تواجه أوروبا لحظة حاسمة في تاريخها الأمني، حيث تتسارع جهود إعادة بناء صناعاتها الدفاعية بتكلفة تصل إلى تريليون دولار. تتزامن هذه التحولات مع الاستراتيجية الدفاعية الأمريكية الجديدة التي تركز على ‘السلام عبر القوة’ وتقلص الالتزامات تجاه الحلفاء الأوروبيين. رغم إمكانية أوروبا للدفاع عن نفسها، إلا أنها غير جاهزة عمليًا حالياً، بينما تزداد الفجوات في مجالات حيوية. علاوة على ذلك، تشير تقديرات إلى أن الإنفاق العسكري الأوروبي سيتضاعف بحلول 2035. ومع ذلك، تبقى تعتمد أوروبا بشكل كبير على الدعم الأمريكي مما يعيق استقلالها العسكري الكامل في المستقبل القريب.
الاقتصاد العالمي | شاشوف
تشهد القارة الأوروبية مرحلة حاسمة في تاريخها الأمني والعسكري، مع تسارع غير مسبوق لإعادة بناء صناعاتها الدفاعية، تصل تكلفته الإجمالية إلى حوالي تريليون دولار، وسط تحولات استراتيجية عميقة في الموقف الأمريكي وعودة التوتر السياسي مع واشنطن، خاصة بعد اعتماد الولايات المتحدة لاستراتيجيتها الدفاعية الجديدة التي تعيد ترتيب أولويات الانتشار العسكري وتخفف الالتزامات تجاه حلفائها في أوروبا.
تركز العقيدة العسكرية الأمريكية الجديدة لعام 2026 على مبدأ ‘السلام عبر القوة’، مع اهتمام خاص بالأمن الداخلي، وردع الصين في منطقة المحيطين الهندي والهادئ، وتقليص الالتزامات الخارجية. وفقاً لتحليل شاشوف، تطلب هذه الاستراتيجية من الحلفاء تحمل أعباء أمنية أكبر، وتعتمد نهج ‘أمريكا أولاً’ من خلال تقديم دعم أمريكي محدود مع التركيز على الدفاع عن الأراضي الأمريكية.
من أبرز ملامح الاستراتيجية الدفاعية لعام 2026 أولوية الأمن الداخلي والتركيز على الصين، حيث تتضمن حماية الحدود، وترحيل المهاجرين، ودرء التهديدات القادمة من الصين، مع وصف التهديد الروسي بأنه ‘مستمر لكنه قابل للاحتواء’.
تدعو واشنطن الشركاء في أوروبا والناتو لتحمل مسؤولية أمنهم الذاتي، مع تقليص الدعم الأمريكي المباشر والتركيز على دعم أساسي ومحدود.
هذه التحولات لم تحدث في فراغ، فقد تزامنت مع تهديدات أطلقها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، بما في ذلك التلويح بضم جزيرة جرينلاند، مما أعاد طرح سؤال ممتد لعقود داخل العواصم الأوروبية: هل تستطيع أوروبا الدفاع عن نفسها عسكريًا دون الاعتماد على أمريكا؟
ليس الآن
وفقا لما رصدته ‘شاشوف’ من تحليل موسع نشرته صحيفة ‘وول ستريت جورنال’، والذي توافق مع آراء محللي دفاع ونواب في برلمانات أوروبية، فإن الجواب الواقعي هو ‘نعم’، تستطيع أوروبا نظريًا، لكنها ليست جاهزة عمليًا في الوقت الحالي.
دخلت الصناعة الدفاعية الأوروبية، التي عانت لفترة طويلة من الركود والتفكك، في أسرع دورة إنتاج تشهدها منذ عقود خلال السنوات الأخيرة.
تعمل مصانع الذخيرة والطائرات المسيّرة والدبابات وأنظمة التسليح المختلفة اليوم بوتيرة متسارعة، مدفوعة بالحرب الروسية الأوكرانية، وبتزايد المخاوف من تقلص الدور الأمريكي في القارة. لكن، ومع أهمية هذه الطفرة، لا تعني أنها تضمن تحقيق الاستقلال العسكري الأوروبي.
كلفة الانفصال عن واشنطن: تريليون دولار
يؤكد المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية أن استبدال المعدات العسكرية الأمريكية الموجودة في أوروبا وتعويض الأفراد والقدرات الأمريكية قد يكلف نحو تريليون دولار، وهو رقم يعكس حجم الترابط العسكري بين الضفتين الأطلسيتين.
تواجه أوروبا فجوات حاسمة في مجالات نوعية، أبرزها المقاتلات الشبحية، والصواريخ بعيدة المدى، وأنظمة الاستخبارات الفضائية المعتمدة على الأقمار الاصطناعية، والحوسبة السحابية العسكرية وإدارة بيانات ساحات القتال، حيث لا تزال الهيمنة الأمريكية شبه مطلقة في هذه المجالات.
هذا الحراك الأوروبي يأتي في أعقاب اعتماد واشنطن لاستراتيجيتها الدفاعية الجديدة، التي تعكس توجهاً متزايداً لإعادة نشر الأصول العسكرية نحو آسيا وأمريكا اللاتينية، مع تقليص الالتزامات المباشرة في أوروبا.
هذا التحول، بجانب خطاب ترامب التصادمي مع الحلفاء، دفع الأوروبيين إلى إدراك أن الاعتماد الدائم على واشنطن لم يعد خياراً مضموناً.
تم التعبير عن هذا القلق من قبل أندريوس كوبيليوس، مفوض الاتحاد الأوروبي المعني بإنعاش الصناعة الدفاعية، عندما قال في منتدى دافوس الاقتصادي:
“إذا بدأ الأمريكيون تقليص وجودهم في أوروبا، فمن الطبيعي أن نبدأ التخطيط لبناء ما يمكن تسميته بالركيزة الأوروبية داخل حلف الناتو”.
