الوسم: الخطة

  • الخطة “إف-47”: ما سبب تأخر المقاتلة الأميركية الأقوى على الإطلاق؟

    الخطة “إف-47”: ما سبب تأخر المقاتلة الأميركية الأقوى على الإطلاق؟


    في مارس 2025، صرح ترامب عن تصنيع الطائرة المقاتلة “إف-47” من الجيل السادس، بتكلفة 20 مليار دولار ومدة خمس سنوات. تسعى الولايات المتحدة لتعزيز تفوقها الجوي، بعد انتقادات لتوقف إنتاج “إف-22” بسبب التكلفة العالية. تتميز “إف-47” بتقنيات متقدمة مثل “العباءة الحرارية” ومحرك تكيّفي، وتتضمن استخدام المسيرات. يتوقع أن يُنجز المشروع في سياق المنافسة مع دول مثل الصين وروسيا، اللتين تتقدمان في تطوير أنظمة الدفاع الجوي. تظل هذه المبادرات ضرورية لضمان تفوق جوي مستدام في ظل تطور التهديدات العالمية.

     

    “إن مستقبل أُمتنا مرهون للأبد بتطوير قوة جوية”.

    • ويليام بيلي ميتشيل (1879-1936)، عسكري أميركي.

    في مارس الماضي، بعد سنوات من التخطيط، صرح القائد الأميركي دونالد ترامب عن إبرام صفقة مع الشركة الأميركية “بوينغ” لتطوير وتصنيع طائرة مقاتلة من الجيل السادس، باسم “إف-47″، تيمُّناً بكون ترامب القائد السابع والأربعين للولايات المتحدة. وقال ترامب: “لم يرَ العالم شيئاً يشبهها، ولن يتمكن أعداؤنا من رؤيتها قبل فوات الأوان”، معبراً عن أمله في أن تُحلق الطائرة خلال فترة ولايته التي تنتهي في يناير 2029.

    تبلغ قيمة الصفقة نحو 20 مليار دولار على مدى خمس سنوات، وقد ارتفعت القيمة القطاع التجاريية لـ”بوينغ” بنحو 4 مليارات دولار بعد الإعلان، الذي جاء عقب فترة من اللامبالاة من البنتاغون تجاه الشركة. ولفت أندرو هانتر، مسؤول سابق في قسم التسلح في سلاح الجو الأميركي، إلى التنافس مع شركة “لوكهيد مارتن” التي تصنع “إف-22”.

    إذا افترضنا أن “بوينغ” ستنتج 100 طائرة، فإن تكلفة الطائرة الواحدة ستكون حوالي 200 مليون دولار، وهو رقم يزيد قليلاً عن نصف تكلفة “إف-22” ويمثل ضعفي سعر “إف-35”. لم يكن هذا العقد ضمن خطط الإدارة السابقة، ولم يتضمن ميزانية وزارة الدفاع لعام 2026، كما صرح وزير سلاح الجو السابق فرانك كِندال، مشيراً إلى أولويات أخرى حالت دون إدراج الطائرة في خطط وزارته. ويعكس هذا التغيير في الإستراتيجية الأميركية الجديدة اهتمام ترامب المتزايد بالتنمية الاقتصادية في الصناعات العسكرية.

    تجربة سابقة غير مُبشِّرة

    لفهم الحيرة حول المقاتلة الجديدة، لننظر إلى تجربة “إف-22 راپتور”، التي لم تكن مُشجِّعة وعانت من مشاكل تكلفة عالية. توقفت “إف-22” عن الإنتاج في عام 2011 بعد فترة قصيرة، إذ بدأت الخدمة الفعلية في 2005، وامتدت ست سنوات تعتبر قصيرة جداً في عمر الطائرات الحربية، كما في حالة القاذفة “بي-52” التي لا تزال تعمل منذ الخمسينيات.

    بدأت “إف-22” في الثمانينيات كبديل لـ”إف-15″، وأسندت مهمتها لشركة “لوكهيد مارتن” في 1997. استلم سلاح الجو الأميركي أول طائرة بعد خمس سنوات ودخلت الخدمة بعد ثلاث سنوات أخرى. عانى المشروع خلال هذه المدة من تقليص متكرر، في حين كانت النوايا الأصلية للبنتاغون شراء 750 طائرة، لكن العدد النهائي لم يتجاوز 200، وعدد الطائرات المؤهلة للعمليات كان 187 فقط.

