أزمة الغذاء في اليمن تتخطى ‘سلة الغذاء’: ارتفاع الأسعار لا يمنع تفاقم الفقر مع تراجع التمويل وصعوبة الوصول الإنساني – شاشوف

أزمة الغذاء في اليمن تتخطى سلة الغذاء ارتفاع الأسعار لا


يواجه الاقتصاد اليمني أزمة حادة رغم بعض التحسن النسبي في الأسعار. الجوع والحرمان الغذائي يرتفعان، مع تراجع القدرة على الاستجابة الإنسانية خاصة في شمال البلاد. انخفاض الأسعار لا يواكب تحسين الدخل، مما يزيد من معاناة الأسر. التمويل الإنساني ينخفض، مما يحد من قدرة المنظمات على المساعدة، ويجعل الفجوة في الجوع أكبر. في الوقت ذاته، تعاني سلاسل الإمداد من اختناقات تؤثر على الواردات، مع استقرار غير كافٍ لسعر الصرف يكشف هشاشة الاقتصاد. الأمن الغذائي يعتمد على تحسين شامل في الاقتصاد والتمويل، وإلا سيبقى الجوع معاناة مستمرة.

الاقتصاد اليمني | شاشوف

رغم أن بعض مؤشرات السوق تُظهر تحسناً نسبياً في الأسعار، إلا أن المشهد الإنساني في اليمن يكشف عن واقع أكثر قسوة وتعقيداً. فالجوع في تزايد، والحرمان الغذائي يصل لمستويات غير مسبوقة، بينما تتضاءل قدرة الاستجابة الإنسانية وتقل مساحات الوصول الميداني، خاصة في مناطق الشمال. هذا التناقض بين الأرقام الاقتصادية والمعيشة اليومية يعكس عمق الخلل في بنية الأمن الغذائي.

لم يعد انخفاض الأسعار كافياً لقياس حجم الأزمة، إذ يحدث التحسن النسبي في تكلفة السلة الغذائية بالتزامن مع تراجع الدخل، وتآكل القدرة الشرائية، وتقلص برامج الدعم. بذلك تتحول المؤشرات الإيجابية السطحية إلى أرقام معزولة عن واقع الاستهلاك الفعلي داخل الأسر.

وحسب متابعة شاشوف لتقرير برنامج الأغذية العالمي، فإن الأزمة تتكون من ثلاث طبقات متداخلة: اقتصاد محلي هش يتأثر بسعر الصرف والوقود، وسلاسل إمداد تعاني من اختناقات مزمنة في الموانئ والملاحة، ثم أسر تتحمل النتيجة النهائية من خلال تقليص الوجبات والاعتماد على استراتيجيات تكيّف صعبة.

في هذا السياق، يصبح الأمن الغذائي انعكاساً مباشراً للفشل التراكمي في الاقتصاد والتمويل والوصول، وليس مجرد نتيجة لتقلبات السوق، مما يضع البلاد في مرحلة خطرة إن استمرت هذه العوامل بلا معالجة شاملة.

تمويل يتراجع… ومساعدة تتقلص

على الصعيد الإنساني، يبرز تراجع التمويل كعامل رئيسي في تعميق الأزمة. فقد تم تمويل خطة الاحتياجات الإنسانية لعام 2025 بنسبة متدنية مقارنة بالعام السابق، مما أجبر المنظمات على تقليص نطاق تدخلاتها والتحول من التغطية الواسعة إلى الاستهداف المحدود.

في مناطق حكومة عدن، أُنجزت عدة دورات من المساعدة الغذائية العامة خلال 2025، مستهدفة ملايين الأشخاص في كل دورة. غير أن أزمة التمويل أدت إلى خفض عدد المستفيدين اعتباراً من يناير 2026، مما يعني عملياً خروج شريحة كبيرة من شبكة الأمان الغذائي.

أما في مناطق حكومة صنعاء، فالخطة أكثر حساسية، إذ لم تُنفذ سوى دورتين من المساعدات الغذائية الطارئة قبل أن تتوقف الأنشطة الإنسانية بشكل شبه كامل منذ نهاية أغسطس، حسب متابعات شاشوف، بسبب غياب المساحة التشغيلية اللازمة للوصول إلى المستفيدين.

تشير هذه التطورات إلى أن المشكلة لم تعد مرتبطة فقط بحجم التمويل، بل أيضاً بقدرة المنظمات على العمل، مما يجعل فجوة الجوع مرشحة للاتساع حتى مع تحسن بعض المؤشرات الاقتصادية.

الأسعار تهدأ في الريال… لكن المعنى أعمق من رقم

في مناطق حكومة عدن، استقرت تكلفة سلة الغذاء الدنيا نسبياً خلال نوفمبر 2025، مع ارتفاع خفيف مقارنة بالشهر السابق. يأتي هذا الاستقرار بعد تراجع كبير عن ذروة الأسعار في منتصف العام، مما يوحي بوجود هامش تهدئة في الأسواق.

على الرغم من ذلك، فإن هذا التحسن النسبي لا يعكس بالضرورة تحسناً حقيقياً في قدرة الأسر على الشراء. فالانخفاض في الأسعار بالعملة المحلية لم يكن متوازياً بالكامل مع تحسن سعر الصرف، كما أن تكلفة السلة بالدولار أظهرت اتجاهاً عكسياً.

يرتبط جزء من هذا التحسن بعوامل ظرفية، وفقاً لما رصدته شاشوف، مثل تحسن قيمة الريال وتراجع تكاليف النقل، إضافة إلى انخفاض أسعار بعض السلع الأساسية، وليس نتيجة لإصلاحات هيكلية أو زيادة المنافسة.

