أمريكا تواجه عام 2026 بقلق من التضخم.. والتحدي الأكبر لترامب منذ عودته إلى البيت الأبيض – شاشوف

أمريكا تواجه عام 2026 بقلق من التضخم والتحدي الأكبر لترامب


في لحظة سياسية حساسة، يواجه الرئيس الأمريكي ترامب تحديات اقتصادية معقدة تتجاوز وعوده السابقة. التضخم، الذي بلغ 3.6%، أصبح التهديد الأكبر، مع ارتفاع إيجارات الغذاء بنسبة 4.8%، ما يؤثر بشكل كبير على ميزانية الأسر. 57% من الأمريكيين يعتقدون أن ترامب يخسر معركة الأسعار، و71% يرون أن التضخم الحقيقي يتجاوز الأرقام الرسمية. الاستطلاعات تظهر قلقاً من انكماش اقتصادي قادم، مما يعكس فقدان الثقة في السياسة الاقتصادية. الرسوم الجمركية تساهم في زيادة الأسعار، ومع تغيّر تفضيلات الناخبين، قد يتحول التضخم إلى عبء انتخابي على ترامب ويهدد استقرار الاقتصاد الأمريكي.

تقارير | شاشوف

في لحظة سياسية تتسم بالحساسية، يواجه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب واقعًا اقتصاديًا أعقد مما تم الترويج له في خطاباته الانتخابية ووعوده في بداية ولايته الثانية. التضخم، الذي كان من المتوقع أن يتراجع مع تباطؤ الاقتصاد وسياسات الاحتياطي الفيدرالي الحذرة، عاد ليصبح أكبر تهديد اقتصادي تواجهه الولايات المتحدة، ليصبح وفق الأرقام ومزاج الشارع، المعيار الأساسي لتقييم إدارة ترامب.

توضح بيانات جمعها مرصد ‘شاشوف’ من مكتب إحصاءات العمل، التي صدرت في 28 نوفمبر 2025، اتجاهًا تصاعديًا: حيث بلغ التضخم العام 3.6%، بينما ارتفع التضخم الأساسي إلى 3.9%، وهو مستوى يفوق متوسط عامي 2023 و2024. كما قفزت الإيجارات بنسبة 6.2%، مما يعد المكون الأكثر تأثيرًا على ميزانيات الأسر، في حين ازدادت أسعار الغذاء بنسبة 4.8%، وسجلت السلع المعمرة المستوردة زيادة قدرها 5.3%.

توفر هذه الأرقام تأكيدًا على أن التضخم لم يعد موضوعًا محصورًا في قطاع معين أو متعلق بفترات زمنية محددة، بل أصبح ظاهرة منتشرة تؤثر على القطاعات الأكثر حساسية للمستهلك الأمريكي.

يأتي ذلك قبل ساعات من إعلان الاحتياطي الفيدرالي عن سياساته خلال اجتماعه في (9-10 ديسمبر)، حيث يتوقع السوق خفض الفائدة رغم الضغوط السعري المتواصلة، وهو تناقض يعكس حجم الضغوط السياسية الواقعة على البنك المركزي.

تقلص الثقة

استطلاع هارفارد–هاريس–هاريس X، الذي صدر في 08 ديسمبر الجاري، كشف عن مفارقة ملحوظة، حيث يرى 57% من الأمريكيين أن ترامب يخسر معركة السيطرة على الأسعار، بينما تبقى ثقة الناخبين بإدارته للاقتصاد ككل عند 55%.

يعكس هذا الانقسام أن التضخم قد أصبح قضية منفصلة عن التقييم التقليدي لأداء الرئيس، تمامًا كما تحول إلى معايير معيشية يومية تفوق أهمية أرقام النمو والبطالة.

الأهم من ذلك، 71% من الأمريكيين يعتقدون أن التضخم أعلى بكثير من الأرقام الرسمية، ويُقدّرون مستواه ما بين 4% و6%. وهذا يدل على وجود فجوة خطيرة بين التضخم المعلن والتضخم المُدرَك يوميًا، وهي فجوة قد تتحول إلى أزمة ثقة اقتصادية إذا استمرت في الاتساع، مما يهدد الاستهلاك والاستثمار ويعمق التباطؤ.

يشعر الأمريكيون بأن الاقتصاد يتجه نحو الانكماش، حيث تشير نتائج استطلاع هارفارد إلى أن 57% يتوقعون انكماش الاقتصاد خلال الفترة المقبلة، والسبب الرئيسي هو ‘التضخم الذي يلتهم أي تحسن في الدخل أو التوظيف’.

يعد هذا التضخم همًا مؤلمًا للأمريكيين، إذ يرتفع الدخل الاسمي بينما تتراجع القوة الشرائية بسرعة، وتخرج أسعار الغذاء والإيجارات والوقود من دائرة التحمل. إنها صورة ‘ركود تضخمي مصغر’ تتشكل في الوعي العام، حتى لو لم تعترف بها الإدارة أو البيانات رسميًا بعد.

