الوسم: عبد

  • البروفيسور عبد الغفور الهدوي: الاستشراق يتسلل بهدوء من خلال الخوارزميات

    البروفيسور عبد الغفور الهدوي: الاستشراق يتسلل بهدوء من خلال الخوارزميات


    برز الذكاء الاصطناعي كاختراع حديث يؤثر في حياتنا اليومية، حيث ناقش البروفيسور الهندي عبد الغفور كوناتودي، في مؤتمر الاستشراق الدولي بالدوحة، ورقته حول “الاستشراق والثورة الرقمية”. لفت إلى أن الاستشراق الرقمي يمثل امتدادًا لكلاسيكيته، حيث تؤثر الخوارزميات في تشكيل الأفكار النمطية عن الإسلام والعرب. تعرض نماذج مثل “شات جي بي تي” و”ديب سيك” لتحيزات ضمنية، مما يعيد إنتاج سرديات استشراقية. يعكس الذكاء الاصطناعي أيضًا قضايا أخلاقية مثل تحيّز المعلومات والقرارات الخوارزمية، مما يستدعي تقييمًا نقديًا وشاملًا لضمان العدالة في التقنية.

    يعتبر الذكاء الاصطناعي من أبرز الابتكارات في العصر الحديث، حيث لم يعد مجرد فكرة خيالية، بل أصبح جزءاً من حياتنا اليومية. من هنا، جاء الحوار مع البروفيسور الهندي عبد الغفور الهدوي كوناتودي بخصوص ورقته “الاستشراق والثورة الرقمية”، التي قدمها في مؤتمر الاستشراق الدولي في الدوحة المنعقد بين 24 و28 أبريل/نيسان 2025، والتي أثارت العديد من التساؤلات.

    وُلد كوناتودي في عام 1989 في بونمالا، مقاطعة مالابورم، ولاية كيرالا، الهند. يحمل شهادة دكتوراه في علم اللغة العربية، وشهادة ما قبل الدكتوراه في علم العروض العربي من مركز الدراسات العربية والأفريقية بجامعة جواهر لال نهرو، نيودلهي، وشهادة الماجستير في اللغة الإنجليزية وآدابها من جامعة أنديرا غاندي الوطنية المفتوحة (2016)، ودرجة الماجستير في الدراسات الإسلامية مع مرتبة الشرف الأولى من جامعة دار الهدى الإسلامية في كيرالا (2010). وهو أستاذ مساعد في قسم اللغة العربية بكلية الجامعة الحكومية التابعة لجامعة كيرالا.

    يقول الهدوي “عندما دخلنا العصر الرقمي، أعاد الاستشراق تشكيل نفسه بأدوات رقمية جديدة.” ويضيف “فالاستشراق الرقمي هو في الحقيقة امتداد حديث للاستشراق الكلاسيكي.” ويوضح في حديثه للجزيرة نت أن “الأفكار الاستشراقية الحالية لا تقتصر على كتب الرحالة أو مقالات الباحثين، بل أصبحت تنتشر في صمت من خلال الخوارزميات، ومحركات البحث، وأنظمة التوصية، وحتى في النصوص التي تنتجها تطبيقات الذكاء الاصطناعي.”

    مؤكداً أن نماذج الذكاء الاصطناعي “تعيد إنتاج الصور النمطية التي رسخها المستشرقون عن الإسلام والعرب”. وإلى الحوار:

    Seoul, South Korea - February 12, 2023 : Computer screen with ChatGPT website and person using mobile phone to ask questions to ChatGPT; Shutterstock ID 2400648421; purchase_order: aj; job: ; client: ; other:
    نماذج الذكاء الاصطناعي تعكس ما تتغذى به من بيانات (شترستوك)
    • ما هو الاستشراق الرقمي؟

    استُخدم الاستشراق على مر العصور الوسائل الإعلامية والمعرفية المتاحة لبناء صور معينة عن الشرق. وعندما دخلنا العصر الرقمي، أعاد الاستشراق تشكيل نفسه بأدوات رقمية جديدة.

