يتناول النص مفهوم النصر في سياق الحروب، مشيرًا إلى أهميته الرمزية والمعنوية، خصوصًا في حروب التحرر. يعبر عن الجدل حول تحديد الفائز والمهزوم في سياق المواجهةات، مثل الحرب في غزة، مع التركيز على البعد الثقافي والنفسي. يتطرق إلى آراء المنظرين العسكريين مثل كلاوزفيتز وماو تسي تونغ، مستعرضًا دور الإرادة والشعور في الحرب. يوضح تزايد الجهود الإسرائيلية لنزع سلاح المقاومة كجزء من استراتيجيتها، ويشير إلى الحاجة لتحويل المواجهة إلى معركة ثقافية، حيث تشكل الروايات وسرديات التوجهات للوعي الجماهيري عمودًا مهمًا في المواجهة.
يمتلك مفهوم النصر معانٍ رمزية تعكس وعي الشعوب، حيث يعد صفة ذاتية تعتمد على اعتبارات وأولويات، ويجمع بين تركيبة معقدة تشمل عوامل مادية ومعنوية، وفقاً لوجهات نظر العديد من المفكرين في المجالات العسكرية والسياسية.
ورغم أن تحديد المنتصر من المهزوم يثير تباينات في الآراء، فإنه ينال صفة خاصة في سياق حروب التحرر، نظراً لطول أمدها وزيادة أهمية البعد المعنوي فيها، في ظل اختلال ميزان القوى المادي لصالح المحتل في الغالب.
في ظل الحرب الجارية في قطاع غزة، يكتسب هذا الموضوع أهمية خاصة، بسبب الجدل الواسع حول مستقبل المواجهة وتأثير المعركة على مستقبل مسيرة التحرر الفلسطيني.

الجهد الاستعماري
لا يُقتصر الجهد الاستعماري على البعد العسكري فحسب، بل يعد مشروعًا للهيمنة يبدأ بالفكر، ويُوظف الثقافة والعلم والمالية والقدرة العسكرية لتحقيق أهدافه، بينما تتصدى حروب التحرر له في كافة هذه المجالات.
تناولت العديد من الأعمال الفكرية مفهوم النصر والهزيمة والعوامل المؤدية إليهما، حيث يتضح من مجموع هذه الأعمال أهمية البعد الثقافي والنفسي، في صلابة الإرادة والرؤية الشخصية لكل طرف في تحديد نتيجة أي صراع، وخاصة في حروب التحرر.
وقد تناول هذه المواضيع العديد من المفكرين العسكريين ككارل كلاوزفيتز وأندريه بوفر، والزعيم الصيني ماوتسي تونغ، والمفكر الإيطالي أنطونيو غرامشي.

نزع السلاح
تبرز الإرادة الوطنية كمحور مركزي لنشوب الحروب وانتهائها، حسب المنظور العسكري التقليدي، حيث يُعرّف كارل كلاوزفيتز، في عمله “من الحرب”، الحرب بأنها “عمل عنيف يهدف إلى إكراه الخصم على تنفيذ إرادتنا، لذا فإن العنف، أو القوة المادية، هو الوسيلة، وخضوع العدو لإرادتنا هو الهدف النهائي”.
ولتحقيق هذا الهدف بالكامل، ينبغي نزع سلاح العدو، وبذلك يُعتبر نزع السلاح الهدف المباشر للأعمال العدائية وفقاً لهذا المنظور.
يتجلى هذا المفهوم في الإستراتيجية الإسرائيلية التي تسعى إلى نزع سلاح المقاومة الفلسطينية في غزة، حيث يُعد تجسيداً للنصر الذي تطمح إليه، وضماناً لإضعاف العمل المقاوم مستقبلاً.
صراع الإرادة
كما يبرز تأثير المشاعر في الحرب وفقًا لكلاوزفيتز الذي يقول: “إذا كانت الحرب فعلاً من أفعال القوة، فهي بالضرورة مرتبطة بالمشاعر. وإذا لم تكن نابعة من المشاعر، فهي تتفاعل معها إلى حد ما، ولا يعتمد مدى هذا التفاعل على مستوى الحضارة، بل على أهمية المصالح المعنية ومدتها”.
يلقي هذا المنظور الضوء على أهمية البعد المعنوي في بداية الحرب وانتهائها، وفي تقييم الشعوب لنفسها كمنتصرين أو مهزومين في أي حرب.
ويرى “أندريه بوفر”، المنظر العسكري ورئيس أركان الناتو السابق، في كتابه “مدخل إلى الإستراتيجية العسكرية” أن الحرب هي صراع إرادات تؤدي نتيجته إلى “حدث نفسي نرغب في حدوثه لدى العدو ليقتنع بأن الاشتباك أو متابعة المواجهة أمراً غير مجدٍ”.
