الوسم: فورين

  • فورين أفيرز: الخليج وإيران واستراتيجيات التعامل مع التوترات الإقليمية

    فورين أفيرز: الخليج وإيران واستراتيجيات التعامل مع التوترات الإقليمية


    في ظل التحولات الجيوسياسية المتسارعة في الشرق الأوسط، تبرز ملامح جديدة تتجاوز الحروب والنزاعات. زيارة ترامب الأخيرة إلى المنطقة اتسمت بمفاجآت، مثل لقاءه مع القائد السوري ورفع العقوبات عن دمشق، والتي غيّرت التوازنات الإقليمية. الحرب في غزة أظهرت تحول الرأي السنة العربي تجاه إسرائيل، في الوقت الذي تسعى فيه دول الخليج لتحقيق استقرار من خلال تعزيز التعاون مع إيران. تحتاج واشنطن إلى صياغة اتفاق نووي شامل لتعزيز الاستقرار. على المدى الطويل، قد يؤدي هذا إلى توازن جديد يُسهم في تخفيف التوترات وحل النزاعات.

    مقدمة الترجمة

    في صميم منطقة الشرق الأوسط، حيث لا تهدأ العواصف، يتشكل واقع يحمل كثيرا من المفاجآت؛ تكتبه النار تارة، وتكتبه المصالح تارة أخرى. الشرق الأوسط، الذي كان منذ زمن بعيد مسرحًا للعديد من الأزمات والمواجهةات، يقف على حافة تحول كبير، ليس صوت المدافع وحده ما يسمع فيه، بل تتصاعد فيه أيضًا أصوات السياسات وصفقات المصالح والخفايا المدفونة بين السطور.

    من آثار الحرب في غزة، إلى حوارات السلام في الخليج، ومن ذبذبات الطائرات المسيّرة فوق سوريا، إلى الاجتماعات الصامتة في عواصم مثل واشنطن وطهران، تتداخل الأحداث وتتشابك الأدوار.

    تراقب القوى العالمية، وتستعرض الدول الإقليمية أساليبها، بينما الشعوب المحاصرة في المنتصف تبحث عن بعض الاستقرار الذي لا يزال بعيد المنال.

    في هذا المقال المترجم عن فورين أفيرز، نحاول تفكيك حالة الغموض والضبابية خلال بعض الأسئلة المهمة التي يطرحها المقال: من يدير اللعبة؟ ماذا حدث في توازنات المنطقة؟ وإلى أين تتجه منطقة طالما عاشت على حافة الانفجار؟

    نص الترجمة

    شهدت زيارة القائد الأمريكي دونالد ترامب إلى الشرق الأوسط الفترة الحالية الماضي لحظة فارقة غير متوقعة، إذ كان يحمل مفاجآت قلبت التوقعات. في خطوة لم تكن متوقعة، التقى ترامب بالقائد السوري أحمد الشرع، رغم تاريخه كزعيم لجماعة إسلامية متطرفة.

    أثناء الزيارة، صرح ترامب عن رفع العقوبات الأمريكية عن دمشق، مما أربك العلاقات السياسية القائمة. وعلى عكس المعتاد، لم تشمل زيارة ترامب إسرائيل، رغم استمرار الحرب في غزة، واستمرار جهود إدارته لإنهائها.

    المفاجأة الأخرى كانت الموافقة على وقف إطلاق النار مع الحوثيين في اليمن بدون استشارة إسرائيل، وهو ما أضاف بعدًا غير مرئي للأحداث، في حين صرح ترامب عن بدء حوار مع إيران، وهو ما عارضته إسرائيل بشدة، لكنه لاقى دعمًا من بعض دول الخليج.

    تمثل هذه الأحداث بداية واقع جديد في قلب الشرق الأوسط، يشير إلى أن موازين القوى قد تغيرت منذ الهجوم الذي وقع في 7 أكتوبر.

    أعادت الحرب في غزة تشكيل المشهد الجيوسياسي في المنطقة بشكل كامل. وقبل هذا الهجوم، كانت بعض الدول الخليجية تعتبر إيران الخطر الأكبر الذي يهدد الاستقرار.

