الوسم: منظور

  • المغرب من منظور إسكندرانى: من فاس إلى القاهرة في جولة عبر مراكش

    المغرب من منظور إسكندرانى: من فاس إلى القاهرة في جولة عبر مراكش


    زرت فاس، المدينة الإسلامية القديمة في المغرب، وتتسم بسحرها وتاريخها. انطلقت في رحلة استمرت أكثر من خمس ساعات، حيث وجدت في فاس أجواء مشابهة لتلك التي في القاهرة، مثل الأسواق الضيقة والمساجد الأثرية كجامع القرويين. اكتشفت المعمار المغربي الأصيل وزرت المعالم التاريخية، مثل المدرسة البوعنانية. بعد ذلك، انتقلت إلى مراكش، المدينة الحية والمليئة بالتفاصيل، حيث جربت الحمام المغربي واستمتعت بأجواء ساحة جامع الفنا. في النهاية، ختمت زيارتي في الدار البيضاء بجوار جامع الحسن الثاني. كانت رحلة غنية بالمشاعر والتجارب، لتعكس جمال وتنوع المغرب.

    قبل أن أزور المغرب، كنت قد سمعت الكثير عن فاس. فهي ليست مجرد مدينة قديمة، بل تُعتبر من أبرز الحواضر الإسلامية على مر العصور وثاني أكبر مدينة في المملكة المغربية من حيث عدد السكان. تحتضن أقدم جامعٍ ينشر عبق العلم والعبادة منذ مئات السنين، جامع القرويين. الأسواق الضيقة والمتعرجة فيها، كما تخيلتها، تذكرني بأسواق القاهرة القديمة، بكثافتها، وصخبها، وروائحها التي تضفي حياة على المكان.

    ولا عجب في هذا التشابه، فالقاهرة كانت في فترة ما عاصمة الخلافة الفاطمية، بينما كانت فاس عاصمة المغرب.

    أقلعت الحافلة المتجهة إلى فاس، تشق طريقها عبر مضيق جبلي يتطلب أكثر من 5 ساعات من السفر. شعرت بأن الطبيعة ترافق المسافر في رحلته. لم أستطع منع نفسي من التعجب مرة أخرى حين اضطررت لدفع تذكرة إضافية لنقل الحقائب، تماماً كما حدث في رحلتي السابقة إلى شفشاون. بدا لي أن للحقائب في المغرب مكانتها الخاصة.

    وصلت إلى فاس مع غروب الشمس، واخترت أن أقيم هذه المرة في المدينة الجديدة، آملاً أن أستكشف جانبًا آخر لا تكشفه الصور القديمة أو الحكايات المتداولة.

    المغرب/ فاس/ سناء القويطي/ المدينة القديمة لفاس / مصدر الصورة: سناء القويطي
    مدينة فاس هي الوجهة المثالية لمن يريد التعرف على تاريخ المغرب ومهارة صناعه التقليديين (الجزيرة)

    تجربة غريبة

    بعد قليل من الراحة، خرجت ليلا لأتجول في شوارع المدينة الواسعة، وكانت هذه أول مرة أزور فيها مركز تسوق (مول) في المغرب، تجربة بدت غريبة بعد كل ما عشته في الأزقة القديمة والمدن العتيقة.

    بعد جولة سريعة، جلست لأحتسي برادًا من الشاي المغربي بالنعناع، وكأنني أختتم يومي الطويل بطقوس مغربية هادئة، تُعيدني مرة أخرى إلى روح فاس القديمة.

    في الصباح، استيقظت مليئة بالطاقة والحماسة ليومي الأول في فاس. بناءً على نصيحة صاحب النزل الذي أقمت فيه، ركبت واحدة من وسائل النقل المحلية وتوجهت إلى قلب فاس القديمة. كنت متنوّهة أن ما ينتظرني هناك مختلف عن أي تجربة سابقة في المغرب، ففاس ليست مدينة عادية بل هي متاهة من التاريخ وسحر خاص أعددت نفسي لرؤيته.

    تحتوي فاس على معالم أثرية تُظهر حضارتها عبر العصور الإسلامية، ولعل أهم ما يشهد على هذا التاريخ الحي هو سور المدينة وبواباته الثمانية. منها ما بقي قائمًا، ومنها ما لم يتبق منه سوى باب واحد، كأنه يُحافظ على ذكريات مضت.

    أبواب فاس 1747585886
    باب بوجلود يعتبر من أشهر أبواب المدينة العتيقة لفاس (الجزيرة)

    تلك الأبواب والأسوار، بزخارفها الأندلسية ونقوشها العربية وخطوطها الدقيقة المنحوتة في الحجر، أعادتني على الفور إلى أسوار القاهرة الفاطمية، لكن مع طابع مغربي خالص، يدمج بين الفن المغربي والأندلسي والروح الإسلامية.

    بين فاس والقاهرة

    لم أكن أعلم أن التشابه بين القاهرة وفاس يمتد إلى هذا الحد. العمائر القديمة، وإن اختلفت تفاصيل زخارفها، تتحدث نفس اللغة البصرية: طُرز معمارية إسلامية، وسمات مشتركة في بناء المساجد والمدارس والأسواق. الشوارع المزدحمة بالبضائع المحلية والهدايا التذكارية، والمقاهي القديمة التي ينساب منها صوت القرآن الكريم، كل ذلك جعل من فاس تجربة مبهجة، هادئة، ودافئة بشكل لم أتوقعه.

    أهم ما زرته من المعالم في فاس كان المدرسة البوعنانية، التي أدهشتني بزخارفها الدقيقة وروعة فنها الإسلامي. كل ركن فيها يصلح ليكون مشهداً من بطاقة بريدية، أو خلفية لصورة لاتنسى، بدءًا من النقوش الخشبية المتقنة، إلى الفسيفساء التي تزين الجدران، وانتهاءً بالفناء الداخلي الذي يمتلئ بالجمال والسكينة في آن.

    المدرسة البوعنانية 1747585949
    الزائر للمدرسة البوعنانية في فاس يتمتع بتفاصيل هندسة المكان (الجزيرة)

    قمت بزيارة جوهرة فاس المعمارية، جامع القرويين، أقدم جامعة في العالم الإسلامي. في وقت صلاة الظهر، لم يكن مسموحًا لي بالتجول داخل المسجد، فاكتفيت بالتأمل من مصلى النساء. لفت نظري جمال الخط المغربي المستخدم في المصاحف هناك، وهو خط مائل ذو طابع فني خاص، مما زاد تجربة زيارتي في المغرب بُعدًا من الدهشة.

