الوسم: التحول

  • أميركا والصين تقتربان من نقطة التحول الكبرى

    أميركا والصين تقتربان من نقطة التحول الكبرى


    تأنذر تحليلات سياسية من التهديد الذي تمثله الصين على الهيمنة الأميركية العالمية، مشيرة إلى قلق زبيغنيو بريجنسكي من التقارب بين الصين وروسيا. تشهد العلاقات الأميركية الصينية تكثف التوترات حول تايوان، حيث زادت بكين المناورات العسكرية. كما يتصاعد النزاع في بحر الصين الجنوبي بسبب المدعا السيادية المتضاربة. في المنافسة التكنولوجية، تسعى الصين والولايات المتحدة للريادة في الذكاء الاصطناعي. تتجه العلاقات نحو تقسيم عالمي جديد يسلط الضوء على أهمية إدارة النزاعات لتجنب تصعيد حاد، حيث لم يعد النظام الحاكم العالمي ثابتًا مع صعود الصين كمنافس جدي.

    لطالما نبه خبراء الإستراتيجية إلى المخاطر التي يمثلها التنين الصيني على تفرد الولايات المتحدة في قيادة العالم. ولم يُخفِ زبيغنيو بريجنسكي، مستشار الاستقرار القومي الأميركي السابق، قلقه من التقدم المقلق والزحف السريع للصين، مشيرًا إلى جدية التهديد الذي يمثله التقارب الصيني الروسي على استمرارية النظام الحاكم العالمي الذي وضعت قواعده الولايات المتحدة، وهيمنت عليه منذ انهيار الاتحاد السوفياتي في تسعينيات القرن الماضي.

    من المهم أن نتذكر في هذا السياق الكاتب الفرنسي ألان بيريفيت الذي نشر كتابًا في سبعينيات القرن الماضي بعنوان مثير “عندما تستيقظ الصين، سيرتجف العالم”. إن صعود الصين بهذه الخطوات الرزينة لا بد أن يُحدث زلزالًا عنيفًا داخل المنظومة الغربية بل وفي العالم بأسره.

    لكن المثير في الأمر هو هذا الصبر المدهش والطول النفس الذي يتحلى به النموذج الصيني في سعيه للحصول على مكان تنافسي بجانب الولايات المتحدة في قيادة العالم.

    الغريب أيضًا أن الولايات المتحدة، التي تشعر يقينًا أن صعود الصين ومنافستها لها أصبح حقيقة لا يمكن منعها، وجدت نفسها في وضع غير مريح بعد أن خاضت حروبًا عديدة وفتحت جبهات عدة في العقود الثلاثة الماضية؛ من غزو أفغانستان إلى احتلال العراق، وأخيرًا الحرب الروسية الأوكرانية التي تُعتبر حربًا أميركية في الأساس.

    هذه الحروب وغيرها – مثل الوضع في غزة أو الحرب بالوكالة المفتوحة مع إيران – أدت إلى حالة من عدم الاستقرار وفشل أميركي في ضمان الاستقرار والسلام على المستوى العالمي.

    كل ذلك استغلته الصين لتزيد من منسوب التحديات أمام الولايات المتحدة، التي تبدو مشغولة ومهمومة بالخطر الصيني، لا سيما بعد صمود روسيا في الحرب الأوكرانية التي خاضتها أميركا وأوروبا عبر دعمها العسكري الواسع لكييف بهدف هزيمة موسكو وإضعاف دورها، وقتل طموحها في العودة إلى سباق القوة والنفوذ.

    فما هي إذن الملفات الساخنة في العلاقات الأميركية الصينية؟

    التوترات الجيوسياسية حول تايوان

    في السنوات الأخيرة، شهدنا تصعيدًا غير مسبوق في حدة التوترات عبر مضيق تايوان. فمنذ انتخاب الحزب التقدمي الديمقراطي في تايوان عام 2016 برئاسة تساي إنغ ون، زادت بكين من ضغوطها العسكرية والسياسية على الجزيرة، خاصة بعد رفض تساي تأييد مبدأ “صين واحدة” الذي تراه بكين، مما دفعها لتكثيف مناوراتها العسكرية حول تايوان.

