الوسم: استراتيجي

  • إيران وروسيا والصين: تحالف لتقويض الولايات المتحدة أم تعاون استراتيجي؟

    إيران وروسيا والصين: تحالف لتقويض الولايات المتحدة أم تعاون استراتيجي؟


    تتسم العلاقات بين روسيا والصين وإيران بكونها تحالفًا تكتيكيًا يتطور لمواجهة الهيمنة الغربية وتعزيز نظام متعدد الأقطاب. تدفع التوترات العالمية هذه الدول للتعاون رغم عدم وجود عمق حضاري مشترك. تستفيد كل من موسكو وبكين من الموقع الجيوسياسي لإيران لزعزعة استقرار السياسات الأميركية، لكنها تظل أنذرة من التصعيد العسكري المباشر. يعكس هذا التعاون أساسًا براغماتيًا، حيث تعتمد إيران بشكل كبير على دعم الصين وروسيا، رغم أن التوترات الإقليمية قد تضعف هذا التحالف، مما يدفع إيران للبحث عن تحالفات جديدة.

    تعتبر العلاقات بين روسيا والصين وإيران واحدة من أبرز الظواهر الجيوسياسية في عالم اليوم. تُوصف هذه العلاقة غالبًا بأنها “تحالف تكتيكي” وتتشكل بشكل متسارع، مدفوعة بالرغبة المشتركة في تحدي الهيمنة الغربية وتعزيز نظام دولي متعدد الأقطاب.

    مع تزايد التوترات الدولية، خاصة بعد الحرب الأوكرانية والعقوبات المتزايدة على طهران وموسكو، بالإضافة إلى المواجهات المسلحة بين إسرائيل وإيران، ازدادت أهمية هذه الشراكة.

    تسعى موسكو وبكين إلى استغلال الموقع الجيوسياسي لإيران لتعقيد الإستراتيجيات الأميركية في الشرق الأوسط، وتحويل النزاع إلى جبهة استنزاف جديدة تعيق قدرة الغرب على الانتباه إلى مسارح أخرى، كما أوضح تقرير لمعهد كارينغي.

    تتأطر هذه العلاقة بالمصالح الفورية والبراغماتية، وتكشف عن تناقضات عميقة في المبادئ المعلنة، حسبما يشير محلل الإستراتيجية الخارجية الأميركية دانيال ديفيس، مما يطرح تساؤلات حول قدرتها على الصمود أمام توترات الإقليم الصاعدة.

    الأسس الأيديولوجية والسياسية للتحالف الهش

    على الرغم من التآلف الظاهر حول الخطاب المناهض للغرب، إلا أن هذه العلاقة تفتقر إلى عمق قيمي أو ثقافي مشترك، مما يجعل تماسكها الأيديولوجي موضع تساؤل، كما تشير دراسة من مؤسسة هربرت سميث فريهيلز كرامر القانونية.

    • خطاب “مناهضة الهيمنة الغربية” كقاعدة مشتركة

    تجد الأطراف الثلاثة قواسم مشتركة في رفض الهيمنة الغربية، وخاصة الأميركية، والدعوة إلى نظام متعدد الأقطاب، وقد تعزز هذا الاتجاه بشكل كبير منذ بداية الحرب الأوكرانية في عام 2022 وتصاعد التوترات في بحر جنوب الصين.

    تمثل إيران بالنسبة لروسيا والصين شريكًا أساسيًا في جهود إعادة تشكيل النظام الحاكم الدولي، وقد ظهر ذلك من خلال انضمام إيران الكامل لمنظمة شنغهاي للتعاون في قمة أوزبكستان عام 2022.

    يمنح هذا الانضمام لطهران دعمًا حيويًا لمقاومة الضغوط الغربية المتزايدة، خاصة في ظل العقوبات المفروضة منذ انسحاب واشنطن من الاتفاق النووي في عام 2018، وفق ما نشرته وزارة الخارجية الأميركية.

    إعلان

    هذا التقارب الأيديولوجي يميل إلى أن يكون تكتيكيًا وعملانيًا أكثر مما هو قائم على قيم عميقة.

    epa10187499 (L-R) Mongolian President Ukhnaa Khurelsukh, Turkmen President Serdar Berdymukhamedov, Turkish President Recep Tayyip Erdogan, Kyrgyz President Sadyr Japarov, Kazakh President Kassym-Jomart Tokayev, Indian Prime Minister Narendra Modi, Chinese President Xi Jinping, Uzbek President Shavkat Mirziyoyev, Russian President Vladimir Putin, Tajik President Emomali Rahmon, Pakistani Prime Minister Shahbaz Sharif, Iranian President Ebrahim Raisi, Belarusian President Alexander Lukashenko and Azerbaijani President Ilham Aliyev pose for a family photo before the meeting in an expanded format of the 22nd Shanghai Cooperation Organisation Heads of State Council (SCO-HSC) Summit, in Samarkand, Uzbekistan, 16 September 2022. The SCO is an international alliance founded in 2001 in Shanghai and composed of China, India, Kazakhstan, Kyrgyzstan, Russia, Pakistan, Tajikistan, Uzbekistan and four Observer States interested in acceding to full membership - Afghanistan, Belarus, Iran, and Mongolia. EPA-EFE/SERGEI BOBYLEV/SPUTNIK/KREMLIN POOL MANDATORY CREDIT
    القائد الإيراني آنذاك إبراهيم رئيسي (الثالث يمين) مع رؤساء دول منظمة شنغهاي للتعاون عام 2022 (الأوروبية)
    • مبدأ السيادة.. انتقائية البرنامج وحدود التضامن

    تستخدم روسيا والصين خطاب “احترام السيادة وعدم التدخل” كحاجز ضد العقوبات الأحادية المفروضة على طهران، خاصة في المحافل الدولية.

    ومع ذلك، يظهر التزامهما انتقائية واضحة؛ إذ انتهكت روسيا مبدأ السيادة في أوكرانيا عام 2022 وفق منظور الدول الغربية، بينما تواجه بكين اتهامات بانتهاكات حقوق الإنسان في إقليم شينجيانغ، حسب هيومن رايتس ووتش.

