الوسم: كنز

  • بريزرين: كنز البلقان وسحر التاريخ وجمال الطبيعة الخلابة

    بريزرين: كنز البلقان وسحر التاريخ وجمال الطبيعة الخلابة


    بريزرين، الواقعة في جنوب غرب كوسوفو، تُعرف بـ “جوهرة البلقان” بسبب معالمها التاريخية وجمالها الطبيعي. الاسم يُشتق من التركية العثمانية “بُر زرين” بمعنى “الذهب الصافي”. تتميز المدينة بشوارعها القديمة، المساجد المزخرفة، والجسور الحجرية التي تعكس التداخل الحضاري بين الشرق والغرب، مثل مسجد سنان باشا والجسر الحجري “طاش كوبري”. تُعتبر بريزرين بوتقة ثقافية متنوعة، حيث تعيش أعراق مختلفة معاً، وتشتهر بالمطاعم التقليدية. السياح، مثل كاميران عبه جي أوغلو، يثمنون الثقافة التركية المستمرة، بينما يعتبر الزوار مثل رتيبة تاديفي أن المدينة تلامس القلوب وتعكس تاريخها العريق.

    |

    تعتبر مدينة بريزرين، الواقعة في جنوب غرب كوسوفو، رمزًا بارزًا للحضور العثماني العريق في منطقة البلقان. تعرف بلقب “جوهرة البلقان” نظراً لما تحمله من معالم تاريخية ساحرة، وجمال طبيعي مذهل، وثقافة نابضة بالحياة.

    اسم المدينة يرتبط بجذورها العثمانية، حيث يُعتقد أن “بُر زرين” مأخوذ من التركية العثمانية ويعني “الذهب النقي”، مما يشير إلى مكانة بريزرين كجوهرة متألقة بين مدن البلقان، تجمع بين عبق التاريخ وحداثة الحاضر.

    تظل شوارع المدينة القديمة، والمساجد المزينة، والجسور الحجرية، تسرد حقبات من تاريخ مشترك، مما يعكس التداخل الثقافي والحضاري بين الشرق والغرب، في مدينة تعتبر متحفًا مفتوحًا للحضارة العثمانية في قلب أوروبا.

    Prizren, Kosovo - 6 FEB 2024: The Lumbardhi i Prizrenit, or Prizren Bistrica is a river in Kosovo, flowing through Prizren, the second most populous city in Kosovo.
    بريزرين ثاني أكبر مدينة من حيث عدد السكان في كوسوفو (شترستوك)

    تاريخ عريق

    تقع مدينة بريزرين عند سفوح جبال شار، حيث تتمازج البيوت الحجرية ذات الطراز الألباني والتركي والبوشناقي (مسلمي البوسنة) مع المساجد والخانات والجسور التي تعود إلى العصر العثماني، لتشكل لوحة معمارية تأسر الإبصار وتنقل الزائر في رحلة عبر تفاصيل التاريخ وسحر الطبيعة.

    ومن بين أبرز معالم المدينة يأتي مسجد سنان باشا، الذي بُني في القرن السابع عشر، ويعد من روائع العمارة العثمانية في البلقان، وذلك بفضل قبابه المزخرفة وجدرانه التي تحتضن خطوطًا عربية راقية، تعكس فنون الخط والزخرفة الإسلامية بأجمل صورها.

    ولا تكتمل الزيارة إلى بريزرين دون المرور عبر الجسر الحجري التاريخي “طاش كوبري”، الذي يعود إلى القرن السادس عشر، ويعتبر واحدًا من أشهر رموز المدينة. يتهافت الزوار لالتقاط الصور أمامه.

    ومن أعلى تلال بريزرين، تبرز القلعة القديمة، حيث تمنح الزوار منظرًا بانوراميًا يخطف الأنفاس يمتد حتى جبال شار الشامخة.