    ففي عام 2022، أجرت الصين أربع مناورات عسكرية رئيسية حول الجزيرة؛ ردًا على ما اعتبرت أنها استفزازات تايوانية وأميركية، بما في ذلك زيارة رئيسة مجلس النواب الأميركي نانسي بيلوسي لتايبيه في أغسطس/ آب 2022.

    كما أطلق جيش التحرير الشعبي الصيني تدريبات بحرية وجوية موسعة حول تايوان في أكتوبر/ تشرين الأول 2024، كتحذير صارم بسبب تصريحات تايوانية اعتُبرت معادية من قبل بكين.

    استمر الاستعراض القوي في مناورات “السيف الموحد” التي طَوَّقت الجزيرة من الشمال والجنوب والشرق في ربيع 2025، حيث شارك في هذه المناورات العديد من الطائرات والسفن الحربية الصينية. وتعتبر هذه التحركات العسكرية تعبيرًا عن نية الصين، التي لا تستبعد إمكانية اجتياح تايوان واستعادتها، حتى وإن تطلب ذلك استخدام القوة.

    على الجانب الآخر، عززت الولايات المتحدة دعمها لتايوان عبر بيع أسلحة متطورة، وزيادة الزيارات، ورفع نبرة خطاب وتصريحات مسؤوليها. فقد نوّهت واشنطن التزامها بدعم تايوان، وأفاد القائد الأميركي السابق جو بايدن بأن الولايات المتحدة ستتدخل عسكريًا إذا تعرضت تايوان لهجوم صيني، وهو ما اعتُبر تجاوزًا لسياسة الغموض التقليدية.

    مع عودة القائد الأميركي دونالد ترامب إلى البيت الأبيض، استمر في تعزيز الردع العسكري في منطقة المحيطَين الهندي والهادئ، وزيادة الوجود البحري والجوي الأميركي بالقرب من تايوان، كرسالة تحذيرية لبكين من مغبة الإقدام على أي مغامرة.

    كما دشّن القائد الأميركي فصلًا من الحروب الجديدة ضد الصين من خلال فرض الرسوم الجمركية، والتي كان لها تأثير سلبي على التجارة والمالية الأميركي نفسه. وعلى الرغم من تداعياتها الخطيرة على كلا البلدين، توصلت واشنطن وبكين إلى اتفاق هدنة لمدة 90 يومًا، تم بموجبه تخفيض الرسوم المفروضة على الصين من 145% إلى 30%، وعلى الولايات المتحدة من 125% إلى 10%.

    النزاع في بحر الصين الجنوبي

    يمتد بحر الصين الجنوبي على مساحة شاسعة غنية بالموارد، وتمر عبره خطوط شحن حيوية تمثل جزءًا هامًا من التجارة العالمية. ونظرًا لموقعه الجغرافي الإستراتيجي، ظل المسرح لمناوشات إقليمية. تدعا الصين بالسيادة على حوالي 90% من مساحة بحر الصين الجنوبي.

    كما تسعى العديد من الدول المطلة على البحر، مثل الفلبين وفيتنام وماليزيا وبروناي وتايوان، إلى المدعا بالحصص المماثلة التي تدعا بها الصين، نظرًا للإرث المشترك بينها قبل عام 1949، وهو تاريخ استقلال الصين.

    تتأزم الأوضاع في بحر الصين الجنوبي، وترتفع حدة الاشتباكات بين الصين من جهة، والفلبين وفيتنام من جهة أخرى. تسعى الولايات المتحدة، التي تربطها بحلفائها معاهدة دفاع مشترك، إلى تعزيز وجودها العسكري في البحر؛ لكبح الهيمنة البحرية للصين.

    تستمر المناوشات بين الخصمين؛ الأميركي والصيني في هذا البحر، حيث تعتبر الصين أن البحر يمثل جزءًا من مياهها الإقليمية، في حين تصر الولايات المتحدة على أنه مياه دولية مفتوحة.