    هذا التناقض الجوهري يدل على أن مبدأ السيادة ليس التزامًا قيمياً مطلقًا لهذه الدول، بل هو أداة سياسية براغماتية تُستخدم لخدمة المصالح الذاتية لكل طرف.

    • غياب الروابط الأيديولوجية والحضارية العميقة

    على الرغم من التوافق في المواقف السياسية المضادة للغرب، إلا أنه لا توجد روابط حضارية عميقة تربط بين روسيا والصين وإيران.

    تظهر الصين أنذرًا واضحًا من نزعة “تصدير الثورة الإسلامية” الإيرانية مخافة تأثيراتها المحتملة على مسلمي الإيغور في إقليم شينجيانغ. بينما تعتقد روسيا أن إيران هي شريك مصلحي بحت، خصوصًا في الملف السوري، حيث تداخل دعم الدولتين لنظام بشار الأسد يترافق مع تنافس غير معلن على النفوذ العسكري والماليةي منذ التدخل الروسي المباشر عام 2015.

    هذه الفجوة في الروابط الأيديولوجية تجعل التضامن بين هذه الأطراف محدودًا وضعيفًا، مما يعكس طبيعة التحالف القائم على المصالح الفورية والمتغيرة بدلاً من القيم الراسخة.

    المحددات الجيوسياسية والإستراتيجية

    تستخدم إيران من قبل روسيا والصين كأداة ضغط إستراتيجية لتعقيد السياسات الغربية، لكن الدعم الاستقراري يبقى محدودًا وأنذرًا لتفادي التصعيد المباشر، خاصة مع إسرائيل والولايات المتحدة.

    • توظيف إيران جيوسياسيا

    تُستخدم إيران كأداة ضغط متقدمة في المواجهة الجيوسياسية مع الغرب، فبالنسبة لروسيا، تُعتبر طهران منصة مهمة لتعقيد الإستراتيجية الأميركية في الشرق الأوسط وتحويل الانتباه والموارد بعيدًا عن الجبهة الأوكرانية.

    بينما تمثل إيران للصين حاجزًا جيوسياسي ضد التمدد الأميركي المحتمل في آسيا الوسطى والخليج، بالإضافة إلى كونها حليفًا مهمًا لحماية خطوط الطاقة الحيوية العابرة للقارة.

    تساعد هذه المنفعة المتبادلة من الموقع الجيوسياسي لإيران في تعزيز أهميتها التكتيكية، لكنها في ذات الوقت تجعل من طهران ورقة مساومة قد تستخدم أو يُتخلى عنها.

    • حدود الضمانات الاستقرارية وسياسة “التجنب المحسوب”

    على الرغم من الدعم السياسي العلني والتعاون العسكري، يبقى الالتزام الاستقراري من روسيا والصين تجاه إيران محدودًا ومحسوبًا.

    فقد زودت روسيا إيران بنظام إس-300 الدفاعي، لكنها لم تقدم لها أنظمة أكثر تطورًا لتفادي أي صدام مباشر مع إسرائيل.

    أما الصين، فتقدم تقنيات متطورة لمراقبة النشاطات، لكنها تتوخى الأنذر للحفاظ على توازن دقيق لتفادي استفزاز شركائها الخليجيين القائديين كمصادر أساسية للطاقة.

    • إدارة التنافس الخفي وتأثيره على التعاون

    تخفي هذه الشراكة الظاهرة بين روسيا والصين وإيران تنافسًا مكتومًا على النفوذ، حيث تشعر روسيا بقلق متزايد من التوسع الإيراني في سوريا خاصة في المجالات الماليةية والعسكرية، مما يهدد هيمنتها على المشهد السوري.

    إعلان

    من جانبها، تراقب الصين بأنذر تحركات موسكو العسكرية واللوجستية مع إيران في آسيا الوسطى، خشية أن تؤثر هذه التحركات سلبًا على مبادرتها الإستراتيجية المعروفة بمبادرة “الحزام والطريق”.

    يظهر هذا التنافس غير المعلن طبيعة التحالف البراغماتي، مما يحدد من عمق التعاون الإستراتيجي ويعيق تحوله إلى شراكة حقيقية.

    المحددات الماليةية التجارية

    يستند التعاون الماليةي على مجال الطاقة وآليات تجاوز العقوبات باستخدام عملات بديلة، إلا أن الخلل التجاري الكبير يعزز من تبعية إيران الماليةية.

    • الطاقة كمحور اقتصادي والتنافس الخفي على الأسواق

    تعتمد الصين بشكل كبير على النفط الإيراني، الذي تستورده بخصم يبلغ 30% منذ تشديد العقوبات الأميركية عام 2019، مما يمنح طهران مكانة كأحد أكبر مزودي النفط لبكين بعد السعودية بحلول عام 2024.

    علاوة على ذلك، تعتبر روسيا إيران منافسًا محتملاً في سوق الطاقة العالمية، خصوصًا مع تزايد صادرات موسكو النفطية إلى آسيا لتعويض خسائرها في القطاع التجاري الأوروبية نتيجة العقوبات الغربية بين عامي 2022 و2023، مما يعكس ديناميكية معقدة بشأن الطاقة داخل التحالف.

    • آليات تجاوز العقوبات

    يتعاون الثلاثي بنشاط في إنشاء قنوات مالية ولوجستية بديلة لتجاوز العقوبات الغربية. ومن أبرز مظاهر هذا التعاون الارتفاع الملحوظ في استخدام اليوان والروبل في التعاملات التجارية بين موسكو وطهران وبكين.

    بالإضافة إلى ذلك، يتم تطوير شبكات لوجستية عبر بحر قزوين وشبكات تهريب التقنية عبر آسيا الوسطى.

    تهدف هذه الآليات إلى تقليل الاعتماد على النظام الحاكم المالي الغربي وتوفير شريان حياة اقتصادي لإيران، مما يعزز مرونة هذه الدول في مواجهة الضغوط الخارجية ويعكس أهمية الشراكة الماليةية في ظل العقوبات.

    • خلل التوازن التجاري وتبعيات إيران المتزايدة

    تُظهر الأرقام المتعلقة بالحجم التجاري بين الأطراف الثلاثة خللاً كبيرًا يعزز من تبعية إيران المتزايدة للصين.