    كان سبب توقف الإنتاج تكلفة المقاتلة المرتفعة. إدارة أوباما كانت تسعى لتقليل النفقات بسبب الأزمة المالية العالمية آنذاك. وقد تم إنفاق 70 مليار دولار على المشروع، مما جعل تكلفة كل طائرة تصل إلى 369 مليون دولار، في حين كانت تكلفة الطيران حوالي 85 ألف دولار في الساعة، وهو أكثر من ضعف تكلفة “إف-35”.

    نتيجة لذلك، تقرر التخلي عن “إف-22” في 2011، ولم يكن هناك حاجة لقوة كبيرة من هذه الطائرات، حيث كانت مخصصة لمعارك جو-جو، ولم يعد أعداء واشنطن يشكلون تهديداً كبيراً في هذا الجانب، خاصة مع تحول الحروب إلى نزاعات حضرية.

    لا يزال قرار التخلي عن “إف-22” مثار جدل، خاصة في ظل تراجع أسطول الطائرات القديمة في القوات الجوية الأميركية. يرى المحللون أن الولايات المتحدة ارتكبت خطأً في وقف إنتاج الطائرة، مما أدى إلى عدم استقرار في تطوير طائرات التفوق الجوي.

    2018 08 MILITARY NORWAY
    طائرة مقاتلة من طراز إف-22 تابعة للقوات الجوية الأميركية في طريقها إلى تدريب مشترك مع أسطول النرويج من طائرات إف-35 في 15 أغسطس 2018. (رويترز)

    طائرات التفوُّق الجوي

    تتمثل مهمة مقاتلة التفوق الجوي في ضمان استمرار العمليات العسكرية دون تدخل من الطيران العدائي، مما يتطلب القدرة على اجتياز المجالات الجوية للأعداء وتجاوز دفاعاتهم الجوية.

    منذ الحرب العالمية الثانية، كانت التفوق الجوي مسألة حيوية، كما يظهر في الإنزال الشهير لقوات الحلفاء في نورماندي، حيث قال أيزنهاور: “إن نجاح الغزو اعتمد على قدرة القوات الجوية على السيطرة على الأجواء”.

    لذا، يبقى العمل على “إف-47” أساسياً للجيش الأميركي، وعُدَّت البدايات الأولى في 2009، عندما أعرب مسؤولون رفيعون عن بدء العمل على الجيل السادس من طائرات التفوق الجوي. بدأت المسيرة الفعلية عام 2014 مع دراسة من وكالة الأبحاث الدفاعية المتقدمة “دارپا”، التي تعتبر رائدة في تطوير التقنية العسكرية.

    نُشرت هذه الدراسة في مايو 2016، وضمت مفهوماً جديدًا للتفوق الجوي، يعتمد على “منظومة من الأنظمة” بدلاً من طائرة واحدة.

    تشير هذه المقاربة إلى تطوير مجموعة من التقنيات، تستطيع العمل بشكل مستقل ثم تندمج لاحقًا ضمن مشروع التفوق الجوي. يشير التقرير إلى أن الفجوة بين الولايات المتحدة وخصومها تتسع، مما يستوجب التحرك السريع لتفادي فقدان السيطرة الجوية.

    نتيجة تلك الأبحاث، تم إدخال مبادرة “الجيل القادم للتفوق الجوي” (NGAD) التي اعتمدت على فكرة “منظومة الأنظمة” كأساس. في 2015، أطلق الفرن كِندال مبادرة الابتكار في مجال الطيران بإدارة “دارپا” لتطوير نماذج أولية، ومن ثم أصدرت القوات الجوية إعلاناً عام 2022 بأن التقنيات المتقدمة التابعة لبرنامج “NGAD” أصبحت جاهزة.

    كارثة التكلفة

    كان من المتوقع أن يتم الإعلان عن الطائرة الجديدة عام 2024، لكن كِندال أوقف المشروع فجأة في مايو من نفس السنة، فيما استمر العمل على التقنيات الأخرى. جاء التحكم في المشروع “للتحقق من أن الولايات المتحدة تتخذ القرار الصحيح فيما يتعلق بمستقبل التفوق الجوي”. لذا، لم يتم تضمين الطائرة في ميزانية 2026، حيث ذكر كِندال: “ببساطة، لم يكن لدينا المال”، كاشفًا عن السبب الحقيقي وراء إيقاف المقاتلة.