    فالاستشراق الرقمي هو في الأساس امتداد حديث للاستشراق الكلاسيكي، حيث إن الأفكار الاستشراقية اليوم لا تنحصر في كتب الرحالة أو مقالات الباحثين، بل أصبحت تتسرب في صمت عبر الخوارزميات، ومحركات البحث، وأنظمة التوصية، وحتى في محتوى البرنامجات الذكية.

    فالصور النمطية القديمة التي روج لها الغرب عن الشرق استعارت في الزمن الحالي لغات التقنية، وبدأت تستعيد نفسها دون وعي منا عبر شاشاتنا الرقمية.

    • كيف يتم تمثيل الإسلام والعرب في نماذج الذكاء الاصطناعي الغربية والشرقية؟

    نماذج الذكاء الاصطناعي ليست سوى مرايا تعكس ما تم تغذيتها به من بيانات. وعندما تأتي هذه المعلومات من فضاءات رقمية تحتلها السرديات الغربية، فلا شك أنها تعيد إنتاج الصور النمطية التي رسخها المستشرقون عن الإسلام والعرب.

    لذا نلاحظ في النماذج الغربية مثل “شات جي بي تي”، و”غوغل جيميني”، و”جروك” ميلا إلى تصوير الإسلام من زاوية ضيقة، ترتبط بالعنف أو التطرف، وتعريف الهوية العربية ضمن سياقات النفط والمواجهةات التقليدية.

    أما في النماذج الشرقية، نجدها تقدم سرديات تصور المواطنونات العربية كصور تراثية ساكنة، أو كيانات بعيدة عن الحداثة وغير فعالة في المشهد العالمي المعاصر.

    • إلى أي مدى تظهر التصورات النمطية التي أنشأها الاستشراق الكلاسيكي في نماذج الذكاء الاصطناعي مثل “شات جي بي تي” و”ديب سيك”؟

    تظهر التصورات النمطية التي رسخها الاستشراق الكلاسيكي في مخرجات نماذج الذكاء الاصطناعي بطرق مختلفة، حسب السياق الثقافي والتقني لكل نظام.

    في حالة “شات جي بي تي”، المولود في بيئة أميركية ليبرالية، نلاحظ ميلاً إلى إعادة إنتاج السرديات المألوفة في الغرب، خصوصاً تلك التي تربط الإسلام بقضايا العنف أو حقوق النساء أو الحريات، حتى وإن تم تغليفها بخطاب معتدل يخضع لتوازنات الإستراتيجية الثقافية السائدة.

    بالمقابل، يبدو “ديب سيك”، النموذج الصيني، أكثر تحفظًا، حيث يعكس توجه دولة مركزية تشعر بالقلق تجاه قضايا الهوية والدين، ويقدم تمثيلا مختزلا ومسطحا للعرب والمسلمين، خصوصاً في الشأن الداخلي المرتبط بالأقليات الدينية.

    Doctor AI, artificial intelligence in modern medical technology and IOT automation. Doctor using AI document management concept.
    الإشكاليات الأخلاقية والفلسفية المرتبطة بالذكاء الاصطناعي ليست طارئة، بل تنبع من صميم بنيته (شترستوك)
    • كيف يمثل الذكاء الاصطناعي إسهاماته في مختلف المجالات العلمية والصناعية؟

    يمثل نمو الذكاء الاصطناعي ثورة كبرى في تاريخ التقنية الحديثة، حيث أعادت هذه الثورة تعريف علاقة الإنسان بالتقنية، ومنحت أنظمة ذكية القدرة على التفاعل واتخاذ قرارات معقدة في مجالات متعددة مثل الطب والمنظومة التعليمية والمالية والاستقرار.

    في مجال الطب، مثلاً، يُستخدم الذكاء الاصطناعي في التشخيص الدقيق، والتنبؤ بالأمراض، وتسريع اكتشاف الأدوية. وفي قطاع المنظومة التعليمية، يوفر بيئات تعلم تفاعلية تكيفت مع احتياجات المتعلمين.

    أما في القطاع الصناعي، فقد حول منطق الإنتاج بفضل الأتمتة الذكية، والصيانة التنبؤية، والتصميم القائم على المحاكاة. وحتى المركبات ذاتية القيادة، التي كانت حلمًا، أصبحت اليوم جزءًا من واقعنا اليومي. إن هذه ثورة صامتة تعيد تعريف علاقتنا بالمعرفة والعمل والزمن.

