اخبار وردت الآن – إدارة الوعي في ظل تقلبات الدولة: تحليل لتجربة أحمد عبيد بن دغر

توازن الوعي وسط عواصف الدولة.. قراءة في تجربة أحمد عبيد بن دغر


قبل الحرب، كان الانقسام السياسي في اليمن جزءاً من بنية الحكم وليس خللاً طارئًا. في 21 سبتمبر 2014، انهار هذا التوازن الهش، مما أدى إلى فراغ مؤسسي وغياب الحضور الوطني الفعال. تميزت تجربة الدكتور أحمد عبيد بن دغر بقدرته على إعادة تعريف مفهوم السلطة، حيث عمل على إدارة التناقضات دون التأثير على جوهر الدولة. أثناء توليه رئاسة مجلس الشورى، استثمر منصبه لإعادة تشكيل التوافق السياسي وتعزيز التشريع. تعكس تجربته أهمية الاتزان السياسي، حيث ينبغي على القادة التركيز على الفهم العميق للصراعات وإعادة بناء التوافق بدلاً من الاستسلام للانقسامات.

كتب// د. محمد الحميدي

في هيكل الدولة اليمنية قبل الحرب، كان الانقسام السياسي عنصرًا أساسيًا في التركيبة، وليس مجرد خلل طارئ، حيث تشكلت السلطة على توازن هش بين الولاءات المناطقية والاصطفافات الحزبية. وعاشت مع مفهوم الدولة كمساحة تفاوضية أكثر منها كيانًا قانونيًا راسخًا. ومع أحداث 21 سبتمبر 2014م، انهار هذا التوازن ليس لكونه متيناً بل لكونه محكومًا بالهشاشة، فاتضح التناقض الداخلي. ووجدت البلاد نفسها أمام فراغ مزدوج: فراغ في الوظيفة المؤسسية للدولة، وفراغ في الوجود الوطني المتوازن في معادلة المواجهة.

في مثل هذه الأوقات، ينبغي أن يتجاوز القادة مهارات الخطابة وإدارة المواقف، ويتوجهوا نحو إعادة ترسيم حدود الدولة الممكنة. ولذا، فإن الحديث عن الدكتور أحمد عبيد بن دغر يجب أن يُفهم من منظور تأثيره البنيوي، كونه أحد الشخصيات القليلة القادرة على العمل في منطقة التصدع دون أن تُبتلع، وعلى انتهاز الفرص السياسية دون أن تتنازل عن جوهر الدولة.

عندما تم تعيينه رئيسًا للوزراء في واحدة من أصعب الفترات التي مرت بها اليمن، لم يكن خيارًا تسويتيًا فحسب، بل كان بمثابة استرجاع لفكرة ضرورة وجود عقل قادر على فهم تناقضات الدولة عندما تتكاثر التحديات. كانت لحظة بن دغر دعوة لشخصية قادرة على أن تكون في قلب الشرعية، دون أن تصبح أداة للصراعات الداخلية.

إذ كانت وجوده بمثابة إعادة تعريف ضمنية لمعنى “السلطة” في زمن الانهيار، فلم يعمل فقط كرئيس مؤسسة تنفيذية، بل كان مناضلاً وحارسًا لفكرة الدولة عندما كانت تعاني من ضعف واضح. كان التحدي في إدارة التناقضات، والحفاظ على مسافة واحدة من المكونات دون الوقوع في الخمول، وتقديم خطاب عقلاني يحافظ على جوهره السياسي والوطني دون أن ينحدر إلى لغة إدارة محايدة تفتقر إلى القيمة العميقة.

شكلت لحظة بن دغر حالة استثنائية داخل السلطة، ليس لأنه كان بعيدًا عن الخصومة، ولكن لأنه تعامل معها بوعي سياسي يحول دون تحولها إلى عداوة مع الدولة. لم يُدخله الخلاف إلى القطيعة، ولا سمح للتمايز أن يتحول إلى صراع يلغي الآخر. وعند تخوم المواجهة، لم يكن مراقبًا محايدًا، بل كان صانعًا لمسار جديد يعيد تشكيل الاصطفاف حول المشروع الوطني، ويحرر النقاش من أسره الفئوي والشخصي، دون التفريط بثوابت الدولة أو على معناها الجامع.