    سباق محموم على السيادة التقنية

    أدركت كل من الولايات المتحدة والصين خلال العقد الأخير أن الذكاء الاصطناعي ليس مجرد تقنية ناشئة، بل هو المفتاح للريادة المستقبلية في المالية والقوة العسكرية.

    تذكر القدرات في الذكاء الاصطناعي اليوم سباق الفضاء إبان الحرب الباردة، لما تحمله من إمكانات لتغيير موازين القوة. وضعت الصين خطة طموحة عام 2017 تهدف إلى إحراز تقدم يسمح لها بأن تصبح دولة رائدة في الذكاء الاصطناعي بحلول عام 2030.

    أما الولايات المتحدة، فقد عملت من خلال شركات كبرى مثل غوغل ومايكروسوفت على وضع إستراتيجية وطنية للذكاء الاصطناعي عام 2019. يبرز هنا سؤال ملح: من سيتقدم أكثر، الولايات المتحدة أم الصين؟

    الإجابة ليست بسيطة ولا تخلو من التعقيد؛ فالولايات المتحدة تحتفظ بالصدارة في التمويل والتنمية الاقتصادية، بينما تتفوق الصين في حجم الأبحاث وبعض مجالات البرنامج. المستقبل من جهة أخرى، يحتدم السباق بين واشنطن وبكين حول أشباه الموصلات، التي تعد بمثابة المحركات لتشغيل خوارزميات الذكاء الاصطناعي.

    تسعى الولايات المتحدة لتقليص وصول بكين إلى أحدث الشرائح ومعدات تصنيعها، بهدف إبطاء تقدمها التقني. لكن الصين لا تبقى مكتوفة الأيدي، فقد لجأت إلى اعتماد الذات، وضخت عشرات المليارات من الدولارات في دعم عدد من الشركات والمؤسسات الجديدة لتخريج مهندسين متخصصين في صناعة الرقائق.

    بينما تتجه الولايات المتحدة نحو تضييق الخناق على الصين، تبحث هذه الأخيرة عن بدائل وحلول لتجاوز محاولات عزلها.

    يتجه هذا التنافس المحموم نحو ظهور “ستار رقمي”، يشبه إلى حد ما الستار الحديدي في الحرب الباردة، حيث يقسم العالم إلى نظامين: واحد تقوده الولايات المتحدة وحلفاؤها بأجهزتها وبرمجياتها التقنية، وآخر تقوده الصين معتمداً على بدائل محلية.

    تقدم الصين نفسها كمدافع عن نظام عالمي متعدد الأقطاب ضد الهيمنة الغربية التي تسعى لاحتكار التقنية، في حين تأنذر الولايات المتحدة من أن هيمنة الصين ستقوض الحرية والديمقراطية والقيم الغربية، إذا تُركت بلا منافسة.

    على سبيل الختم

    في ظل التوترات التي تحكم علاقات واشنطن وبكين، لم يعد ميزان القوى العالمي ثابتًا. بعد عقود من الهيمنة الغربية شبه المطلقة، تنهض الصين وتتقدم بخطوات واثقة على مستويات متعددة؛ تجارية وتكنولوجية وعسكرية، ولم تعد مجرد تهديد محتمل، بل أصبحت منافسًا حقيقيًا على قيادة النظام الحاكم العالمي الجديد.

    فهل ستتمكن الولايات المتحدة والصين من إدارة هذه المنافسة دون الانزلاق إلى هاوية المواجهة؟

    الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.