    استندت هذه الدول إلى ذلك في دعم حملة “الضغط الأقصى” التي أطلقها ترامب ضد طهران، وبدأت في فتح أبواب التطبيع مع إسرائيل في مسعى لتكوين تحالف جديد. لكن الأوضاع في غزة جاءت لتحمل مفاجآت غير متوقعة، مما أثر على هذه الديناميكيات. بعد مضي 20 شهرًا على بدء الحرب، تضاءل بصورة ملحوظة دور إيران كعدو أول بالعالم العربي، بينما ظهرت إسرائيل كقوة مهيمنة تسعى لفرض تأثيرها على المنطقة.

    وسط هذا المشهد المعقد، تفكك الموقف بين حلفاء واشنطن العرب وإسرائيل بشكل واضح، حيث اتخذ كل طرف موقفاً مغايراً في التعامل مع القضية النووية الإيرانية، حيث ترى إسرائيل أن أي اتفاق جديد قد يمنح إيران القوة مجددًا، وتدفع نحو تدخل عسكري. بينما تنظر دول الخليج إلى الخطر المحتمل للحرب كتهديد وشيك، وتسعى لحل دبلوماسي يضمن استقرار المنطقة.

    000 1747490007
    القائد الأمريكي دونالد ترامب (وسط الصورة) وهو يصافح القائد السوري أحمد الشرع في الرياض في 14 مايو/أيار 2025. (الفرنسية)

    أما بالنسبة لدول الخليج، فإنها تعتبر أن الحوار مع إيران هو الحل الناجع لضمان الاستقرار. وتعبّر هذه الدول عن قلقها لاحتمالية أن تجد إسرائيل نفسها بدون قيد وتتحرك بحرية في المنطقة، حتى لو استمر مسار التطبيع. وبالتالي، أخذت دول الخليج تلعب دورًا كبيرًا في جهود ترامب بشأن القضايا النووية.

    فشل سياسة الضغط

    لفهم عمق التحول في مواقف دول الخليج تجاه إيران، يجب العودة إلى قمة تاريخية منذ عقد مضى، حينما وقعت واشنطن وطهران على الاتفاق النووي المعروف باسم خطة العمل الشاملة المشتركة في يوليو/تموز 2015. في ذلك الوقت، تخوفت دول الخليج من أن يمثل هذا الاتفاق ضوءًا أخضر لطهران لتمديد نفوذها.

    حدث ذلك خلال فترة حرجة عاشها العالم العربي إثر الاضطرابات التي أطلقها “الربيع العربي” في 2010 و2011، والتي أدت إلى سقوط عدد من الحكومات بالإضافة إلى نشوب حروب أهلية في عدة بلدان. وساعدت هذه الفوضى إيران في توسع نفوذها بما يشبه حزامًا يمتد من الجزيرة العربية إلى بلاد الشام.

    AP205632505933
    صورة أرشيفية ملتقطة في 27 سبتمبر/أيلول 2012، يُظهر فيها رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو رسمًا توضيحيًا وهو يصف مخاوفه بشأن طموحات إيران النووية خلال خطابه أمام الدورة السابعة والستين للجمعية السنةة للأمم المتحدة. (أسوشيتد برس)

    وفي خطابه أمام الكونغرس الأمريكي في مارس/آذار 2015، أعرب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو عن قلق بلاده من تنامي النفوذ الإيراني، مشيرًا إلى أن طهران أصبحت تسيطر على أربع عواصم عربية: بغداد، ودمشق، وبيروت، وصنعاء. في ذات الوقت، كانت بعض العواصم الخليجية تستشعر القلق بشأن تأثيرات الاتفاق النووي، بناءً على اعتبارات أمنية واستراتيجية.

    في نفس الفترة الحالية الذي ألقى فيه نتنياهو خطابه، صرحت السعودية عن قيادتها لتحالف عسكري وتدخلها في اليمن، معتبرة الحوثيين كذراع لإيران يرسخ نفوذ طهران في شبه الجزيرة العربية.

    ربما بالغت كل من إسرائيل وبعض دول الخليج في حساب التهديد الإيراني بناءً على استراتيجياتها الخاصة. ولكن لم يكن الوضع خاليًا من العوامل التي تعزز هذا القلق، فقد أدت الفوضى التي أصابت العالم العربي إلى اختلال في موازين القوة لصالح إيران.

