أسوأ حالة يمر بها الدولار الأمريكي منذ 40 عامًا: أسباب تراجع مكانته كعملة احتياطية عالمية – شاشوف

أسوأ حالة يمر بها الدولار الأمريكي منذ 40 عامًا أسباب


يعاني الدولار الأمريكي من أسوأ أداء له منذ 40 عامًا، مما دفع البنوك والمستثمرين لتخزين الذهب كملاذ آمن. وفقًا لصحيفة ‘فاينانشال تايمز’، 95% من البنوك المركزية تنوي شراء الذهب بسبب المخاطر الجيوسياسية وتراجع ثقة الأسواق في الدولار. تراجع الهيمنة الدولار يعود للاختلالات الاقتصادية والسياسية في الولايات المتحدة، حيث يتجاوز الدين العام 37 تريليون دولار. بالإضافة إلى ذلك، استخدمت أمريكا الأدوات الاقتصادية ضد حلفائها، مما دفع دولًا مثل إندونيسيا والبرازيل لتقليل الاعتماد على الدولار. تشير التوقعات إلى خسارة الدولار 10% من قيمته بحلول منتصف 2025، مما قد يغير النظام النقدي العالمي.

الاقتصاد العالمي | شاشوف

تشير البيانات التي يراقبها مرصد ‘شاشوف’ إلى أن الدولار يواجه أسوأ أداء له منذ أربعين عاماً، نتيجة لعدد من العوامل المؤثرة على العملة الاحتياطية العالمية.

في الوقت الحالي، يسعى العديد من البنوك والمستثمرين إلى الاحتفاظ بالذهب كملاذ آمن بعيداً عن الدولار. وفقاً لتقرير حديث من صحيفة ‘فاينانشال تايمز’ واستطلاع رأي لمجلس الذهب العالمي، أبدت 95% من البنوك المركزية التي شاركت في الاستطلاع رغبتها في الاستمرار في شراء الذهب خلال العام المقبل، مما يمثل النسبة الأعلى منذ بدء الاستطلاع عام 2018. يأتي ذلك في ظل تزايد المخاطر الجيوسياسية، واستخدام الدولار كأداة في العقوبات الاقتصادية الغربية، بالإضافة إلى القلق المتزايد بشأن استقرار الدولار ومصداقيته كملاذ مالي عالمي.

على سبيل المثال، بدأت دول مثل الهند ونيجيريا في استعادة كميات من احتياطياتها الذهبية المخزنة في لندن أو نيويورك للاحتفاظ بها محليًا، وهو ما يعزز سيادتها المالية ويقلل اعتمادها على الأنظمة الغربية. وهذا قد يفتح باب التكهنات حول توجه العالم نحو مرحلة جديدة من نظام نقدي عالمي يتراجع فيه بريق الدولار لصالح الذهب.

لماذا تضعف مكانة الدولار؟

بعد نحو 80 عاماً من الهيمنة التي بدأها الدولار بعد الحرب العالمية الثانية، عندما كانت أوروبا في حالة من الاضطراب لتربط عملاتها بالدولار والذهب، بدأت مكانته تتأرجح بسبب اهتزاز أسس الاقتصاد الأمريكي.

الاقتصاد الأمريكي يواجه اختلالات في هياكله بسبب ضعف القطاعين الخاص والخدمي، وتراجع الاستهلاك الذي يمثل حوالي 68.8% من الناتج المحلي الإجمالي (نحو 20.1 تريليون دولار)، وهو ما يعد المحرك الأساسي للاقتصاد.

كما أن الاضطرابات السياسية وتآكل الثقة بالمؤسسات الأمريكية تؤدي إلى تفاقم تراجع الدولار. من المعروف أن قوة الدولار تستند إلى الثقة في المؤسسات الديمقراطية واستقلالية النظام المالي واحترام القانون. ومع بداية هذا العام، دخلت أمريكا في تحولات سياسية حادة نتيجة انتشار الاستقطاب الداخلي وزيادة نفوذ التيار الشعبوي بزعامة ترامب الذي استعاد الرئاسة في يناير 2025.

شنت إدارة ترامب حملة تشكيك ضد مؤسسات الولايات المتحدة، كما هاجمت القضاء ووسائل الإعلام، وأقدمت على فصل عدد كبير من الموظفين في الوكالات الحكومية. وفي الأشهر الأولى من حكم ترامب، تم تسريح حوالي 260 ألف موظف حكومي، أي ما يعادل 10% من العاملين في القطاع الحكومي المدني، مما أثار قلقًا حول كفاءة هذه المؤسسات.