    رابط المصدر

  • من حبوب الكاكاو إلى الشوكولاتة: رحلة التحول الصناعي في غرب إفريقيا

    من حبوب الكاكاو إلى الشوكولاتة: رحلة التحول الصناعي في غرب إفريقيا


    في مايو 2025، أطلق القائد الغاني “جون دراماني ماهاما” حملة تصنيع وطنية لتعزيز المالية وخلق فرص عمل. تعكس خطواته جهودًا أوسع في غرب أفريقيا لتطوير الصناعات، مع قمة تصنيع وتجارة غرب أفريقيا المقبلة في أكتوبر 2025. تركز البلدان على معالجة الموارد المحلية، مثل الكاكاو والنفط، لتعزيز القيمة المضافة. تتطلب هذه التحولات استثمارات في البنية التحتية والسياسات المواتية لجذب التنمية الاقتصاديةات. رغم الفرص المتاحة، تواجه المنطقة تحديات مثل ضعف البنية التحتية والفساد، ما يستدعي تحسين بيئات الأعمال وتقديم تيسيرات مالية لتعزيز التصنيع.

    في نهاية مايو/ أيار 2025، أطلق القائد الغاني “جون دراماني ماهاما” حملة وطنية للتصنيع تهدف إلى تعزيز النمو الماليةي والتنمية في بلاده، داعمًا سياسته المعروفة باسم “المالية على مدار الساعة”. تسعى هذه الإستراتيجية إلى خلق فرص العمل وتنشيط الأعمال المحلية، من أجل تعزيز التصنيع وإنتاج الأغذية الزراعية.

    وتأتي خطوات القائد الغاني بالتزامن مع اتجاهات بارزة في دول غربية إفريقية أخرى خلال الشهور الماضية تهدف إلى revitalizing الصناعات المحلية، مثل قمة غرب أفريقيا للتصنيع والتجارة لعام 2025، المزمع انعقادها في أكتوبر/ تشرين الأول 2025 في مدينة لاغوس، نيجيريا، تحت شعار: “تسريع الثورة الصناعية المستدامة في غرب أفريقيا لتحقيق الرخاء الماليةي”. يُتوقع أن تكون هذه القمة منصة إقليمية لوضع استراتيجيات فعالة للتقدم الصناعي وتنويع التجارة في غرب أفريقيا.

    العوامل القائدية الدافعة للتصنيع في غرب أفريقيا

    تتمتع غرب أفريقيا بموقع استراتيجي يجعل منها جسرًا بين أوروبا وأفريقيا، مما يتيح لها الوصول إلى الأسواق والموارد الناشئة. كما توفر سواحلها المميزة بموانئ بحرية رئيسية – مثل موانئ لاغوس في نيجيريا، أبيدجان في ساحل العاج، و”تيما” في غانا – كمراكز تصدير مهمة للسلع المصنّعة وواردات المدخلات الصناعية.

    تدرك دول المنطقة الآن الأهمية الإستراتيجية لمواردها، مثل النفط والغاز والمعادن (الذهب، وخام الحديد، والألماس، والمعادن الأرضية النادرة)، بالإضافة إلى الإمكانات الكبيرة لمنتجاتها الزراعية، مثل الكاكاو، وزيت النخيل، والمطاط، والقطن.

    هذه الوعي المتزايد يعزز جهود التحول الاستراتيجي نحو القيمة المضافة، عن طريق البحث عن وسائل لمعالجة الموارد الخام داخل المنطقة بدلاً من تصديرها خامًا، وبالتالي زيادة حصتها من قيمتها. تكمن أهمية هذه النقطة في أن جزءًا كبيرًا من الموارد الخام في غرب أفريقيا يُصدر إلى الدول الأخرى، مما يعيق تطور دول المنطقة ونموها الماليةي.

    يمكن رؤية بعض جهود التصنيع في غانا وساحل العاج، حيث تسعيان إلى معالجة الكاكاو وتحويله إلى شوكولاتة وغيرها من المنتجات النهائية، إلى جانب نيجيريا التي بدأت مؤخرًا في تحويل الليثيوم الخاص بها إلى مكونات لمركبات الطاقة الجديدة.

    تمتلك المنطقة أيضًا تركيبة سكانية شابة ومتنامية، تعزز من توسع الطبقة المتوسطة في غرب أفريقيا، مما يزيد من الطلب على السلع الاستهلاكية ويُنشئ حركة قوية للتصنيع المحلي. قد يمثل تنامي هذه التركيبة السكانية ميزة كبيرة لرأس المال البشري في الصناعات كثيفة العمالة، مثل الصناعات الخفيفة، والمنسوجات، والتجهيز الزراعي، وهي قطاعات حيوية للمراحل الأولى من التصنيع في المنطقة.