    لكن تأخير التقنيات، التي لم تصل بعد إلى مستوى كافٍ، يبقى سببًا آخر لعدم التقدم. إن التكلفة والكفاءة الماليةية مهمة، حيث إن ارتفاع تكلفة الطائرة يجعل إنتاجها بشكل مكثف تحديًا ويصعب تعويضها في المعارك الكبرى.

    على عكس “إف-22” التي لم يسمح بتصديرها، قال ترامب إن حلفاء الولايات المتحدة سيكونون مهتمين بشراء المقاتلة الجديدة، رغم أن النسخ المخصصة للتصدير ستكون أقل كفاءة لتقنيات الحماية.

    في هذا السياق، تساءل الجنرال كِندال عن إمكانية إقبال حلفاء الولايات المتحدة على المقاتلة الجديدة بسبب تكلفتها العالية والإصدار الأقل من حيث الإمكانيات.

    jet 1742572905
    القائد الأميركي دونالد ترامب يلقي كلمة مع وزير الدفاع بيت هيغسيث، بينما تُعرض صورة لطائرة مقاتلة من الجيل السادس من طراز إف-47، في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض، في 21 مارس 2025. (رويترز)

    ما معنى مقاتلة من الجيل السادس؟

    الطائرة، بحسب النماذج الأولية، تتمتع بجناحين على شكل دلتا (∆) بدون ذيل أو جناح خلفي أفقي، ما يعزز من خصائص التخفي ضد الرادار. وتشير تقارير إلى أن الطائرة قد تحتوي على تقنية جديدة تُدعى “العباءة الحرارية”، التي تقلل الانبعاثات الحرارية والصوتية مما يسهل عليها المرور عبر أنظمة الرادار.

    كما يمكن أن تحتوي المقاتلة على “محرك تكيُّفي”، يتيح لها التكيف مع أنواع مختلفة من المهام، مما يزيد من قدرتها على المناورة والبقاء أثناء القتال.

    يجري العمل في البنتاغون حالياً لتطوير محركات قابلة للاستخدام على مجموعة متنوعة من الطائرات، ويعتبر نظام الاشتباك الجماعي خطوة مركزية في الجيل السادس، بإشراك سرب من المسيرات في الهجوم.

    تلك المسيرات مزودة بأجهزة استشعار متقدمة، تساعد في تنفيذ الهجمات وحماية المقاتلة، بل يمكن استخدامها كدرع يحمي الطائرة. ولهذا، يُفترض أن تكون المسيرات نفسها فرط صوتية لتناسب سرعة المقاتلة.

    يأتي ذلك في إطار التحديات أمام التفوق الجوي، وخاصة مع التطور السريع في استخدام المسيرات كأداة حربية، كما لوحظ في الحروب الحديثة.

    تتميز المقاتلة بخصائص مستقلة، حيث ستقل الحاجة للتدخل البشري في تشغيلها، بما في ذلك إدارة المسيرات والأنظمة المتعددة على متنها، مما يجعل ذكاء الآلة جزءاً أساسياً في معركة المستقبل.

    تم تطوير حساسات جديدة تمنح الطيارين تفاصيل دقيقة حول بيئة القتال، مما يقلل من زمن الاستجابة عند التعرض للخطر، وتأمل شركات الطيران في جعل الطائرة أكثر أوتوماتيكية في المستقبل مع استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي.

    Aerial view of a military building, The Pentagon, Washington DC, USA
    لا تزال الولايات المتحدة صاحبة السبق في برامج التسلُّح المتقدمة مُعرَّضة لكنها تخشى من فقدان الصدارة في مجال الطائرات المُقاتلة في المستقبل القريب. (غيتي)

    أصدقاء أميركا وخصومها

    تتداخل المصالح الأميركية مع رغبة حلفائها وخصومها في تطوير مقاتلات من الجيل السادس، حيث تسعى عدة دول لتحصيل نسخها الخاصة. ووفقاً للجنرال ديفيد ألفين، يُعتقد أن الولايات المتحدة لا تمتلك القدرة على تطوير “مقاتلة جيل سادس حقيقية”. ومع ذلك، هناك حلفاء أميركيون منهم من أطلقوا ثلاثة مشاريع لتطوير مقاتلات جديدة.