    لم يكن الاتفاق النووي في نظر خصوم إيران مجرد تقنية للحد من برنامجها النووي، بل كان أيضاً مدخلًا لتعزيز نفوذها. وقد قدم هذا الاتفاق لطهران رفع العقوبات مقابل التزام تقني، بينما ظلت نشاطاتها المسلحة في المنطقة بعيدة عن أي مساءلة.

    لذا، رأت بعض الدول العربية في هذا الاتفاق فرصة تهدد السلام، بينما شنت إسرائيل حملة صارخة ضده من خلال الكونغرس. وفي ظل هذه الأجواء، كثفت ضغوطها السياسية والإعلامية على صانعي القرار الأمريكيين للإبقاء على الاتفاق بعيدًا عن التنفيذ.

    في دورته الأولى، انحاز القائد الأمريكي دونالد ترامب لأصوات معارضة الاتفاق النووي، فخرجت الولايات المتحدة منه عام 2018، مع فرض عقوبات اقتصادية مشددة على إيران تحت مسمى “الضغط الأقصى”.

    تلقّت هذه الإجراءات برغبة واضحة لتركيز تأثيرها الماليةي والتقليص من تنامي قوة إيران في المنطقة، بهدف إعادة تشكيل التوازن الإقليمي بما يخدم مصالح حلفاء واشنطن.

    تماشيًا مع هذا المسار، شجعت الإدارة الأمريكية ذلك الوقت على تعزيز التعاون الاستقراري بين بعض دول المنطقة، والذي تجلى لاحقًا في سلسلة من الاتفاقيات عام 2020، أبرزها اتفاقية أبراهام التي طبعت العلاقات بين إسرائيل والعديد من الدول العربية وشمال أفريقيا. كما اتبعت إدارة ترامب منهجًا أكثر تشددًا تجاه دعم إيران لجماعاتها المسلحة، وبلغ هذا التشدد ذروته مع قرارها باغتيال القائد الإيراني قاسم سليماني عام 2020.

    وعلى الرغم من الآمال بإحياء الاتفاق النووي عام 2015، انبرت إدارة جو بايدن لتبني نهج صارم تجاه إيران. حيث تجنبت واشنطن الانخراط المباشر في المفاوضات، وأبدت أنذرًا ملحوظًا، إلا بعد تصعيد طهران في تخصيب اليورانيوم.

    وبدلاً من التركيز على القضايا النووية فقط، أبدت إدارة بايدن اهتمامًا أكبر ببناء تحالف إقليمي، يربط بين بعض الدول العربية وإسرائيل، بما يشبه توجهات إدارة ترامب.

    بهذا، أصبحت فكرة توسيع اتفاقية أبراهام تصطف كحجر زاوية في سياستها تجاه الشرق الأوسط، حيث كانت تعتقد أن ذلك يمكن أن يؤدي إلى فترة جديدة من الهدوء النسبي. وقبل أيام من الهجوم الذي وقع في 7 أكتوبر، كانت واشنطن تتوقع تحولًا تاريخيًا في توسيع الدول الموقعة على اتفاقيات أبراهام، معتقدة أن ذلك سيفتح أفقاً للحل في النزاعات المستمرة في المنطقة.

    حين تتصرف إسرائيل بلا قيود

    مع تطور الأحداث، تبين وجود غموض كبير في استراتيجية الإدارة الأمريكية، حيث أوضحت الأحداث أن الإستراتيجية التي اتبعتها إدارة ترامب، ومن بعدها بايدن، لم تحل النزاع بل زادت من اشتعاله.

    إيران، التي تعرضت للضغط، اتجهت لتوسيع برنامجها النووي وزيادة دعمها للحوثيين، وانتقلت إلى استهداف المصالح الأمريكية والخليجية، مثل الهجمات على المنشآت النفطية السعودية عام 2019.

    ومع مرور الوقت، وخصوصًا قبل هجوم الـ7 من أكتوبر، بدأ النفوذ الأمريكي يتلاشى في الخليج. وفي مارس 2023، قررت السعودية الانحراف عن المسار الأمريكي وفتحت أفقًا للحوار مع إيران برعاية الصين. هذا الاتفاق أنهى المواجهةات، إذ توقفت الهجمات على السعودية والإمارات.