    تشير بيانات حديثة إلى أن غرب أفريقيا ووسطها تمثل مناطق ذات شريحة سكانية شابة للغاية في أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى. وقدّر بنك التنمية الأفريقي أن متوسط العمر في أفريقيا (19 عامًا) لو أُحسن استغلاله، قد يُضيف 47 مليار دولار إلى الناتج المحلي الإجمالي.

    تتضمن جهود التصنيع في المنطقة سياسات صناعية متنوعة ومحددة، تشمل مبادرات جذب التنمية الاقتصادية الأجنبي المباشر، إنشاء مناطق صناعية، وتحسين سهولة ممارسة الأعمال. بالإضافة إلى زيادة التنمية الاقتصاديةات في البنية التحتية الحيوية، بما في ذلك شبكات النقل (كالطرق والموانئ والمطارات)، والطاقة (بما في ذلك مشاريع الطاقة المتجددة)، والبنية التحتية الرقمية.

    على الرغم من أن استخراج الموارد (التعدين والنفط والغاز) لا يزال أمرًا مهمًا في غرب أفريقيا، إلا أن الصناعات الأساسية الأخرى التي تعزز النمو تشمل المعالجة الزراعية، من خلال تحويل المنتجات الزراعية إلى سلع ذات قيمة أعلى، مثل تحويل الكسافا إلى إيثانول والنشا، والكاكاو إلى شوكولاتة.

    تتزايد الجهود في الصناعات التحويلية الخفيفة، والمنسوجات، والأدوية، والصناعات الناشئة في قطاع السيارات. كما تستفيد بعض دول المنطقة من إمكانياتها في الطاقة المتجددة، مثل الطاقة الشمسية، وطاقة الرياح، والطاقة الكهرومائية. بينما تُعيد دول أخرى هيكلة إدارتها للطاقة التقليدية، كما هو الحال في مشاريع تطوير قطاعات النفط والغاز التي تُنفذ في غانا والسنغال، لتكون هذه الدول مراكز للطاقة. بالإضافة إلى قطاع التقنية المزدهر، حيث تعمل مراكز الابتكار والشركات الناشئة على تعزيز قطاعات التجارة الإلكترونية والاتصالات.

    مبادرات ومراكز صناعية ناشئة

    أدت الصحوة الصناعية والمبادرات الوطنية إلى بروز مناطق وممرات محددة في غرب أفريقيا كمراكز صناعية. يُحفّز ظهور هذه المراكز سياسة “إيكواس” الصناعية، مثل “الإستراتيجية الصناعية المشتركة لغرب أفريقيا 2010-2030″، التي تهدف إلى زيادة معالجة المواد الخام المحلية في المنطقة إلى متوسط 30% بحلول عام 2030، وتعزيز التجارة البينية في السلع المصنعة إلى 50% من تجارة المنطقة.

    تتصدر نيجيريا دول غربي أفريقيا في نمو هذه المراكز والممرات الصناعية، حيث بذلت البلاد مؤخرًا جهودًا لتعزيز تنويع اقتصادها بعيدًا عن النفط. تُعتبر “نيجيريا أولًا” سياسة السلطة التنفيذية الحالية تحت قيادة القائد “بولا تينوبو”، والتي تُعطي الأولوية للإنتاج المحلي من خلال فرض تعريفات وحصص على بعض المنتجات المستوردة؛ مما أدى إلى ارتفاع صادرات غير النفطية إلى 1.7 مليار دولار في الربع الأول من 2025، بزيادة 25% عن نفس الفترة من 2024، مع التركيز على الكاكاو ومشتقاته، واليوريا مع الأسمدة، والكاجو.

    تشمل المراكز الناشئة في نيجيريا: “كانو” (في شمال غرب البلاد)، حيث تعتمد مبادراتها الصناعية على “برنامج مناطق التجهيز الزراعي” المستند لجذب استثمارات القطاع الخاص في قطاع التجهيز الزراعي.