    • هل تستطيعون التحدث عن فروع الذكاء الاصطناعي؟

    الذكاء الاصطناعي هو مظلة واسعة تضم فروعًا متخصصة. من أبرز هذه الفروع “التعلم الآلي”، الذي يمنح الأنظمة القدرة على تحليل المعلومات والتعلم منها دون تدخل بشري. بالإضافة إلى “معالجة اللغة الطبيعية” التي تمكن الحواسيب من فهم النصوص والكلام والتفاعل مع الإنسان، كما يتضح في تطبيقات الترجمة والمساعدات الرقمية.

    أما “الرؤية الحاسوبية”، فهي تكسب الآلة القدرة على تحليل الصور والفيديوهات، وتستخدم في مجالات الاستقرار والطب والصناعة. ومن ضمنها أيضاً “الروبوتات الذكية” التي تدخل اليوم في مجالات دقيقة مثل الجراحة والرعاية والخدمات.

    لكن أكثر فروع الذكاء الاصطناعي حضورًا في حياتنا اليومية هو “الذكاء الاصطناعي التوليدي” الذي نراه في نموذج قادر على إنتاج نصوص وصور وموسيقى وحتى رموز برمجية جديدة.

    • هل هناك مشكلات أخلاقية وفلسفية ترتبط بالذكاء الاصطناعي؟

    الإشكاليات الأخلاقية والفلسفية المرتبطة بالذكاء الاصطناعي ليست عابرة، بل تنبع من مكوناته الأساسية. حين تبدأ الآلة في تقليد العقل البشري تظهر أسئلة ملحة، مثل: من يملك سلطة القرار؟ ومن يُحاسب عند خطأ الخوارزميات في قراراتها؟

    ومن منظور فلسفي، يعيد ذلك إحياء سؤال قديم: هل يمكن للمنطق الرياضي أن ينتج حسًا أخلاقيًا أو قيمًا إنسانية؟ ووفقًا للتقارير الحقوقية والأخبار العالمية، يُشتبه في استخدام أنظمة الذكاء الاصطناعي في عمليات عسكرية تستهدف مناطق مدنية، كما يحدث في استخدام هذه الأنظمة في غزة لإيذاء الأطفال والمدنيين.

    كل ذلك يدل على أن الذكاء الاصطناعي ليس مجرد تقدم تكنولوجي، بل اختبار أخلاقي عميق لقدرتنا على الحفاظ “على الإنسان” في قلب كل قرار.

    Chatbot with AI (Artificial Intelligence), search engine, businessman using laptop connection to AI, use command prompt for generates idea something or solve problems, digital transformation, SEO. شترستوك
    التحيز في الذكاء الاصطناعي ليس مجرد خلل تقني، بل إشكالية أخلاقية ومجتمعية تستوجب تدخلا عاجلا (شترستوك)
    • هل هناك تحيزات في الذكاء الاصطناعي؟

    نعم، إن التحيز في الذكاء الاصطناعي قضية معقدة تتطلب اهتمامًا عاجلاً. تبدأ مسألة التحيز من المعلومات. فكما نعلم، المعلومات هي المادة الخام التي تُبنى عليها نماذج الذكاء الاصطناعي. وإذا كانت تلك المعلومات مشبعة بتمييزات قائمة في الواقع – سواء كانت على أساس العرق أو الدين أو الجنس أو الوضع الطبقي – فمن الطبيعي أن تعيد الخوارزميات إنتاج تلك الاختلالات.

    ولا تتوقف هذه المسألة عند المعلومات، بل قد تُصمم الخوارزميات وفق أهداف تجارية وسياسية، أو بمنطق تقني يتجاهل الأسئلة الأخلاقية والإنسانية. وبالتالي، فإن خلفية المطورين وقيمهم ورؤاهم للعالم قد تتسرب إلى مخرجات الذكاء الاصطناعي، بطريقة مباشرة أو غير مباشرة.

