أوهام مالية وحقائق اقتصادية قاسية: إسرائيل تواجه وعود خفض الضرائب، القيود المصرفية، وأزمة النقل التي تعرقل الاقتصاد – بقلم شاشوف

أوهام مالية وحقائق اقتصادية قاسية إسرائيل تواجه وعود خفض الضرائب،


يتنبأ وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش بخفض الضرائب، لكن الأوضاع الاقتصادية تكشف عن عجز متزايد، تضخم في الإنفاق الدفاعي، وقيود مالية تربك قدرة الأسر على الاقتراض. تشير التقارير إلى أن إسرائيل تشهد أزمة شاملة تتضمن نقص العمالة في النقل، مما يؤدي لخسائر يومية تبلغ 10 ملايين شيكل. وتدخل البلاد عام 2026 وسط أزمات مالية واجتماعية ولوجستية، حيث يتحمل المواطنون عبء ارتفاع التكاليف وانخفاض التمويل. الخلاصة: واقع صعب يعاكس الوعود الانتخابية، مع استمرار الأزمات التي تهدد النمو والاستقرار الاقتصادي.

تقارير | شاشوف

بينما يَعِد وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش بتقليل الضرائب وتثبيت الدين العام في موازنة 2026، تتصاعد المؤشرات الاقتصادية من الداخل لتكشف عن واقع مختلف تمامًا: عجز متزايد، وتضخم في النفقات الدفاعية، وقرارات مالية تحد من قدرة الأسر على الاقتراض، إلى جانب أزمة نقل ومواصلات تُكبّد الاقتصاد الإسرائيلي خسائر بملايين الشواقل يوميًا.

وحسب مرصد “شاشوف” الذي اطلع على تقارير نشرتها صحيفة كالكاليست الاقتصادية الإسرائيلية، فإن المشهد العام يعطي انطباعًا بأن إسرائيل تمر بمرحلة إعادة تشكّل اقتصادي قسري، بعد أن تبين أن المشاريع الضخمة والإنفاق المفرط الذي رافق سنوات ما بعد الحرب لم يُخطط له بشكل دقيق، وواجه عقبات عدة: تراجع الإيرادات، وزيادة الديون، ونقص العمالة، وتضييق السيولة المصرفية.

في الوقت نفسه، تُظهر التقارير الميدانية أن النظام المالي والنقل العام يعيشان اختناقًا حقيقيًا: قيود جديدة من بنك إسرائيل تُرفع تكلفة الرهون العقارية وتضر بالفئات الضعيفة، بينما يتوسل قطاع النقل السماح بدخول آلاف العمال الأجانب لتفادي شلل اقتصادي كامل.

ازدواجية سموتريتش: وعود سياسية بغطاء اقتصادي

منذ أسابيع، يروج سموتريتش لخطابه الجديد حول “تقليل الضرائب على الطبقة المتوسطة” كإنجاز وطني بعد عام من الحرب. لكن خلف هذا الخطاب، تكشف أرقام وزارة المالية التي تتبعها شاشوف عن عجز متزايد يلامس 5.2% من الناتج المحلي، ودين عام تجاوز 71%، وهي مستويات لم تسجلها إسرائيل منذ أكثر من عقدين.

يظهر تقرير كالكاليست الذي اطلع عليه شاشوف، أن الوزير اليميني المتطرف يسعى إلى تسويق تعديلات ضريبية روتينية (مثل تحديث الشرائح وفق التضخم) كـ ‘خفض ضريبي’، في محاولة لتخفيف الضغط السياسي عن حكومته.

ولكن تلك المناورة، كما تقول الصحيفة، لا تُغيّر من الواقع شيئًا: الإيرادات الحكومية بالكاد تغطي النفقات الدفاعية المتزايدة، بينما الاقتصاد الحقيقي يعاني من تباطؤ واضح في الإنتاج والاستهلاك.

حسب بيانات بنك إسرائيل، فإن نقطة انطلاق موازنة 2026 تقوم على عجز أساسي قدره 4.3%، قبل أي تخفيضات ضريبية أو إنفاق إضافي. ومع استمرار النفقات الدفاعية وتباطؤ الإيرادات، من المتوقع أن يتجاوز الدين العام سقف 75% من الناتج المحلي في غضون عامين فقط.

