الوسم: الجماعية

  • السياحة الجماعية: كيف تتعامل أبرز مدن جنوب أوروبا مع تدفق الزوار؟

    السياحة الجماعية: كيف تتعامل أبرز مدن جنوب أوروبا مع تدفق الزوار؟


    تواجه المدن السياحية الكبرى أزمة ما يُعرف بالسياحة المفرطة، حيث تتصاعد الشكاوى من الاكتظاظ وارتفاع أسعار السكن. في عام 2025، اتخذت العديد من المدن الأوروبية مثل برشلونة والبندقية إجراءات لتقليل الزوار، بما في ذلك فرض رسوم دخول وتقييد الإقامات. إسبانيا تعتزم تقييد الإيجارات السياحية، فيما طبقت إيطاليا رسوم دخول في مواقع مشهورة. أيضا، فرضت اليابان حدًا للزوار في جبل فوجي. هذه التدابير تهدف إلى تحقيق توازن بين احتياجات السكان وزوار المدن، مع ضرورة تفكير السياح في خيارات أكثر استدامة.

    في شوارع المدن السياحية الكبرى، وعند شواطئها وعلى مقربة من معالمها التاريخية الشهيرة، بات الموقف يتكرر، طوابير طويلة وزحام، مع السكان المحليين الذين يشتكون من اختناقات المرور، وارتفاع الأسعار خاصة في إيجارات السكن.

    هكذا أصبحت “السياحة المفرطة” حلقة مفرغة لأزمة عالمية تتزايد صيفًا بعد صيف. ومع تدفق غير مسبوق للمسافرين إلى أبرز الوجهات في أوروبا وآسيا، تبنت بعض المدن، من البندقية وروما إلى سانتوريني وبالي، إجراءات غير تقليدية للتقليل من الزحام في تلك الوجهات بحلول صيف 2025، سنتعرف عليها في هذا المقال.

    إجراءات استباقية في إسبانيا

    يبدو أن السفر إلى أوروبا هذا السنة لم يعد بالسلاسة المعتادة، إذ طالت تغييرات القوانين المحلية والضرائب بعض الدول، مما يستدعي من السياح التخطيط الدقيق ومعرفة ما ينتظرهم قبل الوصول.

    travel 5188598 1749991328
    ساحة بلازا إسبانيا في برشلونة، حيث يظهر البرجان التوأمان والقصر الوطني في الخلف (بيكسابي)

    وذكرت شبكة “يورونيوز” أن عدداً من الدول الأوروبية الأكثر ازدحاماً، التي تأثرت بزيادة السياح، بدأت في تطبيق مجموعة من الإجراءات الجديدة بهدف تنظيم تدفق الزوار بدلاً من منعه، لمواجهة مشكلة السياحة المفرطة.

    وتعتبر إسبانيا من بين هذه الدول، حيث بدأت مدن مثل مايوركا وبرشلونة بتقييد تراخيص الإيجارات السياحية، وأوقفت إصدار تراخيص جديدة بل وألغت بعضها بأثر رجعي منذ فبراير/شباط 2024، delaying efforts لإنعاش سوق العقار المحلي.

    في برشلونة، يُتوقع أن يُحظر هذا النوع من الإيجارات تمامًا بحلول عام 2028. كما بات على السياح تقديم تفاصيل عند الإقامة أو استئجار السيارات تشمل الجنسية والعنوان ورقم الجوال والبريد الإلكتروني.

    قوانين صارمة في مدن إيطاليا

    تُعد إيطاليا من البلدان الأوروبية الأكثر تأثراً بالزيادة الهائلة للسياح، مما دفع السلطات إلى فرض العديد من القوانين الصارمة في مدنها السياحية للحد من آثار السياحة المفرطة في صيف 2025.

    غروب الشمس في القناة الكبرى بالقرب من جسر Rialto في البندقية، إيطاليا
    منظر قبيل غروب الشمس في منطقة القناة الكبرى في البندقية (شترستوك)

    كانت مدينة البندقية سبّاقة في فرض رسوم سياحية في موسم الصيف، حيث أصبحت في عام 2024 أول مدينة في العالم تفرض رسم دخول يومي على الزوار وقدره 5 يوروهات.