    وبينما كانت الحكومات الخليجية تستمر في البحث عن روابط جديدة في المنطقة، سعت إلى تحقيق التوازن فيما بين طهران وتل أبيب، مع تعقيد الوضع بشكل أكبر.

    ومع تصاعد التوترات، عاد ما يعرف بمحور المقاومة، الذي يضم قوى مثل حزب الله في لبنان وحماس في غزة، إلى مصاف الأحداث، مما أدخلهم في صراع مفتوح مع إسرائيل.

    إدارة الولايات المتحدة اعتبرت هذا التصعيد فرصة لتعزيز فكرة التحالف الاستقراري بين إسرائيل ودول الخليج، لكن الواقع كان أكثر تعقيدًا، حيث لم تظهر الدول الخليجية رغبة في الدخول في صراع جديد.

    هذا الموقف كان واضحاً في يناير 2024، عندما قرر بايدن الرد عسكريًا على هجمات الحوثيين. قد امتنعت السعوديات والإمارات عن المشاركة بالرغم من المواجهةات السابقة.

    يساهم هذا الموقف أيضًا في تعبير الغضب الشعبي العربي المتزايد بسبب ما يتعرض له الفلسطينيون في غزة، مما يجعل أي تعاون مع إسرائيل تحديًا.

    ثم جاء خريف 2024 ليشهد تحولاً هاماً في الحرب لصالح إسرائيل، مع سلسلة من الضغوط المؤثرة. في أواخر سبتمبر، نفذت إسرائيل ضربة دقيقة استهدفت قادة حزب الله، والتي قادت إلى مقتل الأمين السنة للحزب حسن نصر الله.

    ثم، في الفترة الحالية التالي، نجحت إسرائيل في استهداف قائد حركة حماس يحيى السنوار. وفي مطلع ديسمبر، سقط نظام بشار الأسد في سوريا. هذه التطورات أدت إلى تصاعد المناوشات بين إيران وإسرائيل، مما كشف عن ضعف طهران حيث ادعت إسرائيل أنها عطلت جزءًا من الدفاعات الجوية الإيرانية.

    مع نهاية 2024، وجدت إيران نفسها معزولة عن الكثير من بلاد الشام. لكن الوضع الداخلي الإيراني، الذي كان يبدو محصنًا، أظهر نقاط ضعفه أمام التصاعد المتزايد للضغوطات.

    في هذه الظروف، ومع اقتراب إدارة ترامب من العودة إلى السلطة، اعتبرت السلطة التنفيذية الإسرائيلية أن الوقت مناسب لشن ضربة هجومية ضد إيران.

    إيران على شفا الهاوية

    بالرغم من الاعتقاد السائد بأن ترامب سيتماشى مع الأجندة الإسرائيلية لشن هجوم عسكري على إيران، فقد اختار خطًا مغايرًا. القائد الذي ألغى الاتفاق النووي في ولايته الأولى بات الآن يبحث عن نسخة جديدة منه، مع تكثيف التحفظات حول الخيارات العسكرية، خوفًا من استدراج الولايات المتحدة إلى حرب مكلفة بدون جدوى.

    وفي تحول مثير، أصبحت بعض الدول الخليجية التي كانت تعارض الاتفاق السابق تعتبر الآن التفاوض الوسيلة الأمثل لتجنب التصعيد. يعود هذا التحول في التفكير جزئيًا إلى المخاوف الماليةية المرتقبة من أي صراع جديد يؤثر على المنطقة. لكن الأهم هو اقتناع الدول العربية بأن التوصل إلى اتفاق نووي جديد سيوفر مدخلًا لاستعادة توازن القوى في الشرق الأوسط.

    13035953 1747372737
    نسخة من صحيفة إيرانية بعنوان “مستقبل الاتفاق” تحمل صورة لوزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي والمبعوث الأميركي الخاص إلى الشرق الأوسط، ستيف ويتكوف، في طهران، إيران، 12 مايو/أيار 2025. (الأوروبية)

    هذا التوجه الخليجي يعود جزئيًا إلى تغير موضع إسرائيل في المشهد الإقليمي. حيث تستمر إسرائيل، التي لم تنجح بعد في حسم حربها مع غزة، في فرض هيمنتها العسكرية وهي مستعدة لاستخدام قوتها لتعزيز سيطرتها في المنطقة. بجانب التوسع في غزة، ترتفع مستويات السيطرة الإسرائيلية على جنوب لبنان وتوغلها في الأراضي السورية.