ما يُميز تجربة الدكتور أحمد عبيد بن دغر هو أنها لا تُبنى على اتخاذ مواقف تحت ضغط اللحظة، ولا تُفسر كبراغماتية تسعى للبقاء في دوائر الفعل. فالاستقرار الذي وسم مسيرته لم يكن سلوكًا انفعاليًا، بل كان رؤية ناضجة لصياغة الممكن الوطني وسط تضادات متعددة.

في واقع الأمر، لم يكن هذا الاستقرار موقفًا وسطيًا بالمفهوم الكسول، بل اجتهادًا واقعيًا لفهم هشاشة البنية السياسية اليمنية ومحاولة إعادة بنائها من الداخل، دون اللجوء إلى الهدم أو الاستعراض. ومن هذا المنطلق، عمل بن دغر على مقاربة الدولة كإرادة اجتماعية بدلاً من كونها سلطة فوقية، واعتبر أن التوافق لا يتحقق من الانسجام، بل من القدرة على إدارة التنافر بما يضمن شكل الدولة ومعناها.

عند توليه رئاسة مجلس الشورى، لم يُدر المؤسسة كمنبر رأي شرفي، بل تعامل معها كأداة رمزية واستشارية لإعادة الاعتبار لمفهوم التشريع السياسي، مما يُنتج موازين جديدة ويحرّك التوافق من حالة السكون إلى التفعيل. لقد استثمر موقعه في إعادة تشكيل موازين التأثير داخل الشرعية، من خلال إحياء قنوات التواصل مع مكونات متعددة، وتخفيف بؤر التوتر، وصياغة فهم جديد للدور الوطني الذي يجب أن تنهض به الهيئات الدستورية.

تتجلى هذه الفلسفة أيضًا في رئاسته للمجلس الأعلى للتكتل الوطني للأحزاب السياسية، حيث اختبر حدود فكرة الحزب في بيئة ما بعد الانقسام. وانتقل من الإطار الأداتي للتكتل إلى إعادة تصور مشترك يهدف إلى احتواء المصالح المتعددة داخل سياق وطني منسجم. في هذه الحالة، لم تكن القيادة مجرد تنسيق، بل ممارسة لاستيعاب المواجهة دون الوقوع في فخ التسويات الهشة أو الشعارات غير القابلة للتحقيق.

تمثل تجربة بن دغر درسًا مهمًا في أن الاستقرار لا يعني التردد، بل القدرة على توجيه التناقضات وضبط إيقاعها، دون أن تتآكل من الداخل أو تتعرض للتأثيرات الخارجية. وبذلك، يُعتبر قريبًا من السياسي الفيلسوف، ليس من حيث النظريات، ولكن من ممارسة يومية تعكس أهمية البناء من ضبط الانفعالات قبل رسم السياسات.

في بلد تتصارع فيه الولاءات المناطقية، وتتشظى فيه السلطة بين من يحتكر السلاح ومن يملك الاعتراف، تبرز الحاجة إلى شخصيات لا تُضيف إلى الفوضى صوتًا، بل تفتح مساحات للمعنى السياسي في سياق الانهيار المفاهيمي. أصبح بن دغر لا يشبه الآخرين، ولا يقدم نفسه كرجل إنقاذ فردي، ولا يسلك طريق المشاريع الشعبية السريعة، بل يجسد ما هو أبقى تأثيرًا، من خلال خبرة مؤسسية تراكمت لعقود، وعقل سياسي يُبصر ما وراء الانقسام ويقرأ اللحظة بأساليب الدولة، لا من خلال انفعالات المواجهة.

إن الإستراتيجية، في نسختها اليمنية الحالية، لم تعد بحاجة إلى شعارات الهوية أو خطابات المواجهة، بل بحاجة إلى شخص يُدرك أن الوطن لا يُستعاد بخريطة، بل بوعي تدريجي يُراكم التوافق ويحمى ما تبقى من المعنى الجمهوري.

Exit mobile version