الوسم: الاستقراري

  • تطورات في الفكر الاستقراري الإسرائيلي وتأثيراتها على المنطقة

    تطورات في الفكر الاستقراري الإسرائيلي وتأثيراتها على المنطقة


    أحدثت عملية “طوفان الأقصى” زلزالاً في النظرية الاستقرارية الإسرائيلية، موجهة ضربة قاسية لمبادئ “الردع” و”الإنذار المبكر” و”الحسم السريع”. فشلت إسرائيل في ردع حماس، وكشفت العملية عن فشل متعدد في نظامها الاستقراري. كما لم تحقق العدوان على غزة بشكل سريع أي حسم، مما دفع للتركيز على الاستعداد لحروب طويلة الأمد وتعزيز القدرة العسكرية. شملت التغييرات تعزيز الضربات الاستباقية، وزيادة الجاهزية العسكرية، والتوجه نحو ردع هجومي. تبرز هذه التطورات الاعتماد على الذات والتعاون مع الحلفاء، لكن السلوك العدواني المتزايد قد يؤدي إلى تفاقم الأوضاع في المنطقة واستفزاز ردود فعل سلبية.

    أثَّرت عملية طوفان الأقصى بشكل عميق على النظرية الاستقرارية الإسرائيلية، مُعطيةً ضربة قوية للمبادئ الأساسية التي تشكلها، وخاصة “الثالوث الاستقراري” الذي استمر لمدة 75 عامًا، والذي يتضمن مبادئ:

    1. الردع.
    2. الإنذار المبكر.
    3. الحسم (النصر السريع المطلق).

    فشل “ارتداع” حماس بشكل واضح، حيث لم تنجح السياسات السابقة للحروب القصيرة، ولا محاولات “التهدئة” تحت التهديد، أو الاستيعاب.

    كما يظهر فشل نظام الإنذار المبكر في توقع عملية طوفان الأقصى، على الرغم من قوتها وسعتها وتغطيتها لمضاعفة مساحة قطاع غزة في الداخل الفلسطيني المحتل، والخسائر الفادحة التي تسببت بها في وقت قصير (حوالي 1200 قتيل و250 أسيرًا). أظهرت العملية “فشلاً متراكبًا” في المنظومة الاستقرارية. أيضاً، لقد أخفق العدوان على غزة في حسم المعركة بسرعة، والتي لا تزال مستمرة بعد أكثر من 600 يوم من القتال على مدى مقاومة مستمرة.

    المراجعات على النظرية الاستقرارية قبل 7 أكتوبر/ تشرين الأول 2023

    لقد خضعت النظرية الاستقرارية الإسرائيلية لعدة مراجعات و”تحسينات”، لكن مبادئها بقيت قائمة. كما استمرت بعض القواعد والخطوط الاستراتيجية الاستقرارية مثل: “تجييش الشعب”، وضمان التفوق، والضربات الاستباقية، ووجود حدود آمنة، ونقل المعركة إلى أرض العدو، وضمان دعم القوى الكبرى، وتطوير الاعتماد على الذات.

    تناولت بعض المراجعات في العقدين الأولين من القرن الحادي والعشرين عددًا من التغيرات بما في ذلك تغير أهمية الجغرافيا، وخطر الصواريخ والطائرات المسيّرة، والاستقرار السيبراني، وحالة الثورات وعدم الاستقرار في العالم العربي، وتهديد النمو السكاني الفلسطيني، ومخاطر نزع الشرعية، والتحديات الداخلية في إسرائيل، وتراجع نوعية المقاتل الإسرائيلي، وعدم الرغبة في تحمل أعباء الحرب.

    في عام 2015، تم إضافة مبدأ رابع إلى “الثالوث الاستقراري”، وهو مبدأ “الدفاع” ليعكس التركيز على قدرات الدفاع الصاروخي والقبة الحديدية، بالإضافة إلى تأمين النطاق الجغرافي.

    بينما اعتمدت القيادة الإسرائيلية خلال فترة “الربيع العربي” استراتيجية “الانتظار والحفاظ على القلعة” لمتابعة الأحداث التي اجتاحت المنطقة، مع العمل سراً “تحت الطاولة” عبر الوكلاء والحلفاء لإسقاط هذا “الربيع”.