    ويؤكد التفاوت الكبير في الميزان التجاري أن الصين هي الشريك الماليةي الأكبر لإيران، مما يمنح بكين نفوذًا أكبر في العلاقة ويجعل طهران أكثر عرضة للتأثر بالسياسات الماليةية الصينية، مما يحد من خياراتها الإستراتيجية.

    العلاقة بالولايات المتحدة

    تشكل المواجهة مع واشنطن دافعاً أساسياً لعلاقة الدول الثلاث، مع التزام روسيا والصين بسياسة “الإرهاق غير المباشر” لنفوذ الولايات المتحدة دون المخاطرة بمصالحهما الحيوية.

    • المواجهة مع الولايات المتحدة كحافز وديناميكية معقدة

    تشكل المواجهة مع الولايات المتحدة الأميركية المحرك الأساسي لتنسيق مواقف موسكو وبكين مع طهران، خصوصاً في ظل الضغوط الغربية المتزايدة منذ عام 2022. ومع ذلك، تبقى المصالح الماليةية للصين أكثر تأثيرًا من ميولها للصدام المباشر مع واشنطن.

    استفادت بكين من العقوبات الغربية المفروضة على روسيا من خلال زيادة وارداتها من الطاقة بأسعار منخفضة، لكنها تتجنب استفزاز الولايات المتحدة في مواجهة اقتصادية مباشرة، بينما تسعى موسكو عبر تحالفها مع طهران إلى تحويل الشرق الأوسط إلى جبهة استنزاف لنفوذ واشنطن.

    تعلم إيران أنها في موقع أضعف وتسعى إلى شركاء يحصنونها من تداعيات المواجهة الحالية مع إسرائيل، مما يعكس طبيعة العلاقة البراغماتية والنفعية.

    • إستراتيجية “الإرهاق غير المباشر” للنفوذ الأميركي

    تستخدم كل من روسيا والصين وإيران إستراتيجية متكاملة تستهدف صادر الطاقة الأميركي بشكل غير مباشر في مناطق حيوية، دون الانخراط في مواجهة عسكرية شاملة.

    تستعمل موسكو علاقتها مع طهران لتسهيل التحديات التي تواجه واشنطن في الشرق الأوسط، مما يحول الانتباه والموارد بعيدًا عن أزمات أخرى كالأوكرانية.

    في ذات السياق، تستفيد بكين من أي ضعف أميركي في المنطقة لتعزيز مبادرتها الماليةية الكبرى وضمان موارد طاقتها دون الدخول في احتكاك مباشر.

    يهدف هذا التكتيك المشترك إلى تقويض النظام الحاكم الأحادي القطب تدريجياً، مع تجنب التصعيد الذي قد يهدد المصالح الماليةية أو الاستقرارية المباشرة لهم.

    إعلان

    مبادرة الحزام والطريق

    تمثل إيران نقطة استراتيجية مهمة لمبادرة الحزام والطريق، حيث توفر ممرات برية بديلة عن الممرات البحرية المحفوفة بالمخاطر، وتعزز أمن إمدادات الطاقة الصينية عبر آسيا الوسطى.

    • إيران كبوابة برية

    تحاول بكين بجد تحويل إيران إلى بوابة برية بديلة لتفادي المسارات البحرية المشحونة بالمخاطر الجيوسياسية والاستقرارية، كالممرات عبر مضيقي هرمز وباب المندب.

    يعكس هذا الاهتمام الصيني بالبنية التحتية الإيرانية رؤى بكين الاستراتيجية لتقوية أمن ومرونة طرقها التجارية والنفطية، مما يمنح إيران أهمية اقتصادية خاصة في إطار المبادرة الصينية العالمية، ويجعل استقرارها ضرورة ملحة بالنسبة لبكين.

    الحزام والطريق طريق الحرير الصيني
    (الجزيرة)
    • أبعاد أمن الطاقة وتعزيز المسارات البديلة

    يتجاوز دور إيران في مبادرة الحزام والطريق مجرد كونها ممرا برّياً إلى أوروبا؛ فهي تلعب دورًا حيويًا في استراتيجية الصين لتنويع وأمن إمدادات الطاقة.

    يؤدي الاعتماد المفرط على الممرات البحرية التقليدية -خاصة عبر مضيقي هرمز وباب المندب- إلى تعرض بكين لاضطرابات إقليمية أو حصارات محتملة في الأوقات الحرجة.

    لذا، توفر المسارات البرية عبر إيران بديلاً إستراتيجياً يقلل من هذه المخاطر، مما يعزز مرونة سلسلة إمدادات الطاقة الصينية، ويدفع بكين لتقديم دعم اقتصادي وفني أكبر لطهران لضمان استمرارية هذه المسارات الحيوية.

    الموازنات الإقليمية

    تواجه موسكو وبكين تحديًا في الموازنة بين دعم إيران والحفاظ على علاقات حيوية مع قوى إقليمية عبر سياسة “عدم الاختيار” الحاسمة.

    • تحدي التوازن الإقليمي واستقطاب الجميع

    تواجه روسيا والصين تحديًا محوريًا في إدارة توازن علاقاتهما مع إيران دون الإضرار بعلاقاتهما الحيوية مع قوى إقليمية رئيسية مثل تركيا والسعودية.

    تجعل هذه الاعتبارات المعقدة الدعم الصيني الروسي لإيران تكتيكيًا ومحدودًا، مما يعكس حرص الدولتين على الحفاظ على مصالحهما الأوسع في المنطقة وتجنب أي توترات تهدد شبكة علاقاتهما.

    • سياسة عدم الاختيار

    تميل كل من روسيا والصين إلى اتباع سياسة عدم الاختيار الصارمة بين الأطراف الإقليمية المتنافسة في الشرق الأوسط، بما في ذلك إيران وتركيا والسعودية.

    تهدف هذه الإستراتيجية إلى الحفاظ على علاقات متوازنة مع جميع اللاعبين لتعظيم المصالح المشتركة وتقليل المخاطر.