    وبعد التجربة الأولية في ربيع السنة الماضي والتي اعتُبرت “ناجحة جزئياً”، قررت المدينة تمديد رسوم الدخول هذا السنة إلى 10 يوروهات.

    حجز الزيارة مسبقًا

    يطلب من زوار البندقية حجز زيارتهم مسبقًا ما بين الساعة الثامنة والنصف صباحًا والرابعة عصرًا، والحصول على رمز استجابة (QR Code) عبر الشبكة العنكبوتية، مع وجود غرامات قد تصل إلى 300 يورو للمخالفين. يُستثنى من ذلك السياح الذين يقيمون لليلة واحدة على الأقل، والسكان المحليون.

    من خلال ذلك، تواصل البندقية رسم نموذج جديد لإدارة تدفق السياحة، ساعية للحفاظ على طابعها التاريخي الفريد بعيدًا عن شعبيتها العالمية.

    وليس البندقية وحدها التي تسعى لمواجهة ظاهرة السياحة المفرطة؛ إذ تحدد البلديات الإيطالية رسومها الخاصة، ما يعني أن الضرائب تختلف من مدينة لأخرى.

    فرض ضريبة سياحية

    وفي العاصمة الإيطالية، تتراوح رسوم الإقامة الليلية بين 3 و7 يوروهات، بينما في ميلانو، تتراوح بين 2 و5 يوروهات، وفي فلورنسا بين 1 و5 يوروات.

    street 6522342 1747416991
    ميلانو فرضت ضريبة تتراوح بين 2 و5 يوروات على الليلة السياحية الواحدة (بيكسابي)

    لكن على المستوى الوطني، تُدرس السلطة التنفيذية الإيطالية خطوات لفرض ضريبة جديدة قد تصل إلى 25 يورو لليلة الواحدة في الغرف الفندقية الأكثر تكلفة. وقد صرحت السلطة التنفيذية أنها تنظر في هذه الخطوة لتحفيز السياح على أن يكونوا “أكثر مسؤولية”، ولدعم تمويل الخدمات السنةة، كجمع النفايات في المناطق المزدحمة.

    كما اتخذت بلدة بورتوفينو الصغيرة إجراءات صارمة ضد تدفق الزوار الذين يعيقون الحركة لالتقاط صور سيلفي، مما أدى إلى إرباك الطرق والممرات، حيث فرضت البلدة مناطق يُحظر فيها الانتظار، مع غرامة قدرها 270 يورو لمن يبقى لفترة طويلة على الرصيف بين الساعة العاشرة والنصف صباحًا والسادسة مساءً.

    مدن مثقلة بالسياح

    في قلب روما، تحولت نافورة تريفي الشهيرة من معلم ساحر إلى أحد أكثر المواقع ازدحامًا في البلاد، مدفوعةً بثقافة الصور ورغبة الزوار في إلقاء العملات لتحقيق الاستقراريات، لكن هذه الزيادة لم تخلُ من تبعات.

    h 57847017
    نافورة تريفي، أشهر نوافير روما، فرضت السلطات رسوم دخول على السياح للحد من ازدحام الرواد (الأوروبية)

    ومع الضغط المتزايد على موقع النافورة، بدأ مجلس المدينة، بدعم من السكان وأصحاب الأعمال المحيطة، في مناقشة عدة إجراءات تنظيمية، أبرزها فرض رسم دخول رمزي قدره يوروهين، للمساعدة في إدارة الحشود وصيانة الموقع.

    كما تعد فلورنسا من أحدث الوجهات التي فرضت قيودًا على السياحة الكثيفة، بسبب الضغط المتزايد على السكان القاطنين في قلب المدينة التاريخية.

    إجراءات جريئة بفلورنسا

    لذا، اتخذت فلورنسا مجموعة من الإجراءات الجريئة للحد من آثار السياحة المفرطة، منها حظر استخدام منصة “إير بي إن بي” (Airbnb) والإيجارات قصيرة الأجل في محاولة لتحقيق التوازن بين احتياجات السكان المحليين والمتطلبات السياحية.

    كما تعهد العمدة أيضًا بحظر صناديق المفاتيح على المباني التي يستخدمها أصحاب العقارات المستأجرة لتسهيل دخول الضيوف، ومنع استخدام مكبرات الصوت من قبل المرشدين السياحيين.