    هناك كذلك ولاية “أبيا” (في جنوب شرق نيجيريا) المعروفة بصناعة المنسوجات والصناعات الزراعية، وولاية “أوغون” (في جنوب غرب نيجيريا) التي تصدرت المراكز الصناعية، حيث تضم العديد من الشركات الصغيرة والكبيرة مع مصانع الصلب. ولاغوس، المركز التقليدي للاقتصاد النيجيري، دخلت مؤخرًا مجال الصناعة البترولية بسبب مصفاة دانغوتي.

    يمتد “ممر أبيدجان-لاغوس” كمشروع طريق سريع عبر النطاق الجغرافي الوطنية، بتكلفة 15.6 مليار دولار، ويُتوقع استكماله بحلول عام 2030. يربط الممر سبع مدن بغرب أفريقيا، وهي: أبيدجان، وتاكورادي، وأكرا، ولومي، وكوتونو، وبورتو نوفو، ولاغوس، ويشمل خمس دول: ساحل العاج، وغانا، وتوغو، وبنين، ونيجيريا.

    من المتوقع أن يُوفر ممر “أبيدجان-لاغوس” حوالي 70,000 وظيفة مباشرة، ويتوقع أن يصل العدد الكلي للسكان المتصلين بالممر إلى 173 مليون نسمة بحلول عام 2050. يجسد هذا الممر النمو الماليةي ويعزز التصنيع على طوله، ويدعم التجمعات الماليةية الناشئة في مدن المسار، ويعمل على تحسين الروابط بين المراكز الحضرية ومدن قائمة ومناطق ريفية وممرات نقل أخرى في غرب أفريقيا.

    تبذل دول مثل ساحل العاج وغانا والسنغال جهودًا كبيرة لإنعاش قطاعاتها الصناعية. حيث تتقدم ساحل العاج في معالجة الكاكاو القائم على القيمة المضافة للأسواق الأفريقية. تُعرف غانا والسنغال، بين دول أخرى، كمراكز رئيسية للطاقة في المنطقة نتيجة للاستثمارات الجارية في قطاع النفط والغاز والطاقة المتجددة.

    في غانا، وقعت السلطة التنفيذية في يونيو/ حزيران 2024 اتفاقية بقيمة 12 مليار دولار مع ائتلاف صيني-غاني لمشروع مركز بترولي يتضمن ثلاث مصافٍ وخمسة مصانع بتروكيماوية، لتعزيز القيمة المضافة في قطاع الطاقة. وفي السنغال، وافقت مجموعة بنك التنمية الأفريقي على قرض بقيمة 75 مليون دولار لدعم البرنامج الخاص بتعبئة الموارد والتنمية الصناعية.

    وبالإضافة إلى ذلك، فإن مبادرة “تجمع غرب أفريقيا للطاقة” في الفترة من 2012 إلى 2024 (بدعم من مجموعة المؤسسة المالية الدولي) ساهمت في إنشاء أكثر من 4,000 كيلومتر من خطوط نقل الطاقة، تربط دول كالأشخاص: ساحل العاج، وغينيا، وليبيريا، وسيراليون، وبنين، وبوركينا فاسو، والنيجر، ونيجيريا، والسنغال. كما أبرمت الشركة التنمية الاقتصاديةية “أفريقيا 50” شراكة مع “البورصة الإقليمية لغرب أفريقيا” لتقديم سندات مشاريع للبنية التحتية وأدوات مالية أخرى لجذب رأس المال من المستثمرين إقليميين ومساعدتهم على تطوير البنية التحتية في منطقة “الاتحاد الماليةي والنقدي لغرب أفريقيا” التي تضم: بنين، وبوركينا فاسو، وساحل العاج، وغينيا بيساو، ومالي، والنيجر، والسنغال، وتوغو.

