أزمة الثقة في الدولار الأمريكي تتفاقم بفعل السياسة والاقتصاد، حيث تراجع قيمته إلى أدنى مستوياتها منذ أربع سنوات. رغم قوة الاقتصاد الأمريكي وفق المؤشرات الكلية، إلا أن الانطباعات السياسية والتصريحات المتضاربة، خاصة من الرئيس ترامب، ساهمت في تدهور الثقة بالعملة. المستثمرون يتجهون الآن نحو بدائل مثل اليورو والفرنك السويسري، مما يشير إلى تآكل الهيمنة النفسية للدولار. عدم استقرار السياسات التجارية والنقدية يعزز هذا الاتجاه، ويؤكد أن الأسواق تعاقب السياسات أكثر من الاقتصاد ذاته، مما قد يفتح الطريق لتحولات عميقة في الهيكل المالي العالمي.
الاقتصاد العالمي | شاشوف
يعاني الدولار الأمريكي حالياً من أزمة ثقة شاملة، تتأثر بالسياسة بقدر ما تتأثر بالاقتصاد، وبالخطاب بقدر ما تستند إلى الأرقام، حيث تزايدت حالات عزوف المستثمرين عن العملة الأمريكية.
انخفض الدولار إلى مستويات تقترب من أدنى نقاطه خلال أربع سنوات، وهبط مؤشره إلى ما دون 96 نقطة، وذلك وفقاً لتتبع مرصد ‘شاشوف’. وهذه الظاهرة ليست نتيجة لضعف اقتصادي داخلي، حيث لا يزال الاقتصاد الأمريكي، وفق معظم المؤشرات الكلية، في حالة قوية نسبياً. إلا أن الأسواق لا تتفاعل فقط مع البيانات القابلة للقياس، بل مع الانطباعات السياسية والتوقعات المستقبلية؛ وهنا تكمن جذور الأزمة.
التصريحات التي أدلى بها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، عندما وصف الدولار بأنه ‘رائع’ وفي ‘وضع ممتاز’، جاءت في وقت بالغ الحساسية، حيث كان المستثمرون يتوقعون خطاباً أكثر توازناً أو إشارات تطمين. لكن هذه التصريحات فُسرت على نطاق واسع باعتبارها تهميشاً لمخاوف المستثمرين، أو تجاهلاً متعمّداً لتراجع العملة، مما أدى إلى موجة بيع قوية، وكأن السوق تشير إلى أن الثقة لا تُفرض بالتصريحات، بل تُبنى بالسياسات.
منذ عودة ترامب إلى البيت الأبيض في ولايته الثانية عام 2025، شهدت السياسة الأمريكية مستوى عالٍ من التقلب، سواء في مسألة التجارة الدولية، أو في العلاقات مع الحلفاء، أو في الخطاب المتعلق بالسياسة النقدية واستقلالية مجلس الاحتياطي الفيدرالي، مما خلق حالة من الضبابية دفعت المستثمرين إلى إعادة تقييم مخاطر الاحتفاظ بالدولار.
فالعملة التي استفادت كثيراً من استقرار المؤسسات الأمريكية بدأت تفقد هذه الميزة تدريجياً مع زيادة القلق من التدخل السياسي في عمل البنك المركزي الأمريكي، والأعباء المتزايدة بسبب الإنفاق العام، وارتفاع العجز المالي. وعلى الرغم من أن هذه العوامل لم تتجمع دفعة واحدة، إلا أن تراكمها أحدث ما يشبه ‘الشرخ النفسي’ في علاقة الأسواق بالدولار.
عزوف عن الدولار وبدائل جاهزة
الدليل الأوضح على أزمة الثقة هو تحول التدفقات الاستثمارية؛ فقد ارتفع اليورو إلى مستوى 1.20 دولار للمرة الأولى منذ منتصف 2021، مسجلاً زيادة سنوية بحوالي 14%، مدعوماً بعزوف المستثمرين عن الدولار. ولم يكن اليورو الوحيد المستفيد، حيث زاد الفرنك السويسري بنحو 15%، وتحسنت الكرونة السويدية بمعدل يقارب 20% خلال 12 شهراً، بينما اقترب الجنيه الإسترليني من أعلى مستوياته في سنوات، وفقاً لتقارير وكالة ‘رويترز’ التي اطلع عليها شاشوف.
هذا التحول يعكس واقعاً جديداً يبين أن المستثمرين لم يعودوا يرون في الدولار الخيار الافتراضي عند الاضطراب، بل توزيع مخاطرهم على مجموعة أوسع من العملات، في خطوة تشير إلى تآكل تدريجي لما يمكن تسميته ‘الهيمنة النفسية’ للدولار.
من الأمور اللافتة في المشهد الحالي هو التناقض بين القوة الظاهرة للاقتصاد الأمريكي وضعف العملة عملياً. فمن المفترض، وفق الأسس التقليدية، أن تعكس العملة أداء الاقتصاد، لكن ما يحدث اليوم يكسر هذه القاعدة. السبب وراء ذلك، كما تشير التقارير، يعود لعدم اليقين السياسي، وهو عامل أصبح أكثر تأثيراً من معدلات النمو أو التوظيف.
بعبارة أخرى، الأسواق لا تعاقب الاقتصاد الأمريكي، بل تعاقب السياسات الأمريكية، وتحديداً مزيج الخطاب المتذبذب والتوترات التجارية، والغموض المحيط بالسياسة النقدية.
تجاوز ما يحدث حدود التذبذب الدوري، ليطرح أسئلة أعمق حول مستقبل الدولار كنقطة ارتكاز للنظام المالي العالمي.
لا يزال الحديث عن نهاية سيطرة الدولار مبكراً، لكن المؤكد، وفق التحليلات التي طالعها شاشوف، أن الهالة المطلقة التي أحاطت به بدأت تنكسر. فعندما يفقد المستثمرون الثقة، ولو جزئياً، في العملة الأولى عالمياً، فإن ذلك يفتح المجال أمام تحولات تدريجية قد تكون بطيئة، لكنها عميقة الأثر.
يُنظر إلى أن استمرار الإدارة الأمريكية في تجاهل إشارات السوق أو التقليل من شؤون القلق المتراكم، سيؤدي إلى تفاقم أزمة الثقة، خصوصاً في عالم أصبح أكثر حساساً للرسائل السياسية وأسرع في إعادة توجيه رؤوس الأموال.
تم نسخ الرابط