    وسيتم أيضًا فرض قيود على استخدام “المركبات غير التقليدية” مثل عربات الغولف، التي أصبحت شائعة لنقل الزوار في المناطق التي يُمنع فيها مرور السيارات.

    وذكر بيان صادر عن مجلس مدينة فلورنسا أن هذه الإجراءات فُرضت لأن “المدينة لم تعد قادرة على تحمل هذا العدد الكبير من الأنشطة المتعلقة بالسياحة، المركّزة في مساحة لا تتجاوز خمسة كيلومترات مربعة، دون الإضرار بقيمتها التراثية وتهديد قدرتها على البقاء كمدينة صالحة للعيش”.

    رسوم سياحية أوروبية

    في ظل تصاعد الضغوط الناجمة عن السياحة المفرطة، بدأت مدن أوروبية أخرى اتخاذ خطوات عملية لضبط تدفق السياح، من بينها فرض رسوم دخول على الزوار. ففي إسبانيا، صرح عمدة إشبيلية عن نيته فرض رسوم على السياح الراغبين في زيارة ساحة “بلازا دي إيسبانا” الشهيرة.

    SEVILLE, SPAIN - MAY 15: Tourist walk next to the Cathedral of Saint Mary of the See, better known as Seville Cathedral, on May 15, 2022 in Seville, Spain.
    جانب من ساحة “ديل تريونفو” في إشبيلية، أحد أهم المزارات السياحية في المدينة (غيتي)

    وتدرس دول أخرى مثل البرتغال فرض رسوم دخول على معالمها، في خطوة تهدف إلى تنظيم حركة الزوار وتقليل الأثر البيئي والاجتماعي للسياحة المفرطة.

    كما كانت الضرائب السياحية من أبرز الوسائل التي لجأت إليها بعض الدول لتخفيف الضغط وتنظيم حركة الزوار؛ ففي برشلونة، وهي الوجهة الأكثر شعبية في إسبانيا، رُفعت الضريبة السياحية البلدية إلى 6.75 يورو لليلة الواحدة للنزلاء المقيمين في الفنادق فئة خمس نجوم.

    وفي اليونان، تُفرض “ضريبة مناخية” تصل إلى 10 يوروات للغرفة الفندقية في الفنادق الفاخرة، بالإضافة إلى رسوم يومية قد تصل إلى 8 يوروات، ورسوم إضافية تبلغ 20 يورو على ركاب السفن السياحية في جزر تستقطب العديد من السياح مثل سانتوريني وميكونوس.

    أما أغرب ضريبة سياحية تُطبق، فهي التي تتعلق بالموقع الأثري الأشهر في أثينا “الأكروبوليس”، حيث يُحظر ارتداء الكعب العالي لحماية الأسطح القديمة من التلف، وتصل الغرامات على المخالفين إلى 900 يورو.

    acropolis 6585209 1749993670
    اليونان فرضت رسوم لحماية الأرضية في الموقع الأثري الأشهر في أثينا “الأكروبوليس” (بيكسابي)

    أما في هولندا، فقد رفعت مدينة أمستردام الضريبة السياحية من 7% إلى 12.5% من قيمة الإقامة، مما يعني زيادة تكلفة فندق تبلغ 175 يورو لليلة بواقع 21.80 يورو إضافية.

    تحديد أعداد الزوار

    لم تعد الإجراءات التنظيمية في أوروبا تقتصر على تقنين الإقامات أو فرض الضرائب فقط، بل تمتد لتشمل تحديد أعداد الزوار في أبرز المعالم السياحية.

    ففي إيطاليا، فرضت السلطات حدا أقصى قدره 20 ألف زائر يوميًا لموقع بومبي الأثري، الذي يستقبل نحو 4 ملايين سائح خلال موسم الصيف، بواسطة نظام تذاكر مسبق للحد من الزحام.

    وبالمثل، قيدت روما عدد الزوار في مبنى الكولوسيوم إلى 3 آلاف فقط في كل مرة، سعياً للحفاظ على هذا المعلم التاريخي، وفي اليونان، تم تطبيق تقييد مماثل لزيارة الأكروبوليس بحيث لا يتجاوز عددهم 20 ألف زائر يوميًا.