    أحد هذه المشاريع هو برنامج القتال الجوي العالمي الذي أُعلن عنه في ديسمبر 2022 من قبل بريطانيا وإيطاليا واليابان، والذي يجمع جهود ثلاثة برامج مستقلة لتصنيع طائرة مقاتلة توازي “إف-35”.

    كما تتعاون ألمانيا وفرنسا وإسبانيا في مشروع “نظام القتال الجوي العالمي”، ومن المتوقع إنتاج طائرة اختبارية بحلول عام 2027، وتتضمن جهود ثلاث شركات كبرى: “داسو” الفرنسية، و”إيرباص” و”إدَر سِستيمز” الإسبانية، لتحل محل طائرات “رافال” و”يوروفايتر تايفون”، بخصائص الجيل السادس.

    ومما يُقلق واشنطن هو التطور التكنولوجي لخصومها، مثل الصين وروسيا، إذ يُركّز مشروع “إف-47” على مناطق المحيط الهادئ. ورغم قلة المعلومات حول المقاتلات الصينية القادمة، هناك نماذج لها ظهرت في العروض العسكرية، تحمل أرقامًا تشير لتكون من طراز “جيه-36″ و”جيه-50”.

    المقاتلة “جيه-36” ظهرت بشكل أوضح في إبريل 2025، وتبدو بشكل ألماسة بدون ذيل، وتفوق حجم “إف-35″ و”إف-22”. كما أن تصميمها يسمح لها بالتحليق لفترات طويلة دون إعادة التزود بالوقود.

    أيضًا، صرح فريق بحثي لصالح القوات الجوية الصينية عن اكتشاف طائرة تشبه مقاتلات “إف-22” و”إف-35″، بالاعتماد على إشارات أقمار “ستارلينك” لشركة “سبيس إكس”، وقد استطاعوا رصد حركتها باستخدام مسيرات صغيرة.

    تحديات الدفاع الجوي

    تُعتبر القدرة على تجنب الدفاعات الأرضية أحد أكبر التحديات التي تواجه مقاتلات التفوق الجوي الأميركية. مع التطور الكبير في نظم الدفاع الجوي، تصبح الطائرات الحديثة في مرمى النيران. يجب على الطائرة تلبية حاجة دخول المجالات الجوية المعادية، مما يجعلها عرضة للتهديدات إذا لم تكن قادرة على النجاة.

    طوَّرت الصين وروسيا نظم دفاع جوي أثبتت كفاءتها، ومن أبرزها النظام الحاكم الروسي “إس-500” الذي يستطيع مواجهة جميع الأسلحة الفرط صوتية. تم تصميمه برادارات متعددة النطاقات لمواجهة الطائرات الشبحية مثل “إف-22” و”إف-35″، مما يُعطيه قدرة عالية على تحديد الأهداف بدقة.

    أيضًا، تمتلك الصين منظومة “إتش كيو-22″، التي يُعتقد أنها قادرة على مواجهة معظم الطائرات الحربية. تُظهر التقارير أنها خامس نظام تطوِّره الصين خلال 12 عاماً، مما يدل على التطور السريع في هذا المجال.

    كما تمكَّنت فرق بحثية من تحديد طائرات باعتماد الموجات الكهرومغناطيسية من أقمار “ستارلينك”، بما يعكس قدرة نظم الدفاع على التصدي للطائرات الشبحية مع تقدم التقنية.

    يستدعي ذلك اهتماماً خاصًا من الجيوش ذات الطموحات للسعي للتفوق الجوي، بما فيها الولايات المتحدة، لتطوير نظمها وقدراتها من أجل مواجهة هذه النظم المتطورة.

    هل تأخَّر الأميركيون حقا؟

    الوقت المتوقع بين إيقاف “إف-22” وبدء “إف-47” هو حوالي عشرين عاماً، وهو مدة طويلة بالتأكيد. خلال هذه السنوات، تسود شعور أميركي بالأزمة في التفوق الجوي، وظهور التحديات الجديدة تثير القلق. يُظهر الإيقاف الذي طال مشروع “إف-47” تساؤلات حول تقنيات الطائرات، ويكشف الحاجة إلى تطوير سبل جديدة لتأمين التفوق في المستقبل.

    بالتأكيد، يُدرك صانع القرار الأميركي هذا الوضع، ويعترف بأن التفوق الجوي الذي كان مضمونًا لنقود في العقود الماضية يحتاج إلى استثمارات وجهود جديدة. ومع أن معظم المشاريع المُسجلة ستكون للطائرات المتعددة المهام، إلا أن هناك تداخلًا كبيرًا في السمات بين معايير مقاتلات التفوق الجوي والمقاتلات السنةة.

