‘اتفاق الصين وآسيان 3.0: اقتصاد حر في مياه مضطربة بالصراعات البحرية والرسوم’ – شاشوف

اتفاق الصين وآسيان 30 اقتصاد حر في مياه مضطربة بالصراعات


أبرمت الصين ودول رابطة الآسيان اتفاقية تجارة حرة جديدة تُعرف بالنسخة 3.0، خلال قمة في كوالالمبور، مما يمثل تحولاً في القوة الاقتصادية الآسيوية. الاتفاق، الذي تم بعد ثلاث سنوات من المفاوضات، يسعى لإنشاء سوق آسيوي متكامل رغم التوترات التجارية مع الولايات المتحدة. يتضمن جوانب جديدة مثل الاقتصاد الرقمي والاقتصاد الأخضر. على الرغم من بداية هدنة في الحرب التجارية، لا يزال النزاع بين القوى الاقتصادية قائمًا، بينما تظل التوترات الجيوسياسية محورية، خصوصًا في بحر الصين الجنوبي. يهدف الاتفاق إلى تعزيز التعاون الإقليمي وتقليل الاعتماد على الأسواق الغربية.

الاقتصاد العالمي | شاشوف

في فترة تتلاعب فيها التجارة بالسياسة، والاقتصاد بالملاحة البحرية، وقعت الصين ودول رابطة جنوب شرق آسيا (الآسيان) اتفاقية تجارة حرة متطورة تُعرف باسم النسخة 3.0، خلال قمة القادة في كوالالمبور، لتشكل بداية مرحلة جديدة في معادلة القوة الاقتصادية في آسيا.

الاتفاق الجديد، الذي أُبرم بعد ثلاث سنوات من المفاوضات، يتجاوز كونه تحديثاً تقنياً لاتفاق سابق، بل يسعى لإعادة تشكيل المشهد التجاري في ظل تصاعد الحرب الاقتصادية بين واشنطن وبكين.

جاء التوقيع وفقاً لمتابعة مرصد “شاشوف” في وقت تشهد فيه العلاقات بين الصين والولايات المتحدة واحدة من أشد موجات التوتر التجاري خلال العقدين الماضيين، بعد أن فرضت إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب رسوماً جمركية عالية على السلع الصينية وعلى صادرات من عدة دول آسيوية.

وردت بكين بتوسيع رقابة المعادن الأرضية النادرة، التي تسيطر فيها على أكثر من 90% من الطاقة الإنتاجية العالمية بحسب تحليل شاشوف، مما جعلها لاعباً محورياً في التحكم بسلاسل الإمداد العالمية.

في هذا الإطار، تحاول الصين توظيف التعاون الإقليمي كوسيلة للحماية من الضغوط الغربية. حيث لا تراهن على مفاوضات متعثرة أو هدَن مؤقتة، بل تأمل في إنشاء سوق آسيوي مترابط اقتصادياً يمتد من المحيط الهادئ إلى خليج البنغال، способен на جذب الصدمات الأمريكية وتخفيف تأثيرها.

شراكة اقتصادية لمواجهة الرسوم الأمريكية

قام القادة، اليوم الثلاثاء، بتوقيع النسخة المحدثة من اتفاقية التجارة الحرة بين الصين والآسيان، بحضور رئيس مجلس الدولة الصيني لي تشيانغ وعدد من قادة المنطقة، بينما كان ترامب قد غادر ماليزيا بعد ساعات من انتهاء المفاوضات التجارية الثنائية.

وتعتبر الاتفاقية الجديدة بمثابة رد اقتصادي منصوص عليه ضد سياسة الرسوم الجمركية التي تبنتها واشنطن، إذ تُتيح حرية أكبر في تدفق السلع والخدمات والاستثمارات ضمن آسيا، كما تُدخل لأول مرة بنوداً خاصة بالاقتصاد الرقمي والاقتصادي الأخضر والصناعات التقنية الحديثة.

قال لي تشيانغ في كلمته خلال القمة إن على الدول “تسريع تحرير التجارة والاستثمار وتعزيز التكامل الصناعي والاعتماد المتبادَل”، داعياً إلى “دعم نظام التجارة الحرة بحزم أكبر، وإنشاء شبكة تجارة حرة إقليمية عالية المستوى”. وأشار إلى أن “العالم لا ينبغي أن يعود إلى شريعة الغاب حيث يستغل القوي الضعيف”، في رسالة واضحة تجاه الإدارة الأمريكية.

من جانبه، أشار لورانس وونغ، رئيس وزراء سنغافورة، إلى أن الاتفاقية “تفتح الباب لمرحلة جديدة من التعاون الصناعي والتكنولوجي، وتقلل الحواجز أمام الشركات الصغيرة والمتوسطة”، مؤكداً أنها “ستعمل على ربط الاقتصادات الإقليمية في شبكة أكثر مرونة تجاه الصدمات الخارجية”.

يمثل الاتفاق بالتالي انتقالاً من نموذج “الاستيراد من الصين” إلى نموذج “الإنتاج المشترك معها”، وهو ما تعتبره بكين الطريقة المثلى لتقليل اعتمادها على الأسواق الغربية.

هدنة في الحرب التجارية

منذ بداية العام، تسير الصين في حرب تجارية متصاعدة مع واشنطن بعد أن وسعت إدارة ترامب تعريفاتها الجمركية لتشمل الواردات من شرق آسيا بأسره، بما في ذلك الفولاذ، والمعادن الحيوية، والسلع التكنولوجية.