    وقف التوسع العمراني

    تواجه جزيرة بالي الإندونيسية واحدة من أبرز التحديات التي تؤثر على اقتصادها ونشاطها السياحي، حيث قررت السلطات المحلية وقف التوسع العمراني في بعض المناطق السياحية الشهيرة، بل وفرض “حظر كامل” على بناء أي فنادق، في خطوة تهدف إلى كبح جماح السياحة المفرطة التي أثقلت كاهل الجزيرة وسكانها.

    NUSA DUA, INDONESIA - NOVEMBER 15: A general view of the hotel complex during the G20 Summit on November 15, 2022 in Nusa Dua, Indonesia.
    بعض المنتجعات الفاخرة في منطقة نوسا دو جنوب جزيرة بالي (غيتي)

    في السنوات الأخيرة، تحولت بالي إلى واحدة من أكثر الوجهات جذبًا في آسيا، لكن هذا النجاح لم يأتِ بلا ثمن، إذ تفاقمت التحولات العمرانية، واستعيضت حقول الأرز التقليدية بفيلات فاخرة ونوادٍ ليلية، ما أثار سخط السكان المحليين الذين بدأوا يشعرون بأن هويتهم وثقافتهم تُستنزف بسبب رفاهية الغرباء.

    ومع استمرار تدفق السياح، ارتفعت الشكاوى من ازدحام خانق في بالي، وارتفاع معدلات الجريمة، وسلوكيات لا تحترم الثقافة الإندونيسية. وفي حين تُعتبر السياحة مصدر دخل مهم للجزيرة، يرى كثيرون أن معظم الأرباح تذهب إلى مستثمرين أجانب وشركات كبرى، بينما تبقى المواطنونات المحلية على هامش العوائد.

    مساعي اليابان للضبط

    في خطوة تهدف إلى تقليل الآثار السلبية لكثرة السياح، بدأ منتجع “غينزان أونسن” الشهير في شمال شرق اليابان تطبيق قيود جديدة على دخول الزوار.

    تشتهر هذه البلدة الصغيرة (غينزان أونسن) بجمال شوارعها المغطاة بالثلوج وينابيعها الساخنة، حيث يستقبل نحو 330 ألف زائر سنويًا، مما تسبب في ازدحام مروري حاد وشكاوى متزايدة من السكان المحليين.

    اعتباراً من نهاية ديسمبر/كانون الأول 2024، يُحظر دخول المنطقة بعد الساعة الثامنة مساءً إلا للضيوف المقيمين في الفنادق المحلية، ويتطلب من الراغبين في الزيارة بين الساعة الخامسة والثامنة مساءً الحجز المسبق.

    طفرة سياحية قياسية

    تأتي هذه الإجراءات في وقت تسجل فيه اليابان طفرة قياسية في أعداد السياح الأجانب، مدفوعة بانخفاض سعر صرف الين، مما جعل السفر إليها أرخص من أي وقت مضى، خاصة بعد رفع قيود جائحة فيروس كورونا.

    نتيجةً لإجراءات إضافية اتخذتها السلطات اليابانية، شهد جبل فوجي -الذي يُعتبر رمزًا لليابان- انخفاضًا ملحوظًا في أعداد الزوار خلال موسم الصيف الماضي.

    Japan. Mount Fuji with snow on top. Boat in the lake Kawaguchiko. Human on a boat on the ...
    جبل فوجي، المعلم الأشهر لليابان، شهد انخفاضًا في عدد زواره بفعل قيود السلطات المحلية (شترستوك)

    سجلت وزارة البيئة اليابانية نحو 178 ألف زائر بين بداية يوليو/تموز وبداية سبتمبر/أيلول، مقارنة بـ 205 آلاف زائر في السنة السابق، مما يمثل تراجعًا بنسبة 14%.

    تتضمن هذه الإجراءات فرض رسم دخول قدره 2000 ين (نحو 14.2 دولارًا) للفرد، وتحديد عدد الزوار ليصل إلى 4000 شخص كحد أقصى يوميًا على المسار القائد المؤدي إلى قمة الجبل.

    كما أطلقت السلطات نظامًا إلكترونيًا لحجز الزيارات مسبقًا، مخصصًا عددًا محدودًا من التذاكر للبيع في الموقع يوميًا.