    ختاماً، بينما تبقى الولايات المتحدة في مقدمة تطوير الأسلحة الحديثة من حيث النوع، إلا أن الفجوة بينها وبين المنافسين، وخاصة الذين تُعتبرهم واشنطن خصوماً كروسيا والصين، بدأت تضيق، مما يعكس احتمال فقدان الصدارة في مجال الطائرات القتالية مستقبلاً أكثر من أي وقت مضى.


    رابط المصدر

  • الخطة الخاصة بستارمر: preventing Britain from becoming an island for strangers.

    الخطة الخاصة بستارمر: preventing Britain from becoming an island for strangers.


    أصدر رئيس وزراء بريطانيا كير ستارمر “كتابًا أبيض” حول الهجرة، وعد فيه بخفضها بعد اعتباره الأوضاع الحالية “لا تطاق”. انتقد ستارمر سياسات السلطة التنفيذية السابقة التي جعلت البلاد “جزيرة للغرباء”. تهدف خطته إلى تقليص الهجرة عبر زيادة فترة الإقامة اللازمة للحصول على الجنسية وتحديد إمكانية الحصول على تأشيرات العمالة الماهرة. كما تنص على إنهاء تأشيرات العمالة في قطاع الرعاية الاجتماعية. لاقت خطة ستارمر انتقادات من أحزاب المعارضة وحتى من داخل حزب العمال، حيث اعتبر البعض أنها تعكس تراجعًا عن النهج اليساري وتعزز خطاب الكراهية ضد المهاجرين.

    صرح رئيس وزراء بريطانيا، كير ستارمر، يوم الاثنين الماضي عن ما أطلق عليه “الكتاب الأبيض”، الذي يتضمن خطة لخفض معدلات الهجرة إلى المملكة المتحدة، حيث وصف الوضع الحالي بأنه “لا يطاق”.

    يعتقد ستارمر أن بريطانيا ستتحول -بسبب سياسات الحكومات السابقة- إلى “جزيرة للغرباء بدلاً من أمة واحدة تتقدم معًا”، على حد تعبيره.

    وعلى نطاق واسع، اعتبرت خطته محاولة للتصدي لصعود اليمين المتطرف الذي حقق نتائج جيدة مؤخرًا في الاستحقاق الديمقراطي الفرعية.

    منذ إعلانها، تعرضت الخطة لانتقادات واسعة، لم تقتصر على المعارضة فقط التي تساءلت عن جدواها ومصداقيتها، بل شملت أيضًا قادة ونواب من حزب العمال الذين رأوا أنها تمثل انحرافًا عن المسار اليساري للحزب.

    ما هي معالم خطة ستارمر لمواجهة الهجرة؟ وما أبرز الانتقادات التي واجهتها؟

    معالم الخطة

    في خطاب أمام داونينغ ستريت، تعهد رئيس حزب العمال، كير ستارمر، ببدء تنفيذ خطط جذرية للحد من الهجرة، متهمًا الحكومات السابقة بإهمال هذا الملف عبر سياسة فتح النطاق الجغرافي.

    قال ستارمر إن حكومته ستنهي تلك الإستراتيجية، مؤكدًا شعار “سنستعيد السيطرة على حدودنا”، الذي استخدمه معارضو خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي قبل الاستفتاء في عام 2016.

    تعهد رئيس السلطة التنفيذية البريطانية بأن يكون الاستيطان في البلاد “امتيازًا يُكتسب، وليس حقًا”، مشددًا على أن نجاحه في رئاسة السلطة التنفيذية يعتمد على مدى نجاحه في تقليص الهجرة.

    وفي تقرير لصحيفة إندبندنت بعنوان “النقاط القائدية في الكتاب الأبيض لكير ستارمر حول الهجرة”، اعتبرت المراسلة السياسية ميلي كوك أن الخطة الجديدة ستتطلب من المهاجرين الانتظار لمدة 10 سنوات -بدلاً من 5 سنوات كما كان معمولا به سابقًا- قبل التقدم بطلب للحصول على الإقامة الدائمة أو الجنسية.