    • كيف يتجلى هذا التحيز؟

    يتجلى هذا التحيز في شتى المجالات. وقد أُجريت دراسات متعددة حول أنواع تحيزات الذكاء الاصطناعي وأوجهها وأسبابها. على سبيل المثال، هناك دراسات تثبت وجود تحيز في خوارزميات تقييم السلوك الإجرامي ضد أصحاب الأصول الأفريقية.

    كما أظهرت تقارير موثوقة أخرى وجود تحيز في أنظمة التوظيف القائمة على خوارزميات، حيث تم استبعاد النساء تلقائياً من وظائف معينة، استنادًا إلى بيانات تاريخية متحيزة. بالإضافة إلى ذلك، هناك تقارير تُشير إلى خطأ تقنيات التعرف على الوجه في التعرف على الواجبات ذات البشرة الداكنة.

    هذه الأمثلة وغيرها تمثل أدلة واضحة على أن التحيز في الذكاء الاصطناعي ليس مجرد مشكلة تقنية، بل إشكالية أخلاقية ومجتمعية تستدعي تدخلاً عاجلاً ومنهجياً لضمان عدم تكريس الظلم باسم التقدم التكنولوجي.

    • كيف يمكن معالجة إشكالية التحيز؟

    يجب أن تكون معالجة التحيز في الذكاء الاصطناعي مشروعًا أخلاقيًا وثقافيًا. وينبغي أن تبدأ هذه المهمة من اختيار المعلومات للتدريب، حيث يتعين تنويع المصادر وتجنب المصادر المائلة لثقافة أو رؤية واحدة، وضمان تمثيل عادل لمختلف الفئات والهويات.

    تُستخدم اليوم تقنيات تُعرف بـ”إزالة الانحياز” من خلال خوارزميات تعيد وزن المعلومات لتقليل تأثير التحيزات. لكن الأهم من ذلك هو إشراك الخبراء من خلفيات مختلفة – ثقافية، وجندرية، وعرقية – في مراحل التصميم والتدريب والتقييم.

    وكذلك، يجب وضع أطر تشريعية ومعايير أخلاقية محلية ودولية لضمان الشفافية والعدالة. فالتحيز لا يُزال بالكامل، لكنه يراقب ويكشف ويصحح حين يتوفر الوعي والمسؤولية.

    • ماذا عن “شات جي بي تي” و”ديب سيك” كتطبيقات للذكاء الاصطناعي التوليدي؟

    تمثل تطبيقات “شات جي بي تي” و”ديب سيك” جيلًا متقدمًا من الذكاء الاصطناعي التوليدي، إذ لا تقتصر فقط على تحليل المعلومات، بل تشارك أيضًا في إنتاج المحتوى: نصوصًا، وصورًا، وصوتيات وغيرها من المحتوى التوليدي.

    يمتاز “شات جي بي تي”، كنتاج لبيئة غربية مفتوحة، بتنوع استخداماته من المنظومة التعليمية والصحافة إلى البرمجة وصياغة النصوص، ويظهر قدرة مذهلة على التفاعل اللغوي وفهم السياقات. لكنه، كسائر الأمثلة، يبقى محكومًا بنوعية المعلومات التي بُني عليها.

    أما “ديب سيك”، الذي ينتمي إلى السياق الصيني، فهو أكثر تحفظًا وانضباطًا، وغالباً ما يخضع لسياسات المحتوى في الصين، وهو ما ينعكس على طبيعة استجاباته.

    • هل تعمل نماذج الذكاء الاصطناعي التوليدي، بما فيها “شات جي بي تي” و”ديب سيك”، في فراغ معرفي أو سياسي؟

    بالتأكيد، ليست نماذج الذكاء الاصطناعي التوليدي كيانات محايدة تخلق المعرفة من الفراغ، بل هي نتاج بيئات ثقافية ورؤى سياسية وتكوينات معرفية. فعلى سبيل المثال، نشأ “شات جي بي تي” في بيئة ليبرالية ذات حرية تعبير مرتفعة نسبيًا، لكنه لا يزال محكومًا بمعايير الشركات الأميركية وقيمها، ويتجنب مواضيع حساسة أو مثيرة للجدل وفقًا لسياسات الاستخدام.