    جدير بالذكر أن دول تحالف الساحل تسعى جادة نحو التحول الصناعي، رغم التحديات السياسية والاستقرارية. فبوركينا فاسو تركز على الاستقلال الماليةي والسيادة الغذائية عبر مبادرات التصنيع الزراعي، وزيادة إنتاج الحبوب، وإنشاء مصانع للطماطم، وتحسين إنتاج القطن. بينما أنشأت دولة مالي 12 مركزًا زراعيًا لسلاسل القيمة الزراعية لضمان الاكتفاء الذاتي الغذائي وزيادة صادراتها. بينما تظهر النيجر تحركات في قطاع النفط، بما في ذلك الشراكات مع القطاع الخاص لتطوير الطاقة الشمسية.

    اغتنام فرصة التحولات التجارية العالمية

    توفر التحولات التجارية العالمية التي تتميز بالحمائية واضطرابات سلاسل التوريد فرصًا فريدة لغرب أفريقيا. يمكن أن تستفيد المنطقة من تنويع سلاسل التوريد لتصبح خيارًا جاذبًا للمصنعين والمشترين الذين يعيدون تقييم استراتيجياتهم التوريدية. كما أن الموارد الغنية الموجودة في المنطقة، جنبًا إلى جنب مع القوى السنةلة المتزايدة، وتحسين بيئة الأعمال، قد تجعل غرب أفريقيا منطقة جذابة لشركات ترغب في إقامة قواعد تصنيع جديدة.

    تتجلى فرصة أخرى في التجارة البينية الأفريقية وتحقيق التكامل الماليةي عبر “منطقة التجارة الحرة القارية الأفريقية”، والتي تهدف إلى تعزيز الروابط التجارية وتقليل الاعتماد على الأسواق الخارجية، وتمكين الدول الأعضاء من إنشاء سلاسل قيمة إقليمية متينة وجذب التنمية الاقتصاديةات من خلال سوق موحد.

    ونوّه وزير المالية النيجيري “والي إيدون” أن “منطقة التجارة الحرة القارية الأفريقية” قادرة على إعادة نيجيريا إلى المسار الصحيح كوجهة تنافسية للتجارة، مما يعزز تنويع سلسلة التوريد والقيمة المضافة المحلية. كما تتوقع حكومة غانا زيادة في صادراتها الإقليمية من خلال الاستفادة من هذه الاتفاقية، وتُقدّر ساحل العاج أن تُعزز المبادرة معالجة الكاكاو ذات القيمة المضافة داخل الأسواق الأفريقية الأوسع.

    إن الطلب العالمي المتزايد على المواد الخام، خاصة المعادن الإستراتيجية الضرورية للثورة الخضراء (مثل الليثيوم والكوبالت)، يوفر ميزة استراتيجياً لغرب أفريقيا، حيث يمكن أن تنتقل المنطقة من مجرد مواقع لاستخراج هذه الموارد إلى مراكز لمعالجتها. بإضافة إلى رغبة الأسواق العالمية في المنتجات المصنوعة في أفريقيا، وتنامي الطبقة الوسطى في القارة، مما يعزز بناء سوق محلية قوية ويساهم في تقليل الاعتماد على الأسواق الأجنبية المتقلبة، ويشجع على التصنيع المحلي.

    هناك دعوات متزايدة لحكومات غرب أفريقيا لاستكشاف اتفاقيات تجارية مع مناطق ودول أخرى، وتعزيز علاقاتها مع القوى الناشئة من آسيا والمناطق الأخرى بغرض تنويع الماليةي وتخفيض الاعتماد التقليدي على الغرب، مما يساهم في معالجة أي خسائر محتملة نتيجة للرسوم الجمركية المتزايدة.