    كما يحتم التقرير أن المتقدمين للحصول على تأشيرات العمل المهارية يجب أن يحملوا شهادة جامعية، بينما ستقلل فرص العمل في الوظائف غير المهارية من حيث العدد والزمن، مع إعطاء أولوية قصوى للمواطنين البريطانيين.

    سترفع رسوم الهجرة التي تسددها الشركات بنسبة 32%، إذ يتوجب على الشركات دفع رسوم تتراوح بين 2400 و6600 جنيه إسترليني لكل عامل ترغب في استقدامه.

    GettyImages 1482550174 1726081562
    وفقًا لخطة ستارمر، سيتعين على المهاجرين قضاء 10 سنوات قبل أن يتمكنوا من التقدم للحصول على الإقامة الدائمة أو الجنسية (غيتي)

    تأثير خاص في مجال الرعاية

    وحسب إندبندنت، تتضمن الخطة وعدًا بإنهاء التوظيف الخارجي لتأشيرات الرعاية الاجتماعية، مما يعني أن العمال الأجانب لن يتمكنوا من التقدم بطلبات للحصول على تأشيرات للعمل في هذا القطاع. ومع ذلك، سيتم تأجيل هذا الحكم حتى عام 2028 لحين استكمال تطوير استراتيجية القوى السنةلة.

    وفقًا لتقرير عن الخطة من مراسل نيويورك تايمز في لندن ستيفن كاسل، فإن هذه التدابير تتضمن مخاطر كبيرة، خاصة بالنسبة لقطاع رعاية كبار السن الذي يواجه نقصًا حادًا في العمالة.

    نقلت نيويورك تايمز عن مارتن غرين، القائد التنفيذي لمنظمة “كير إنجلاند”، قوله إن عدم منح تأشيرات للعاملين في هذا القطاع يمكن اعتباره “ضربة قاسية لقطاع مُتأزم بالفعل”.

    ولفتت إندبندنت إلى أن القيادية النقابية كريستينا ماكنيا أنذرت من أن نقص السنةلين في مجال الرعاية سيؤثر بشكل ملحوظ على هيئة الخدمات الصحية الوطنية، موضحة أن هذا القطاع كان على وشك الانهيار لو لم يتم دعم من آلاف العمال القادمين من الخارج.

    Residents wait to greet Britain's Catherine, Duchess of Cambridge and Britain's Prince William, Duke of Cambridge as they visit Cleve Court Care Home in Bath in south west England to pay tribute to the efforts of care home staff throughout the COVID-19 pandemic, on December 8, 2020, on the final day of engagements on their tour of the UK. During their trip, their Royal Highnesses hope to pay tribute to individuals, organisations and initiatives across the country that have gone above and beyond to support their local communities this year. (Photo by Paul Grover / POOL / AFP)
    تتضمن خطة ستارمر مخاطر تتعلق بقطاع رعاية كبار السن الذي يعاني نقصًا حادًا في العمالة (الفرنسية)

    تشديد بخصوص الطلاب واللغة

    وفقا للكتاب الأبيض، السلطة التنفيذية البريطانية بصدد وضع متطلبات جديدة صارمة يجب على جميع المؤسسات المعنية تلبيتها لاستقدام الطلاب الدوليين.

    سيُطلب من الجامعات تحقيق معدل أعلى بـ5 نقاط مئوية في التقييم السنوي الأساسي الذي يُستخدم لمراقبة مستوى امتثال كل جهة راعية لنظام التأشيرات، كما سيتم تقليص مدة بقاء الطلاب الأجانب في المملكة المتحدة بعد التخرج من عامين إلى 18 شهرًا.

    ذكرت مراسل نيويورك تايمز في لندن أن منظمة “جامعات المملكة المتحدة” دعت الوزراء إلى “التفكير مليا” في تأثير الضريبة الجديدة المخطط لها على الرسوم الخاصة بالطلاب الدوليين.

    وبموجب الخطة، ستُرفع متطلبات اللغة لجميع مسارات الهجرة لضمان مستوى أعلى من إجادة اللغة الإنجليزية، حيث تشمل تلك المتطلبات تقييمات لضمان تحسّن الأفراد عبر الزمن.

    سوف تُطبق متطلبات اللغة على كل من المتقدمين القائديين للحصول على التأشيرة وأفراد أسرهم، مما يعني أن أطفال وأزواج المتقدمين للحصول على تأشيرات سيكون عليهم أيضًا تعلم اللغة الإنجليزية إذا كانوا يرغبون في البقاء في بريطانيا.