    لا تحول جذري

    على الرغم من اتخاذ عدد متزايد من المدن والمعالم السياحية إجراءات للحد من الزحام مثل فرض الضرائب، وتقنين أعداد الزوار، وشد الضوابط على الإيجارات قصيرة الأجل، فإن هذه التدابير لا تزال قيد التجربة، ولم تُحدث بعد تحولًا جذريًا، على الرغم من أنها ساهمت جزئيًا في تقليل تدفق الزوار في بعض الوجهات.

    epa12146738 People hold placards reading 'For the right to a dignified life. Stop to Mass Tourism' during a press conference to announce an upcoming protest by 'Less Tourism. More Life' collective against mass tourism.
    جانب من احتجاج في مايو الماضي في جزيرة مايوركا الإسبانية ضد الجانب السلبي لكثرة السياح (الأوروبية)

    يأمل المسؤولون أن تسهم هذه السياسات في امتصاص الغضب الشعبي، خاصة بعد التظاهرات الكبيرة في مدن مثل مايوركا وجزر الكناري السنة الماضي احتجاجًا على ما وُصف بـ”الغزو السياحي”. ولكن الحقائق تشير إلى أن المشكلة تفوق أن تُحل بالرسوم فقط، حيث شهدت اليوم مظاهرات منسقة في عدة مدن في جنوب أوروبا، إذ تظاهر الآلاف ضد السياحة المفرطة في برشلونة وسبع مدن إسبانية أخرى، بما في ذلك غرناطة ومالغا وبالما وإيبيزا وسان سبستيان.

    كما شهدت المدن الإيطالية مثل البندقية وجنوة وباليرمو وميلانو ونابولي مظاهرات مماثلة، بينما يُفترض أن تُنظم احتجاجات مشابهة في العاصمة البرتغالية لشبونة هذا المساء، وقد أُشرف على هذه الاحتجاجات منظمات مدنية تكتلت في تحالف “إس إي تي” (SET) وهو اختصار لعبارة “جنوب أوروبا ضد السياحة المفرطة”.

    ظاهرة السياحة المفرطة

    يؤكد الخبراء أن معالجة ظاهرة السياحة المفرطة تتطلب جهوداً طويلة الأجل لا تظهر نتائجها في عام أو عامين، وتشمل تطوير البنية التحتية، وإعادة توجيه التدفقات السياحية إلى وجهات أقل ازدحامًا.

    Tourists sitting at a terrace watch protesters during a demonstration against mass tourism in Barcelona, on June 15, 2025.
    سياح يجلسون في أحد مقاهي برشلونة اليوم، وهم يشاهدون مسيرة رافضة للسياحة المفرطة (الفرنسية)

    ومع التزايد المستمر في أعداد المسافرين عالميًا، بات من الضروري إعطاء الأولوية للسفر الأكثر استدامة، الذي يركز على جودة التجربة، ويحترم في الوقت ذاته احتياجات السكان المحليين والثقافة المحلية.

    ورغم أن فرض الضرائب والرسوم قد تكون خطوة مساعدة إذا استُخدمت عائداتها لتحسين الخدمات ودعم المواطنونات المتضررة، فإن تقنين أعداد الزوار يبقى الخيار الأكثر أهمية لضمان تحقيق توازن بين احتياجات السكان وزوارهم.

    وحتى يتحقق ذلك، يمكن للمسافرين أنفسهم أن يكونوا جزءًا من الحل من خلال اختيار توقيتات السفر الأقل ازدحامًا، وتبني سلوكيات تحترم الخصوصية والثقافة المحلية.


    رابط المصدر

  • اأنذروا من الإبادة الجماعية المحتملة التالية بعد غزة

    اأنذروا من الإبادة الجماعية المحتملة التالية بعد غزة


    الإبادة الجماعية في غزة تكشف جوانب مظلمة من الطبيعة البشرية، حيث يُذبح المدنيون يوميًا تحت القصف والغارات. توجد في شمال سيناء شاحنات محملة بالمساعدات تتحمل الإهمال، بينما يعاني سكان غزة من المجاعة جراء حصار إسرائيل. رئيس الوزراء الإسرائيلي يصر على “الضربة النهائية”، معربًا عن تجاهله لمأساة الفلسطينيين. هذه الأحداث تمثل جزءًا من نمط تاريخي من الإبادة والاحتلال. صرخات الضحايا تنبهنا إلى عودة الوحشية الإنسانية، فتستدعي الحاجة للمقاومة الجماهيرية. تعكس الإبادة في غزة نفاق القيم الإنسانية التي نتمسك بها، في عصر يزداد فيه العنف والاستبداد.