    التغيرات في النظرية الاستقرارية بعد عملية طوفان الأقصى

    إذا استخلصنا السلوكيات السياسية والعسكرية والاستقرارية الإسرائيلية، وتابعنا تجميعات مراكز التفكير والتي تنتقد النظرية الاستقرارية الإسرائيلية وتطورها، وخاصة معهد مسجاف للأمن القومي (القريب من السلطة التنفيذية)، ومعهد دراسات الاستقرار القومي INSS، ومعهد القدس للإستراتيجية والاستقرار JISS، يمكننا تلخيص التغيرات أو الاتجاهات السنةة للتغيير على النحو التالي:

    1- الانتقال من الردع التقليدي إلى الردع الهجومي الاحترازي: هذا يشير إلى تحويل “إسرائيل” إلى دولة ذات طبيعة هجومية مستمرة، تدير حدودها ومجالها الحيوي (في البيئة الإستراتيجية المحيطة) عبر استخدام القوة، والانتقال من “الردع بالتهديد” إلى “الردع بالتدمير”، والتوقف عن “شراء الهدوء” و”إدارة النزاع” في إطار الاحتواء التقليدي مقابل توسيع مفهوم الاستقرار ليشمل “المنع”، أي منع الخصوم من القيام بهجمات.

    يهدف ذلك إلى تركيز مفهوم “الإخصاء” Emasculation، حيث يتم تعطيل قدرات الآخرين قبل أن تتمكن من تشكيل تهديد على دولة الاحتلال.

    هذا يعني أن “إسرائيل” تسعى لتحقيق هيمنتها على المنطقة بالانتقال من “الهيمنة الناعمة” إلى “الهيمنة الخشنة” الواضحة، دون أن تهتم بظهور وجهها العدواني، أو انتهاك سيادة الدول المجاورة، أو حتى “إحراج” أو إذلال شركائها ووكلائها في دول التطبيع.

    2- تعزيز إستراتيجية الإنذار المبكر، من خلال تقييم شامل للاستخبارات (الموساد، وأمان، والشين بيت)، وتطوير نماذج إنذار جديدة تأخذ بعين الاعتبار المنظمات والجهات غير الحكومية، وتحديد المؤشرات الاستقرارية.

    كما برزت ضرورة إعادة التركيز على الاستخبارات والقدرات البشرية Human Intelligence، حيث أثبتت التقنيات الاستخباراتية أنها غير كافية، بعد الاعتماد الكبير عليها في السنوات الماضية، مع ضرورة تحقيق توازن بين التقنية، مثل (الاستقرار السيبراني، وأدوات الذكاء الاصطناعي)، وأداء البشرية.

    3- تعزيز القوات العسكرية الإسرائيلية البشرية والمادية، وزيادة قدرتها على الانتشار، وخوض الحروب على عدة جبهات في وقت واحد: حيث كانت الاستراتيجية العسكرية تعتمد على وجود جيش محدود (حوالي 170 ألفًا) يتميز بالكفاءة والمرونة، مع تقليل التكاليف، ووجود احتياط كبير (نحو 470 ألفًا) قادر على الانضمام بسرعة وفعالية عند الحاجة.

    بينما بعد 7 أكتوبر/ تشرين الأول، بدأ الاتجاه يتحول نحو جيش كبير وميزانية ضخمة، وزيادة التجنيد حتى في الأوساط التي كانت تُغضَّ عنها مثل اليهود المتدينين “الحريديم”؛ لتلبية احتياجات القوات المسلحة في التوسع والهيمنة، وأيضًا الحروب الطويلة وتعدد الجبهات. وبهذا يتم تفعيل أكبر لفكرة “تجييش الشعب” أو “القوات المسلحة الذي له دولة”!!

    4- الاتجاه للجاهزية تجاه الحروب طويلة الأمد، في ضوء فشل مبدأ “الحسم” السريع، الذي كان منتجاً أساسياً في “الثالوث الاستقراري” منذ تأسيس الكيان.