    إجراءات قانونية جديدة

    يتضمن الكتاب الأبيض إجراءات تسهل ترحيل مرتكبي الجرائم، سواء كانوا في السجن أو خارجه، وسيتم تسريع ترحيل مرتكبي أعمال العنف ضد النساء والفتيات.

    بدون الانسحاب من الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان، سيُعرض تشريع لتوضيح أن السلطة التنفيذية والمجلس التشريعي هما من يقرران من يحق له البقاء في المملكة المتحدة.

    كانت تلك الاتفاقية -وخصوصًا في مادتها 8 التي تحمي حقوق الحياة الخاصة والعائلية- هي الأساس الذي استند إليه كثير من القضاة في المملكة المتحدة لإبطال قرارات ترحيل اتخذتها حكومات سابقة.

    ستنشئ هذه الإجراءات آلية لكشف أولئك الذين “يحاولون التحايل على القوانين” من خلال الادعاء بأنهم زوار لفترة قصيرة ثم يسعون للبقاء بسبب روابط أسرية.

    London, England - September 19, 2022: Policemen in London during the Queen's funeral service.
    يتضمن الكتاب الأبيض إجراءات جديدة تسهل ترحيل مرتكبي الجرائم، سواء كانوا في السجن أو خارجه (شترستوك)

    تقليص لكن دون سقف

    يرفض ستارمر وضع حدود معينة لأعداد المهاجرين، ولا يخفي قلقه من تكرار التجارب السابقة، حيث لفت إلى أنه لن يكون هناك حد أقصى لعدد القادمين إلى المملكة المتحدة. على مدى السنوات العشر الأخيرة، حاول عدد من رؤساء الوزراء فرض “سقف صارم” للهجرة لكنهم لم ينجحوا جميعًا.

    وعلى الرغم من ذلك، أفاد مراسل بي بي سي، سام فرانسيس، بأن وزارة الداخلية البريطانية تقدّر أن الإجراءات المخطط لها في خطة ستارمر قد تؤدي إلى تقليص الهجرة بمقدار 100 ألف شخص سنويًا بحلول عام 2029.

    سبق لحكومات المحافظين المتعاقبة أن وعدت بخفض صافي الهجرة إلى أقل من 100 ألف وافد سنويًا، لكنها فشلت بشكل ذريع، حيث ارتفعت الأعداد إلى مستويات قياسية وصلت لأكثر من 900 ألف مهاجر في السنة المنتهية في يونيو 2023، قبل تقليص العدد في يونيو 2024 إلى 728 ألف شخص.

    عمل عدد من الأسلاف على قمع الهجرة غير النظام الحاكمية، حيث تبنى رئيس الوزراء السابق ريشي سوناك خطة مثيرة للجدل لترحيل المهاجرين غير الشرعيين إلى رواندا، ولكنها أُبطلت من قبل المحاكم.

    ذعر من اليمين

    حسب كاسل، تشير خطة ستارمر المتشددة إلى أن الهجرة أصبحت قضية مهمة مجددًا في بريطانيا. فقد حقق حزب “إصلاح المملكة المتحدة” المناهض للهجرة فوزًا كبيرًا في الاستحقاق الديمقراطي الإقليمية ورئاسات البلديات، مما شكل انتكاسة لحزبي العمال والمحافظين.

    نقل كاسل عن مسؤولين كبار أن حزب الإصلاح قد يصبح منافسًا رئيسيًا لحزب العمال في الاستحقاق الديمقراطي السنةة المقبلة، مما يفسر لهجة ستارمر المتشددة تجاه الهجرة.

    ورغم نفي ستارمر أن تكون خطته لمكافحة الهجرة ردًا على نجاح حزب الإصلاح، مؤكدًا أنه يفعل ذلك لأنه “صحيح وعادل”، نوّه زعيم حزب الإصلاح، نايجل فاراج، أن إجراءات الحزب جاءت بسبب “خوف حزب العمال من صعود حزبه في الاستحقاق الديمقراطي”.

    أضاف فاراج أن “حزب العمال يتبع حزب الإصلاح في قضية الهجرة، لكن هل لديهم إرادة لتنفيذ هذه الإجراءات؟ أشك في ذلك بشدة”، معتبرًا أن خطط حزب العمال للتصدي لعصابات تهريب البشر تعكس فشلاً ذريعاً.