    يمنع هذا التوازن الدقيق التحول إلى تحالفات صلبة، مما يجعل العلاقة مع إيران متعلقة بسياق إقليمي أوسع ومعقد.

    المواجهة مع إسرائيل وتداعياتها

    كشفت التوترات المتزايدة بين إسرائيل وإيران عن حدود هذا التحالف، مما زاد من شعور طهران بالعزلة، وأثار تساؤلات حول طبيعة الدعم المستقبلي.

    • مخاوف “فشل الدولة” الإيرانية

    تدرك موسكو وبكين أن احتمال انهيار النظام الحاكم الإيراني أو استبداله بنظام موالٍ للغرب يمكن أن يكون كارثياً على مصالحهما، مما قد يخلق فراغًا أمنيًا كبيرًا واضطرابات تهدد تدفقات الطاقة الحيوية.

    ومع تصاعد المواجهة مع إسرائيل، تتزايد مخاوف موسكو وبكين من انزلاق الوضع في إيران إلى حالة فوضى قد تعيد تموضع النفوذ الغربي في المنطقة.

    تفضل العاصمتان – حتى الآن – عدم المجازفة بالتدخل المباشر الذي قد يجرهما إلى صراع أوسع.

    يعكس هذا الأنذر ضرورة الحفاظ على الاستقرار الإقليمي الذي يخدم مصالحهما حتى لو كان ذلك على حساب تقديم دعم أعمق لطهران.

    • غياب الدعم العسكري المباشر

    تشكل المواجهة المتصاعدة بين إسرائيل وإيران اختبارًا عمليًا للعلاقة بين طهران وموسكو وبكين.

    حتى اللحظة، اكتفى كل من روسيا والصين بمواقف سياسية أنذرة دون تقديم دعم عسكري مباشر، رغم أن المعركة قد دخلت مرحلة تصعيد غير مسبوق بعد استهداف المنشآت النووية والعسكرية الإيرانية، وقيام إيران بالرد على المنشآت الإسرائيلية الإستراتيجية.

    يعكس هذا الأنذر أن حدود التحالف تنبع من حماية المصالح الذاتية مع الغرب، حيث تخشى بكين أن تؤثر التوترات على خطوط التجارة والطاقة القادمة من الخليج، بينما تسعى موسكو لتجنب استفزاز إسرائيل والولايات المتحدة في توقيت حساس على الجبهة الأوكرانية.

    • تعميق عزلة إيران وتأثيره على الثقة

    كلما زادت خطورة المواجهة مع إسرائيل دون دعم فعال من روسيا والصين، ازداد إدراك إيران للطبيعة الهشة والتكتيكية لعلاقتها مع موسكو وبكين، مما يعمق شعورها بالعزلة ويقلل من ثقته بهذا المحور.

    قد يدفع هذا الإدراك طهران إلى البحث عن تحالفات إقليمية جديدة، أو حتى العودة إلى مسارات تفاوضية مع الغرب لتخفيف الضغط المتزايد.

    • تنامي الأنذر الصيني وتأثيره على التنمية الاقتصاديةات

    أدت الضربات الإسرائيلية إلى تهديد مباشر لبعض المشاريع الصينية الحيوية في إيران، مثل خط السكك الحديدية من طهران إلى بندر عباس.

    إعلان

    نتيجة لذلك، أصبحت بكين أكثر حرصًا على ضبط علاقتها بطهران في إطار محدد اقتصادي بحت، دون الانزلاق نحو الانخراط في صراع عسكري مفتوح قد يهدد استقرار مبادرة “الحزام والطريق” بالكامل.

    يعكس هذا التزايد في الأنذر الصيني قلق بكين من أن يؤثر التصعيد الإقليمي على استثماراتها الضخمة ومشاريعها الكبرى.

    سيناريوهات المستقبل المحتملة

    توجد ثلاث مسارات رئيسية لمستقبل العلاقات الروسية الصينية الإيرانية تتأثر بعوامل إقليمية ودولية متعددة.

    • استمرار العلاقة التكتيكية

    يرجح هذا السيناريو استمرار الوضع الراهن للعلاقات الروسية الصينية الإيرانية. سيظل الدعم السياسي العلني لإيران قائمًا، لكن دون أي تدخل عسكري مباشر.

    تستفيد موسكو وبكين من بقاء إيران كـ”شوكة في خاصرة الغرب”، دون المخاطرة بتصعيد شامل قد يضر بمصالحهما الأوسع ويعكس طبيعة العلاقة البراغماتية.

    • تصاعد الدعم لإيران اضطرارياً

    إذا ما تحولت المواجهة الحالية مع إسرائيل إلى حرب إقليمية شاملة تهدد بانهيار النظام الحاكم الإيراني بشكل جدي، قد تضطر روسيا والصين إلى زيادة مستوى الدعم المقدم لطهران. قد يشمل هذا الدعم مساعدات اقتصادية عاجلة أو شحنات أسلحة نوعية، بهدف تفادي سقوط إيران بالكامل في فلك الغرب.

    مع ذلك، سيبقى هذا الدعم في إطار “دعم غير مباشر” لتجنب مواجهة مفتوحة مع واشنطن، ولن يتحول إلى التزام استراتيجي كامل يهدد مصالح موسكو وبكين الأوسع مع القوى الغربية.

    • انهيار التحالف

    هذا السيناريو يُعتبر الأخطر بالنسبة لطهران، والأكثر احتمالًا على المدى المتوسط، وقد يؤدي إلى انهيار التحالف الثلاثي.

    إذا ما نجحت مفاوضات نووية جديدة بين إيران والغرب، تدفع في اتجاه انفراجة في العلاقات الدولية، أو في حال حدوث تغيير جذري في النظام الحاكم السياسي الإيراني، ستتخلى بكين وموسكو عن شراكتهما بسرعة.

    ستركز روسيا على إعادة ترتيب أولوياتها في الساحة الأوكرانية، بينما تسعى الصين للحفاظ على استقرار علاقاتها مع الأسواق الغربية والخليجية.

    تحالف المصالح لا المبادئ

    ختامًا، تكشف هذه التحليلات أن العلاقات الروسية الصينية الإيرانية تمثل تحالفًا تكتيكيًا هشا قائمًا على المصالح الفورية أكثر من كونها شراكة استراتيجية متجذرة.