    الإبادة الجماعية في غزة ليست غريبة. فهي تكشف عن جانب أساسي من الطبيعة البشرية، وتُعد إنذارًا مرعبًا بمصير العالم. يبعد معبر رفح النطاق الجغرافيي إلى غزة نحو 200 ميل عن مكاني الحالي في القاهرة.

    ترقد حوالي 2000 شاحنة في الرمال القاحلة لشمال سيناء بمصر، محملة بأكياس الطحين، وخزانات المياه، والطعام المعلّب، والإمدادات الطبية، والأغطية البلاستيكية، والوقود. وتظل هذه الشاحنات خاملة تحت شمس حارقة.

    على بُعد أميال قليلة في غزة، تُقتل العشرات من الرجال والنساء والأطفال يوميًا بالرصاص والقنابل، والغارات الجوية، وقذائف الدبابات، والأمراض المعدية، والسلاح الأقدم في الحصار: المجاعة. واحد من كل خمسة أشخاص يواجه خطر المجاعة بعد نحو ثلاثة أشهر من الحصار الإسرائيلي على الغذاء والمساعدات الإنسانية.

    صرح رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، الذي يقوم بهجوم جديد يودي بحياة أكثر من 100 شخص يوميًا، أنه لا شيء سيوقف هذه “الضربة النهائية”، التي أطلق عليها اسم “عربات جدعون”. وقال: “لا سبيل لوقف الحرب، حتى لو أُعيد الرهائن الإسرائيليون المتبقون”. وأضاف: “إسرائيل تدمّر منازل أكثر في غزة”، والفلسطينيون “ليس لديهم مكان يعودون إليه”.

    وفي اجتماع مسرب مع مشرعين، قال نتنياهو: “النتيجة الوحيدة ستكون رغبة الغزيين في الهجرة خارج قطاع غزة، لكن المشكلة القائدية تكمن في العثور على دول تقبلهم”.

    أصبح الشريط النطاق الجغرافيي الذي يمتد تسعة أميال بين مصر وغزة خطًا فاصلاً بين الجنوب العالمي والشمال العالمي، حيث يفرّق بين عالم من العنف والوحشية، وصراع يائس يخوضه من تخلى عنهم الأثرياء.

    يمثل هذا الحد نهاية عالم تُحترم فيه القوانين الإنسانية، والاتفاقيات التي تحمي المدنيين، وأبسط الحقوق الأساسية. لقد دخلنا كابوس هوبزي، حيث يسحق الأقوياء الضعفاء، ولا تُستثنى فيه أي فظاعة، بما في ذلك الإبادة الجماعية، حيث تعود الهمجية الاستعمارية في الشمال العالمي لتجسد قرونًا من النهب والاستغلال.

    نعود زاحفين إلى أصولنا، الأصول التي لم تغادرنا قط، بل اختبأت خلف وعود جوفاء عن الديمقراطية والعدالة وحقوق الإنسان. النازيون هم كبش الفداء المريح لتراثنا الأوروبي والأميركي المشترك من المجازر الجماعية، كما لو أن الإبادات الجماعية التي نفذناها في أميركا وأفريقيا والهند لم تحدث أبداً، بل كانت مجرد هوامش غير مهمة في تاريخنا الجماعي.

    في الواقع، الإبادة الجماعية هي عملة الهيمنة الغربية. بين عامي 1490 و1890، كان الاستعمار الأوروبي، بما في ذلك الإبادات الجماعية، مسؤولًا عن مقتل ما يصل إلى 100 مليون من السكان الأصليين، وفقًا للمؤرخ ديفيد إي. ستانارد. ومنذ عام 1950، وقعت حوالي عشرين إبادة جماعية، بما في ذلك في بنغلاديش وكمبوديا ورواندا.