    فقد اعتاد القوات المسلحة الإسرائيلي بعد حرب أكتوبر/ تشرين الأول 1973 تقليل تعامله مع التنظيمات وفصائل المقاومة، وبتقديرات عملية، انتقل من فكرة “النصر المطلق” إلى التركيز على “النصر الكافي”، مما يضمن فترات من “الهدوء” والاحتواء.

    لكن معركة طوفان الأقصى وطول أمدها وقوة أداء المقاومة، دفعت نحو الحرب طويلة الأمد، لكنها أعادت أيضًا فكرة الحسم أو النصر المطلق بغض النظر عن المدة الزمنية.

    5- تعزيز الضربات الاستباقية، وتوسيع نطاق الاغتيال المستهدف؛ بينما يتم التساهل في الضوابط السياسية والاستقرارية والأخلاقية التي تعيق ذلك.

    6- تقوية النفوذ والهيمنة الإقليمية، عبر فرض خريطة أمنية جديدة للمنطقة، وإنشاء مناطق عازلة (كما في لبنان وسوريا)، وتعزيز التحالفات مع دول التطبيع لتحقيق أجندات أمنية وفق المعايير الإسرائيلية؛ التواجد بشكل مكشوف كـ”شرطي للمنطقة”، وكـ”عصا غليظة” فوق الرؤوس.

    كرر نتنياهو عدة مرات فكرة الهيمنة و”تغيير وجه الشرق الأوسط”، وتحقيق “الازدهار عبر القوة”.

    ترى القيادة الإسرائيلية أن حسم القضية الفلسطينية والقضاء على قوى المقاومة، لا يتحقق إلا بتغيير الواقع الاستقراري في المنطقة، وحصار البيئة التي تعتمد عليها المقاومة؛ لضمان الاستقرار المستقبلي للأجيال الصهيونية في فلسطين المحتلة.

    7- التركيز على الاستقرار الداخلي: من خلال العمل لبناء “حصانة وطنية”، والاستعداد للصدمات المستقبلية، وتعبئة المواطنون الصهيوني وقدرته على التكيُّف، خاصة في ضوء تزايد مخاطر الضربات الصاروخية والاختراق النطاق الجغرافيي؛ تزايد الرغبات في الهجرة المعاكسة في المواطنون اليهودي المستوطن بسبب الظروف الاستقرارية.

    يشمل ذلك أيضًا مواجهة “التهديد السكاني الفلسطيني” بعدما تجاوز عدد الفلسطينيين عدد اليهود في فلسطين التاريخية؛ مما يستدعي إدراج ملفات الضم والتهجير وتوفير بيئات طاردة لهم في الأجندة الإسرائيلية.

    8- المزاوجة بين الاعتماد على الذات والاعتماد على الحلفاء: فعلى الرغم من التطور الكبير للصناعات العسكرية الإسرائيلية، وارتفاعها بين أهم مصدري الأسلحة وتقنيات التجسس العالمية، وبالنظر إلى الجهود المستمرة للوصول إلى مفهوم “الاعتماد على الذات”، وتحقيق تفوق كبير على الدول المجاورة؛ فإن هذا المفهوم اهتز أثناء معركة طوفان الأقصى؛ حيث أثبت أنه غير كافٍ لتحقيق الانتصار.

    كما أثبتت الحاجة الملحة لوجود حلفاء استراتيجيين دائمين كبار مثل الولايات المتحدة، التي أظهرت الحاجة إليها في الحصول على الأسلحة المتفوقة، ومواجهة أنصار الله (الحوثيين) في اليمن، ومواجهة إيران، وفي الدفاعات ضد الصواريخ، وكذلك توفير الغطاء السياسي والاستقراري والإعلامي الدولي، والضغط على دول المنطقة.

    9- تحقيق الردع النفسي و”كي الوعي”، من خلال الأساليب الإعلامية والتطرفية الأكثر عنفًا، كما حدث في غزة من مجازر وإبادة جماعية وتهجير وتجويع وتدمير، مما يُكرس في الوعي الجماعي الخوف من الاحتلال الإسرائيلي، ويمنع الناس من التوجه للمقاومة.

    أثبت مفهوم “السياج الذكي” المتعلق بالدفاعات النطاق الجغرافيية وحماية المستوطنات أنه لم يكن كافيًا، مما دعا لتقوية الدفاعات البشرية والمسامية، و”الحرس الوطني” للتعامل مع المخاطر المحتملة.