كما ضغط ترامب على مجلس الاحتياطي الفيدرالي ‘البنك المركزي الأمريكي’ لخفض أسعار الفائدة، متجاوزًا مبدأ الاستقلالية النقدية الذي كان يؤمن الثقة بالدولار، وهو ما اعتبره المستثمرون تجاوزًا لحدود تمس مصداقية العملة الاحتياطية العالمية.

وهناك عوامل أخرى تسهم في تهاوي الدولار، مثل العجز المالي والدين المرتفع. تواجه أمريكا هذا العام أزمة ديون خطيرة، إذ تجاوز الدين العام 37 تريليون دولار. وفقًا للبيانات التي اطلع عليها شاشوف، فإن الإيرادات الحكومية بلغت 5 تريليونات دولار، بينما بلغ الإنفاق 7 تريليونات دولار، مما يظهر اعتمادًا متزايدًا على الاقتراض.

تعتمد الولايات المتحدة على الضرائب في تمويل 99% من إيراداتها، حيث تشكل ضرائب الدخل الفردي حوالي 2.4 تريليون دولار (49% من الإيرادات)، تليها ضرائب الرواتب بـ1.7 تريليون (35%) ثم ضرائب دخل الشركات بـ530 مليار دولار (11%). ورغم هذه الإيرادات الضريبية، تنفق الحكومة نحو 25% منها على سداد فوائد الدين، والتي تجاوزت 1.2 تريليون دولار سنويًا.

تفاقم الوضع بعد أن خفضت وكالات التصنيف الائتماني تصنيف الولايات المتحدة السيادي في مايو الماضي، بسبب العجز المزمن وغياب خطة واضحة لضبط الإنفاق. مثل هذه المؤشرات لا تهدد فقط الاستقرار المالي، بل تثير تساؤلات حول ثقة الأسواق العالمية بالدولار.

هناك أيضًا عامل مهم في تراجع مكانة الدولار، يتمثل في عدم احترام أمريكا لعمق تحالفاتها مع الدول، حيث تستخدم أدواتها المالية والتكنولوجية كوسيلة لمعاقبة الدول غير المتماشية مع توجهاتها، بما في ذلك أقرب الحلفاء في أوروبا. يؤدي تسييس النظام المالي إلى دفع الدول لإعادة تقييم الاعتماد على الدولار وفائدة العلاقة الاقتصادية مع الولايات المتحدة. بالفعل، بدأت دول جنوب شرق آسيا مثل إندونيسيا وتايلاند وماليزيا بتسوية معاملاتها التجارية بالعملات المحلية لتقليل مخاطر تقلبات الدولار. كما أطلقت البرازيل مشروع نظام مدفوعات بديل ضمن تحالف ‘بريكس’ للحد من الاعتماد على الدولار وتعزيز التعاون بين الدول النامية، وفقًا لتقارير شاشوف. بالإضافة إلى ذلك، وسعت روسيا استخدام الروبل واليوان الصيني في التجارة مع بكين، ليصل إلى نحو 45% من إجمالي التبادلات، بعد تطوير نظام تحويلات بديل عقب استبعادها من المنظومة المالية الغربية.

تشير بيانات السوق إلى معاناة الدولار، فحتى منتصف عام 2025، فقد الدولار الأمريكي حوالي 10% من قيمته، وهي أكبر خسارة له منذ عام 1986، أي منذ 40 عامًا عندما حاولت أمريكا تقليل قيمة الدولار بعد اتفاقية بلازا لتخفيض قيمته أمام الين الياباني والمارك الألماني من خلال التدخل في أسواق الصرف.

كما قام المستثمرون الأوروبيون بتقليص تعرضهم للدولار، حيث بدأت صناديق التقاعد في الدنمارك وهولندا بخفض تعرّضها للدولار منذ بداية هذا العام، وتقلصت نسبة الأصول المقومة بالدولار من 23% إلى 20% من إجمالي محافظها الاستثمارية. وفق تقديرات راجعها شاشوف من بنك ‘بي إن بي باريبا’، فإن صناديق التقاعد خارج منطقة اليورو، خاصة في الدنمارك، قد خفضت استثماراتها المقومة بالدولار بمقدار 37 مليار دولار منذ بداية العام.

الخلاصة تشير إلى أن الدولار يشبه المرآة القابلة للكشف عن السياسات الأمريكية المتهورة التي تؤدي إلى تقويض قيمة ومكانة العملة الدولية، مما يعكس تراجعًا دون أي مراجعة للسياسات الخارجية التي أدت لهذه التغيرات الكبيرة، في الوقت الذي تسعى فيه التحالفات الدولية، بقيادة الصين وروسيا، لتأسيس نظام عالمي جديد متعدد الأقطاب، حيث تصبح هيمنة الدولار ذكرى من الماضي.


تم نسخ الرابط

Exit mobile version