    من جانبها، انتقدت رئيسة حزب المحافظين، كيمي بادينوخ، خطة ستارمر، معتبرة أنها بعيدة عن التغيير المطلوب.

    كما أدان حزب الخضر مقترحات ستارمر ووصفها بأنها “ذعر مضلل” يسعى لإعادة جذب أصوات حزب الإصلاح.

    A handout photograph released by the UK Parliament shows President and MP for Reform UK party Nigel Farage speaking during Prime Minister's Questions (PMQ) session in the House of Commons, in central London, on May 14, 2025.
    قال نايجل فاراج إن ستارمر غيّر موقفه بشأن الهجرة لمجرد رغبته في البقاء في السلطة (الفرنسية)

    انتقادات قوية من الداخل

    ستواجه خطة ستارمر اختبارات صعبة عند عرضها على المجلس التشريعي يوم الاثنين المقبل. الانتقادات لم تقتصر على المعارضة فقط، بل تأتي أيضًا من النواب اليساريين في حزب العمال الذي يترأسه ستارمر.

    عنوَّنت صحيفة تلغراف تقريرها بـ”ستارمر يواجه ردود فعل قوية من اليسار بشأن خطة الهجرة”، معتبرةً أن بنود الخطة واللغة المستخدمة من قبل رئيس الوزراء أثارت العديد من الانتقادات من بعض النواب والنقابات.

    كتب النائبة العمالية عن نوتنغهام، نادية ويتوم، على موقع إكس أن “تصاعد خطاب السلطة التنفيذية ضد المهاجرين أمر مقلق وخطير. المهاجرون هم جيراننا، أصدقاؤنا، وعائلاتنا، والقول بأن بريطانيا تُخاطر بأن تصبح ‘جزيرة للغرباء’ بسبب الهجرة يشبه إثارة الهلع لدى اليمين المتطرف”.

    كما علق النائب العمالي السابق جون ماكدونيل، الذي أصبح مستقلًا، واصفًا استخدام ستارمر لعبارة “جزيرة من الغرباء” بأنه إعادة إحياء خطاب إينوك باول المحرض، مما يساهم في إثارة الفتن والانقسام.

    باول كان عضوًا محافظًا في المجلس التشريعي وألقى خطابًا شهيرًا في عام 1968 يُعتبر من أكثر العبارات تحريضًا وعنصرية في التاريخ البريطاني الحديث.

    فيما قالت النائبة من حزب العمال، أوليفيا بليك، إن وصف المهاجرين بالغرباء “يُخاطر بإضفاء الشرعية” على عنف اليمين المتطرف، مضيفة أن “المهاجرين ليسوا غرباء، بل هم جزء لا يتجزأ من مجتمعنا، وهذه التوصيفات تؤدي إلى الانقسام”.

    لفتت بليك إلى الاضطرابات التي شهدتها البلاد صيف السنة الماضي بعد مقتل ثلاث فتيات في ساوثبورت.

    صرحت النائبة العمالية عن منطقة فوكسهول، فلورنس إيشالومي، بأنها تمثل “مكانًا يحلم به الكثيرون ليكون موطنًا لهم، ويُساهم الكثيرون في تطوير مجتمعنا كل يوم”، مشيرة إلى أن ناخبيها قلقون بشأن تأثير الإجراءات الجديدة على المقيمين في المملكة المتحدة.

    قال كريس فيلب من مجلس العموم إن “رئيس الوزراء يبدو أنه خضع لتحول عنيف.. وقد تخلى عن كل ما كان يؤمن به، أو أنه دائمًا ما يقول ما يعتقد أن الناس يريدون سماعه”.

    واعتبر النائب العمالي بيل ريبيرو-آدي أنه “من المخزي أن يُتخذ المهاجرون كبش فداء بهذه الطريقة”. كتب “كان إعلان السلطة التنفيذية اليوم إهانة لأولئك الذين اتخذوا المملكة المتحدة وطنًا لهم.. هؤلاء المهاجرون ليسوا غرباء، إنهم أصدقاؤنا، جيراننا، وأفراد عائلاتنا”.

    ولفت النائب من حزب العمال كلايف لويس إلى أن “إصلاحات الهجرة التي طرحها كير ستارمر تمثل انزلاقًا خطيرًا نحو الفاشية التي احتفلنا مؤخرًا بذكرى هزيمتها”.


    رابط المصدر