يحذر الخبراء من أن زيادة الدين العام تعني ارتفاع تكلفة الاقتراض، وتراجع التصنيف الائتماني، وتقلص مجال الإنفاق الاجتماعي.

وأشار أحد الاقتصاديين في حديث لـ كالكاليست إلى أن ‘سموتريتش يتعامل مع الاقتصاد كما لو كان شركة صغيرة، يمكنها تأجيل الديون عامًا تلو الآخر، بينما الواقع أن الدولة تموّل نفقاتها عبر الاقتراض المفرط، وهو ما يهدد استقرارها المالي على المدى المتوسط’.

عبء الدفاع وتراجع الإنتاجية

لا يمكن لأي موازنة إسرائيلية اليوم أن تتخطى بند الدفاع. فبعد الحرب، تضاعفت مخصصات الأمن إلى مستويات غير مسبوقة، ومعها انخفضت قدرة الوزارات المدنية على تمويل مشاريع التنمية والبنية التحتية.

نقلت الصحيفة عن مصادر في وزارة المالية أن تكلفة الجنود الاحتياطيين وحدها قد تضيف حوالي 20 مليار شيكل في موازنة العام المقبل، مما يجعل أي تخفيض للضرائب ضربًا من الخيال المالي.

وفي هذا الصدد، يرى محللون أن إسرائيل تواجه تحديًا وجوديًا في مزيجها الاقتصادي: اقتصاد دفاعي متضخم، واقتصاد مدني متراجع، وهي معادلة تجعل من كل محاولة للتوسع المالي ‘إعادة توزيع للعجز’ لا أكثر.

بنك إسرائيل يضغط على الأسر: قيود جديدة على الرهن العقاري

في محاولة لحماية النظام المالي من فقاعة ديون محتملة، أعلن بنك إسرائيل عن مشروع لائحة جديدة تحد بشكل كبير من قدرة الأسر على الحصول على قروض تكميلية بضمان العقار.

وحسب تقرير كالكاليست الذي اطلع عليه مرصد شاشوف، فإن البنك قرر أن لا تتجاوز المدفوعات الشهرية لجميع قروض الإسكان – بما فيها الرهن العقاري الرئيسي والقروض الثانوية – 40% من الدخل المتاح للأسرة.

هذا الإجراء سيحرم آلاف العائلات من إمكانية تمويل مشاريعها أو شراء منازل إضافية، ويُجبرها على اللجوء إلى قنوات إقراض غير مصرفية بفوائد مرتفعة.

ويقول أحد الاقتصاديين في التقرير: ‘القرار يُقصد به حماية الاستقرار المالي، لكنه في الواقع ينقل عبء المخاطرة إلى الطبقات الأضعف، التي ستتحمل تكلفة الاقتراض الأعلى’.

وتظهر البيانات أن هذه القروض بلغت 5.5 مليار شيكل بين يناير وسبتمبر 2025، بمعدل فائدة يقل عن 6%، مقارنةً بأكثر من 10% في القروض غير المضمونة. ولكن بعد القيود الجديدة، سيرتفع معدل الفائدة الفعلي، ما يعني تآكل قدرة الأسر على الاستهلاك وزيادة الركود في السوق العقارية.

أزمة النقل: الاقتصاد يفقد 10 ملايين شيكل يوميًا

بالتوازي مع هذه الأزمات المالية، تعاني إسرائيل من أزمة متزايدة في قطاع النقل والمواصلات، حيث تواجه البلاد نقصًا حادًا في السائقين المحترفين، يُقدّر بنحو 3500 سائق شاحنات ثقيلة و5000 سائق حافلات.

وحسب تقرير آخر نشرته كالكاليست، يكبّد هذا النقص الاقتصاد الإسرائيلي خسائر تُقدّر بنحو 10 ملايين شيكل من الناتج المحلي الإجمالي يوميًا بسبب تعطّل سلاسل الإمداد وتأخير نقل البضائع والمواد الخام.