وأوضح وكما تتبعته ‘شاشوف’ أن هذه الركيزة يجب أن تشمل حتى “العناصر الاستراتيجية المساعدة” مثل الأقمار الاصطناعية، التي تعتمد أوروبا حالياً على الولايات المتحدة في توفيرها.
جرينلاند وأوكرانيا: ناقوس الخطر
أعادت الخلافات بين أوروبا والبيت الأبيض حول أوكرانيا، ثم أزمة الاستحواذ الأمريكي على جزيرة جرينلاند، إلى الأذهان سيناريو لطالما اعتُبر غير محتمل، وهو إمكانية أن توقف واشنطن إمدادات السلاح، أو تمنع استخدام الأسلحة الأمريكية الموجودة بالفعل لدى الجيوش الأوروبية.
تلخص الرئيس الفنلندي ألكسندر ستوب هذه الهشاشة قائلاً في دافوس إن المقاتلات الأمريكية التي تمتلكها بلاده لا يمكنها التحليق على المدى الطويل دون قطع غيار وتحديثات أمريكية، مؤكداً أن بلاده مضطرة للثقة بواشنطن لأن ذلك يخدم مصلحة الطرفين.
ورغم التحديات، يشهد قطاع الصناعات الدفاعية الأوروبية تحولات ملحوظة، إذ أنفقت أوروبا خلال العام الماضي نحو 560 مليار دولار على الدفاع، أي ضعف انفاقها قبل عشر سنوات، حسب وول ستريت جورنال.
وبحلول عام 2035، من المتوقع أن تصل نفقاتها على المعدات العسكرية إلى 80% من إنفاق وزارة الدفاع الأمريكية، مقارنةً بأقل من 30% في عام 2019.
افتتحت شركة Rheinmetall الألمانية أو شرعت في بناء 16 مصنعاً جديداً منذ بدء الحرب الأوكرانية، وزادت شركة Leonardo الإيطالية عدد موظفيها بنسبة 50% ليصل إلى 64 ألف موظف، ورفعت شركة MBDA إنتاج صواريخ ‘ميسترال’ من 10 إلى 40 صاروخاً شهرياً، وضاعفت إنتاجها من الصواريخ المضادة للدبابات.
وفي بعض المجالات، تفوقت أوروبا على الولايات المتحدة، حيث إن Rheinmetall ستنتج قريباً 1.5 مليون قذيفة مدفعية عيار 155 ملم سنويًا، وهو ما يتجاوز إجمالي الإنتاج الأمريكي.
تعتمد أوروبا تقريبًا على نفسها في إنتاج المركبات المدرعة، فدبابة Leopard الألمانية هي الأكثر انتشارًا عالمياً. كما أن القارة تصنع جميع سفنها وغواصاتها محليًا، وتتفوق في تصديرها عالميًا.
تشير البيانات إلى أن بعض الدول الأوروبية بدأت بالفعل تفضل السلاح المحلي، ففي الفترة بين 2020 و2024، جاءت 79% من واردات الدنمارك الدفاعية من الولايات المتحدة.
وفي عام 2025، ومع تصاعد ضغوط ترامب بشأن جرينلاند، أصبح أكثر من نصف مشتريات الدنمارك الدفاعية من داخل أوروبا، رغم نفي كوبنهاجن وجود قرار سياسي معلن بذلك.
اللحظة الفاصلة لم تأتِ بعد
رغم كل ما سبق، يجمع الخبراء على أن أوروبا لم تبلغ بعد نقطة الانفصال الاستراتيجي عن واشنطن.
الباحث بيتر ويزمان من معهد ستوكهولم لأبحاث السلام يرى أن ‘اللحظة التي تبتعد فيها أوروبا بشكل واضح عن الولايات المتحدة لم تحن بعد’.
ولا تزال هناك مشكلات بنيوية تعرقل السرعة في التقدم، بما في ذلك البطء في الإنتاج في قطاع الطيران والفضاء، حيث تتراكم طلبات تصنيع 220 مقاتلة ‘رافال’ لدى شركة Dassault، مع وتيرة تسليم لا تتجاوز طائرتين شهريًا، بالإضافة إلى تشتت الاستثمارات، حيث ‘كل دولة تريد دبابة خاصة وطائرة خاصة وسفينة خاصة’، كما وصفها الرئيس التنفيذي لشركة Leonardo.
تقدر وول ستريت جورنال أن أوروبا تحتاج إلى ما لا يقل عن 10 سنوات لإنتاج مقاتلة شبحية محلية. ولا تزال تعتمد على المقاتلة الأمريكية F-35، ومنظومات الدفاع الصاروخي الأمريكية بعيدة المدى، والأقمار الاصطناعية الأمريكية، وخدمات الحوسبة السحابية الأمريكية.
حتى أوكرانيا، التي نجحت في تقليص اعتمادها على واشنطن، لا تزال بحاجة ماسة إلى منظومات ‘باتريوت’، وتعاني من نقص في صواريخ الاعتراض.
أوروبا بالفعل في خضم سباق إعادة بناء قوتها العسكرية، مدفوعة بالحرب الروسية، وتراجع الثقة بواشنطن، والاستراتيجية الدفاعية الأمريكية الجديدة التي أعادت تعريف الالتزامات الأمريكية. لكن الطريق لا يزال طويلاً، ومكلفًا، ومليئًا بالعقبات التقنية والسياسية.
حتى يتحقق الاستقلال العسكري الأوروبي، ستظل القارة عالقة بين طموحات الاستقلال وحقيقة الاعتماد المتبادل مع الولايات المتحدة.
تم نسخ الرابط