    ثقافات متنوعة

    بريزرين ليست مجرد مدينة معمارية ذات طراز تاريخي، بل هي أيضًا بوتقة تنصهر فيها الثقافات واللغات والتقاليد، حيث تحتضن بين أحياءها مجموعة من الأعراق مثل الألبان والأتراك والبوشناق، لتشكل لوحة غنية بالتنوع الثقافي والتناغم الاجتماعي الذي يميز المدينة عن غيرها في منطقة البلقان.

    يشمل هذا التنوع تفاصيل الحياة اليومية، حيث تنبض شوارع بريزرين الضيقة بالحيوية، وتكتظ بالمقاهي التقليدية والمطاعم الشعبية التي تقدم مجموعة واسعة من الأطباق المحلية. يجد الزائر أمامه قائمة غنية بالنكهات، بدءًا من فطائر اللحم الشهيرة، مرورًا بأطباق الشواء المتنوعة، وصولًا إلى الحلويات الشرقية التي تشتهر بها المدينة.

    Prizren, Kosovo - 6 FEB 2024: Touristic stores and cafes around the Sinan Pasha Mosque, the most popular spot of Prizren, Kosovo.
    المتاجر السياحية والمقاهي حول مسجد سنان باشا، المكان الأكثر شعبية في بريزرين (شترستوك)

    الثقافة التركية

    يقول كاميران عبه جي أوغلو، سائح تركي جاء من العاصمة المقدونية سكوبيا لزيارة بريزرين، إنه لا يزال يشعر بعبق الماضي في هذه الأماكن، وكأن الزمن لم يمضِ، حيث يقول: “تظل هذه الأماكن مليئة بالثقافة التركية، ولا يزال الكثير من الناس هنا يتحدثون التركية”.

    استرجع عبه جي أوغلو ذكرياته خلال زيارته السابقة إلى كوسوفو في تسعينيات القرن الماضي ضمن وفد رسمي مع القائد التركي الراحل “تورغوت أوزال”، مشيدًا بجهود الوكالة التركية للتعاون والتنسيق (تيكا) في ترميم المعالم العثمانية، خاصة ضريح السلطان مراد في كوسوفو.

    على الجانب الآخر، قالت رتيبة تاديفي، القادمة من سراييفو البوسنة: “لقد أرغب في زيارة بريزرين منذ فترة طويلة، فهنا جذور عائلتي التي هاجرت إلى سراييفو منذ عقود. عدت اليوم لاستكشاف هذه المدينة الجميلة التي تشبه سراييفو في تفاصيلها وأجوائها”.

    لفتت تاديفي إلى أن زيارتها “تزامنت مع بدء تطبيق سياسة السفر بالبطاقة الشخصية بين البوسنة وكوسوفو”، مما سهل حركة الأشخاص بين البلدين.

    رأت أن بريزرين تمثل مزيجًا فريدًا من عبق التاريخ وجمال الطبيعة، مشددة على أن “المعالم العثمانية موجودة وسط المناظر الطبيعية الخلابة، وتحتضن المدينة ذكريات الأجداد وأحلام الأحفاد”.

    اختتمت رتيبة حديثها بالقول: “بريزرين ليست مجرد مدينة عابرة، بل وجهة تمس الوجدان، وتجذب القلوب، وتعيد إحياء قصة حضارة ما زالت تكتب فصولها في البلقان”.


    رابط المصدر

  • “دم التنين” في سقطرى: كنز بيئي فريد يواجه خطر الانقراض

    “دم التنين” في سقطرى: كنز بيئي فريد يواجه خطر الانقراض


    جزيرة سقطرى، المعروفة بتنوعها البيولوجي الفريد، تواجه تهديدات خطيرة بسبب تغير المناخ والرعي الجائر. تضم الجزيرة 825 نوعًا من النباتات، بما في ذلك شجرة دم التنين، التي تُعتبر أساسية لنظامها البيئي. العواصف المتزايدة والماعز الغازي تدمر الغابات، مما يعيق نمو الأشجار. تستقطب سقطرى حوالي 5000 سائح سنويًا، لكن السياحة المحلية تعتمد على استدامة هذه الأشجار. جهود الحفظ تواجه تحديات بسبب الأوضاع السياسية والماليةية في اليمن. يأنذر العلماء من أن اختفاء هذه الأشجار سيؤدي إلى انهيار النظام الحاكم البيئي المحلي.