ورغم اللهجة العنيفة بين الطرفين، تم التوصل إلى هدنة تجارية قصيرة نهاية الأسبوع في كوالالمبور، بعد اجتماع بين المفاوضين الأمريكيين والصينيين على هامش قمة الآسيان، واتفقوا على وضع التفاهم النهائي خلال اللقاء المرتقب بين ترامب والرئيس الصيني تشي جين بينغ في سيول لاحقاً هذا الأسبوع.

ورغم أن هذه الهدنة قد تؤجل المواجهة، إلا أنها لا تخفي التباين العميق في الرؤى بين أكبر اقتصادين في العالم. بكين تعتبر أن الرسوم الجمركية “سياسة حمائية تعيد النظام التجاري إلى الوراء”، بينما تصر واشنطن على أنها وسيلة “لتصحيح الخلل التجاري العالمي” الذي استفادت منه الصين لعقود.

في الوقت ذاته، يواصل الاقتصاد الآسيوي التحرك نحو تحالفات موازية تقلل من النفوذ الأمريكي. وقد صرح رئيس الوزراء الماليزي تينغكو ظافرول عزيز وفقاً لمتابعة شاشوف بأن اتفاقية الصين–الآسيان “تمنح المنطقة بديلاً عملياً عن أنظمة التجارة القائمة على العقوبات”، مشدداً على أن “المنطقة تحتاج إلى سوق يضع النمو فوق الصراع”.

الصين والآسيان.. طريق جديد في خريطة التجارة

وتُعتبر رابطة آسيان، التي تضم إحدى عشرة دولة، أكبر شريك تجاري للصين، إذ بلغ حجم التجارة الثنائية بينهما أكثر من 770 مليار دولار العام الماضي، وهو رقم يتجاوز حجم تجارة بكين مع الاتحاد الأوروبي.

تمثل النسخة 3.0 من الاتفاقية توسعاً للاتفاق الأصلي الذي دخل حيز التنفيذ عام 2010، لكنها تتضمن الآن قطاعات جديدة مثل التكنولوجيا الخضراء، والذكاء الاصطناعي، والزراعة الذكية، والصناعات الطبية.

توفر الاتفاقية أيضاً مجالاً أوسع للاستثمار المتبادل في البنية التحتية والاتصال اللوجستي، خصوصاً في مجالات الموانئ والسكك الحديدية والبيانات الرقمية، ما يتناغم مع مبادرة “الحزام والطريق” التي تسعى من خلالها بكين إلى ربط آسيا بالعالم عبر شبكات تجارية وتمويلية ضخمة.

تشير التحليلات إلى أن بكين من خلال هذه الخطوة تسعى لتحويل الضغط الأمريكي إلى فرصة لإعادة تشكيل النظام التجاري الإقليمي، بحيث تصبح آسيا أكثر استقلالاً في قراراتها الاقتصادية، حتى إن استمرت الروابط السياسية مع الغرب.

بحر الصين الجنوبي.. اختبار التفاهم في ظل الانفتاح

على الرغم من الطابع الاقتصادي للاتفاقية، فإن التوترات الجيوسياسية لم تكن غائبة. انتقد الرئيس الفلبيني فرديناند ماركوس جونيور بشكل مباشر “العدوان الصيني” في بحر الصين الجنوبي، بعد مواجهات بحرية بين البلدين، بينما ردّت بكين أن الاشتباكات ناتجة عن “استفزازات من مانيلا”.

تطالب الصين بمعظم الممر المائي الغني بالموارد في خرائطها الرسمية، في الوقت الذي تتداخل مطالبها مع المناطق الاقتصادية الخالصة لكل من الفلبين وماليزيا وبروناي وإندونيسيا وفيتنام.

وقال لي تشيانغ في خطابه: “يجب أن نعزز الثقة الاستراتيجية المتبادلة، وأن نسرع المشاورات حول مدونة قواعد السلوك في بحر الصين الجنوبي”، مضيفاً أن “السلام والاستقرار وحرية الملاحة والتحليق الجوي أمور حيوية في هذا الممر المائي المهم”.

كما أضاف رئيس وزراء سنغافورة لورانس وونغ أن “الخلافات في وجهات النظر ستظل قائمة، لكن التفاهم حول المصالح المشتركة هو الخيار الوحيد للحفاظ على النمو”.

بينما تُعقد اتفاقيات التجارة في القاعات، يبقى بحر الصين الجنوبي الاختبار الحقيقي لمدى قدرة آسيا على الفصل بين النزاعات والسياسات الاقتصادية.

نحو توازن آسيوي جديد

تظهر الاتفاقية المحدثة أن بكين تراهن على اقتصاد متكامل يتجاوز الحدود السياسية، حيث تتداخل مصالحها مع اقتصادات آسيان التي تسجل نحو 3.8 تريليونات دولار من الناتج الإجمالي وفق تحليل شاشوف للبيانات المتوفرة.

إلا أن هذه الرؤية تواجه تحديات مزدوجة: مواجهة النفوذ الأمريكي من جهة، واحتواء التوترات الإقليمية من جهة أخرى. حيث أصبحت المنطقة ساحة تفاعل بين الانفتاح التجاري والاحتقان العسكري، مما يجعل كل خطوة اقتصادية مرتبطة بتفاهم سياسي ضمني.

في الختام، لا تحمل النسخة 3.0 من اتفاقية الصين–الآسيان مجرد بنود اقتصادية، بل رؤية لبنية آسيوية تحاول البقاء في وجه عواصف واشنطن البحرية والجمركية معاً.

بينما تسعى بكين لتقديم الاتفاق كـ “انتصار للتعاون”، يرى المراقبون أنه أقرب إلى هدنة اقتصادية مؤقتة وليس تحولاً استراتيجياً دائماً. فآسيا – إلى الآن – لم تحسم وجهتها بين قوتين عالمتين: واشنطن وبكين.


تم نسخ الرابط