    في الوقت الذي تعتمد فيه موسكو وبكين على إيران كورقة ضغط ضد الغرب ولتأمين مصالحهم النفطية، تبقى التزاماتهما الاستقرارية محدودة وأنذرة، ويتضح ذلك جليًا في ظل تصاعد المواجهات الإسرائيلية الإيرانية.

    __________________________________

    • أهم المراجع:
      – منظمة هيومن رايتس ووتش
      – موقع منظمة العفو الدولية
      – موقع الأمم المتحدة
      – موقع المؤسسة المالية الدولي
      – موقع صندوق النقد الدولي
      – موقع وزارة الخارجية الأميركية
      – سجلات مجلس الاستقرار التابع للأمم المتحدة
      – مجموعة الأزمات الدولية
      – موقع الرئاسة الروسية/ الكرملين
      – مجلس العلاقات الخارجية
      – مؤسسة هربرت سميث فريهيلز كرامر
      – مجلة جينز الدفاعية الإسبوعية
      – موقع منظمة شنغهاي للتعاون


    رابط المصدر

  • 600 يوم من المواجهة: إخفاق استراتيجي لإسرائيل ونتنياهو تحت نيران الانتقادات

    600 يوم من المواجهة: إخفاق استراتيجي لإسرائيل ونتنياهو تحت نيران الانتقادات


    في ذكرى مرور 600 يوم على الحرب الإسرائيلية ضد حماس، تعكس مقالات الصحف الإسرائيلية تشاؤمًا حيال الأداء الحكومي برئاسة نتنياهو. تنتقد المقالات فشل السلطة التنفيذية في تحقيق الأهداف القائدية، مثل القضاء على حماس واستعادة الرهائن. يُشار إلى أن الوضع الاستقراري ما زال هشًا، والصواريخ مستمرة في الهطول. يعاني القوات المسلحة من عجز سياسي، مع انقسامات داخلية تعرقل اتخاذ القرار. بينما تُظهر الضفة الغربية تحسنًا في العمليات العسكرية، تُعتبر غزة اختبارًا فاشلاً للقيادة الإسرائيلية. يبدو أن إسرائيل غير قادرة على تحقيق نتائج حاسمة، مما يزيد من الإحباط بين المواطنين.

    في الذكرى 600 لبدء الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة، غطّت الصحف الإسرائيلية بالتحليلات النقدية حول وضع إسرائيل، حيث ركز الكثير منها على إخفاق السلطة التنفيذية الإسرائيلية برئاسة بنيامين نتنياهو في تحقيق الأهداف المعلنة للعملية العسكرية. وكان من أبرز هذه الأهداف القضاء على حركة حماس، تحرير الرهائن، واستعادة الاستقرار على المدى البعيد.

    وهيمنت على هذه المقالات أجواء من التشاؤم وانعدام الرؤية للخروج من الأزمة، نظراً لتعدد الساحات التي يتواجد فيها جيش الاحتلال الإسرائيلي، بما في ذلك غزة والضفة ولبنان وسوريا واليمن وحتى إيران، بالإضافة إلى الاضطرابات الداخلية في ضوء الخلافات الحادة بشأن أهداف الحرب.

    مأزق إستراتيجي

    في مقال قوي نُشر في صحيفة “يديعوت أحرونوت”، قال المحلل السياسي ومراسل شؤون المستوطنات أليشع بن كيمون إن “الواقع في غزة لم يتغير، والقيادة الإسرائيلية فشلت في كل اختبار، وعلى رأسها رئيس السلطة التنفيذية الذي يتجنب اتخاذ القرارات ويقود البلاد إلى مأزق إستراتيجي عميق”.

    وأضاف المحلل أن القوات المسلحة الإسرائيلي، على الرغم من العمليات المكثفة التي أدت إلى تدمير مناطق واسعة من غزة ومقتل حوالي 20 ألفًا من عناصر حماس – حسب التقديرات الإسرائيلية – إلا أنه لا يزال مضطراً للعودة بنفس المناطق لمواجهة ما تبقى من خلايا المقاومة، وقال “بالفعل أُصيبت البنية التحتية لحماس، لكن الحركة لا تزال موجودة وتعمل وتتنفس”.

    كما لفت إلى أن جهود السلطة التنفيذية لإضعاف الحركة عبر تقديم مساعدات إنسانية مباشرة للسكان لم تحقق أهدافها حتى الآن، رغم الترويج لها كنقطة تحول.

    واستشهد المحلل بفشل المبادرات السابقة في مناطق مثل مستشفى الشفاء، ورفح، وطريق فيلادلفيا، مشيرًا إلى أن “الزمن يتغير فقط، لكن الواقع يبقى كما هو”.

    وفيما يتعلق بملف الرهائن، أوضح بن كيمون أن إسرائيل استردت حتى الآن 145 من أصل 251 رهينة أسروا في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، بينما لا يزال 58 منهم محتجزين في غزة “بعضهم لم يعد على قيد الحياة”.

    واعتبر أن حكومة نتنياهو فشلت في خلق أي نفوذ فعال على حماس للضغط من أجل الإفراج عنهم، قائلاً “لا أتوقع من منظمة إرهابية أن تظهر رحمة، لكنني كنت أتوقع من حكومتي أن تتخذ خطوات تجعل الخاطف يندم على فعله”.

    أمن مفقود وقيادة مترددة

    ويعتقد المحلل السياسي أن الاستقرار الذي وعدت به السلطة التنفيذية لا يزال بعيد المنال، فالصواريخ ما زالت تنطلق من غزة وإن كانت بوتيرة أقل، والحوثيون في اليمن يستمرون في استهداف الممرات البحرية، كما أن النطاق الجغرافي الشمالية مع سوريا تشهد تصعيداً متزايداً، بينما لم يعد جميع سكان غلاف غزة إلى منازلهم حتى الآن.

    ويقول بن كيمون إن سبب هذا التعثر هو “عجز نتنياهو عن الحسم”، واصفاً إياه بأنه “شخص يفضل إبقاء جميع الخيارات مفتوحة، ويتجنب اتخاذ القرارات اللازمة”.