    ومع تصاعد هذه التوجهات، قد تكون إسرائيل متجهة نحو توسيع نطاق أعمالها لتستهدف إيران، مما يحمل في طياته احتمالًا لتأثيرات سلبية كبيرة على اقتصاد الطاقة العالمي، نظرًا لأهمية الخليج في إنتاج النفط.

    على مدار عقود، احتفظ الشرق الأوسط بمكانة كأرض للمعارك بين القوى الكبرى، ولكن لم يتح لأي طرف أن يسيطر على المشهد أو يفرض سيطرته. في الخمسينيات والستينيات، حين كان العالم العربي يسعى إلى الريادة تحت لواء “القومية العربية”، تكتلت القوى الإقليمية مثل إيران وتركيا وإسرائيل لتعزيز النفوذ.

    حتى بعد الثورة الإيرانية عام 1979، لم تكن العلاقات بين إسرائيل وطهران دائمًا عدائية، ففي بدايات الحرب بين إيران والعراق كانت إسرائيل تفضل دعم إيران لكبح جماح العراق. ومع امتداد نفوذ إيران كقوة إقليمية، بدأت القوى المعارضة تبحث عن طرق للتحكم في تصاعد نفوذها.

    ومع إعلان إسرائيل عن كونها قوّة لا تضاهيها أي، باتت الحاجة للتوازن الإقليمي ضرورة ملحة، مما دفع الدول العربية وإيران وتركيا للبحث عن تسويات يمكن أن تعزز استقرار الوضع. حتى لو لم يكن هناك علاقات مباشرة بين بعض الدول مثل البحرين ومصر والأردن وإيران، زادت مستويات التواصل.

    ودول الخليج تلعب دورًا محوريًا، إذ غدت الجسر الذي يربط المفاوضات غير المباشرة بين تهران و واشنطن حول الاتفاق النووي.

    إدراكًا منهم تجهيز لمراكز القوة المختلفة، تبحث هذه الدول عن توازن إقليمي قادر على تقليل الانقسامات بين القوى المتنافسة. لذا أعادت مواقفها من رفض الاتفاق إلى دعم العملية الأساسية التي قد تمنع إسرائيل من فرض تفوقها على الأجندة الإقليمية.

    كما تسعى إيران لاستكمال الاتفاق النووي لتفادي حرب جديدة واستعادة المالية المتدهور، مما يجعلها تعتمد بشكل متزايد على الدول الخليجية للوساطة مع الإدارة الأمريكية.

    على سبيل المثال، كان وزير الخارجية العماني له دور كبير في تبني أفكار ومبادرات تساعد على الوصول إلى توافق بين طهران وواشنطن. أما بالنسبة للسعودية، فقد أظهرت رغبة في تشكيل تحالف نووي إقليمي يتضمن إيران لإدارة قضية تخصيب اليورانيوم بشكل جماعي.

    محور الاستقرار

    أدركت إيران ودول الخليج أن مصلحتهما تقتضي التعاون بدلاً من الخصام، مما يسهل بناء الثقة وفتح آفاق للتعاون في مجالات الاستقرار والمالية. كما ترغب دول الخليج في الحفاظ على علاقات جيدة مع جميع الأطراف، مما يسهل إيجاد توازن في المنطقة يضمن لها الاستقرار والنمو.

    تعتبر التوصل إلى اتفاق نووي جزءاً من هذه الرؤية، والتي تتوافق مع التوجهات الأمريكية. زيارة ترامب الأخيرة إلى الشرق الأوسط كانت مؤشراً واضحًا على هذا التحول، حيث انتقلت إدارته بعيدًا عن الاعتراضات الإسرائيلية ونجحت في إبرام صفقات مع دول الخليج.

    وفي كل محطة من جولته، نوّه ترامب تمسكه بالخيار الدبلوماسي لحل قضايا الملف الإيراني، بينما أبدى اهتمامًا بما يجري في غزة، مشيراً إلى معاناة السكان هناك.