    دار الدبغ

    خرجت من المسجد وأكملت طريقي عبر الأزقة التي تعج بالزوار، حتى وصلت إلى منطقة دباغة الجلود، أو ما يُعرف بدار الدبغ، وهي واحدة من أبرز معالم فاس وأكثرها شهرة. هذه المدينة العريقة ما زالت تحتفظ حتى اليوم بطرقها التقليدية في صباغة ودباغة الجلود كما كانت منذ قرون.

    كانت لحظة دخولي لذلك العالم بمثابة قفزة زمنية إلى العصور الوسطى، بكل ما تحمله من صخب وروائح ونشاط بشري حقيقي.

    زرت دار الدبغ، حيث تستمر الحرف التقليدية كما كانت في العصور الوسطى. الرائحة النفاذة استقبلتني بقوة، لكن أوراق النعناع خففتها، ووقفت أراقب من شرفة مرتفعة مراحل دباغة الجلود. كان المشهد حيًا بكل تفاصيله، لا يشبه ما قد نراه في الصور.

    بعد ذلك، كانت الجولة بين محال المنتجات الجلدية من الحقائب والأحذية إلى الكراسي والسترات، وكل شيء تقريبًا مصنوع يدويًا من الجلد الطبيعي. تختلف الأسعار حسب جودة الجلد وتفاصيل التصنيع، لكن ما تعلمته هناك هو أن التفاوض فن لا بد من إتقانه. وبعد شد وجذب، اقتنصت حقيبة جلدية مميزة، لا تزال رائحتها، بكل ما تحمله من ذكريات، ترافقني حتى بعد عودتي إلى مصر بشهور طويلة.

    طعام الشارع

    بعد الانتهاء من تلك الرحلة الطويلة في معالم المدينة القديمة لفاس، لم يكن هناك ما أحتاجه أكثر من قضمة دافئة في أمسيات ديسمبر الباردة. اتجهت إلى منطقة تنتشر فيها عربات الطعام الشعبية، حيث يصطف الباعة في شارع يعج بأهل المدينة، يتبادلون الأحاديث إلى جانب أطباقهم المفضلة.

    الحريرة Harira
    الحريرة من أشهر وجبات الطعام المغربي التي ذاع صيتها في العالم (شترستوك)

    هذا هو تمامًا ما أحبّه في السفر، أن استكشف نكهات البلد من قلب شوارعه، وأسأل الناس أنفسهم عن طعامهم اليومي، بعيدًا عن مطاعم المعالم السياحية. وهناك، التقيت بإلهام، سيدة مغربية ذات طلة ودودة، اقترحت علي أن أبدأ بشوربة “الحريرة” الساخنة، وشرحت لي مكوناتها بشغف، مرقة بلحم، وخضروات مطبوخة، وتوابل تفوح رائحتها قبل وصولها إلى الفم.

    كانت تلك أول مرة أتذوق فيها الحريرة، لكنها تركت في ذاكرتي دفئا أعتز به كلما تذكرت تلك الليلة، وتلك المحادثة العفوية التي أنقذتني من السفر إلى مكناس التي أخبرتني أحلام أنها تحت الترميم!.

    حل المساء وبدأت أشعر بالتعب يتسلل إلى قدمي بعد يوم طويل مليء بالاكتشافات. اشتريت مجموعة متنوعة من الحلويات المغربية بناءً على توصية رفيقتي الجديدة في فاس، أحلام، وقررت العودة إلى مقر إقامتي. لكن في الطريق، اشتدّ البرد فجأة واستوقفني مشهد مألوف لم أره إلا من خلال الصور من قبل، عربة شوربة الحلزون، أو كما تُسمى في المغرب “الببوش”.

    كان الناس يجتمعون حول العربة، يتناولون الحلزون المطبوخ ويتفننون في إخراجه من قوقعته، بينما اكتفى آخرون بتناول المرق الساخن المحمّل بالأعشاب والبهارات. غلبني الفضول، حاولت أن أتشجع وأجربه… لكن في اللحظة الأخيرة، تراجعت واكتفيت بتذوق المرق. كان كافيًا ليختصر يومًا كاملاً من عجائب المغرب في كوب صغير.

    مراكش أرض العجائب

    في مساء ذلك اليوم، قررت التوجه فجراً إلى مراكش، الوجهة البعيدة التي تستدعي المرور أولا بالدار البيضاء، ثم استقلال قطار آخر منها. خرجت مع أول ضوء للنهار نحو محطة المسافرين، وبدأت رحلتي عبر الطريق إلى الدار البيضاء، حيث مكثت فيها عدة ساعات لأول مرة بسبب تأخر موعد القطار المغادر إلى مراكش.

    لم أجد الكثير لأفعله سوى زيارة مركز تعريفي بتراث وتاريخ الدار البيضاء، ثم جلست أراقب الشوارع وهي تمتلئ شيئًا فشيئًا بالمصلين الذين افترشوا المساجد والساحات استعدادًا لصلاة الجمعة، فتذكرت مشهد مصر في ذلك الصباح المبارك.

    بعد الصلاة، تناولت وجبة شهية تُناسب مسافرة تائهة: طاجين دجاج مغربي مع الزيتون، في مطعم أنيق يطل على الميناء. كانت الأسعار مرتفعة لكن الأجواء وجودة الطعام جعلت التجربة تستحق.

    تحرك القطار أخيرًا في منتصف النهار، ووصل إلى مراكش بعد غروب الشمس؛ محطتي حيث قررت أن أودع عامًا مضى وأستقبل عامًا جديدًا. لم تخذلني هذه المدينة، واخترت مرة أخرى الإقامة في رياض مغربي تقليدي، يقع في قلب المدينة القديمة وفي أزقتها الضيقة التي تشبه المتاهة.

