بعد عامين من الحرب الإسرائيلية على غزة، تواجه إسرائيل عزلة دولية غير مسبوقة واضطرابات داخلية قوية تهدد تماسكها. ارتفاع أعداد الضحايا الفلسطينيين، وتدمير غزة، بالإضافة إلى دفع مليارات لتمويل روايتها، أدى إلى تفاقم الإدانات العالمية، حتى داخل الحزب الديمقراطي الأمريكي. مقاطعة اقتصادية متزايدة وفرض عقوبات على شخصيات إسرائيلية، مع تزايد الاعترافات بدولة فلسطين، أصبحت سمات بارزة. تزايدت الاحتجاجات الداخلية ضد الحرب، مع دعم عام متزايد لوقف إطلاق النار. في ظل هذه الظروف، تتعرض حكومة نتنياهو لضغوط شديدة، مما يجعل الفترة المقبلة حرجة لمستقبل إسرائيل.
تقارير | شاشوف
بعد مرور عامين على الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة، وجدت إسرائيل نفسها في عزلة غير مسبوقة على الساحة الدولية، ومحاصرةً بانقسام داخلي يهدد تماسكها السياسي والاجتماعي. هذا يأتي وسط تزايد الإدانات العالمية لإسرائيل وزيادة الاعترافات الدولية بدولة فلسطين، بينما تراجعت قدرتها على فرض روايتها في الخارج رغم استثمارها ملايين الدولارات في نشر روايتها من خلال النشطاء والمؤثرين حول العالم (بما لا يقل عن 7,000 دولار لكل منشور مؤيد لإسرائيل).
مع تحويل قطاع غزة إلى مكان مدمر غير صالح للعيش، ومقتل أكثر من 67 ألف فلسطيني إضافةً إلى منع إدخال الأدوية والأغذية، زاد هذا الواقع من غضب المجتمع الدولي مما ساهم في عزل إسرائيل. هذا العزل امتد ليشمل بعض شرائح الحزب الديمقراطي الأمريكي، بالإضافة لبعض أفراد تيار ‘اجعل أمريكا عظيمة مرة أخرى’ (MAGA).
تواجه المصانع الإسرائيلية انخفاضاً ملحوظاً في الصفقات التجارية، مع تزايد مقاطعة المنتجات الإسرائيلية. وفقاً لتقارير ‘شاشوف’ عن صحيفة يديعوت أحرونوت، أظهر استبيان لجمعية الصناعيين الإسرائيليين شمل 132 صناعياً أن نصف المصدّرين فقدوا صفقات أو لم تُجدَّد عقودهم، وذكر 71% منهم أن هذه الإلغاءات كانت لأسباب سياسية مرتبطة بالحرب.
أكثر من نصف المشاركين (54%) أشاروا إلى أن العملاء الجدد المحتملين يرفضون التعاون مع إسرائيل، بينما تقوم المفوضية الأوروبية بدراسة فرض عقوبات اقتصادية على التجارة مع إسرائيل. كما ألغت إسبانيا صفقات مع شركات أسلحة إسرائيلية تُقدَّر بـ1.2 مليار دولار، وكان من أسباب انخفاض صادرات إسرائيل إلى الاتحاد الأوروبي نقص في صادرات الرقائق الإلكترونية إلى أيرلندا.
في سبتمبر الماضي، أعلنت شركة مايكروسوفت الأمريكية إيقاف وصول وحدة تابعة للجيش الإسرائيلي إلى مجموعة من خدماتها السحابية والذكاء الاصطناعي، بعد استخدام تلك الخدمات في برنامج مراقبة جماعية يستهدف الفلسطينيين.
كما باع أكبر صندوق تقاعد في القطاع الخاص في بريطانيا أصولاً له في إسرائيل تُقدَّر بحوالي 80 مليون جنيه إسترليني، وأعلنت شركة إيباي العالمية أنها ستغلق جميع أنشطتها في إسرائيل بحلول الربع الأول من عام 2026، مما سيؤدي إلى تسريح أكثر من 200 موظف هناك.
