في قمة مشحونة، أعلن قادة الاتحاد الأوروبي أن العلاقات مع الصين وصلت ‘نقطة مفصلية’ وسط تصاعد التوترات. أشارت أورسولا فون دير لاين إلى ضرورة إعادة التوازن للعلاقة لمواصلة المنفعة المتبادلة، خاصة بعد ملفات شائكة مثل دعم الصين لروسيا ومشكلات تجارية. القمة، التي شهدت الذكرى الخمسين للعلاقات الدبلوماسية، كانت قصيرة ولم تسفر عن بيان مشترك. التوترات الاقتصادية زادت، حيث فرضت بروكسل رسومًا على الواردات الصينية، بينما أصدرت بكين قيودًا على تصدير المعادن. مستقبل العلاقات يبدو غامضًا وسط الضغوط الأمريكية وتغييرات جيوسياسية معقدة.
الاقتصاد العالمي | شاشوف
في قمة مشحونة بالتوترات السياسية والتجارية، أعلن قادة الاتحاد الأوروبي أن العلاقات مع الصين وصلت إلى ‘نقطة مفصلية’، وسط مؤشرات متزايدة على تصاعد الخلافات بين الجانبين، بعد فترة من التفاؤل بتحقيق تقارب.
أثناء افتتاح القمة التي عُقدت الخميس في العاصمة الصينية، أكدت أورسولا فون دير لاين، رئيسة المفوضية الأوروبية، خلال حديثها مع الرئيس الصيني شي جين بينغ، أن العلاقة بين الجانبين تشهد مرحلة حرجة. وأضافت أن ‘الاختلالات تعمقت مع توسّع التعاون’، مشددة على ضرورة إعادة التوازن لضمان استمرارية المنفعة المتبادلة.
جاءت هذه التصريحات في وقت احتفلت فيه القمة بمرور خمسين عاماً على بدء العلاقات الدبلوماسية بين الطرفين، لكن المناسبة اتخذت طابعاً أكثر توتراً وسط التحديات القائمة، بدءًا من الدعم الصيني لروسيا وصولاً إلى الخلافات التجارية المتزايدة.
من شراكة واعدة إلى واقع متوتر
تُعتبر القمة الحالية أول اجتماع رفيع المستوى مباشر بين الصين والاتحاد الأوروبي منذ عام 2023، لكنها قد تمت بضغط من بكين على أن تُعقد في يوم واحد فقط، بعد أن رفض الرئيس الصيني زيارة بروكسل.
في المقابل، توجه القادة الأوروبيون إلى بكين بعد قمة الاتحاد الأوروبي مع اليابان في طوكيو، حيث عُقد الاجتماع دون الوصول إلى بيان مشترك، مما يعكس اتساع الفجوة بين الطرفين. ومع ذلك، يُتوقع أن يصدر الاتحاد الأوروبي وثيقة تلخيصية تتضمن الرسائل الأساسية التي تم تناولها في القمة، حسبما أعلنت وكالة بلومبيرغ.
بينما تستبعد التحليلات الوصول إلى نتائج إيجابية، يُنتظر إعلان اتفاق مشترك حول قضايا المناخ يتضمن التزامات بخفض الانبعاثات وتقديم الخطط البيئية للأمم المتحدة، تهيئة لقمة المناخ ‘كوب 30’ المقررة في البرازيل لاحقاً هذا العام.
تفاقم الخلافات عبر الاقتصاد والسياسة
لم تتسع الفجوة بين الصين وأوروبا بين عشية وضحاها، بل تفاقمت بسبب قضايا مستمرة. ففي أبريل الماضي، قررت بكين فرض قيود على تصدير مغناطيسات المعادن النادرة، مما تسبب في آثار سلبية على الصناعات الأوروبية الحساسة مثل السيارات والتكنولوجيا.