    لتحقيق أي استقرار حقيقي في المنطقة، تحتاج الولايات المتحدة إلى صياغة جديدة للاتفاق النووي مع إيران، ضمن استراتيجية محتملة أوسع، تتضمن توازنًا بين القوى المشتركة. لا بد لهذا الاتفاق من أن يقترن بإجراءات لتعزيز الفهم السياسي العميق في المنطقة.

    إذا لم تُستكمل المفاوضات، فقد تصعد واشنطن مجددًا من ضغوطاتها، مما سيؤدي إلى تفاقم التوترات والسعي نحو المواجهةات. ولكن، إذا تم التوصل إلى اتفاق، قد تكون دول الخليج في موقع السيطرة الجديدة كجزء من توازن القوى المستقبلي في المنطقة. وبهذا، قد يحمل هذا المسار فرصًا نادرة لاستعادة الاستقرار والاستقرار المنشودين في ظل الأوقات العصيبة التي بعثت الحروب في السنوات الأخيرة.

    _______________________

    هذه المادة مترجمة عن فورين أفيرز ولا تعبّر بالضرورة عن الموقف التحريري لشبكة الجزيرة

     


    رابط المصدر

  • مقال في فورين بوليسي: إيران ليست بالهشاشة التي تبدو عليها.

    مقال في فورين بوليسي: إيران ليست بالهشاشة التي تبدو عليها.


    ذكرت مجلة فورين بوليسي أن فشل المحادثات النووية بين الولايات المتحدة وإيران قد يؤدي إلى حرب، رغم أن إيران تحمل قوة غير قابلة للتجاهل. المقال، للخبير محسن ميلاني، يعبر عن قلقه من إمكانية انهيار المفاوضات بسبب رفض إيران التخلي عن تخصيب اليورانيوم. بينما تعاني إيران من ضغوط داخلية وخارجية، لا تزال تحتفظ بعلاقات قوية مع وكلائها في المنطقة. أي ضربة عسكرية ضدها قد تؤدي إلى عواقب وخيمة، بما في ذلك تصعيد الوضع الإقليمي. يشدد ميلاني على أن اتفاقاً مستنداً إلى تنازلات متبادلة هو الخيار الأكثر أماناً.

    ذكرت مجلة فورين بوليسي أن المحادثات النووية الحالية بين الولايات المتحدة وإيران قد تؤدي إلى صراع إذا لم تنجح، ومع ذلك، فإن إيران ليست بالضعف الذي قد يبدو عليه الأمر، وعواقب أي صراع محتمل تبقى غير محددة.

    أبرزت المجلة في مقال أستاذ العلوم السياسية بجامعة جنوب فلوريدا محسن ميلاني، الذي ذكر أن المفاوضات بينهم تبعث على الأمل الأنذر بشأن البرنامج النووي الإيراني، لكن إذا أصرّت إيران على عدم التخلي عن تخصيب اليورانيوم وعدم نقل مخزونها كما ترغب واشنطن، فقد تنهار المحادثات.

    إذا فشلت المناقشات، قد تتجه الولايات المتحدة أو إسرائيل، كما تشير الكثير من التوقعات والتقارير الحكومية، إلى تنفيذ غارات جوية على البنية التحتية النووية الإيرانية، حيث يبدو منطق “إما أن تمتثل أو تتعرض للهجوم” بشكل مغري، افتراضا بأن إيران ضعيفة الآن، مما يتيح إمكانية الضغط عليها لقبول مدعا غير واقعية.

    اليوم، تقدم إيران نفسها كدولة تعاني من ضعف دفاعات جوية، اقتصاد متعثر، وسياسات داخلية غير مستقرة، بالإضافة إلى شبكة وكلاء إقليميين ممزقة نتيجة اغتيال الجنرال قاسم سليماني عام 2020، والرد الإسرائيلي على هجوم حركة حماس في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023.