    قطار مراكش 1747586370
    بوابة محطة القطار في مراكش وتظهر فيها لمسة العمارة المغربية واللون الأحمر الغامق المميز لمباني المدينة (الجزيرة)

    عندما وصلت إلى هناك، وجدت المكان وكأنه قطعة من “ألف ليلة وليلة”، يعج بالسائحين الأجانب. عند خروجي لنزهة ليلية وصلت إلى الساحة القائدية للمدينة، لاحظت أن أغلب النزل والفنادق علّقت لافتات مكتوبة عليها “عامر”، أي “ممتلئ” باللهجة المغربية. وبالفعل، بدا واضحًا أن كثيرًا من الزوار اختاروا، مثلي، إنهاء عامهم في مراكش، المدينة التي لا تخفت أضواؤها.

    تجربة الحمام المغربي

    أنهيت جولتي الليلية السريعة لاكتشاف شوارع مراكش، وقررت أن أستيقظ مبكرا ليوم جديد مليء بالحركة في هذه المدينة الساحرة. ومنذ وصولي إلى المغرب، كان في ذهني حلم صغير مؤجل: أن أجرب “الحمام المغربي” الذي كنت أتطلع إليه كثيرًا، وكنت أنوي أن أعيشه في موطنه الأصلي، مراكش.

    رغم بعض التردد، قررت أن أخوض هذه التجربة في صباح اليوم التالي داخل حمام تقليدي قريب من مقر إقامتي في قلب المدينة القديمة. الحمامات المغربية عادة ما تُقسم إلى قسمين: واحد للرجال وآخر للنساء، وتكون التكلفة بسيطة، تشمل باستخدام الحمام وخزانة لحفظ الأغراض وخدمة المدلكة، مع ضرورة إحضار الزائرة لأدواتها الخاصة: الصابون البلدي الأسود، والليفة المغربية، ومنشفة، وملابس للحمام.

    فكرت في عدم وجود يوم أفضل من نهاية السنة لأخوض تجربة قد لا تتكرر مرة أخرى في حياتي.

    المغرب/ الرباط/ سناء القويطي/ حمام تقليدي ضواحي الرباط/ مصدر الصورة: سناء القويطي
    الحمام المغربي له طقوسه الخاصة والتي تساعد المرء على الاسترخاء بدنيا ونفسيا (الجزيرة)

    كانت تجربة الحمام المغربي غامرة حقًا، وجديدة على جسدي وروحي معًا. ما إن دخلت حتى أحاط بي بخار كثيف، كأنني دخلت عالماً آخر، بعيدًا عن ضوضاء الشوارع وعن صخب السنة بأسره.

    في الزاوية جلست سيدة مسنّة، كانت المدلكة، وعلى وجهها ارتسمت ملامح الطيبة والخبرة. تحدثت معي بلطف ولهجة مغربية دافئة، وبعد أن انتهت من عملها قدمت لي كوبًا من القهوة الدافئة المنكهة بالهيل والقرفة، مما أعطاني شعورًا بالنشاط الداخلي والخارجي.

    في تلك اللحظات، شعرت وكأني أتحرر فعليًا، ليس فقط من الإرهاق الجسدي، بل من تراكم عام كامل من الضغط والتفكير والترحال. كان الحمام المغربي بمثابة طقس جديد للجسد الذي ودع عامًا واستعد لآخر أكثر تفاؤلًا وخفة.

    ساحة جامع الفنا

    كانت مراكش بحق خيارًا مثالياً مع اقتراب نهاية رحلتي في المغرب، وخاصة ساحة جامع الفنا، قلب المدينة النابض ومركز ترفيهها القائدي، يقصدها السكان المحليون والسياح على حد سواء، وتمثل خلاصة التجربة المراكشية الأصيلة. هناك، وسط الزحام والصخب، تتداخل العروض لمروضي القرود والأفاعي ورواة القصص والموسيقيين، مع الأسواق المليئة بأشهى المأكولات الشعبية والفواكه الطازجة.

    عالم مكتمل من التفاصيل، لا يعرف السكون سواءً خلال النهار أو الليل، وكأن الساحة لا تنام.

    تجولت بين من يعرضون التقاط الصور التذكارية، ومن يسيرون ببضائعهم بحثًا عن مشترٍ، ومن يجلسون في مدخل الساحة لنقش الحناء على أيدي النساء. كان كل شيء ينبض بالحياة، ولم تعكر صفوه سوى برودة الجو الشديدة.

    في نهاية ساحة جامع الفنا، كانت مئذنة جامع الكتبية تقف شامخة، كأنها بوصلة ترشد الزوار. هو أكبر مساجد مراكش، وتعود تسميته إلى “الكتبيين”، نسبةً إلى سوق الكتب والمخطوطات الذي كان ملاصقًا للمسجد يومًا. وقفتُ طويلاً أراقب المئذنة بعمارتها البسيطة والمهيبة في آن، وتأملت الآثار المحيطة، والحمام المحلّق في السماء، في مشهد بديع للغاية لالتقاط صور جميلة.

    الأسواق ومتعة الحواس

    على الجانب الآخر من المدينة القديمة، تنتظرني أسواق وكأنها خرجت من حكايات شعبية قديمة. متاجر التحف التقليدية تصطف إلى جانب المتاجر المخصصة للملابس التراثية، من الجلابيب المطرزة بدقة إلى الجلابيات الملونة التي تجسد أناقة المغرب المتجذرة.

    التوابل 1747587249
    تستحق أسواق مراكش، ومن ضمنها سوق التوابل، الزيارة (الجزيرة)

    مررت بسوق الذهب، ثم سوق التوابل الذي بدا كمشهد سينمائي رائع. أكوام التوابل مُرتبة بعناية وكأنها لوحات تتدرج ألوانها، وتملأ المكان برائحة تغمر الحواس. وبين الرائحة واللون، كان هناك صوت الشواء المتعالي من زوايا القطاع التجاري، حيث تتناثر طاولات صغيرة يقدم فيها الباعة المحليون أطباقًا من اللحوم الطازجة بأسعار معقولة.

    لكنني كنت أبحث عن كنز من نوع خاص. قهوة مُنكهة تجذبتني منذ تذوقها في شفشاون، وأعادني بها الحمام المغربي. سألت عنها في كل مكان حتى أرشدني أحدهم إلى مطحنة قديمة في زقاق ضيق. اشتريت منها كمية تكفيني لعدة شهور، لأحمل معي نكهة المغرب إلى الإسكندرية. كانت من أجمل التذكارات التي اشتريتها، رائحة وطعمًا وذكرى.

    الدار البيضاء.. آخر محطة

    بعد يوم حافل بين أسواق مراكش وساحة جامع الفنا، وقبل أن تغيب الشمس تمامًا، بدأت رحلتي نحو وجهتي الأخيرة في المغرب: الدار البيضاء.