مكالمة حادة بين ترامب ونتنياهو
استمر ترامب في استخدام نفوذه في الملف الإسرائيلي، مستفيداً من العزلة المتزايدة لنتنياهو ليفرض شروطه على خطة سلام مؤلفة من 20 بنداً تنص على انسحاب تدريجي للجيش الإسرائيلي من غزة، وتشكيل لجنة فلسطينية تكنوقراطية لإدارة القطاع بشكل مؤقت. derzeit تُعقد مفاوضات غير مباشرة في القاهرة بين إسرائيل وحركة حماس برعاية أمريكية ومصرية وقطرية لتنفيذ هذه الخطة.
بحسب موقع أكسيوس، يبدو أن ترامب فقد صبره تجاه نتنياهو، خاصةً بعد تلقيه رداً اعتبره إيجابياً من حماس على مقترحه لوقف الحرب. وقد اتصل ترامب بنتنياهو لمناقشة الأمر، لكن الأخير كان له رأي مختلف.
نقل الموقع عن مسؤول أمريكي مطّلع على المكالمة: ‘بيبي (نتنياهو) قال لترامب إن هذا الرد لا يستحق الاحتفال، ولا يعني شيئاً’، فردّ ترامب بغضب: ‘لا أفهم لماذا أنت دائماً سلبي بهذه الطريقة، هذا مكسب عليك أن تتقبله’.
من الإبادة إلى الاعتراف بفلسطين وتصاعد المقاطعة
خلص تحقيق مستقل أجراه الأمم المتحدة لأول مرة إلى أن إسرائيل ارتكبت جريمة إبادة جماعية ضد الفلسطينيين في غزة، وهو ما دعمته منظمات حقوقية دولية وخبراء مختصون. بينما رفضت الحكومة الإسرائيلية هذه الاتهامات، تعززت الضغوط عليها بعد أن رفعت جنوب أفريقيا دعوى أمام محكمة العدل الدولية في ديسمبر 2023، تبعتها أوامر اعتقال من المحكمة الجنائية الدولية في نوفمبر 2024 بحق نتنياهو ووزير دفاعه آنذاك، يوآف جالانت، بتهم جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية.
هذه التطورات هزت صورة إسرائيل في العالم الغربي، وتراجع الدعم السياسي والشعبي لها حتى داخل أقرب حلفائها.
توسعت الاعترافات الدولية بدولة فلسطين عقب ذلك، إذ ارتفع عدد الدول المعترفة بدولة فلسطينية مستقلة إلى 160 دولة، تجسيداً لزيادة جديدة في الاعتراف بفضل اعتراف 20 دولة جديدة خلال العامين الماضيين، من بينها فرنسا وبريطانيا وإسبانيا وأستراليا وكندا.
اعتبرت هذه الدول أن الاعتراف بفلسطين جزء من دعم حل الدولتين، بينما وصف نتنياهو ذلك بأنه ‘مكافأة للإرهاب’.
إلى جانب ذلك، قامت عدة دول بإيقاف صادرات الأسلحة إلى إسرائيل، فيما فرضت دول أخرى عقوبات اقتصادية ودبلوماسية، أبرزها كولومبيا (التي طالبت رئيسها بتشكيل جيش دولي موحد لمواجهة إسرائيل) وجنوب أفريقيا وماليزيا.
حالياً، يدرس الاتحاد الأوروبي تعليق اتفاقية التجارة الحرة مع إسرائيل وحظر دخول منتجات المستوطنات الإسرائيلية إلى أراضيه، فضلاً عن تقليص السفر بدون تأشيرة لمواطني إسرائيل إلى الاتحاد. ورغم رفض ألمانيا وبعض الدول الأوروبية لهذه الإجراءات، إلا أن الاتجاه العام داخل الاتحاد يميل إلى زيادة العقوبات على تل أبيب.