    |

    تُعتبر جزيرة سقطرى غالباً بمثابة نظير لجزر غالاباغوس في الإكوادور، إذ تحلق في عزلة رائعة تبعد نحو 240 كيلومتراً عن الساحل الأفريقي، وقد أهّلها تنوعها البيولوجي، الذي يضم 825 نوعاً من النباتات، للانضمام إلى قائمة التراث العالمي لليونسكو، حيث أن أكثر من ثلث هذه الأنواع لا يوجد في أي مكان آخر في العالم.

    توحي أشجار الزجاجة، التي تبرز جذوعها المنتفخة من خلال الصخور، بمظهر يشبه المنحوتات، بينما تبرز أغصان شجرة دم التنين الملتوية نحو السماء كأنها جزء من خيال جغرافي، ويبدو شكلها الغريب أشبه بروايات دكتور سوس أكثر من كونه جزءاً من غابة طبيعية.

    تشتهر هذه الأشجار بمظلاتها على شكل فطر ونسغها الأحمر، الذي يتدفق من خشبها. ورغم أنها كانت في السابق كثيرة العدد، أحدثت الأعاصير المتزايدة ورعي الماعز الغير المحلي والاضطرابات المستمرة في اليمن ضرراً بليغاً عليها وعلى البيئة الفريدة التي تنتمي إليها.

    تستقبل الجزيرة حوالي 5 آلاف سائح سنوياً، وينجذب الكثيرون لجمال غابات دم التنين، ويرتبط اسم هذه الشجرة، التي قد تصل إلى ارتفاع 6 أمتار، بالدم بسبب النسغ الأحمر الداكن الذي ينزف من جذعها عند القطع، ولقد كانت هذه المادة تعتبر ذات قيمة كبيرة في الماضي.

    يُشترط على الزوار استخدام مرشدين محليين والإقامة في مخيمات تديرها عائلات سقطرى لضمان توزيع عائدات السياحة في المواطنون المحلي، وإذا اختفت تلك الأشجار الرائعة، فإن الصناعة التي تعيل العديد من سكان الجزيرة ستختفي أيضاً.

    AP25136724769009 1747706279
    شجرة التنين ركيزة أساسية في النظام الحاكم البيئي لجزيرة سقطرى (أسوشيتد برس)

    تحفة نباتية وبيئية

    تُعتبر شجرة دم التنين أكثر من مجرد تحفة نباتية؛ فهي عنصر أساسي في النظام الحاكم البيئي لجزيرة سقطرى. حيث تلتقط فروعها المتشابكة مع الأوراق الشبيهة بالمظلات الضباب والأمطار، وتنقلها إلى التربة، مما يساعد النباتات المجاورة على الازدهار في المناخ الجاف.

    صرح عالم الأحياء البلجيكي كاي فان دام، المتخصص في حفظ البيئة والذي عمل في سقطرى منذ عام 1999، قائلاً: “عندما تفقد الأشجار، تفقد كل شيء، بما في ذلك التربة والمياه والنظام الحاكم البيئي بالكامل”.

    وعبر علماء مثل فان دام عن قلقهم من أن هذه الأشجار قد تختفي خلال عدد قليل من القرون، ومعها كثير من الأنواع الأخرى إذا لم يتم التدخل، وقد أدت سنوات من تغير المناخ والرعي الجائر وحصاد سائلها الأحمر إلى تقليص أعداد هذه الشجرة المدهشة.

    أضاف فان دام: “لقد نجحنا كبشر في تدمير مساحات شاسعة من الطبيعة في معظم جزر العالم.. سقطرى هي المكان الذي يمكننا فيه القيام بشيء حقيقي. لكن إذا لم نتخذ إجراءات، فإن المسؤولية تقع على عاتقنا”.