    كان لابد من أن أكون هناك قبل العودة إلى مصر. اقترب الوقت من التاسعة مساء، وكانت مراكش تنبض بالحياة. كانت الليلة رأس السنة الميلادية، والشوارع مزدحمة بشكل غير عادي، والكل في حركة دائمة. حاولت مرارًا استدعاء سيارة أجرة، بلا جدوى، وكل دقيقة تمر تزيد توتري.

    مع قرب موعد القطار، كنت على وشك أن أصدق أنني سأفوت الرحلة. لكن حدثت معجزة صغيرة. توقفت سيارة، وصلت إلى المحطة في اللحظة الأخيرة، وكان لدي الوقت الكافي لشراء بعض المأكولات السريعة. رغم التوتر، كانت الأجواء مبهجة، الأعلام المغربية تهتز، والزينة تُضيء المتاجر، والشوارع مكتظة بالناس.

    تضم العاصمة الماليةية للمغرب الدار البيضاء آلاف الحمامات الشعبية
    جانب من الأحياء المجاورة لميناء الدار البيضاء (الجزيرة)

    وصلتُ إلى الدار البيضاء قبل دقائق من منتصف الليل، بينما كانت عقارب الساعة تتحضر لاستقبال عام جديد. توقعت أن أجد المدينة تعج بالاحتفالات كما في مراكش، لكن المفاجأة كانت أن كل شيء بدا هادئًا تمامًا، لا أصوات، لا أضواء، لا ازدحام… كان هدوءًا لافتًا بدا لي في تلك اللحظة وكأنه ما كنت أحتاجه تمامًا بعد رحلة طويلة هو الراحة في الفندق الصغير في قلب المدينة القديمة بالدار البيضاء.

    في صباح اليوم التالي، علمت أن الوقت ليس في صفي، فموعد الطائرة كان في المساء. كانت خطتي بسيطة وواضحة: أودع المغرب من أحد أبرز معالمه، جامع الحسن الثاني، وأستمتع بالمشي قرب البحر على الممشى المجاور للجامع.

    أكبر مساجد المغرب

    خرجت من الفندق مبكرًا، وسرت في شوارع المدينة التي بدأت تستيقظ على مهل. وصلت قبل صلاة الظهر إلى جامع الحسن الثاني، تحفة معمارية إسلامية تُجسد الطابع المعماري المغربي الأندلسي، بُني نصفه فوق مياه المحيط الأطلسي على الشاطئ الغربي لمدينة الدار البيضاء، بينما وُضع نصفه الآخر على اليابسة. شعرت أنني أقف أمام معجزة مشيدة من الحجر تواجه المحيط الأطلسي، وهذا كافٍ لسلب الأنفاس، لأنه أكبر مسجد في المغرب ومن بين أكبر المساجد في العالم وأجملها.

    الجامع 1747587983
    جامع الحسن الثاني في الدار البيضاء هو أكبر المساجد في المملكة ويقع على كورنيش المدينة (الجزيرة)

    تفاصيله المعمارية تُجسد الحرفية المغربية: الزليج المُلوّن، الأرابيسك، النقوش الدقيقة التي لا تُترك دون تزيين، والمئذنة الشامخة التي ترتفع لأكثر من 200 متر، لكن أكثر ما علق في ذاكرتي، كان صوت القرآن الكريم أثناء صلاة الظهر، مقروءًا برواية “ورش عن نافع” التي كنت أستمع إليها لأول مرة.

    للأسف، لم أتمكن من قضاء فترة طويلة داخل المسجد، إذ تُغلق أبوابه مباشرة بعد أداء الصلاة. شعرت بخيبة أمل صغيرة، كنت أود الخروج في الأروقة بهدوء، ولكن رغم قصر الوقت، كنت قد اقتنصت لحظات ثمينة لألتقط بعض الصور التي لا تُنسى.

    وداع دافئ من البحر

    خرجت من المسجد وكنت أمتلك بعض الوقت قبل التوجه إلى المطار، فقررت قضاءه بجانب كورنيش الدار البيضاء، ذلك الممشى الطويل الذي يمتد بمحاذاة البحر، وكان الجو مشمسًا رغم أنه كان اليوم الأول من يناير. قمت بالمشي ذهابًا وإيابًا، أتنفس نسيم المحيط الأطلسي، وأراقب من حولي… كان هناك من يمارس الرياضة، وآخرون يجلسون في هدوء، أو يتجمعون حول أكشاك تبيع الحلويات والعصائر. بدا الكورنيش كوداع دافئ من البحر بالنيابة عن المغرب.

    عدتُ إلى الفندق، ولملمت حقائبي… ومعها كل الذكريات، والوجوه التي قابلتها، والنكهات التي تذوقتها. اتجهت إلى مطار محمد الخامس، وجلست أترقب موعد رحلتي إلى القاهرة التي وصلت في صباح اليوم التالي.

    هكذا أنهت رحلتي في المغرب التي بدأت بخيال قديم تشكل من الكتب والصور، وانتهت بواقع وذكريات أغنى وأعمق مما تخيلت. كل مدينة زرتها منحتني شيئًا مختلفًا، وشيئًا مشتركًا أيضًا… كرم أهلها، تنوع طابعها وثقافتها، وتفرد تفاصيلها.


    رابط المصدر

  • المغرب من منظور إسكندراني: تجربتي في بلادٍ ألفتها قبل أن أراها

    المغرب من منظور إسكندراني: تجربتي في بلادٍ ألفتها قبل أن أراها


    كانت زيارة المغرب بالنسبة لي أكثر من مجرد رحلة سياحية. نشأت في الإسكندرية على حكايات عن المغاربة، ورغبت في استكشاف ثقافتهم الطبيعية. بدأت تخطيط رحلتي بحصولي على تأشيرة إلكترونية، ثم قمت بحجز التذاكر والفنادق. بدأت رحلتي من الرباط إلى مراكش، حيث استقبلتني صديقتي بأول وجبة مغربية. كانت تجربتي في المدينة القديمة رائعة، متجولة بين الأسواق والمعالم التاريخية. انتقلت لاحقًا إلى طنجة عبر القطار الفائق السرعة “البراق”، واستمتعت بجمالها وتاريخها. ثم زرت شفشاون، تلك المدينة الزرقاء الهادئة، حيث اكتشفت شلالات جميلة. سأواصل رحلتي إلى فاس ومراكش.