    من المجالات الناشئة التي يمكن لدول غرب أفريقيا الاستفادة منها: “التصنيع الأخضر”، المرتبط بإنتاج الطاقة المتجددة (مثل الطاقة الشمسية)، ونماذج المالية الدائري، واستخدام طرق تمويل مبتكرة مثل السندات الخضراء لدعم التصنيع المستدام. بالإضافة إلى الذكاء الاصطناعي، الذي يُعتبر أداة أساسية ضمن الاستراتيجيات الصناعية الأفريقية، حيث يمكنه تحسين عمليات التصنيع والتجارة، وتجاوز العوائق القائمة، مما أدى إلى دعوات من المفكرين الأفارقة لتحويل بعض مؤسسات المنظومة التعليمية العالي إلى “جامعات الابتكار” لإعداد الفئة الناشئة لمستقبل يعتمد على الذكاء الاصطناعي.

    تحديات أمام اغتنام الفرصة

    على الرغم من العديد من الفرص التي توفرها التحولات التجارية العالمية لغرب أفريقيا، تواجه المنطقة تحديات قد تعيق قدرتها على الاستفادة الكاملة. في مقدمة هذه التحديات، تعاني دول عديدة من نقص في البنية التحتية، مثل شبكات النقل غير الكافية وإمدادات الطاقة غير المستقرة، مما يزيد من تكاليف الإنتاج ويضعف القدرة التنافسية. كما أن انقطاع التيار الكهربائي الدائم في بعض الدول يؤثر بشدة على التصنيع والإنتاج.

    هناك أيضًا نقص في العمالة الماهرة والقدرات التكنولوجية في بعض الدول، مما قد يؤثر سلباً على نمو الصناعات الحديثة. كما تواجه العديد من الشركات والحكومات صعوبات في الحصول على التمويل الكافي وغير المكلف لمبادراتها، وتبقى الفجوة الائتمانية بالنسبة للشركات الصغيرة والمتوسطة واسعة وكبيرة.

    توجه التحديات الأخرى نحو عدم الاستقرار السياسي والنزاعات الإقليمية، كما هو الحال مع الاضطرابات في وسط الساحل وبحيرة تشاد، وانسحاب دول كبوركينا فاسو ومالي والنيجر من “إيكواس”. فقد تؤثر هذه التطورات على التجارة البينية والتنمية الاقتصادية، مما يمكن أن يؤدي إلى تعطيل تدفقات التجارة، لا سيما في المناطق النطاق الجغرافيية المتأثرة.

    بالإضافة إلى ذلك، تعاني العديد من دول غرب أفريقيا من بيروقراطية وفساد مما يجعل بيئة الأعمال غير مواتية، خاصةً مع القوانين المعقدة وغياب الشفافية، وهو ما يردع المستثمرين على الصعيدين المحلي والدولي.

    رغم المبادرات الحالية نحو التصنيع، لا تزال العديد من اقتصادات غرب أفريقيا تعتمد على تصدير المواد الخام غير المصنعة، مما يجعلها عُرضة لتغيرات أسعار السلع العالمية، ويحد من قدرتها على تحقيق قيمة أعلى. كما يظهر أن تنفيذ السياسات الخاصة بالتصنيع والإستراتيجيات الماليةية الفعّالة يمثل تحديًا آخر.

    خاتمة

    تحتاج غرب أفريقيا في سعيها نحو التصنيع إلى استكشاف آليات إضافة القيمة عبر تحويل مواردها الخام وتعزيز التكامل الإقليمي وبناء بيئة أعمال مناسبة من خلال تنفيذ سياساتها الوطنية والإقليمية وتحسين استثمارات البنية التحتية. كما ينبغي إصلاح المنظومة التعليمية والتدريب المهني لتعزيز نقل المهارات وبناء القدرات، بالإضافة إلى تنويع أسواق التصدير والشراكات لخلق فوائد متبادلة تدعم أهدافها الصناعية.

    وفي النهاية، تتطلب جهود التصنيع استمرارية الوصول للتمويل، وهو ما يمكن تحقيقه من خلال دعم المؤسسات المالية المحلية وتشجيع القروض للقطاع الصناعي، خصوصًا للشركات الصغيرة والمتوسطة. بالإضافة إلى استكشاف طرق التمويل المختلطة وتوفير خيارات تمويل بديلة، وتعزيز الشراكات بين القطاعين السنة والخاص.

    الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.


    رابط المصدر