يُعاني اليمن من أزمة اقتصادية وإنسانية حادة، حيث يتعرض تراثه الحضاري للنهب والبيع في مزادات عالمية. مؤخرًا، عُرض ختم أسطواني نادر من ذهب الإلكتروم في مزاد أمريكي، يُعتبر أقدم دليل على استخدام اليمنيين لهذا المعدن. يُشير الباحثون إلى أن تهريب الآثار يمثل خسارة ثقافية واقتصادية كبيرة، حيث تقدر قيمة القطع المنهوبة منذ 2015 بأكثر من 2.5 مليار دولار. رغم وجود اتفاقيات دولية تحظر التجارة غير المشروعة في الآثار، إلا أن هناك ضعفًا في الجهود الحكومية والدولية لاسترداد هذه القطع، مما يتطلب تحركًا عاجلاً لوقف هذا النهب.
الاقتصاد المحلي | شاشوف
بينما يمر اليمن بأحد أسوأ أزماته الاقتصادية والإنسانية، يتواصل تدهور تراثه الحضاري في ظل صمت دولي ومزادات خارجية تتعامل مع الآثار المنهوبة كسلع تجارية. وكان من بين أحدث هذه المآسي مزاد أمريكي عرض قطعة نادرة لم يسبق لها مثيل: ختم أسطواني مكون من ثمانية أضلاع من ذهب الإلكتروم يعود إلى القرن الأول قبل الميلاد، نقش عليه نص مسندي كامل.
الختم، الذي يُعتبر من بين أندر الآثار اليمنية التي عُرضت على الإطلاق، مصنوع من معدن الإلكتروم، وهو مزيج طبيعي من الذهب والفضة. يحتوي على ثمانية أسطر من النقوش المكتوبة بالخط المسندي، بمعدل أربعة إلى خمسة أحرف في كل سطر. وقد تم عرضه للبيع في مزاد أقيم في 01 مارس 2023 في الولايات المتحدة، بعد أن كان ضمن مقتنيات مجموعة خاصة في نيويورك، والتي حصلت عليه من معرض ‘فورتونا فاين آرتس’ الشهير.
وفقاً للباحث اليمني في مجال الآثار عبدالله محسن، فإن هذا الختم النادر قد يمثل أول دليل موثق على استخدام اليمنيين القدماء لسبائك ذهب الإلكتروم، وهو المعدن نفسه الذي صُنعت منه ميداليات جائزة نوبل العالمية. كما استُخدم هذا النوع من الذهب في حضارات قديمة لتغطية المسلات وسك العملات الملكية وتزيين رؤوس المومياوات، مما يُعزز من قيمة الاكتشاف من منظور أثري وثقافي.
سياق متواصل من النهب والبيع العلني
يأتي هذا الكشف الجديد بعد أسابيع فقط من إعلان دار ‘أبولو للفنون’ في لندن نيتها عرض خمس قطع أثرية يمنية في مزادها المقرر في يوليو 2025، تحت عنوان ‘مزاد الفنون القديمة الجميلة – مجموعة الأمير’ وفقاً لمتابعات شاشوف. هذه القطع تعود إلى حضارات سبأ ومعين وقتبان، وتتراوح أعمارها بين 2100 إلى 4600 عام، مما يجعلها من أندر الموجودات الثقافية في المنطقة.
تعود معظم هذه القطع إلى اليمن في ظروف مشبوهة، حيث تم تهريبها عبر سوق الفن البلجيكي والأمريكي إلى مجموعات خاصة دون توثيق قانوني. وتُشير مصادر شاشوف إلى أن شبكات التهريب تعتمد على الفوضى الأمنية، وتستغل غياب الرقابة الرسمية والغطاء السياسي الذي توفره بعض المؤسسات الفنية الغربية.
إن تهريب الآثار اليمنية لا يمثل مجرد خسارة لهوية ثقافية، بل هو ينطوي على نزيف اقتصادي هائل، حيث قُدّرت قيمة القطع المنهوبة منذ عام 2015 بأكثر من 2.5 مليار دولار وفقاً لتقديرات ‘التحالف الدولي لحماية التراث في مناطق النزاع’ (ALIPH). كان يمكن استثمار هذه المبالغ لإنقاذ اقتصاد يعاني من تأثيرات الحرب والانقسام، لو تم توجيهها نحو السياحة الثقافية والمتاحف والتعليم.
يؤكد مختصون أن الختم الذهبي الأخير يمثل فرصة مهدورة لفهم جوانب غامضة من تاريخ اليمن القديم، خصوصاً فيما يتعلق باستخدام المعادن، وتطور الكتابة، والهوية الدينية والسياسية لحضارات جنوب الجزيرة العربية.
أين هي الدولة؟ وأين هو القانون الدولي؟
تتواصل هذه المزادات دون أي تحرك فعّال من الحكومة اليمنية أو المنظمات الدولية، وعلى رأسها اليونسكو، رغم أن اتفاقية 1970 التي تحظر التجارة غير المشروعة بالآثار ملزمة قانونياً للدول الأطراف. في الوقت الذي استطاعت فيه دول مثل مصر والعراق وسوريا استعادة قطع أثرية مسروقة، لا يزال اليمن يعاني من غياب الإرادة الرسمية وضعف الجهود القانونية والإعلامية.
وفي ظل هذه الهشاشة، تتصرف دور المزادات العالمية كأنها فوق القانون، مستفيدة من الثغرات الموجودة في سوق الآثار العالمية، حيث تُحوّل الكنوز الحضارية المنهوبة إلى ‘مقتنيات خاصة’ لا أكثر.
يُعتبر الختم الذهبي اليمني ليس مجرد قطعة فنية، بل شاهداً على حضارة عميقة الجذور في التاريخ، يتم انتزاعه من سياقه وعرضه في صالات المزاد الباردة بعيداً عن موطنه. وبينما تُصنع ميداليات نوبل اليوم من الإلكتروم، يُنهب الختم الذي قدّم أولى استخداماته من أرض اليمن، في مفارقة مؤلمة تعكس حال أمة تُسلب حاضرها وتُجرد من ماضيها. فهل جاء الوقت لصحوة ثقافية وقانونية توقف هذا النزيف؟ أم أن المستقبل سيحمل لنا فصولاً أخرى أكثر إيلاماً من قصة سرقة التاريخ؟
تم نسخ الرابط