    انعكاسات التغير في النظرية الاستقرارية على البيئة الإقليمية

    بناءً على ما سبق، فإن التغيرات في النظرية الاستقرارية ستظهر سلوكيات وسياسات إسرائيلية أكثر عدوانية في البيئة الإقليمية، تتمثل فيما يلي:

    1. توسيع نطاق العمليات العسكرية والاستقرارية الإسرائيلية إقليميًا، ومحاولة فرض هيمنة واضحة في منطقة الشرق الأوسط.
    2. الانتقاص من مفهوم السيادة لدى بعض دول المنطقة، مثل سوريا ولبنان.
    3. زيادة الضغوط على الأنظمة لتنفيذ أجندات أمنية والالتزام بالمعايير الإسرائيلية بحجة مكافحة التطرف، مما يؤدي إلى مزيد من قمع الحريات، وقمع التوجهات الداعمة للمقاومة وفلسطين، وتيارات “الإسلام السياسي” والقوى الوطنية والقومية المعادية للمشروع الصهيوني، ومواجهة مشاريع النهضة والوحدة.

    كما سيؤدي الضغط على أنظمة المنطقة إلى “أمننة” الحياة المدنية، من خلال تعميم النموذج الإسرائيلي، بحيث تُعتبر أي تهديد سياسي أو شعبي “قضية أمنية”، مما يقود لتآكل حقوق الإنسان، وتغول أجهزة الاستخبارات.

    في المقابل، فإن السلوك الإسرائيلي المتعجرف قد يؤدي إلى:

    1. طمع بعض الدول الكبرى في المنطقة لحماية أمنها القومي، والدخول في سباق تسلُّح مع “إسرائيل”.
    2. الأهم، أن هذا السلوك الإسرائيلي المتعجرف، عندما يتفاعل مع بيئة عربية وإسلامية ويحاول فرض عصاه الغليظة على شعوب عريقة تفتخر بتاريخها وهويتها؛ فإنه يوسع فعليًا دائرة المواجهة والتحدي ضده، ويؤدي لتسريع ظهور “ربيع عربي” جديد، سيكون أكبر الخاسرين فيه الاحتلال الإسرائيلي والأنظمة الحليفة.
    3. سيعاني الجانب الإسرائيلي في سعيه لإرساء نظرية معينة، من حالة فرط التمدد Overextension، مما قد يتسبب له في حالة إنهاك تفوق طاقاته وإمكاناته، وهو أحد المؤشرات المهمة على انهيار الدول عبر التاريخ.

    وأخيرًا، هناك فجوة كبيرة بين أهداف الاحتلال الإسرائيلي وما يمكنه تحقيقه على الأرض، وما زالت الأمة وشعوبها تملك إمكانيات كبيرة قادرة على مواجهة المشروع الصهيوني ودحره.

    الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.


    رابط المصدر

  • تفاصيل الاتفاق الاستقراري بين المملكة المتحدة والاتحاد الأوروبي

    تفاصيل الاتفاق الاستقراري بين المملكة المتحدة والاتحاد الأوروبي


    رغم تاريخ العلاقات الصعب بين بريطانيا والاتحاد الأوروبي، تم التوصل إلى اتفاق جديد بعد قمة بريطانية أوروبية، في محاولة لتجاوز تداعيات «بريكست». رئيس الوزراء كير ستارمر وصف الاتفاق بأنه يعزز استقلالية بريطانيا، لكنه أعطى الاتحاد الأوروبي الحق في فرض معايير صارمة على السلع الغذائية البريطانية. ووافق الطرفان على تجديد حقوق الصيد الأوروبية في المياه البريطانية لمدة 12 عاماً. انتقد بعض السياسيين، مثل بوريس جونسون، الاتفاق معتبرين أنه يمثل تراجعا عن مكاسب «بريكست». كما تشير الضغوط الداخلية إلى انقسام حول كيفية إدارة العلاقات مع الاتحاد الأوروبي، مع دعوات لتسهيل الهجرة.