    لم تكن رحلتي إلى المغرب مجرد حلم سياحي، كوني عاشقة للسفر، بل كانت تجربة أعمق. كان المغرب بالنسبة لي أكثر من مجرد بلد يتمتع بتنوع ثقافي وطبيعي مدهش، بالأخص أنني نشأت في الإسكندرية مع قصص عن مغاربة استقروا قرب بحرنا، وقد أُطلق اسمهم على حي وسوق لا يزالان حيين حتى اليوم.

    أحلم منذ سنوات بالمشي في شوارع المغرب، التي كانت تتعلق بذاكرتي بالدفء والدهشة. وحين جاء الحلم إلى الحياة، شعرت أنني في مكان أعرفه قبل أن أراه.

    من الفكرة إلى التخطيط

    بدأت بتخطيط رحلتي عبر الحصول على التأشيرة إلكترونيًا في وقت قصير. تلا ذلك حجز تذاكر السفر في نهاية ديسمبر/كانون الأول لأودع عامًا واستقبل آخر في بلد جديد.

    والآن، كنت في صدد البحث عن المدن التي أرغب بزيارتها، فما عدا الرحلة التي ستستمر 10 أيام، كان الخيار متنوعًا. وبالتالي، كان من المهم وضع خطة تفصيلية تتيح لي حجز الفنادق مسبقًا والاستفادة من الوقت لاستكشاف المغرب.

    بعد استشارة الأصدقاء، قررت أن أبدأ الرحلة من الرباط وأن أنهيها في مراكش، المدينة التي طالما سمعت عنها. لأني أؤمن بأن متعة السفر تبدأ بالتخطيط، أخذت حجز أماكن الإقامة خلال تخفيضات الجمعة البيضاء في نوفمبر/تشرين الثاني، مما أتاح لي أسعارًا جيدة. كما اخترت السفر عبر الخطوط الجوية المغربية لتكون تجربتي مغربية من البداية.

    في صباح 23 ديسمبر/كانون الأول، أقلعت من مطار القاهرة نحو مطار الدار البيضاء، وإجراءات الوصول كانت سلسة. قمت بصرف بعض الدراهم من صرافة المطار، ثم اشتريت شريحة هاتف محلي، وتوجهت مباشرة إلى محطة القطار داخل المطار متوجهة إلى الرباط.

    Mohammed V International Airport in Casablanca, Morocco, Africa. The airport is the busiest airport in Morocco with approximately 8 million passengers passing through the airport each year. (Photo by Creative Touch Imaging Ltd./NurPhoto via Getty Images)
    مطار الدار البيضاء هو أول محطة من محطات تجربة المسافرين إلى المغرب (غيتي)

    اليوم الأول بالمغرب

    هبطت الطائرة بسلام في مطار الدار البيضاء – “كازا” كما يسميه المغاربة – وبدأت تجربتي مع اللهجة المحلية. رغم محاولتي تعلم بعض الكلمات قبل السفر، وجدت نفسي أتعثر أحيانًا وأسأل عن كلمات جديدة وأقارنها باللهجة المصرية، وكانت تلك جزءًا من متعة السفر التي كنت في انتظارها.

    وصلت إلى منزل صديقتي المغربية حيث استقبلتني بالأتاي، الشاي المغربي التقليدي بالنعناع، والذي يُعد رمزًا للضيافة. وفي صباح اليوم التالي، تناولت “المسمن”، وهي فطيرة شهية من الدقيق والسميد، وكانت هذه بداية العلاقة مع المطبخ المغربي التي استمرت طوال الرحلة.

    الأتاي أو الشاي المغربي
    الأتاي أو الشاي المغربي رمز الضيافة والحاضر الدائم في المجالس المغربية (الجزيرة)

    نصحتني صديقتي بزيارة المدينة القديمة في الرباط، خاصة يوم الأحد عندما يُقام القطاع التجاري الشعبي. أخذت نصائحها بعين الاعتبار، خاصة حول التنقل باستخدام سيارات الأجرة، حيث يوجد الطاكسي الصغير الذي يعمل بالعداد والطاكسي الكبير الذي عادةً ما يُتفق على أجرته مسبقًا.

    المدينة القديمة في الرباط تحتفظ بجو تاريخي، مع معالم مثل قصبة الأوداية، وشالة، والسور الموحدي، وصومعة حسان. الشعور بالسير في هذه الأزقة العتيقة كان كأني أجد نفسي في متحف مفتوح للفن المغربي، من الزخارف الخضراء إلى النقوش المنحوتة.

    من المدينة القديمة بالرباط
    جانب من فن العمارة المغربية في بيوت المدينة العتيقة في الرباط (الجزيرة)

    كانت الأسواق تعج بالمنتجات المحلية من الجلود والأحذية والهدايا التذكارية. أما الحلويات، فكانت تجربة فريدة في كتاب النكهات المغربية، حيث جربت الشباكية وكعب الغزال والمقروط مقابل 5 دراهم فقط (نصف دولار).

    خيارات الطعام كانت ممتعة، إذ يعتبر المطبخ المغربي غنيًا ومتنوّعًا. أينما ذهبت، تجد الطاجين، الكسكس، والمأكولات البحرية المعروفة بـ “الحوت”.

    في ذلك اليوم، اخترت تناول “الصوصيص”، النقانق المشوية المقدمة في شطائر مع الطماطم والخس. بعد ذلك، اشتريت بعض الهدايا التذكارية وانتهى يومي الأول في المغرب محملاً بالنكهات والانطباعات.

    إلى طنجة عبر البراق

    في اليوم الثاني من رحلتي، ذهبت إلى محطة القطار لأستقل “البراق”، أحد معالم المغرب الحديثة والفريدة، الذي يعرف بسرعته الخاطفة كالبَرَق.

    يعتبر البراق أول قطار فائق السرعة في أفريقيا والعالم العربي، تصل سرعته إلى 375 كلم في الساعة، مما يجعله من بين الأسرع في العالم، ويربط بين الدار البيضاء وطنجة، مرورًا بالرباط والقنيطرة.