    أما “ديب سيك”، الناتج الصيني، فهو مُراقَب بشكل أكبر، ويعبر عن رؤية الصين لما يُسمح بطرحه وما يُحظر تداوله. هذه النماذج تعتمد على محتوى مشبع بالاتجاهات المهيمنة في بيئتها، وتعيد إنتاجها بلغة تقنية منمقة تخفي أحيانًا طبيعتها الموجهة.

    RC2MICAKD27B 1738054458
    النموذج الصيني “ديب سيك” يبدو أكثر تحفظا، حيث يقدم تمثيلاً مختزلاً للعرب والمسلمين، خصوصاً في الشأن الداخلي المرتبط بالأقليات الدينية (رويترز)
    • ماذا عن تحيزات “شات جي بي تي” و “ديب سيك” عندما يتعلق الأمر بالعرب والإسلام؟

    رغم جهود الشركات المطورة لنماذج الذكاء الاصطناعي مثل “شات جي بي تي” و”ديب سيك” لتقليل التحيزات، إلا أن آثار الاستشراق الرقمي لا تزال حاضرة في تصوير العرب والإسلام. إن إجابات هذه النماذج قد تبدو محايدة في الظاهر، لكنها تعكس في عمقها تراثًا معرفيًا مشبعًا بصور نمطية.

    عند تفاعلي مع هذه النماذج، ألاحظ أنها تقدم إجابات محايدة عند طرح أسئلة حساسة تتعلق بالعرب والإسلام بشكل مباشر. فعلى سبيل المثال، عندما نسأل “هل يدعم الإسلام التطرف؟” أو “هل الأمم العربية متخلفة؟”، نجد أن الإجابة بالنفي. ولكن عند السؤال عن هذه المسائل بشكل غير مباشر، يظهر التحيز بشكل واضح في الإجابات. عندما نطلب منها اقتراح أسماء شخصية إرهابية خيالية لقصة معينة، نجد أن الأسماء المقترحة ذات طابع عربي أو إسلامي.

    وعند سؤالها عن كتابة قصة بعنوان “النساء العربية”، تنشئ قصصًا تتكرر فيها صورة النساء العربية كضحية تحت وطأة تقاليد متخلفة. فالخوارزميات، مهما كانت ذكية، لا تنجو من تأثير المعلومات التي تم تدريبها عليها.

    • هل تُعتبر تطبيقات الذكاء الاصطناعي حركة استشراقية جديدة تجاه الشرق؟

    لا أعتقد أن تطبيقات الذكاء الاصطناعي تُستخدم عمداً للترويج لصور نمطية عن العرب والإسلام. لكن التحيزات والصور النمطية التي تظهر في مخرجاتها غالبًا ما يكون مصدرها الأرشيف الرقمي الضخم الذي يهيمن عليه سرديات غربية مُشوهة ومختزلة بالفعل.

    ومع ذلك، لا يمكن إنكار أن هذه البرنامجات تعتبر أدوات قوية، قادرة على تعزيز الخزعبلات الاستشراقية بشكل فعّال، إذا استخدمت بالمقصد من قبل قوى أو جهات مهيمنة.

    لذا، التعامل مع هذه النماذج يجب أن يكون نقديًا وواعياً، يتطلب رقابة معرفية وأخلاقية، وسعياً لبناء أرشيف رقمي بديل يعكس صوت الأمة والدين، ويبرز تنوع السياقات الإسلامية والعربية. بهذه الطريقة فقط يمكننا الحد من آثار الاستشراق الرقمي واستعادة توازن معقول في صناعة المعنى داخل الفضاءات التكنولوجية.


    رابط المصدر

  • أعلى تكلفة للثوب في العالم: الجزيرة نت تتجول في مجمع الملك عبد العزيز لصناعة كسوة الكعبة

    أعلى تكلفة للثوب في العالم: الجزيرة نت تتجول في مجمع الملك عبد العزيز لصناعة كسوة الكعبة