    قوة لا يمكن تهميشها

    وعلى الرغم من تآكل قوة إيران الإقليمية -حسب قول الكاتب- إلا أنها تظل قوة لا يمكن إغفالها، في حين ضعفت حماس ووُقعت ضغوط على قياداتها، لكنها لم تنهزم، وتعرض حزب الله لضغوط ولكن لا يزال يحتفظ بترسانته، كما أن إيران لها علاقات قوية مع العراق من خلال الحشد الشعبي والحوثيين في اليمن، بينما لم تسفر النجاحات الميدانية لإسرائيل عن انتصارات استراتيجية مستدامة.

    علاوة على ذلك، حققت إيران في الآونة الأخيرة تقدمًا دبلوماسيًا ملحوظًا، حيث قامت بتطبيع العلاقات مع دول الخليج العربي ودخلت في حالة تحسين مع المملكة العربية السعودية، والآن تدعم جميع دول الخليج الحل السلمي للأزمة النووية.

    فوق كل ذلك، عززت طهران الروابط مع الصين وروسيا، ووقعت اتفاقيات تعاون تتراوح بين 20 إلى 25 عامًا في مجالات متعددة مثل الدفاع والمالية، وليس بالضرورة أن يعني ذلك أن الصين وروسيا ستدافعان عن إيران في حالة نشوب نزاع، ولكن يمكن أن تدعمان المجهود الحربي الإيراني بطرق متعددة.

    بينما يدعو بعض المتشددين إلى تفكيك البرنامج النووي الإيراني بالكامل، سواء بالطريقة السلمية كما فعلت ليبيا عام 2003، أو من خلال عمليات عسكرية دقيقة، فإن إيران، التي أصبحت قوة نووية وتقوم بتخصيب اليورانيوم بنسبة 60%، لن تقبل النسق الليبي لأنه سيكون بمثابة انتحار لها، وشن هجمات عسكرية ضدها سيكون تكرارًا لخطأ صدام حسين عام 1980، عندما افترض أن إيران بعد الثورة كانت ضعيفة جدًا لدرجة لا تستطيع مقاومة أي اعتداء.

    ترسانة هائلة

    لا شك أن أي ضربات دون تغيير النظام الحاكم أو غزو أرضي -وهما كما يعتقد الكاتب مستبعدان- لن تؤدي إلا لتأخير البرنامج النووي الإيراني، لكن يمكن أن تؤدي أيضًا إلى تداعيات إشعاعية، وضحايا مدنيين، وضرر بيئي، بل وقد تؤدي إلى انسحاب طهران من معاهدة حظر انتشار الأسلحة النووية وطرد المفتشين وتسريع عملية تطوير القنابل.

    ولفت محسن ميلاني، مؤلف كتاب “صعود إيران ومنافستها للولايات المتحدة في الشرق الأوسط”، إلى أن محور المقاومة ليس سوى طبقة ثانوية في عقيدة الدفاع والردع الإيرانية، أما الأساس لحماية الوطن والنظام الحاكم فيدعمها بترسانة هائلة تتضمن صواريخ وطائرات مسيرة، ومنصات إطلاق متحرّكة، وقواعد محصنة، بالإضافة لقوة عسكرية مدربة على إدارة الحروب غير المتكافئة.

    وتساءل الكاتب: ماذا لو قامت إيران وبقية محور المقاومة باستهداف قواعد أمريكية أو مدن إسرائيلية أو مواقع طاقة في الخليج العربي؟ وماذا لو قامت طهران بإغلاق مضيق هرمز، وبمساعدة الحوثيين، باب المندب في آن واحد؟ وقال إن مثل هذا التهديد كفيل برفع أسعار النفط وزعزعة الأسواق العالمية وتعطيل الانتعاش الماليةي، كما أن التصادم الأمريكي الإيراني الطويل يتعارض مع تعهد القائد الأمريكي دونالد ترامب الانتخابي بعدم الانغماس في “حروب لا تنتهي”.

    ختامًا، أضاف الكاتب أن الغرب يعتقد أنه قادر على الضغط على إيران من خلال التصعيد العسكري، ولكنه قد يحقق فقط نتائج استراتيجية غير مرغوبة قد يندم عليها لاحقًا، واختتم بأنه لا بد من الوصول إلى اتفاق نووي يرتكز على التنازلات المتبادلة، وإجراءات التفتيش، وتخفيف العقوبات كنمط أقل خطورة في النهاية.


    رابط المصدر