    Rabat 1747068791
    محطة القطار في حي نوّهال بالعاصمة المغربية ومنها ينطلق القطار الفائق السرعة “البراق” إلى طنجة (الجزيرة)

    على الرغم من أن تكلفة البراق أعلى من القطارات التقليدية، إلا أنه يُعتبر وسيلة مريحة وفعالة. أنصح بحجز التذكرة مسبقًا عبر الموقع الإلكتروني، خاصة خلال عطلات نهاية الإسبوع والمواسم الرسمية، حيث ترتفع الأسعار وقد يكون من الصعب العثور على مقعد.

    كانت الرحلة على متن البراق هادئة واستغرقت ساعة و20 دقيقة فقط، بدلًا من 5 ساعات بالقطار العادي. لم أفارق مشاهد الطبيعة المتغيرة من نافذة القطار حتى وصلت إلى طنجة، المدينة المحببة إلى قلبي.

    طنجة عروس الشمال

    طنجة، الواقعة في شمال المغرب، تلتقي فيها مياه البحر الأبيض المتوسط مع المحيط الأطلسي، وتُعرف بعروس الشمال وبسحرها التاريخي والجغرافي. شعرت منذ لحظة وصولي بانتماء غريب، ربما لأني قادمة من الإسكندرية ووجدت في طنجة مدينة بحرية تشبهني.

    منظر من أعلى 1747583566
    مدينة طنجة من أجمل المدن المغربية بفضل موقعها الجغرافي وتاريخها ومعمارها (الجزيرة)

    كانت تجربتي الأولى في الإقامة في المغرب في “رياض” تقليدي يقع في المدينة العتيقة لطنجة، والذي يتميز بتصميم معماري مغربي جميل من الأقواس وأنماط الفسيفساء.

    كثيرًا ما ينتمي الرياض إلى منازل قديمة، وجميع غرفه متجاورة مما يمنح السائح شعورًا بالهدوء والراحة.

    بعد قليل من الراحة، بدأت بالتجول في الأزقة القديمة حتى وصلت إلى قصبة المدينة. كانت عشوائية السير هي خطتي في اليوم الأول، حيث تركت قدمي تقوداني بين المتاجر التقليدية والهدايا التذكارية.

    هدايا من سوق طنجة
    محلات بيع الهدايا التذكارية تنتشر في المناطق السياحية بالمدينة القديمة لطنجة (الجزيرة)

    ضريح ابن بطوطة

    استمتعت بالسير على غفلة وتوثيق كل لحظة من رحلتي. صدفةً وصلت إلى “زنقة ابن بطوطة” ووجدت ضريحه البسيط المحاط بالزهور. لم أكن أعلم أنني سأزوره نفسي، فأنا التي دُهشت بقراءة رحلاته!

    كان الضريح بسيطًا ويُحيطه سبيل صغير. هناك، لم يكن هناك من يحميه أو يمنع الاقتراب منه، وشعرت بأنني لن أنسى هذه اللحظة!

    تفاصيل ضريح ابن بطوطة
    جانب من ضريح الرحالة المغربي الأشهر ابن بطوطة في مدينة طنجة (الجزيرة)

    تابعت طريقي نحو القصبة، حيث تتلاقى مياه البحر مع جدران المدينة القديمة، وتعانق القلاع والمباني الأندلسية. تعتبر قصبة طنجة رمزًا لتراث المدينة، حيث زرت متحف القصبة وبيت العود الذي سحرني بأجوائه.

    سرت على الممشى البحري نحو “مارينا طنجة” حيث تتراصف اليخوت وتنتشر المطاعم. ورأيت العبارات التي تعبر إلى أوروبا.

    في المساء، جالت بي ابنة صاحب الرياض الذي أقمت فيه في جولة بالقطاع التجاري، وأرشدتني لأماكن التسوق المناسبة، وشجعتني على تذوق البسطيلة، فطيرة تجمع بين الدجاج والقرفة. كانت هذه التجربة من أجمل ما مررت به في الرحلة.

    هكذا انتهى يومي الأول في طنجة، مع وعود لاستكشاف أماكن جديدة في اليوم التالي. بدأت صباحي بإفطار مغربي يتمثل في صحن البيصارة، والذي يختلف في الطعم وطريقة التحضير عن مصر.

    صحن بيصارة 1747583997
    من لم يذق حساء البيصارة فقد فاته الكثير للتعرف على ثقافة الأكل في طنجة (الجزيرة)

    معالم بحرية

    انطلقت بعد ذلك في جولة عبر الأتوبيس السياحي لمدينة طنجة، الذي يأخذك إلى أهم معالمها. كانت محطتي الأولى مغارة هرقل، الموجودة في منطقة رأس سبارطيل.

    يُعتبر رأس سبارطيل نقطة جغرافية مهمة في المغرب، حيث يقع على ارتفاع أكثر من 300 متر بجنوب مضيق جبل طارق. هناك، توجد مغارة هرقل التي تمتد 30 مترًا داخل الجبل، وتُعتبر من أشهر المعالم الطبيعية في البلاد.

    تتميز المغارة بموقعها وتكوينها الصخري، وهناك أساطير تتعلق باسمها، منها ما يدل على أن البطل الإغريقي هرقل لجأ إليها.

    هرقل 1747584164
    عديد من الأساطير تحوم حول مغارة هرقل بطنجة سواء بسبب تسميتها أو بعض الأشكال داخلها (الجزيرة)

    انتهت الجولة بالعودة استعدادًا للسفر إلى مدينة شفشاون البعيدة.

    شفشاون الجوهرة الزرقاء

    وصلت إلى شفشاون ليلاً، بعد يوم مرهق من انتقالات المواصلات. كانت السيارة قديمة والرحلة مزدحمة، لكني كنت الوحيدة المصرية فيها. وعرض أحد الشبان المغاربة مساعدتي عندما رأى مشكلتي مع الحقائب.

    وصلت المدينة في سكون وهدوء غير مسبوق. كان البرد قارصًا، وبمجرد خروجك من السيارة كنت أشعر بأشجارها الجبلية من حولي. اتصلت بصاحب الرياض الجديد الذي وجدته بانتظاري ليقودني إلى نُزل صغير وسط الأزقة الزرقاء.

    تفاصيل رياض تقليدي في شفشاون (1)
    نموذج لرياض تقليدي في مدينة شفشاون (الجزيرة)

    على الرغم من تعب الرحلة، كنت أعلم أنني وصلت لمدينة مختلفة، مدينة صغيرة تنفرد بسحر خاص.