    لندن – على الرغم من أن تاريخ العلاقات السياسية بين بريطانيا وجيرانها الأوروبيين يتسم بمفاوضات عسيرة، إلا أن الطرفين تمكنوا من تجاوز تلك العقبات والتوصل إلى اتفاق جديد يسعى لإنهاء تداعيات خروج لندن من الاتحاد الأوروبي ومعالجة الأزمات الناتجة عن هذا القرار.

    ومع ذلك، أبدى رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر حرصه خلال حديثه أمس الاثنين حول الاتفاق، مشدداً على أنه يُعتبر صفقة تمت بين بلاده كدولة مستقلة والاتحاد ككتلة، ولا تخضع لقوانين الاتحاد، حيث تم التفاوض عليها لتحقيق مكاسب متبادلة.

    وعُقدت القمة البريطانية الأوروبية للمرة الأولى بعد توقيع اتفاق بريكست عام 2020، الذي أدى إلى فك الارتباط بين المملكة المتحدة والاتحاد الأوروبي، وبعد أسابيع من المفاوضات المضنية التي استمرت حتى اللحظات الأخيرة قبيل الإعلان عن الاتفاق.

    مكاسب وتنازلات

    ويؤكد ستارمر أن إعادة بناء العلاقة مع الاتحاد كانت بمثابة الوفاء بوعد انتخابي قطعه للناخبين بفتح أبواب الأسواق الأوروبية مجددًا أمام السلع الغذائية البريطانية، وهو امتياز يلمح رئيس الوزراء إلى أن اتفاق البريكست فشل في الحفاظ عليه قبل 5 سنوات.

    لكن الاتحاد الأوروبي أصر في المقابل على التزام السلع الغذائية البريطانية بالمعايير الأوروبية الصارمة، وقبول تحكيم المحكمة الأوروبية في حال حدوث أي نزاع، مما يعتبره منتقدو الصفقة بمثابة عودة غير معلنة للاتحاد وخضوعًا لقوانين لا يشارك البريطانيون في صياغتها.

    إعلان

    ولم يتأخر رئيس الوزراء السابق وزعيم حزب المحافظين بوريس جونسون في توجيه انتقادات حادة لهذه الخطوة، معتبراً أن ستارمر أجعل من بريطانيا دولة خالية من صلاحيات التصويت في الاتحاد.

    كما وافقت المملكة المتحدة على توقيع اتفاق جديد مع الاتحاد يسمح للقوارب الأوروبية بالصيد في المياه الإقليمية البريطانية لمدة 12 سنة إضافية بعد انتهاء صلاحية الاتفاق الحالي السنة المقبل.

    ويمثل منح الأوروبيين حقوق الصيد لفترة طويلة التنازل الذي فضل المفاوضون البريطانيون تقديمه مقابل تخفيف القيود على عمليات التفتيش النطاق الجغرافيية على الصادرات البريطانية إلى دول الاتحاد، وتأمين حركة أسهل للسلع الغذائية.

    يحاول ستارمر ترويج إنجازه السياسي كزعيم براغماتي قادر على خوض مفاوضات عسيرة، مستغلاً لحظة توقيع الاتفاق الذي يصفه بأنه الثالث في غضون 3 أسابيع بعد تأمينه صفقات تجارية مع الهند والولايات المتحدة.

    قطيعة تاريخية

    ولم تُخفي وزيرة الخزانة البريطانية راشيل ريفيز طموحها في أن يؤدي هذا التقارب التجاري بين بريطانيا والاتحاد إلى عقد شراكات تجارية أوسع، تسهل عملية التبادل التجاري بينهما، مما يعكس رغبة حكومة حزب العمال في مواصلة تحسين العلاقات مع جيرانها الأوروبيين.

    بينما يرى مثنى العبد الله، الباحث في السياسات الدولية وأستاذ العلاقات الدولية في جامعة لندن، أن الخروج من الاتحاد كان قطيعة تاريخية يصعب تجاوزها بالتوقيع على اتفاق يتطلب جهودًا مشتركة من الأوروبيين والبريطانيين لإصلاح الأضرار التي خلفها البريكست، ولكن دون إمكانية للرجوع إلى الوراء.

