديفيد جوربناز، محلل أسواق النفط في ICIS، أن استعادة الإنتاج الفنزويلي تتطلب استثمارات تقارب 100 مليار دولار على مدى عقد تقريباً، لإعادة بناء طاقات المنبع، وخطوط الأنابيب، ووحدات المعالجة والتكرير، وبنية التصدير.

ويرى أن الإنتاج قد يصل إلى ما بين 1.3 و1.4 مليون برميل يومياً خلال سنتين إلى ثلاث سنوات، في حال توفر انتقال سياسي موثوق واستثمار مستدام، بينما يحتاج بلوغ مستويات تقارب 2.5 مليون برميل يومياً إلى فترة تتراوح بين خمس وعشر سنوات.

أما بالنسبة لفرضية استحواذ الولايات المتحدة على كامل الإنتاج الفنزويلي، يعتبر جوربناز أنها غير واقعية، حتى مع وجود تأثير تشغيلي قوي، بسبب عقبات تتعلق بالسيادة والمطالبات القانونية وقابلية إنفاذ العقود، فضلاً عن المخاطر الأمنية.

من ناحية الإيرادات، فإن إضافة مليون برميل يومياً من الصادرات بسعر 60 دولاراً للبرميل قد تدر نحو 22 مليار دولار سنوياً من الإيرادات الإجمالية، قبل خصم التكاليف والضرائب وخدمة الدين.

وبالنتيجة، لا يبدو مستقبل النفط الفنزويلي مُحَصراً بالعقوبات أو القرار الأمريكي فقط، بل هو نتيجة لمزيج معقد من السياسة والاستثمار والأسعار والاستقرار الداخلي. اليوم، تقف فنزويلا عند مفترق طرق، فإما أن تنجح في تحويل ثروتها المعطلة إلى رافعة اقتصادية جديدة خلال عقد أو عقدين، أو تبقى احتياطياتها الهائلة محبوسة في الأرض، رهينة للحسابات الدولية والهشاشة الداخلية.


تم نسخ الرابط