في المقابل، زادت بروكسل من إجراءاتها العقابية، حيث فرض الاتحاد الأوروبي في أحدث حزمة عقوبات ضد روسيا قيوداً على مصرفين صينيين وخمس شركات صينية، متهمة إياها بتقديم دعم غير مباشر لموسكو في حربها على أوكرانيا.
تُعتبر التجارة محور العلاقة الأكثر حساسية، حيث بلغ الفائض التجاري الصيني مع الاتحاد الأوروبي 143 مليار دولار خلال النصف الأول من العام، وهو الأعلى في فترة مشابهة.
رداً على ذلك، فرضت بروكسل رسوماً جمركية على واردات السيارات الكهربائية الصينية متهمة بكين بإغراق السوق بأسعار غير عادلة. بدورها، فتحت الصين تحقيقات في منتجات أوروبية تشمل اللحوم والألبان والمشروبات الروحية.
تحولات المشهد مع عودة ترامب… والتوتر يعيد صياغة المعادلة
مع عودة دونالد ترامب إلى البيت الأبيض في يناير 2025، عاد النهج التجاري المتشدد، ما أضفى المزيد من التعقيد على العلاقات الدولية. في فترة ولايته الأولى، خاصة في أوج حربه التجارية مع الصين، سعت بكين لتقوية علاقتها بالاتحاد الأوروبي كبديل وسط عدائية واشنطن. أما الآن، ومع إدارة ترامب الثانية، تنبض المخاوف الأوروبية من تصاعد السياسات الحمائية في الأسواق العالمية.
وقال ينز إيسكيلوند، رئيس غرفة تجارة الاتحاد الأوروبي في الصين، في مقابلة مع تلفزيون بلومبيرغ، إن الوضع الحالي يوحي بقلة التفاؤل، مشيراً إلى أن الذكرى الخمسين للعلاقات الثنائية ‘تمثل فرصة للتساؤل الجاد: هل لا تزال هذه العلاقة تحقق منافع متبادلة للطرفين؟’.
وأضاف أن أوروبا تشعر بشكل متزايد بأن ثمار هذه العلاقة توزع بشكل غير عادل، مما يزيد من الحاجة إلى إعادة تقييم جذري للعلاقة.
العواقب العالمية وسط سياق جيوسياسي متقلب
لا يُمكن فهم الخلاف بين الصين وأوروبا بمعزل عن السياق الدولي الأكبر، حيث بدأت التحالفات التجارية التقليدية في الانهيار، مما ينبئ بإعادة رسم خريطة الاقتصاد العالمي.
تزايد الضغوط الأمريكية على حلفائها الأوروبيين لتبني موقف أكثر صرامة تجاه الصين، خاصة في مجالات التكنولوجيا وسلاسل الإمداد الاستراتيجية. ومن ناحية أخرى، تحاول بكين استغلال الانقسامات الأوروبية الأمريكية لتعزيز موقعها كشريك عالمي بديل.
لكن هذه المناورات تواجه تحديات كبرى، في ظل تصاعد القلق الأوروبي من ممارسات الصين التجارية والسياسية، إلى جانب تزايد شعور النخب السياسية الأوروبية بأن العلاقة تحتاج إلى إعادة توازن عميق، وليس مجرد تصريحات دبلوماسية.
مستقبل غير مألوف ينتظر علاقات ضبابية
في ظل المواقف الدبلوماسية الحذرة والتوترات التجارية المتصاعدة، تتجه العلاقة بين الاتحاد الأوروبي والصين نحو مرحلة أكثر برودة، إن لم تكن صدامية. لم يعد الاتحاد الأوروبي ينظر إلى بكين كشريك استراتيجي موثوق، بل بدأ يُقيم المخاطر المرتبطة بها في سياق التحديات الجيوسياسية المتنوعة.
وبغياب خطة واضحة لإعادة صياغة العلاقات، تظل القمة الأخيرة بمثابة ‘جرس إنذار’ لما قد تؤول إليه العلاقات في المستقبل القريب: شراكة تعمقها القلق، وتعاون هش، وتنافس مخفي على النفوذ العالمي.
تم نسخ الرابط