    ويضيف للجزيرة نت أن الدبلوماسية النشطة لستارمر ونجاحه في إعادة بريطانيا إلى الساحة السياسية العالمية، إضافة إلى اتفاقياته التجارية المختلفة، مثل تلك مع واشنطن، لم تعوض حاجة البريطانيين الملحة للتنسيق مع الأوروبيين وإعادة فتح أبواب القطاع التجاري الأوروبية التي يصعب استبدالها بأسواق أخرى.

    إعلان

    لكن حكومة حزب العمال ستجد نفسها متعرضة لضغوط مستمرة من أنصار البريكست الغاضبين الذين يعتبرون أن هذا التقارب يعد خيانة للإرادة الشعبية التي صوتت لصالح الخروج.

    فتح السجال حول البريكست المجال أمام الزعيم اليميني المتطرف نايجل فاراج، أحد أبرز الداعمين لخيار الخروج، ليُنتقد زعيم حزب العمال، مذكراً الناخبين البريطانيين بأن إرضاء الاتحاد أصبح سياسة ثابتة للحكومة العمالية.

    على الرغم من الاندفاع البريطاني للتقارب مع الاتحاد في لحظة جيوسياسية دقيقة، يبقى رئيس الوزراء أنذراً من الموافقة على أي قرار يقضي بإعادة فتح أبواب الهجرة أمام الأوروبيين.

    حيث اكتفت السلطة التنفيذية بوعد بتسهيل حركة الفئة الناشئة دون سن الثلاثين، دون التورط في اتفاق يتعارض مع وعودها بتقليل أعداد المهاجرين، ورفض إضفاء الشرعية على سردية اليمين الشعبوي المتصاعدة في الساحة السياسية البريطانية، التي تتهم السلطة التنفيذية بالتقصير في حماية البلاد من تدفق المهاجرين.

    استسلام وتراجع

    وزعمت زعيمة حزب المحافظين كيمي بادينوك أن الاتفاق استسلم لشروط الاتحاد الأوروبي، وتراجع عن مكاسب البريكست عبر منح الاتحاد اليد العليا في فرض شروطه وقوانينه، والاندفاع نحو شراكة دفاعية معه على حساب مركزية حلف شمال الأطلسي (ناتو).

    وبرغم وجود العديد من نقاط الخلاف بين الأوروبيين والبريطانيين، فإن الرغبة في تشكيل حلف دفاعي جديد شكلت دافعاً شجع الجانبين على إعادة ضبط العلاقات بينهما، حيث يسعى الطرفان لتجاوز الخلافات في فترة جيوسياسية يبرز فيها استعدادي الحليف الأميركي للتخلي عن حماية أمنهم الجماعي.

    ويسمح الاتفاق الدفاعي لشركات الصناعات العسكرية البريطانية بالولوج إلى سوق السلاح الأوروبية والحصول على عقود مربحة، كما سيتيح للجيش البريطاني فرصة لتحديث ترسانته العسكرية من خلال شراء معدات من الاتحاد الأوروبي بتكاليف أقل.

    إعلان

    ويرى نايك ويتني، الباحث في شؤون الدفاع الأوروبي بالمركز الأوروبي للسياسات الخارجية، أن الاتفاق الدفاعي الجديد سيساعد في تعزيز الوحدة الأوروبية، ويعد ضرورة سياسية وتقنية للتغلب على تباينات عدة بين بريطانيا والاتحاد لبناء منظومة دفاعية قوية في وقت يبدو فيه أمن القارة مهدداً، أولاً بسبب التخلي الأميركي عن توفير الحماية، ثم بالمخاطر الروسية.

    ويضيف للجزيرة نت أن هناك العديد من التعقيدات القانونية والتمويلية المرتبطة بتنفيذ هذا الطموح البريطاني الأوروبي في الاستقلال عن التبعية للدفاع الأميركي، لكن الاتفاق سيكون إطاراً مناسباً لبدء هذا المشروع المؤجل لسنوات.

    وفقاً للباحث ويتني، فإن استثمار هذه الحاجة للتعاون دفع بكل من لندن والاتحاد الأوروبي إلى خوض مفاوضات بحساسيات سياسية أقل ونزعة براغماتية واضحة للعمل على تجاوز العقبات التجارية التي تسبب بها البريكست، تمهيداً لمسار تعاون أوسع.


    رابط المصدر