وفقًا لهذا التعريف، فإن الهزيمة هي حالة نفسية، مما يعني أن أي شعب يسعى للتحرر ويرفض الاستسلام لإرادة الاحتلال أو الاعتراف بشرعيته لا يمكن اعتباره مهزوماً.
النصر والتضحية
من خلال تجربته الطويلة في الحرب، قدم ماو تسي تونغ، قائد الثورة الشعبية في الصين، نظرية في الحرب الثورية من خلال كتابه “حرب العصابات”، عرّف فيها النصر بأنه “القضاء على النظام الحاكم القديم وإقامة نظام جديد يتماشى مع تطلعات الجماهير”.
مثل هذا النصر لا يتحقق عادة بسرعة، بل يكون نتيجة “حرب مطولة تستنزف قوة العدو وتزيد من قوتنا تدريجياً”. وفي هذه الرحلة الطويلة، يجب أن تبقى الحرب مرتبطة بالجماهير، لئلا “تفقد روحها وتصبح مجرد قوة عسكرية عاجزة.. وهذا هو بداية النهاية”، فالشعب هو الماء، وحرب العصابات هي السمكة التي تعيش فيه، وبدون الماء تموت السمكة.
وفقاً لماو، فإن مبدأ الحرب وأساس كل المبادئ العسكرية هو الحفاظ على الذات وإفناء العدو.
وبالرغم من أن “كل حرب تتطلب ثمناً، وقد يكون هذا الثمن باهظاً جداً أحياناً”، فإن ذلك لا يتعارض مع مبدأ الحفاظ على الذات، بل هو متوافق معه، “لأن مثل هذه التضحية أمر لا مفر منه، ليس فقط من أجل إفناء العدو، بل من أجل الحفاظ على الذات أيضاً”.
في حالة الحرب في قطاع غزة، يبدو أن الأهداف العليا للاحتلال تتمحور حول القضاء على الشعب الفلسطيني في القطاع، من خلال تهجيره والسيطرة على الأرض، وهو ما نوّهه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في عدة مناسبات.
وإذا لم يتمكن من تحقيق ذلك، فإن الحد الأدنى من الأهداف هو إقامة نظام جديد في القطاع بما يتماشى مع مصالح الاحتلال، بالإضافة إلى نزع سلاح المقاومة وتهجير العديد من قادتها وكوادرها.
ومع استمرار العمل المقاوم، وعجز الاحتلال عن الاستقرار في القطاع، أصبحت أولويات الاحتلال تطمح إلى عزل المقاومة عن جمهورها، كما في مشاريع “الفقاعات الإنسانية” أو الربط بين توزيع المساعدات الإنسانية بالاستقرار، ودعوة الفلسطينيين للانتقال إلى مناطق يسيطر عليها عملاء الاحتلال، كما هو الحال مع المليشيا التي أسسها ياسر أبو شباب في شرق رفح.
إضافة إلى ذلك، هناك جهد دعائي مباشر أو عن طريق أصدقاء وحلفاء الاحتلال، والدول المطبعة معه، مما يخلق جبهة مواجهة ثقافية ونفسية عبر وسائل الإعلام بمختلف أشكالها.

جبهة الحرب الثقافية
يقدم الفيلسوف الإيطالي أنطونيو غرامشي رؤية خاصة للنصر أو الهيمنة السياسية، كما تجلت من خلال انخراطه في العمل السياسي في إيطاليا في عشرينيات القرن الماضي.
واستخدم غرامشي مفهوم “الهيمنة الثقافية” كمؤشر منهجي في دراسة طبيعة المواجهة السياسي، مشيراً إلى أن “تفوق فئة اجتماعية يحدث من حيث السيطرة والقيادة الفكرية والأخلاقية”.
يعتقد غرامشي -في مجموعة من رسائله المنشورة في كتابه “دفاتر السجن”- أن النصر الثوري يتحقق من خلال مزيج من العمل العسكري والثقافي، حيث يصف الأول بـ “حرب الحركة” أو “حرب المناورة”، ويصف الثاني بـ “حرب المواقع”.
يضع تركيزاً على أهمية النضال الثقافي والفكري على المدى الطويل في تحقيق الانتصار، الذي يُعتبر مكملًا ومتوافقًا مع الحرب العسكرية، لذا فالوصول إلى “الهيمنة الثقافية” يُعد شرطاً سلفياً لتحقيق النصر العسكري والحفاظ عليه.
بينما يعتبر غرامشي أن حرب المناورة العسكرية الأفضل لمواجهة الأنظمة الاستبدادية، وهو ما يتفق مع رؤية الفيلسوف الفرنسي فرانز فانون حول مواجهة الاستعمار، فإنه يعتقد أن حرب المواقع الثقافية تنجح أكثر في الدول التي تحتوي على مجتمع مدني نشط كما هو الحال في الدول الغربية.