    تتواجد أكبر بقايا غابة دم التنين على هضبة فيرمين الوعرة في سقطرى، حيث تتوزع آلاف المظلات الواسعة فوق جذوع رقيقة، وتجوب طيور الزرزور السقطري بين التيجان الكثيفة بينما تحلق النسور المصرية في وجه هبات الرياح العاتية. وفي الأسفل، تتنقل الماعز بين الشجيرات الصخرية.

    AP25136724855261 1747706233
    العواصف الشديدة والمتكررة تؤثر بشكل كبير على أشجار دم التنين (أسوشيتد برس)

    رمز تحت التهديد

    أظهرت دراسة أجريت في عام 2017 ونُشرت في مجلة “نيتشر”، أن وتيرة الأعاصير الشديدة قد ازدادت بشكل ملحوظ في جميع أنحاء بحر العرب خلال العقود الأخيرة، مما أدى إلى تأثيرات سلبية على أشجار دم التنين في سقطرى.

    في عام 2015، تعرضت الجزيرة لعاصفة مدمرة غير مسبوقة، أسفرت عن اقتلاع آلاف الأشجار التي يعود تاريخ بعضها إلى قرون، وقد صمدت أمام عواصف سابقة عديدة. واستمر الدمار في عام 2018 مع إعصار آخر.

    لكن الأعاصير ليست التهديد الوحيد؛ فعلى عكس أشجار الصنوبر أو البلوط التي تنمو بسرعة تتراوح بين 60 و90 سنتيمتراً سنوياً، تنمو أشجار دم التنين بمعدل بطيء يصل إلى 2 إلى 3 سنتيمترات فقط سنوياً. وبحلول وقت نضوجها، تكون الكثير منها قد تعرضت لخطر غير مرئي هو رعي الماعز.

    تستهلك الماعز التي تسرح بحرية الشتلات قبل أن تتمكن من النمو خارج المنحدرات الوعرة، ولا تستطيع أشجار دم التنين الصغيرة البقاء إلا في المشاتل المحمية فقط.

    أوضح آلان فورست، عالم التنوع البيولوجي في مركز زراعة نباتات الشرق الأوسط التابع للحديقة النباتية الملكية في إدنبرة بإسكتلندا، قائلاً: “معظم الغابات التي تم مسحها هي غابات ناضجة، لذلك لا توجد أشجار صغيرة أو شتلات. لذا لدينا أشجار قديمة تتساقط وتموت، ولكن لا يحدث تجديد كبير”.

    أضاف فورست: “بداخل هذه المشاتل والأحواض، يكون نمو النباتات وعمرها أفضل بكثير. وبالتالي ستكون أكثر قدرة على التكيف مع تغييرات المناخ”. لكن جهود الحفظ هذه تُعقَّد بالحروب والأوضاع المتوترة في اليمن، كما يتضح من واقع الحال في هذه الجزيرة الساحرة.

    ap25136724764033 1 1747706340
    في هضبة فيرمين الوعرة في سقطرى بقيت أكبر غابة صامدة من غابات دم التنين (أسوشيتد برس)

    قال عبد الرحمن الإرياني، مستشار في شركة “غلف ستيت أناليتيكس”، وهي شركة لاستشارات المخاطر مقرها واشنطن: “يركز صانعو السياسات على استقرار البلاد وضمان استمرار الخدمات الأساسية مثل الكهرباء والمياه. أما معالجة قضايا المناخ، فهي تعتبر ترفاً”.

    مع قلة الدعم وغياب المؤسسات، تُبقى جهود الحفظ في أغلبها لأبناء سقطرى. لكن الموارد المحلية شحيحة، كما يقول سامي مبارك، مرشد سياحي بيئي في الجزيرة.

    يشير مبارك كوبي، المسؤول السياحي في سقطرى، إلى أعمدة سياج مشتل عائلته المائلة والتي تم ربطها بأسلاك رقيقة، مبينًا أنها لن تصمد طويلاً أمام الرياح والأمطار. وقال إن تمويل مشاتل أكثر متانة مزودة بأعمدة سياج إسمنتية سيكون له تأثير كبير على هذا الكنز الذي لا يمكن التفريط فيه.


    رابط المصدر