    الإبادة الجماعية في غزة ليست استثناء، بل هي جزء من نمط متكرر. إنها تحذير لإبادات جماعية قادمة، خاصة مع انهيار المناخ وترك مئات الملايين للهروب من الجفاف والحرائق والفيضانات وفقدان المحاصيل وانهيار الدول والموت الجماعي.

    إنها رسالة مغمورة بالدماء منا إلى باقي العالم: لدينا كل شيء، وإذا حاولتم أخذه، فسوف نقتلكم. غزة تدفن كذبة التقدم البشري، وتدحض الأسطورة القائلة بأننا نتطور أخلاقيًا.

    فقط الأدوات تتغير. حيث كنا نضرب الضحايا حتى الموت أو نمزقهم بالسيوف، نحن اليوم نُسقط قنابل تزن 2000 رطل على مخيمات اللاجئين، ونرشّ العائلات بالرصاص من طائرات مسيّرة، أو نسحقهم بقذائف الدبابات والمدفعية الثقيلة والصواريخ.

    الاشتراكي في القرن التاسع عشر، لويس أوغست بلانكي، على عكس معظم معاصريه، كان رافضًا للفكرة المحورية لدى هيغل وماركس بأن التاريخ البشري يسير في خط تصاعدي نحو المساواة والأخلاق العليا.

    حذّر من أن هذه “الإيجابية الساذجة” تُستخدم للظالمين لسحق المظلومين. وكتب بلانكي: “تتحول جميع فظائع المنتصر، وسلسلة هجماته الطويلة، ببرود إلى تطور دائم وحتمي، كما لو كان تطورًا طبيعيًا. لكن تسلسل الأمور البشرية ليس حتميًا كالعالم الطبيعي. يمكن تغييره في أي لحظة”.

    وحذّر من أن التقدم العلمي والتكنولوجي، بدلاً من كونه دليلًا على التقدم، يمكن أن يتحوّل إلى “سلاح رهيب في يد رأس المال ضد العمل والفكر”.

    وكتب: “الإنسانية لا تقف في مكانها أبدًا. إما أن تتقدم أو تتراجع. إذا تقدمت، فإنها تتجه نحو المساواة. وإذا تراجعت، فإنها تمر بكل مراحل الامتياز حتى تصل إلى العبودية، الكلمة الأخيرة في حق الملكية”.

    وأضاف: “لست من أولئك الذين يزعمون أن التقدم أمر مفروغ منه، أو أن البشرية لا يمكن أن تتراجع”. يُعرف التاريخ الإنساني بفترات طويلة من الجفاف الثقافي والقمع الوحشي.

    أدى سقوط الإمبراطورية الرومانية إلى بؤس وقمع في أوروبا خلال العصور المظلمة، من القرن السادس إلى القرن الثالث عشر. ضاعت المعرفة التقنية، بما في ذلك كيفية بناء وصيانة القنوات. قاد الفقر الثقافي والفكري إلى فقدان جماعي للذاكرة. وطُمست أفكار العلماء والفنانين القدماء.

    ولم تبدأ النهضة إلا في القرن الرابع عشر، وكانت إلى حد كبير بفضل ازدهار الثقافة الإسلامية التي، عبر ترجمة أرسطو إلى اللغة العربية وغيرها، حفظت حكمة الماضي من الزوال. كان بلانكي يعرف ارتدادات التاريخ المأساوية.

    شارك بلانكي في سلسلة من الانتفاضات الفرنسية، منها محاولة تمرد مسلح في مايو/ أيار 1839، وانتفاضة 1848، وكومونة باريس – الانتفاضة الاشتراكية التي سيطرت على العاصمة الفرنسية من 18 مارس/ آذار إلى 28 مايو/ أيار 1871.

    حاول العمّال في مدن مثل مارسيليا وليون تنظيم كومونات مشابهة، لكنها فشلت قبل أن تُسحق كومونة باريس عسكريًا. نحن ندخل عصرًا مظلمًا جديدًا. لكن هذا العصر يمتلك أدوات العصر الحديث من مراقبة جماعية، والتعرف على الوجوه، والذكاء الاصطناعي، والطائرات بدون طيار، والشرطة العسكرية، وحرمان من الإجراءات القانونية، وانتهاكات للحريات المدنية، ليفرض ظلامًا وحكمًا تعسفيًا، وحروبًا لا تنتهي وفسادًا ورعبًا، وهي السمات المشتركة للعصور المظلمة. الثقة في خرافة “التقدم الإنساني” لإنقاذنا تعني الخضوع للقوة الاستبدادية.