    استناداً إلى فشله العسكري، يرى بن كيمون أن الانقسامات الداخلية داخل السلطة التنفيذية تلعب دوراً أيضاً، حيث تتنافس تيارات من أقصى اليمين مثل إيتمار بن غفير وبتسلئيل سموتريتش، مع تيارات أكثر براغماتية، مما يؤدي إلى تعطيل اتخاذ القرار.

    ويضيف أن نتنياهو غالباً ما يعيق صفقات وقف إطلاق النار، سواء كان ذلك بسبب ضغط سياسي أو نزاعات مع القوات المسلحة أو جهاز الاستقرار السنة (الشاباك)، مما أدى إلى “شلل إستراتيجي يفتقر إلى انتصار ملموس أو تراجع”.

    ورغم انتقاده أداء السلطة التنفيذية في غزة، يقدم بن كيمون الضفة الغربية كنموذج متناقض، حيث يدّعي أن إسرائيل تحقق “نجاحاً في تغيير الواقع” من خلال عمليات أمنية مكثفة داخل المخيمات والمدن وتوسيع المستوطنات بشكل غير مسبوق.

    ويشير إلى أن رؤساء المجالس الاستيطانية يتحدثون بصراحة عن السيطرة على المزيد من الأراضي وفرض الوقائع، مؤكداً أن “إسرائيل هناك تمتلك رؤية واضحة وتنفيذ متسق، بينما تسود الفوضى والتردد في غزة”.

    ويختتم المحلل مقاله بالتأكيد على أن غزة لم تعد مجرد ساحة حرب، بل أصبحت “اختباراً للقيادة الإسرائيلية”، وهو اختبار فشلت فيه السلطة التنفيذية، على حد قوله.

    ويضيف أن “600 يوم من القتال لم تؤد إلى نتائج حاسمة، وكل ما تحقق حتى الآن هو مزيد من الدماء والجمود”.

    لا خطة للخروج

    من ناحية أخرى، قال آفي أشكنازي المراسل العسكري لصحيفة معاريف إن إسرائيل تعيش حالة من الضياع الاستراتيجي في حربها المستمرة منذ 600 يوم ضد حركة حماس.

    ولفت أشكنازي إلى أن الفشل ليس عسكريًا بقدر ما هو سياسي، وكتب في مقال نشر الأربعاء في الذكرى 58 لحرب يونيو/حزيران 1967 أن “إسرائيل، التي احتلت الشرق الأوسط في 6 أيام، لا تستطيع منذ ما يقارب السنةين هزيمة منظمة مسلحة ببنادق كلاشينكوف”.

    ورأى أشكنازي أن السلطة التنفيذية الإسرائيلية لا تعرف ماذا تريد من هذه الحرب، ولا تمتلك خطة خروج أو حتى مؤشرات حقيقية للنجاح، بل تسير في حرب بلا نهاية واضحة. ولفت إلى أن القوات المسلحة وأجهزة الاستقرار تمكنت من التعافي بعد صدمة 7 أكتوبر، لكنها تفتقر إلى التوجيه السياسي الواضح.

    وقال إن المأزق يتجلى في عجز القيادة السياسية عن تحديد ما إذا كانت إسرائيل تريد إنهاء حكم حماس في غزة، أو إعادة الاحتلال والاستيطان، أو الاكتفاء بردع مؤقت.

    في هذا السياق، أضاف أشكنازي أن “اليمين المتطرف يريد التمسك بالقطاع وتجديد الاستيطان فيه، بينما لا يوجد توافق على أهداف العملية، أو حتى اسم موحد لها”، حيث استُخدمت حتى الآن عشرات الأسماء المتناقضة لوصف الحملة.

    في مقارنة لافتة، لفت الكاتب إلى أن إسرائيل تقيم اليوم ذكرى انتصارها الساحق في حرب 1967، بينما تغوص في “مستنقع غزة” منذ ما يقارب عامين، دون أن تتمكن من تحرير 58 رهينة أو حتى تحديد موعد لإنهاء الحملة.

    وأضاف أن ما بدأ كحرب عادلة ضد ما وصفه بالاعتداء الدموي تحول إلى “مستنقع بلا أفق”، متوقعاً أن يستمر هذا الوضع حتى اليوم 700 وربما الألف، بلا اسم، وبلا نهاية، وبلا أفق سياسي.

    ضربة تاريخية وإسرائيل تعود للهزيمة مجددا

    يعرض الكاتب الإسرائيلي بن كسبيت في مقاله بصحيفة معاريف سرداً مفصلاً لما يعتبره إحدى أحلك الفصول في تاريخ إسرائيل، بدءًا من الهجوم المفاجئ لحماس في 7 أكتوبر، وصولاً إلى تعافي القوات المسلحة ومن ثم تعثر الدولة مجددًا بسبب قيادة نتنياهو، الذي ركز منذ البداية على البقاء السياسي بدلاً من استخلاص الدروس أو تصحيح المسار.

    ويصف بن كسبيت هجوم حماس بأنه “أسوأ هزيمة في تاريخنا”، مشيرًا إلى أن خطة “طوفان الأقصى” نجحت في تجاوز الدفاعات الإسرائيلية على النطاق الجغرافي مع غزة، واحتلال مواقع عسكرية، وقتل المئات من المدنيين والجنود، مما أثار حالة من الرعب الوجودي بين الإسرائيليين لم تشهدها البلاد منذ حرب الاستقلال.

    ويؤكد أن الخطر لم يكن في حجم الدمار أو عدد القتلى، بل في إدراك الإسرائيليين أن دولتهم ليست بمأمن، وأصبحت هشة أمام أعدائها.

    ورغم ذلك، يشير بن كسبيت إلى أن القوات المسلحة الإسرائيلي فاز بالسيطرة بعد ثلاثة أيام من الهجوم، واستعاد المناطق التي احتلها مقاتلو حماس، وبدأ مرحلة الرد والهجوم.

    بحسب الكاتب، حققت إسرائيل “انتصاراً حقيقياً” في الأسابيع التي تلت الهجوم، حيث تم القضاء على قادة حماس وتدمير جزء كبير من بنيتها التحتية، وخاصة الأنفاق، مع استمرار التفوق الجوي والعمليات داخل غزة.