لذا، فإن قراءة الأسعار بمعزل عن الدخل والبطالة وتراجع المساعدات تؤدي إلى استنتاجات مضللة، إذ يبقى استهلاك الغذاء مقيداً بقدرة الأسر لا بحركة السوق وحدها.

الموانئ والبحر الأحمر: اختناقات الاستيراد تواصل الضغط

فيما يتعلق بالإمدادات، لا تزال اختناقات موانئ البحر الأحمر تضغط على تدفق السلع، خصوصاً في المناطق الخاضعة لحكومة صنعاء، حيث تأثرت القدرة التشغيلية للموانئ وتراجع الواردات.

شهدت واردات الوقود عبر موانئ البحر الأحمر انخفاضاً ملحوظاً مقارنة بالمتوسط السنوي، كما تراجعت الكميات التراكمية خلال عام 2025 مقارنة بالعام السابق، مما أثر على تكاليف النقل والنشاط الاقتصادي.

ورغم تراجع علاوات مخاطر الحرب في البحر الأحمر بعد وقف إطلاق النار الإقليمي، لم تعد حركة السفن إلى المستويات الطبيعية، ولا زالت أقل بكثير من مستويات ما قبل الأزمة.

هذا الواقع يوضح أن انخفاض المخاطر التأمينية لا يكفي بمفرده لاستعادة تدفق التجارة، وأن اختلال الثقة البحرية لا يزال عاملاً مهماً في استمرار الضغوط على الأمن الغذائي.

سعر الصرف: استقرار لا يُلغي هشاشة الاقتصاد

في مناطق حكومة عدن، استقر سعر صرف الريال لعدة أشهر متتالية، مدعوماً بإجراءات رقابية وتشديد على استخدام الدولار في المعاملات التجارية، مما ساعد في الحد من تقلبات الأسعار نسبياً.

لكن هذا الاستقرار النقدي يخفي هشاشة عميقة، تتمثل في تراجع الاحتياطات الأجنبية واستمرار الضغوط على المالية العامة، مما يجعل القدرة على الحفاظ عليه محدودة زمنياً.

احتياطيات البلاد لا تغطي سوى فترة قصيرة من الواردات، في ظل عجز مالي متزايد، مما يضع السياسة النقدية ضمن هامش مناورة ضيق.

في مناطق حكومة صنعاء، استقر سعر الصرف عند مستوى منخفض، لكن البيئة الاقتصادية تعاني من قلة السيولة وتراجع النشاط التجاري واضطرابات في القطاع المصرفي، مما ينعكس سلباً على فرص الدخل والاستهلاك.

كما شهدت واردات الغذاء عبر الموانئ اليمنية تراجعاً طفيفاً خلال 2025 مقارنة بالعام السابق، مع بقاء الواردات عبر البحر الأحمر دون مستوياتها السابقة رغم تحسن تدريجي في الأشهر الأخيرة.

في المقابل، ارتفعت واردات الغذاء عبر موانئ عدن والمكلا، مما يعكس تحولاً جزئياً في مسارات الاستيراد من الشمال إلى الجنوب، مع ما يترتب على ذلك من أعباء لوجستية إضافية.

لكن هذا التحول لا يعني تحسناً تلقائياً في توفر الغذاء، إذ ترتبط عملية التوزيع بعوامل النقل والتكاليف والقدرة الشرائية داخل البلاد. ورغم انخفاض أسعار الغذاء عالمياً، فإن اليمن لا يستفيد بالكامل من هذا الاتجاه بسبب تعقيدات الحرب والوضع النقدي واللوجستيات، مما يبقي فجوة الأمن الغذائي قائمة.

الجوع في ذروته: أرقام تفضح الواقع

تشير المؤشرات التي تتبَّعها شاشوف إلى أن اليمن وصل خلال 2025 إلى أعلى مستويات تاريخية من ضعف استهلاك الغذاء، حيث تم تصنيف البلاد ضمن الأكثر تأثراً عالمياً من انعدام الأمن الغذائي. أكثر من نصف الأسر واجهت صعوبة في تلبية الحد الأدنى من احتياجاتها الغذائية، مما يعكس انتشار الجوع رغم أي تحسن نسبي في الأسعار.

الحرمان الغذائي الحاد يتركز في محافظات محددة، لكن التأثير يمتد إلى مختلف المناطق، مع تفاوت في شدة الأزمة بين منطقة وأخرى. تبقى الأسر النازحة والأسر التي تقودها نساء الأكثر هشاشة بسبب تداخل عوامل الفقر والنزوح وضعف فرص العمل.

الاستنتاج الأساسي هو أن السعر لم يعد وحده محيط الأزمة. حتى مع انخفاض تكلفة السلة الغذائية، تظل القدرة على الشراء محدودة طالما استمر تراجع الدخل والدعم. كما أن تحسن بيئة الملاحة لا يعني تلقائياً استعادة التجارة، ما دامت الثقة البحرية والبنية التحتية تعاني من اختلالات مستمرة.

الأمن الغذائي في اليمن أصبح معادلة مركبة تجمع بين الاقتصاد والسياسة والتمويل والوصول الإنساني. وأي تحسن جزئي يظل هشاً وقابلاً للانهيار إذا لم تُعالج جذور الأزمة بشكل متزامن.

في المجمل، يقف اليمن عند ذروة تاريخية من الضعف الغذائي، بينما تتراجع المساعدات وتستمر الاختناقات الاقتصادية واللوجستية. بين أرقام تشير إلى تحسن نسبي في بعض المؤشرات وواقع يومي يميز بالجوع والحرمان، تتوضح الفجوة بين السوق ومعيشة الناس. ما لم تتغير المعادلة الشاملة، سيظل الأمن الغذائي بعيد المنال، وستبقى معاناة الأسر المؤشر الأصدق على عمق الأزمة.


تم نسخ الرابط

Exit mobile version