    تظل المقاومة – من خلال الحشد الجماهيري، وتعطيل السلطة، خاصة في وجه الإبادة الجماعية – القادرة على إنقاذنا. تطلق حملات القتل الجماعي الوحشية الكامنة في كل البشر. فالمواطنون المنظم، بقوانينه وآدابه وشرطته وسجونه، هي أدوات قسرية تكبح هذه الوحشية.

    لكن إذا تم إزالة هذه العوائق، يصبح الإنسان- كما نرى مع الإسرائيليين في غزة- حيوانًا قاتلًا متعطشًا، يفرح بنشوة الدمار، حتى لو شمل النساء والأطفال. هذا ليس مجرد افتراض. لقد شهدت هذا في كل حرب غطيتها. نادرون من يكونون بمنأى عنه.

    احتل الملك البلجيكي ليوبولد الكونغو في أواخر القرن التاسع عشر باسم “التحضر” و”مكافحة العبودية”، لكنه نهب البلاد، متسببًا بموت نحو 10 ملايين كونغولي بسبب الأمراض والمجاعة والقتل.

    جوزيف كونراد التقط هذا التناقض بين ما نحن عليه وما نزعم أنه، في روايته “قلب الظلام” وقصته “موقع للتقدم”. في “موقع للتقدم”، يروي قصة تاجرين أوروبيين، كايرتس وكارلييه، أُرسلا إلى الكونغو، يدّعيان أنهما هناك لنشر الحضارة الأوروبية.

    لكن الملل، والروتين الخانق، وغياب أي ضوابط، يحوّلهما إلى وحوش. يتاجران بالعبيد مقابل العاج ويتشاجران على الطعام المؤن القليلة. في النهاية، يقتل كايرتس رفيقه الأعزل كارلييه. كتب كونراد عن كايرتس وكارلييه: “كانا شخصين تافهين وعاجزين تمامًا، لا تستقيم حياتهما إلا بفضل التنظيم العالي لحشود المواطنونات المتحضرة.”

    قليلون من يدركون أن حياتهم وجوهر شخصيتهم وقدراتهم وجرأتهم ليست سوى تعبير عن إيمانهم بأمان محيطهم. الشجاعة والثقة والاتزان؛ المشاعر والمبادئ؛ كل فكرة كبيرة أو صغيرة لا تنتمي للفرد، بل للجماهير: الجماهير التي تؤمن أعمى بقوة مؤسساتها وأخلاقها، بسلطة شرطتها ورأيها السنة. لكن التماس مع الوحشية الصافية، ومدى الطبيعة البدائية للإنسان، يزرع اضطرابًا عميقًا ومفاجئًا في القلب.

    فمع شعور المرء بأنه وحيد في نوعه، ومع إدراكه لوحدة أفكاره ومشاعره، ومع تصدع الحالة المألوفة التي تمنحه الأمان، يبرز الأجنبي -المجهول والخطير- باقتحام يربك الخيال ويختبر أعصاب المتحضّر، سواء أكان ساذجًا أم حكيمًا.”.

    إن الإبادة الجماعية في غزة قد فضحت كل الأقنعة التي نخدع بها أنفسنا ونسعى لخداع الآخرين. تسخر من كل قيمة ندّعي التمسك بها، بما في ذلك حرية التعبير. إنها شهادة على نفاقنا وقسوتنا وعنصريتنا.

    لا يمكننا، بعد تقديمنا مليارات الدولارات من الأسلحة، واضطهادنا من يعترضون على الإبادة الجماعية، أن نواصل إطلاق مزاعم أخلاقية يمكن أخذها على محمل الجد.

    من الآن فصاعدًا، ستكون لغتنا هي لغة العنف، ولغة الإبادة، وعواء الوحشية في هذا العصر المظلم الجديد، عصر تسود فيه قوة مطلقة، وطمع لا حدود له، وهمجية بلا رادع.

    الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.


    رابط المصدر