    لكن هذا الزخم العسكري – بحسب بن كسبيت الذي يعرف بنقده اللاذع لنتنياهو – لم يتحول إلى إنجاز سياسي أو استراتيجي بسبب فشل القيادة السياسية، وتحديداً نتنياهو الذي استخدم الكارثة كفرصة لتعزيز بقائه في السلطة.

    ويرى الكاتب أن نتنياهو اجتمع في اليوم التالي للهجوم مع المقربين منه، ليس لمناقشة الرد أو إدارة الأزمة، بل لوضع “خطة البقاء السياسي”، وكيفية تحميل المسؤولية للآخرين وتجنب المحاسبة.

    يستهزئ بن كسبيت بمحاولات نتنياهو تحميل رئيس حزب الديمقراطيين يائير غولان أو مسؤولين آخرين المسؤولية، بينما تتحمل السلطة التنفيذية والاستخبارات والعسكر المسؤولية بسبب سياساته الطويلة الأمد. كما ينتقد استغلاله لانضمام رئيس حزب معسكر الدولة بيني غانتس وغادي آيزنكوت إلى السلطة التنفيذية بعد الهجوم، لتعزيز موقعه دون إحداث تغيير حقيقي في إدارة الدولة أو الحرب.

    ويعتبر الكاتب أن إسرائيل فقدت فرصة استراتيجية بعد نجاحها العسكري، حيث تراجعت على الأصعدة السياسية والدولية، في الوقت الذي كان فيه العالم العربي والدولي مستعداً للتقارب مع إسرائيل تحت زخم جديد تقوده الولايات المتحدة.

    ومع ذلك، فإن سياسات نتنياهو وتحالفه مع أقصى اليمين أفشلا هذه الفرصة، وجعلت من إسرائيل “دولة منبوذة” على حافة فرض العقوبات والاعتراف بالدولة الفلسطينية.

    ويختتم بن كسبيت مقاله بأن إسرائيل هزمت ثم انتصرت، لكنها تعود للهزيمة مرة أخرى بسبب قيادتها؛ أما نتنياهو فقد حقق هدفه الشخصي بالبقاء في الحكم، لكن على حساب الدولة ومؤسساتها ومستقبلها.

    الإرهاق يلف المواطنون

    في مقال يعبر عن إحباط متزايد داخل قطاعات من الرأي السنة الإسرائيلي – خاصة من استمرار الحرب دون نتائج حاسمة – تناولت الكاتبة كارني ألداد في صحيفة “يسرائيل هيوم” مرور 600 يوم على الحرب الجارية، معبرة عن الإرهاق العميق الذي يلف الجنود والمختطفين وعائلاتهم والداخل الإسرائيلي، بل والمواطنون الدولي بأسره، بينما تستمر المعارك دون أفق واضح لنهايتها، ودعات بما تسميه “صورة النصر” التي ترى أن الشعب الإسرائيلي يستحقها بعد هذه المعاناة الطويلة.

    وتصف ألداد الواقع الميداني والنفسي قائلة “الإرهاق يترك بصماته على جنودنا بشكل لا مثيل له، وعلى المختطفين وعائلاتهم، وعلى العائلات والجبهة الداخلية”، وهذا الإرهاق – برأيها – يعكس حجم الأزمة المستمرة، وسط غياب أي حسم واضح للحرب.

    وتنتقد الكاتبة التأخر في حسم المعركة، مستشهدة بأمثلة من التاريخ لتوضح ما يمكن تحقيقه خلال 600 يوم من الحرب، قائلة إن نابليون خلال فترة مماثلة “غزا النمسا وبروسيا وبولندا وأجزاء من ألمانيا، وغيّر خريطة أوروبا، وأسس إمبراطوريات ودول جديدة”.

    كما تشير إلى إنجازات يوليوس قيصر في بلاد الغال، حيث بسط النفوذ الروماني على مساحات واسعة خلال أقل من عامين.

    ثم تقارن ذلك بالحرب الحالية قائلة “صحيح أن العالم ليس هو نفسه، وليس لدينا الترتيب العسكري لتلك الجيوش، لكننا أيضاً لا نسعى إلى إقامة إمبراطورية، بل إلى أهداف واضحة وبسيطة: هزيمة حماس وإعادة الرهائن”.

    ورغم ذلك، فإن الكاتبة تتساءل بلهجة مشككة في القيادة الإسرائيلية “فكيف لم نحقق هذه الأهداف بعد؟ هل نسينا كيف ننتصر؟ هل تفتقر القيادة التي اعتادت على الجولات المحدودة إلى الخيال والقدرة على تصور نصر كامل؟”.

    وتتحدث الكاتبة عن رؤيتين داخل المؤسسة الاستقرارية: الأولى يتمثل في رئيس الأركان إيال زامير الذي يعتقد أن الحرب اقتربت من نهايتها بهزيمة العدو، والثانية عبر عنها القائد الجديد لجهاز الشاباك ديفيد زيني الذي يعتبر أن إسرائيل تخوض “حرباً أبدية”.

    وتشدد ألداد على أن “هذا الفصل من الحرب يجب أن ينتهي، وينتهي بشكل جيد”.

    وفي نهاية مقالها، توجه ألداد نداءً إلى السلطة التنفيذية الإسرائيلية “هذه الأمة تستحق صورة النصر، وتستحق أن تستريح قليلاً وتلعق جراحها، وأن تعيش في بلد سيكون هادئاً لمدة 40 عاماً، على الأقل حتى الجولة التالية”.