رسوم ترامب عبء اقتصادي وسياسي

يبين الاستطلاع ذاته أن 56% من الأمريكيين يرون أن الرسوم الجمركية تُضر بالاقتصاد وترفع الأسعار.

المثير للانتباه هو أن هذا الرأي متكرر بين الجمهوريين والديمقراطيين والمستقلين على حد سواء، مما يعني أن تأثير الرسوم خرج من الجدل السياسي التقليدي، ودخل في الفاتورة الشهرية للعائلة الأمريكية التي تشتري ثلاجة أو سيارة أو منتجًا إلكترونيًا.

تشير تقديرات اطلع عليها ‘شاشوف’ من بنك “مورغان ستانلي” وبلومبيرغ، إلى ارتفاع تكلفة المدخلات الصناعية بين 8% و13% خلال الربع الأخير فقط بسبب الرسوم. وهو ارتفاع غير معتاد في مكونات صناعية تتحرك عادة ببطء، ما يؤكد، وفق رأي بول دونوفان، كبير اقتصاديي UBS، أن ‘الرسوم ليست سياسة تجارية… إنها ضريبة مفروضة على المستهلك’.

طالما كانت كذلك، فهي تضخم هيكلي لا يمكن للفيدرالي كبحه عبر أدواته التقليدية.

وفق مذكرة غولدمان ساكس في 29 نوفمبر، فإن احتمال عودة التضخم إلى هدف 2% بحلول 2026 انخفض إلى أقل من 20%. وترجع ذلك إلى ثلاثة عوامل رئيسية، أولاً اضطراب الاستيراد وارتفاع تكلفة المدخلات (ارتفاع رسوم الواردات، واختناقات سلاسل الإمداد، وضغوط النقل والطاقة)، وثانيًا ارتفاع التكاليف التشغيلية للشركات (أجور أعلى وخدمات أكثر تكلفة وتكاليف الطاقة)، وثالثًا عجز العرض المحلي عن سد فجوة الواردات.

الإنتاج المحلي غير قادر على تعويض السلع الخاضعة للرسوم، مما يؤدي إلى نقص في المعروض وارتفاع الأسعار واستمرار الضغط التضخمي لفترة طويلة.

تقول جاستن وولفرز من جامعة بنسلفانيا: ‘الجزء الأكبر من التضخم أصبح أمريكيًا، وليس خارجيًا.’

بمعنى أنه تضخم ناتج عن خيارات سياسية ورسوم جمركية وسياسات عرض وتنظيم سوقي ومالي، وليس فقط عن الحرب التجارية أو اضطراب النقل العالمي.

القلق التضخمي يتصدر لأول مرة منذ عقد

يشير استطلاع هارفارد إلى أن 59% يعتبرون ارتفاع الأسعار القضية الاقتصادية الأولى في حياتهم، و79% يقيّمون الوضع الاقتصادي اعتمادًا على أسعار الغذاء والإيجارات والوقود بدلاً من البيانات الرسمية.

وهذا التحول يعني أن الأمريكي لم يعد يثق في مؤشرات النمو أو تقارير البطالة بنفس القدر الذي يثق فيه بما يدفعه في المتجر ومحطة الوقود.

يضرب التضخم عمق الصورة القيادية لترامب، حيث أصبح ارتفاع الأسعار معيارًا لتقييم أدائه اليومي، وهو معيار يفشل فيه الرئيس رغم وجود ثقة جيدة في إدارته العامة للاقتصاد.

ومع دخول عام 2026، قد يتحول التضخم إلى عبء انتخابي وأداة يستخدمها ضد الجمهوريين وتهديد للاستقرار الاقتصادي، خاصة مع توقعات المؤسسات المالية بتباطؤ اقتصادي محتمل إذا استمر ارتفاع الأسعار.

تظهر المعطيات أن الولايات المتحدة اليوم تواجه تضخمًا متعدد الطبقات، من تضخم أسعار الغذاء والإيجارات، وتضخم ناتج عن الرسوم الجمركية، وتضخم مرتبط بسلاسل الإمداد، وتضخم ناتج عن ارتفاع التكاليف التشغيلية، وتضخم مُدرَك يفوق الأرقام الرسمية.

والأهم أن هذا التضخم هيكلي ولا يستجيب بسرعة للسياسات النقدية، ويتغذى على خيارات سياسية داخلية، مما يجعل معركة ترامب تحديًا سياسيًا وشعبيًا قد يحدد شكل السنتين القادمتين من ولايته، وربما يحدد مسار الانتخابات القادمة.


تم نسخ الرابط

Exit mobile version