    خرجت لتمشية في المدينة القديمة، لكنني لم أجدها تنبض بالحيوية كطنجة. شعرت ببعض الإحباط لكنني قررت أن الغد سيوضّح لي جمال شفشاون في وضح النهار.

    بدأت يومي بإفطار بسيط في ساحة هادئة: مسمن مغربي بالجبن وكوب من القهوة المغربية التي كانت أول تجربة لي.

    القصبة بشفشاون 1747584376
    بوابة القصبة الأثرية في قلب شفشاون شيدها مؤسس المدينة نفسها في القرن التاسع الهجري (الجزيرة)

    شفشاون ومواقع التواصل

    خرجت صباحًا مستعدة لاكتشاف المدينة الزرقاء التي لطالما رأيتها في الصور. لكنني شعرت بأن المدينة أصغر وأهدأ مما توقعت، وكانت أكثر بساطة مما تعكسه صفحات التواصل الاجتماعي، مما سبب لي خيبة أمل لم أخفها.

    لم أجد كل الزوايا الساحرة وبدت لي الشوارع أقل نشاطًا. لكن شفشاون لا تتآمر على السياح.

    في قلب المدينة، حيث تقع القصبة الأثرية التي يعود تاريخها إلى القرن التاسع الهجري، انتشرت المحال الصغيرة التي تبيع الهدايا التذكارية والمشغولات التقليدية.

    بينما كنت أتمشى، جذبتني أصوات المياه، فتتبعتها حتى وصلت إلى شلال صغير ينساب ببراءة، وكأنما المدينة كلها تنبض هنا.

    ملامح من شفشاون-
    معروف عن أهل مدينة شفشاون الاعتناء بشوارعها الضيقة وواجهات المنازل التقليدية (الجزيرة)

    قبل الظهيرة، قررت مغادرة شفشاون راضية عن زيارتي القصيرة المليئة بالهدوء، لكني كنت متحمسة لزيارة المحطة التالية.. مدينة التاريخ والعراقة: فاس.

    في الجزء الثاني، سأتابع رحلتي في المغرب لأتعرف على فاس ومراكش والدار البيضاء.


    رابط المصدر

  • تفاوت ثقافي في الإدارة المالية: قصة القذافي ورجل بريطاني في تحدِّيات التعامل مع المال الخاص – رحلة مثيرة

    تفاوت ثقافي في الإدارة المالية: قصة القذافي ورجل بريطاني في تحدِّيات التعامل مع المال الخاص – رحلة مثيرة

    الاختلاف الثقافي في التعامل مع المال: لماذا ينجح الغربيون في التخطيط للمستقبل بينما يعيش العرب بيومهم فقط؟

    أخبار اليمن اليوم، البروفيسور أيوب الحمادي: حالنا اقل منهم والسبب اننا لا نخطط للمستقبل!!!!!

    كنت جالس مع دكتور من ليبيا نتحدث عن سلوك الشعوب الغربية كأشخاص في التعامل مع المال الخاص، حيث قال مرة القذافي عندما كان في بريطانيا في دورة عسكرية ركب القطار من منطقة معينة حيث انه جلس بجانب انجليزي. ظل يتحدث معه بحكم الطريق الى ان وصل الموظف المختص بتحصيل تذاكر الركاب اي الكمسري. المهم شهامة وكرم العرب طلعت عند القذافي وقرر يدفع قيمة التذكرة للبريطاني مع قيمة تذكرته و البريطاني مستغرب من ذلك، حيث لم يفهم ذلك، اي اذا كان عنده فلوس زيادة، لماذا لم يتعلم ان يدخر ليوم اسود في حياته كما هو طبيعي. القذافي لم ينتظر قليل الا و جاءت عربة القهوة والسندويشات. قام البريطاني اشترى لحاله ما يريد، دون ان يعبر القذافي. ومن وقتها والقذافي الى ان قتل يسرد الحكاية على قلة ذوق البريطانيين حيث انه دفع قيمة تذكرة اكبر من قيمة القهوة لبريطاني، دون ان يحاول البريطاني يرد ذلك اقلها بقهوة لا تكلف شيء مقارنة بقمة التذكرة.

    العربي يعيش بماله وتخطيطه يومه فقط، لذلك ينتهي الى كارثة. لم يفهم القذافي ان الغربي ليس بخيل او قليل ذوق ولكن يتصرف بعقلانية مع ما يملك لاسيما هو يتعب من اجل الحصول على وظيفة ومنها مال يدفع ثلثه ضرائب ولا يتبقى الا مابين ٦٠ الى ٧٠ في المائة منه، لذا يقتصد بشكل غريب ولا ينفق لكي يقولوا عنه كريم او شهم او بطل فهذه ليست في ثقافته. الغربي يريد يستمتع بعمره، وادخار المال يسهل له الوصول الى سعادة وامان ومتعة اكثر. الغربي لا يتفاخر في البناء والقصور ولا في الفشخرة والخدم والمرافقين ولا في الاعراس ولا حتى في الكرم ولا الحفلات، اي يمكن يكون معه اكثر من مليون يورو دون ان تشعر وانت جار له، حتى ابنه او بنته لا تنتظر منه يساعدها، مما يجعل الكل يعتمد على حاله يدير اموره بحسب امكانيته دون ربط قدره بالصدفة او اصرف مافي الجيب ياتيك مافي الغيب.

    غياب ثقافة الادخار سبب كل أزمة تمر بها الاسرة او الشخص اي سوء تصرف وغياب وعي بأهمية ما يستهلك، فمن حين لاخر نجد هناك ديون و قروض هائلة فوق امكانية الشخص او الاسرة، ما يجعل السبب يعود الى غياب معنى الميزانية ومفهوم استعمال النقود حسب المسموح. فنجد ان الأسر العربية كمثل يتسابقون الى اخذ قروض من اشخاص او بنوك ليس لشيء مهم وانما لكي يقضون اجازتهم او شراء سيارة او تجديد اثاث او عمل حفلة عرس مكلفة او لمشروع فاشل او لوهم كاذب او فشخرة ليس لها معنى او غير ذلك متناسين انهم بذلك يعقدون حياتهم بحبل القروض. لذلك لا تستغرب عندما تجد ان اكثر من ٩٠ % من الأسرة الخليجية وبالذات في المملكة لا تدخر لها اي مبلغ مالي بسبب الاستهلاك وان من هم مقترض وصل إلى مايقارب ٤ مليون مقترض وتجاوز قروضهم الشخصية مبلغ ٤٠٠ مليار ريال سعودي ورغم ذلك تجد ان الخدامة الفلبينية والسواق الباكستاني لازال ضروري لهم. ورغم ارتفاع المرتبات للمواطنين وكثرة المال في المملكة و عدم وجود ضرائب تدفع وانخفاض مستوى المعيشة فان حجم الودائع الادخارية في البنوك السعودية -رغم ذلك- لم تتجاوز ١٢٠ مليار دولار للشعب السعودي كمثل من واقعنا الغني، وهذا مبلغ ضئيل في اغنى بلد عربي.