    تقع في مكة المكرمة، حيث يُصنع “ثوب الكعبة المشرفة” في مجمع الملك عبد العزيز لكسوة الكعبة، والذي تأسس عام 1977. تستمر عملية التصنيع أشهرًا، وتبدأ باختيار حرير طبيعي من إيطاليا، يتعرض لمراحل دقيقة تشمل الصباغة والنسيج والطباعة والتطريز بخيوط الذهب والفضة، بتكلفة تتجاوز 25 مليون ريال سعودي سنويًا. يعمل في المجمع أكثر من 200 موظف، وتستبدل الكسوة كل عام في يوم عرفة. الكسوة ليست مجرد قطعة قماش بل تجسد روح العبادة والتوحيد، وتعكس اهتمام المملكة العربية السعودية بالحرمين الشريفين. يجذب المجمع الزوار للاطلاع على هذه الصناعة الفريدة.
    Sure! Here’s your content rewritten, preserving the HTML tags:

    |

    قرب أطهر الأماكن في مكة المكرمة، تسطر أيادٍ واثقة وخاشعة خيوط الحرير الأسود وتزينها بخيوط الذهب والفضة، في عمل يستغرق شهورًا ويخضع لمراحل متعددة، ليُصنع “أقدس وأغلى ثوب”، إنه ثوب الكعبة المشرفة.

    داخل مجمع الملك عبد العزيز لكسوة الكعبة المشرفة، المؤسس عام 1397هـ (1977)، يتم تنفيذ مراحل صناعة الكسوة تحت إشراف مباشر من وزارة الحج والعمرة السعودية، حيث تنتقل هذه الصناعة من يد إلى يد، محاطة بالتقدير والاحترام، لتظل رمزًا من رموز العناية بالحرمين الشريفين.

    يمتد المجمع على نحو 100 ألف متر مربع، ويضم أكثر من 200 موظف وفني وإداري، يعملون في أقسام مختلفة تشمل النسيج والصباغة، والطباعة والتطريز والتركيب. ويعتبر هذا المعلم استمرارًا لتاريخ طويل في صناعة الكسوة.

    صناعة الكسوة تبدأ باختيار أجود أنواع الحرير الطبيعي المستورد خصيصا من إيطاليا (الجزيرة)
    تبدأ صناعة الكسوة باختيار أجود أنواع الحرير الطبيعي المستورد خصيصا من إيطاليا (الجزيرة)

    مراحل الصناعة 

    تبدأ صناعة الكسوة باختيار أجود أنواع الحرير الطبيعي المستورد خصيصا من إيطاليا، الذي يتم فحصه بدقة قبل صباغته باللون الأسود في قسم متخصص بالمجمع، وبعد ذلك ينتقل الحرير إلى مرحلة النسيج الآلي واليدوي، حيث تُحاك قطع القماش في نول مبرمج لإنتاج شرائط طولية تُشكل الكسوة الكاملة.

    تأتي بعد ذلك مرحلة الطباعة التي تُنقل فيها الآيات القرآنية والتصاميم الزخرفية إلى القماش باستخدام تقنية “السلك سكرين”، تمهيدًا لتطريزها بخيوط الذهب والفضة، وهي من أكثر المراحل دقة وتستغرق وقتًا وجهدًا كبيرين.

    تُطرّز كسوة الكعبة باستخدام نحو 120 كيلوغرامًا من الذهب والفضة، ويُستخدم في صناعتها نحو 670 كيلوغرامًا من الحرير الطبيعي، وتبلغ تكلفتها السنوية أكثر من 25 مليون ريال سعودي (حوالي 6.7 ملايين دولار)، مما يجعلها الثوب الأغلى عالميًا من حيث المواد والقيمة المعنوية والدينية.

    يؤكد مدير إدارة الإعلام في مجمع الملك عبد العزيز لكسوة الكعبة، أحمد السويهي، أن المجمع يُعتبر من أبرز المعالم التي تُجسد اهتمام المملكة العربية السعودية بالحرمين الشريفين، مشيرًا إلى أن الكعبة تكسى سنويًا بأجمل الحلل على مدى أكثر من 100 عام.

    أوضح السويهري أن تكلفة كسوة الكعبة تقدر بـ 25 مليون ريال سعودي، تتحملها السلطة التنفيذية السعودية وتُغير الكسوة مرة واحدة في كل عام، في يوم عرفة.