ووفقاً لتقارير شاشوف، تجاوزت المقاطعة الإسرائيلية الجانب السياسي لتصل إلى الفضاء الثقافي والفني والأكاديمي، حيث وقع أكثر من خمسة آلاف فنان عالمي، من بينهم مارك رافالو وخافيير بارديم وخواكين فينيكس، عريضة تعهدوا فيها بعدم التعاون مع المؤسسات الإسرائيلية، كما أعلنت دول مثل إسبانيا وهولندا وأيرلندا مقاطعتها لمسابقة ‘يوروفيجن 2026’ في حال كانت هناك مشاركة إسرائيلية.
أكثر من 20 جامعة أوروبية أنهت تعاونها مع مؤسسات إسرائيلية، وتم إلغاء دعوات لبعض الأساتذة والباحثين الإسرائيليين للمشاركة في مؤتمرات دولية، وهي من أوسع حملات المقاطعة الأكاديمية لإسرائيل منذ نشأتها.
عقوبات ضد مسؤولي حكومة نتنياهو
تزايدت الإجراءات العقابية الغربية ضد شخصيات في حكومة نتنياهو، حيث فرضت بريطانيا وكندا وأستراليا والنرويج ونيوزيلندا عقوبات مباشرة على بعض وزراء اليمين المتطرف، واتهمتهم بالتحريض على العنف ضد الفلسطينيين. وتم منعهم من دخول الأراضي البريطانية، وتجمدت أصولهم المالية، كما علقت لندن مفاوضات التجارة الحرة مع إسرائيل وأعادت تقييم علاقاتها الاقتصادية معها.
أما ألمانيا، التي تعد ثاني أكبر مصدر لواردات الأسلحة إلى إسرائيل، فقد أعلنت وقف تصدير الأسلحة القابلة للاستخدام في غزة. وفرضت إسبانيا حظراً على دخول أراضيها لأي شخص متورط في الإبادة الجماعية أو جرائم الحرب، بالإضافة إلى منع استيراد منتجات المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية، التزاماً بالقانون الدولي ورفضاً للتهجير القسري للفلسطينيين.
الانقسام الداخلي في إسرائيل
في ظل هذا الجو المشحون خارجيًا، تشهد إسرائيل انقساماً حاداً بين التيار اليميني المتشدد والداعين إلى إنهاء الحرب.
يتمسك وزراء اليمين المتطرف، مثل بن جفير وسموتريتش، بمواصلة العمليات العسكرية واقتراح ضم الضفة الغربية، مما يعني فعلياً القضاء على أي أمل في حل الدولتين.
في المقابل، خرجت مظاهرات أسبوعية في عدة مدن إسرائيلية نظمها عرب إسرائيل وأقارب المحتجزين في غزة وقدماء المحاربين، للمطالبة بوقف إطلاق النار.
وفقاً لتقارير ‘شاشوف’ حول نتائج استطلاع رأي نُشر في سبتمبر 2025، أبدى 64% من الإسرائيليين تأييدهم لوقف إطلاق النار، مما يعكس تراجع الدعم الشعبي لاستمرار الحرب وتزايد الشعور بالإرهاق الوطني من الصراع المستمر.
وبنتيجة ذلك، تدخل إسرائيل العام الثالث من حرب الإبادة على غزة في حالة من التحول الجذري في مكانتها الدولية وتصدع داخلي في شرعيتها السياسية، حيث تسعى حكومة نتنياهو للحفاظ على موقفها العسكري في حين تتآكل صورتها في الخارج، وتقل قدرتها على المناورة السياسية أمام تراكم الملفات الحقوقية والضغوط الاقتصادية والدبلوماسية.
مع استمرار الانقسام الداخلي، تبدو إسرائيل عالقة بين واقع الحصار الدولي المتزايد وتحديات داخلية تهدد تماسكها، مما يجعل المرحلة القادمة هي الأخطر في تاريخها منذ أكثر من سبعين عاماً.
تم نسخ الرابط