    رابط المصدر

  • الفلاحي: صواريخ الحوثي تسبّب اضطراباً لإسرائيل وتدلّ على تغيّر استراتيجي في قدراتها

    الفلاحي: صواريخ الحوثي تسبّب اضطراباً لإسرائيل وتدلّ على تغيّر استراتيجي في قدراتها


    لفت الخبير العسكري العقيد حاتم كريم الفلاحي إلى أن تصاعد الهجمات الحوثية على إسرائيل يشكل إرباكا عسكريا وسياسيا، ويعكس تطورًا نوعيًا في قدراتهم. منذ مارس الماضي، أطلق الحوثيون 41 صاروخًا و10 طائرات مسيرة، مما أظهر تصعيدًا مدروسًا. وقد استهدفت هذه الهجمات مناطق حساسة في العمق الإسرائيلي، مما أدى إلى آثار نفسية عميقة على السكان. رغم تطور الدفاع الجوي الإسرائيلي، فإن كثافة الهجمات تشكل تحدياً. الفلاحي اعتبر أن الحوثيين نجحوا في توسيع رقعة الاشتباك، مرسلين رسالة بأن معركتهم تشمل إسرائيل، مما أثر سلباً على صناعة الطيران والمالية الإسرائيلي.

    نوّه الخبير العسكري والإستراتيجي العقيد حاتم كريم الفلاحي أن وتيرة الهجمات الصاروخية التي يشنها الحوثيون على إسرائيل أصبحت تسبب إرباكا حقيقيا على الصعيدين العسكري والسياسي، كما تعكس تطورا نوعيا في القدرات العملياتية لجماعة أنصار الله.

    ولفت الفلاحي -خلال تحليله للموقف العسكري- إلى أن إطلاق 41 صاروخا منذ استئناف الحرب على قطاع غزة منتصف مارس/آذار الماضي، بالإضافة إلى 10 طائرات مسيرة، يوضح تصعيداً تدريجياً ومدروساً في الأداء القتالي للحوثيين لم يحدث من قبل منذ دخولهم المواجهة.

    كما أضاف أن الحوثيين مروا بمراحل تصعيد متتالية بدأت بفرض حظر بحري على السفن المتوجهة نحو إسرائيل، ثم الانتقال لاستهداف السفن العسكرية، بما في ذلك السفن الأميركية، وصولاً إلى قصف العمق الإسرائيلي بواسطة صواريخ وطائرات مسيرة بعيدة المدى.

    وجاءت تصريحات الفلاحي بعد ساعات من إعلان القوات المسلحة الإسرائيلي اعتراضه صاروخاً أُطلق من اليمن باتجاه المناطق الوسطى، وهو الهجوم الثاني من نوعه خلال أقل من 3 ساعات، بعد إطلاق صاروخ آخر استهدف منطقة القدس، وفق الرواية الرسمية.

    ووفقاً لتصريحات الجبهة الداخلية الإسرائيلية، تم تفعيل صفارات الإنذار في مناطق وسط إسرائيل وبعض المستوطنات في الضفة الغربية، مما يعكس اتساع نطاق القصف الحوثي وتأثيره على الجبهة الداخلية الإسرائيلية.

    وأفاد العقيد الفلاحي بأن طبيعة هذه الصواريخ، مثل “فلسطين 2” و”ذو الفقار”، بالإضافة إلى الطائرات المسيرة “يافا” و”وعيد”، تدل على مدى تطور الصناعات العسكرية لدى الحوثيين، وقدرتهم على إيصال نيرانهم إلى مناطق حساسة داخل العمق الإسرائيلي.

    إرباك أمني وآثار نفسية

    ولفت إلى أن هذه الصواريخ لا تسبب إرباكا أمنيا فحسب، بل تترك أيضاً آثارا نفسية عميقة، حيث تُجبر ملايين الإسرائيليين على اللجوء إلى الملاجئ، مما يزيد الضغط على الرأي السنة الداخلي ويخلق حالة من الخوف الجماعي.

    وأضاف أن أنظمة الدفاع الجوي الإسرائيلية، رغم تنوعها مثل القبة الحديدية و”حيتس 2″ و”حيتس 3″ و”مقلاع داود”، تواجه تحديات جادة في التعامل مع هذه الأنماط الجديدة من التهديدات، خاصة مع الاستهدافات التي تتم من آلاف الكيلومترات.

    وأوضح أن منظومتي “حيتس 2″ و”حيتس 3” تعتبران الأكثر تطوراً في مواجهة الصواريخ الباليستية خارج الغلاف الجوي، بمدى يصل إلى حوالي 2400 كيلومتر، ولكن كثافة الإطلاقات تجعل أي استجابة دفاعية مكلفة ومجهدة.

    كما لفت إلى أن الأثر الماليةي لا يقل أهمية، إذ أسفرت هذه الهجمات عن تراجع بعض شركات الطيران العالمية عن تشغيل رحلات إلى إسرائيل، مما يؤثر سلباً على صورة تل أبيب الماليةية والسياسية في المواطنون الدولي.

    واعتبر الفلاحي أن وصول بعض الصواريخ إلى المناطق القريبة من مطار بن غوريون في تل أبيب، كما حدث في السابق، يمثل صدمة أمنية، مما دفع المؤسسة العسكرية الإسرائيلية إلى تعديل طريقة تعاملها مع هذه التهديدات وزيادة التنسيق بين أنظمتها الدفاعية المختلفة.

    توسيع رقعة الاشتباك

    رأى الفلاحي أن الحوثيين تمكنوا من توسيع رقعة الاشتباك وفرض معادلة ردع جديدة، مما يعكس تحولاً نوعياً في استراتيجيتهم، ورسالة واضحة مفادها أن معركتهم لم تعد مقتصرة على اليمن أو البحر الأحمر بل تشمل العمق الإسرائيلي بنفـسه.

    تضامناً مع غزة، تستهدف جماعة الحوثي بانتظام إسرائيل، وخاصة مطار بن غوريون الدولي، مما دفع العديد من شركات الطيران إلى تعليق عملياتها في إسرائيل.

    كما أغارت إسرائيل على اليمن، بما في ذلك غارة في السادس من مايو/أيار الجاري، مما أدى إلى تضرر المطار القائدي في العاصمة صنعاء ومقتل عدد من المدنيين اليمنيين.

    مع ذلك، استمرت جماعة أنصار الله في إطلاق الصواريخ نحو العمق الإسرائيلي واستهداف السفن المرتبطة بها في البحر الأحمر.

    وترتبط الجماعة وقف هجماتها على إسرائيل بوقف الحرب التي يشنها الاحتلال على قطاع غزة بدعم أميركي منذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023.


    رابط المصدر