    ===داخلسه=== _النسج بخيوط الذهب (الجزيرة)
    خيوط الذهب والفضة المستوردة من ألمانيا تُستخدم في الكسوة (الجزيرة)

    تحفة فنية فريدة

    اعتبر السويهري الكسوة تحفة فنية فريدة، مصنوعة من أجود المواد عالميًا، حيث تُستخدم خيوط الذهب والفضة المستوردة من ألمانيا، التي تُعتبر من أنقى الأنواع، بالإضافة إلى الحرير الطبيعي الخالص المستورد من إيطاليا.

    أوضح في حديثه للجزيرة نت أن الكسوة تواجه طوال السنة عوامل الطبيعة كحرارة الشمس والرياح والأمطار والغبار دون أن تتأثر أو تفقد بريقها، وذلك بفضل جودة الصناعة ودقة التنفيذ، وهي ما يُعزى إلى المواد الفاخرة المستخدمة.

    ولفت إلى أن المجمع يحتوي على 54 نول يتولى إدارتها فنيون ماهرون، حيث تُنفذ الأعمال بدقة متناهية، بما في ذلك القناديل المطرزة على الكسوة. ونوّه السويهري أن هناك 159 صانعًا بالمجمع، يُعتبرون من أفضل الحرفيين عالميًا بسبب مهاراتهم في نسج خيوط الذهب والفضة.

    لفت السويهري إلى أن المجمع لا يقتصر على صناعة كسوة الكعبة من الخارج فقط، بل يهتم أيضًا بتجهيز الكسوة الداخلية التي تأتي باللون الأخضر، وتحمل عبارات مثل “لا إله إلا الله محمد رسول الله”، و”يا ذا الجلال والإكرام”، فضلًا عن بعض الآيات القرآنية، ويقوم المجمع أيضًا بصناعة ستارة الحجرة النبوية في المسجد النبوي الشريف بنفس الجودة والاهتمام.

    اختتم السويهري تصريحه بالقول إن حياكة الكسوة تستغرق 10 أشهر من العمل المتواصل، استعدادًا لتغييرها كل عام.

    _صناعة الثوب تمر بمراحل معقدة (الجزيرة)
    المجمع يضم 159 صانعًا يتمتعون بخبرة ومهارة في نسج خيوط الذهب والفضة (الجزيرة)

    إحرام الكعبة

    بعد إتمام جميع مراحل الحياكة والتطريز، تبدأ مرحلة “إحرام الكعبة” من خلال إنزال الكسوة القديمة وتركيب الجديدة، حيث تُجمع القطع الأربع (التي تغطي جوانب الكعبة) وتُربط بالستار الذهبي المعروف باسم “البرقع”، الذي يُثبت على باب الكعبة.

    قبل يوم عرفة من كل عام، وفي مشهد روحاني مهيب، تُستبدل الكسوة القديمة بالجديدة في عملية تتطلب جهود العديد من الفنيين والتقنيين، ليشهد العالم مرة أخرى مراسم “إحرام الكعبة”.

    يعتبر مجمع الملك عبد العزيز لكسوة الكعبة جزءًا من الهوية الدينية والثقافية في السعودية، ويعكس حرصها على رعاية الحرمين الشريفين وخدمة ضيوف الرحمن، كما يتيح المجمع للزوار من مختلف بلاد العالم فرصة الاطلاع على مراحل هذا العمل الفريد.

    بحسب مسؤولي المجمع، فإن الكسوة القديمة لا تُهمل بعد استبدالها، بل تُقصّ وتُهدى كقطع صغيرة إلى الشخصيات الرسمية والمراكز الإسلامية في مختلف أنحاء العالم، برسالة روحية ودبلوماسية.

    وكذلك تُعتبر كسوة الكعبة أكثر من مجرد قطعة قماش مزينة، بل هي رمز عميق في وجدان المسلمين. إنها تمثل روح العبادة والتوحيد، وتعبير عن وحدة الأمة حول قبلة واحدة، فكل خيط من خيوطها يجسد تلاقي التاريخ والإيمان، والفن والإتقان، ليظهر للعالم “أقدس وأغلى ثوب”، يحيط ببيت الله الحرام بخشوع وهيبة.

    Feel free to ask if you need any more assistance!

    رابط المصدر