وعلى الرغم من أن ملاحظات غرامشي صُممت أساسًا لشرح حالات الثورة الشعبية ضد أنظمة الاستبداد، فإنها توفر استنتاجات مفيدة يمكن تطبيقها على حالات أخرى من المواجهة، مثل حروب التحرر الوطني.

المواجهة على الوعي
تظهر الحرب المستمرة في غزة مدى المواجهة على توجيه الجماهير داخل القطاع وخارجه، بهدف تحديد نتيجة المواجهة في مختلف مجالات المواجهة، من خلال الروايات المتناقضة بين الاحتلال ومؤيديه من جهة، والمقاومة ومؤيديها من جهة أخرى، بشأن طبيعة المعركة وأسبابها ومستقبلها.
ويُعتبر مدى انتشار هذه السرديات وقبولها ذا تأثير بالغ على سلوك الشعوب والقوى السياسية داخل فلسطين وخارجها.
بينما يظهر تراجع شهرة الاحتلال عالميًا وفقًا للكثير من استطلاعات الرأي، وخصوصًا في الدول المؤيدة له تقليديًا، فإنه يركز جهوده على تغيير الوعي داخل غزة لتحقيق نتيجة سياسية وعسكرية مقبولة لديه، عبر استخدام العنف والتجويع لصياغة وعي خاضع له أو متواطئ معه.
وبذلك ينعكس تركيزه على فرض حقائق ميدانية يتفوق فيها بـ “حرب المناورة”، بينما تُسجل خسائر أكبر وأعمق في “حرب المواقع” أو الثقافة والوعي على الصعيد العالمي. ويُعتبر ذلك مشكلة كبيرة بالنسبة لدولة اعتمدت على هذا الدعم في إنشائها وتعتمد عليه لضمان بقائها.
وعلى الجانب الآخر، يؤثر تصعيد جرائم الحرب ضد سكان القطاع، واستمرار الحصار، والدعاية الإعلامية المعادية للمقاومة، شيئًا فشيئًا على الرأي السنة في غزة حول جدوى الحرب وآفقها، إذ يظهر استطلاع اجري في 6 مايو/أيار 2025 من قِبل المركز الفلسطيني للبحوث السياسية والمسحية أن تأييد عملية “طوفان الأقصى” انخفض بين سكان غزة مقارنة بما كان عليه في مارس/آذار 2024.
في الضفة الغربية، تختلف النتائج أيضًا، على الرغم من تأثرها بنفس العوامل الضاغطة على غزة، إذ تراجعت نسبة التأييد لقرار “طوفان الأقصى” مقارنة بما كانت عليه في ديسمبر/كانون الأول 2023.
تأتي هذه النتائج في ظل عمل إعلامي مكثف من الاحتلال والدول الداعمة له والمطبعة معه، بالتوازي مع تضييق الخناق على دعم المقاومة وتجريم الأعمال المؤيدة لها.
ترتب على ذلك أثر مرغوب فيه للاحتلال في فرض وعي متوافق معه وخاضع لإرادته، رغم أن الإحصاءات العالمية تفيد بتعميق خسائر الاحتلال وانحسار التأييد له، وهو ما ينعكس في المواقف الدولية من رفض استمرار الحرب والحصار على غزة في الأشهر القليلة الماضية.
صوتت 14 دولة من بين 15 في مجلس الاستقرار في مطلع يونيو/حزيران 2025 على مشروع قرار يدعا بوقف الحرب في غزة، ولم يُوقفه سوى الفيتو الأميركي.
الحرية أو الخضوع
في الختام، تنحصر النتيجة النهائية للحرب من أجل التحرر بين خيارين، إما تحقيق الاستقلال والحرية، أو التخلي عن حلم الحرية والخضوع لإرادة المحتل.
وعلى عكس استقرار أي من الخيارين، فإن نتيجة أي حرب عسكرية لا يمكن أن تُعتبر انتصاراً مطلقاً أو هزيمة نهائية. وفقًا لكلاوزفيتز، “غالباً ما لا ترى الدولة المنهزمة في ما حدث لها سوى شر عابر، يمكن معالجته عبر الحلول السياسية لاحقاً”.
في مواجهة العمل العسكري والثقافي للاحتلال، فإن صمود رواية الشعب الفلسطيني وخصوصًا مقاومته في الحرب وعدالتها يظل حاسمًا في تثبيت المكاسب التي حققتها الحرب الثقافية، بفضل أداء المقاومة العسكري من جهة، والجرائم والعنف الذي يمارسه الاحتلال من جهة أخرى.