وقد ناشد مجلس شركات النقل والمواصلات الحكومة للسماح باستقدام عمال أجانب لسد الفجوة، مؤكدًا وفق قراءة شاشوف أن ‘إسرائيل تنفق مليارات على مشاريع البنية التحتية، لكنها تفتقر لمن يقود الشاحنات التي تنقل مواد البناء’.

يعود هذا النقص إلى عزوف الإسرائيليين عن العمل في المهن الشاقة، إضافة إلى مغادرة آلاف العمال الأجانب بعد الحرب وقيود الطيران مع بعض الدول.

الأزمة لا تقتصر على الشحن التجاري، بل تشمل أيضًا قطاع النقل العام. حيث حذّر منتدى مشغلي النقل العام في إسرائيل، الذي يضم كبرى الشركات مثل ‘إلكترا أفيكيم’ و’متروبولين’ و’دان بئر السبع’، في رسالة إلى الكنيست من أن نقص السائقين يؤدي إلى تأخيرات في الجداول اليومية وتراجع جودة الخدمة، خصوصًا في المناطق الطرفية.

تشير الشركات إلى أن هناك أكثر من 5000 وظيفة سائق شاغرة في خطوط النقل العام، وأن اللجوء إلى عمال أجانب أصبح خيارًا لا مفر منه.

ولكن بطء الإجراءات الحكومية وضعف التنسيق بين وزارات الاقتصاد والنقل جعل الأزمة تتفاقم، فيما تحاول بعض الشركات معالجة العجز داخليًا عبر حوافز مالية مثل منحة تصل إلى 75 ألف شيكل للسائقين الذين يستمرون في العمل لأكثر من ثلاث سنوات.

يتجاوز نقص العمالة قطاع النقل البري ليصل إلى مشاريع القطار الخفيف والمترو التي تُبنى في تل أبيب وضواحيها.

حذرت هيئة المترو الإسرائيلية من أن استمرار نقص العمالة الأجنبية سيؤدي إلى تأخير افتتاح الخطوط الجديدة لسنوات، إذ لم تعد الدولة قادرة على تلبية الطلب المتزايد على العمال بسبب رحيل الآلاف وتراجع الاتفاقيات مع دول مصدرة للعمال مثل تركيا.

الاقتصاد الإسرائيلي أمام مرحلة انكشاف شامل

تدرس السلطات حلولًا عاجلة، منها تسريع استقدام العمال من آسيا الشرقية وتبسيط إجراءات التأشيرات، لكن هذه الحلول تواجه واقعًا أوسع: قطاعات البناء والتمريض ‘تلتهم’ أي حصة جديدة من العمالة الأجنبية قبل وصولها إلى قطاع النقل.

من خلال متابعة مرصد شاشوف للتقارير الاقتصادية الإسرائيلية، يتضح أن إسرائيل تدخل عام 2026 وسط تعقيدات متعددة الأوجه للأزمات: أزمة مالية تتمثل في العجز والديون ووعود الضرائب غير الواقعية، وأزمة اجتماعية ناتجة عن القيود الائتمانية التي تخنق الأسر، وأزمة لوجستية تضرب النقل والبنية التحتية مما يؤثر على النمو اليومي.

هذه الأزمات ليست معزولة، بل تشكل حلقة اقتصادية واحدة تهدد بإبطاء النمو الحقيقي وتحويل ‘الانتعاش’ الموعود إلى ركود صامت.

خلاصة المشهد، وفق تحليل شاشوف، أن الاقتصاد الإسرائيلي يعيش ‘صحوة مؤلمة’ بعد عقد من الانغماس في مشاريع كبرى وشعارات عن اقتصاد الابتكار. فبين الوعود الانتخابية لسموتريتش، وتشدد بنك إسرائيل، وأزمة النقل والمواصلات، يجد المواطن الإسرائيلي نفسه أمام واقع جديد: ضرائب لا تنخفض، قروض لا تُمنح، وطرق مزدحمة بلا سائقيها.


تم نسخ الرابط

Exit mobile version