    اما الصورة في الغرب ليس كما قال القذافي وانما تربية وسلوك منذ الطفولة. سلوك يحفظ كرامة الانسان الغربي من ذل السؤال والديون والقروض، التي ليس لها هدف وبالذات عندما يكبر. الانسان الغربي يعرف انه سوف يعيش لوحده ولن يساعده احد، لا يثق بالنظام الاجتماعي كرعاية له ولا يريد يكون عالة عليه، ولا ينتظر من ابنه وابنته تخدمه او تعطف عليه او حتى من زوجته ولا يفكر -اصرف مافي الجيب يأتيك مافي الغيب- وليس عنده خدامة من الفلبين او سواق من الهند او الصين. لذلك الكل واقول الكل يدخر ويتعلم يدخر ولا ينفق بعبط وارتجال، حتى في حفلاتهم الخاصة لا يطبخون الا بقدر وميزان وصنف او صنفين او حتى ثلاثة محدد ان كثر، لاينتهي الى الزبالة مثلما نعمل نحن العرب. قطرات ادخار الالمان برغم قلة المرتبات وكثرة الضرائب والنفقات تتجمع داخل المجتمع بشكل فلكي. شكل فلكي جعلها تصل الى ٦٨٠٠ مليار يورو اي ٨١٦٠ مليار دولار وهذا فقط ادخار، اي تكفي لو قسمتها للشعب الالماني بمعدل ٨١ الف يورو لكل شخص في المانيا طفل او عجوز, اي تكفي مصاريف للشعب الالماني لمدة ٨ سنوات و ٥ اشهر لو فكروا بمفهومنا -اصرف مافي الجيب يأتيك مافي الغيب- دون انتاج او عمل, اي ادخار الالمان ٦٨ مرة حجم ادخار الشعب السعودي برغم ان الالمان يدفعون ضرائب للدولة شهريا تكسر الظهر عكس سكان المملكة. هذه الادخارات في البنوك ترتفع بشكل كبير كل سنة حيث انها ارتفعت بمقدر ٣٠ مليار يورو عن السنة السابقة.

    ادخار الالمان نابع عن ثقافة من الطفولة فهم لا يعطون اطفالهم فلوس مصاريف المدرسة الا كميزانية ضئيلة يدخرها الطفل ولا ينفقها الا للضرورة ، اي ليس كما نفعل نحن العرب، ولا يشترون لهم الالعاب دون هدف ودون مشاركة من الطفل نفسه في القيمة مما ادخر، والفلوس التي تتجمع في الاعياد من الاقارب تدخل الحصالة. ادخار الالمان الفلكي هنا يتقسم مابين ادخار في حسابات بنكية او اسهم. ففي الحسابات البنكية وصل الادخار الى ٢٨٨٠ مليار دولار و الباقي موزعة في اسهم وغيرها. ورغم ان الارباح الربوية ضئلة جدا لا تتجاوز صفر في المائة، والتضخم في العملة يفترس الكثير من الادخار، حيث وصل ماخسره المدخرون في السنة السابقة كنتيجة للتضخم الى ٣٨ مليار يورو اي ٤٦ مليار دولار، اي ماخسره المدخر الالماني بسبب التضخم في قيمة العملة اكثر من الناتج القومي لليمن بفارق ٩ مليار دولار على حال اليمن قبل الحرب، ورغم ذلك لازالوا الالمان يدخرون مثل النمل، حيث سوف يرتفع ادخارهم بمقدر ٤ في المائة ايضا هذا العام.

    الالمان برمجوا عقول ابنائهم بحب العمل والادخار والتخطيط بثقة للمستقبل بحسب مانملك، ونحن كعرب برمجنا عقول اطفالنا باصرف مافي الجيب يأتيك مافي الغيب، لذلك نجد انفسنا كشخاص وحكومات ومنظمات و جوامع علينا ديون وقروض ونعيش فقط نحاول نقنع غيرنا يعطونا قروض ومساعدات بعد ان انفقنا الذي معنا في سلوك عبثي من رأس الدولة الى اصغر شخص وليس ذلك فحسب و انما لا نموت الا بعد ان نحدث شورت كهرباء في عقول ابنائنا من جهلنا بفهم متطلبات هذا العصر. واخيرا اذكر صديق اردني مزوح طلب مني سلف اي قرض وعندما اعطيته، قال من حقك تطلب مني ابوس يدك وانت تعطيني الفلوس الان، قلت له ايش معنى؟ قال لان استرجاع فلوسك مني سوف تجعلك تبوس رجلي وتترجاني, وفعلا عودة فلوس الدائن صعب في مجتمع يفكر باصرف مافي الجيب يأتيك مافي الغيب.

    واخير نسبة ادخار أموال الأسر في المانيا من دخل الأسرة السنوي، وصلت الى حدود ١٢ % ولكم التخيل ان نسبة الادخار في الصين ٣ اضعاف نسبة ادخار الاسرة في المانيا. ولذا كنا قبل ٣٠ سنة نحن كعرب طلاب او مغتربين اغنى من الصينيين والهنود والمهاجرين من اوروبا الشرقية والفيتنامين والان حالنا اقل منهم والسبب اننا لانخطط للمستقبل لا في الاسرة ولا في الدول ولا في ثقافتنا، ونعيش يومنا كعرب بشكل اكبر فيلا وافضل سيارة واكبر عرس وفشخرة، وقبل قليل قلت لصديق نحن نكن فقراء ونعمل حفلة عرس ليست متواضعة، وانما نرهق انفسنا دون ضرورة وليست ذات اولوية، ونعزم ٥٠٠ شخص.