الوسم: أفغانستان

  • 40% من العمال في أفغانستان هم أطفال.. والفتيات يعملن في صمت.

    40% من العمال في أفغانستان هم أطفال.. والفتيات يعملن في صمت.


    في سوق “مندوي” بكابل، يعمل الطفل عبد الرؤوف، 12 عامًا، كمعيل لعائلته المكونة من خمسة أفراد بسبب مرض والده. يمثل هذا الوضع مأساة ملايين الأطفال الأفغان الذين يجبرهم الفقر على العمل في ظروف خطرة. تشهد البلاد ارتفاعًا في عدد الأطفال السنةلين، حيث تقدر اليونيسيف أن حوالي 1.6 مليون طفل يعملون في مهن شاقة. تساهم الضغوط الماليةية، نتيجة تجميد الأصول والمساعدات، في هذه الظاهرة. ومع تصاعد التحديات، تستمر منظمات محلية في تقديم الدعم المنظومة التعليميةي والتدريبي للأطفال، لكن الجهود تبقى غير كافية لمواجهة أزمة عميقة تهدد مستقبلهم.

    كابل- في القطاع التجاري المزدحم “مندوي” وسط العاصمة الأفغانية كابل، يجلس عبد الرؤوف خليلي (12 عامًا) أمام إطار دراجة نارية، محاولًا إصلاحه باستخدام أدوات قديمة بينما الزيت يغطي يديه الصغيرتين.

    يقول للجزيرة نت “أعمل منذ 3 سنوات. والدي مريض، وأنا المعيل الوحيد لأسرتي المكونة من 5 أفراد. إذا توقفت، لن نجد ما نأكله”. هذا المشهد هو في الحقيقة واقع ملايين الأطفال في أفغانستان، حيث يدفع الفقر المدقع، والانهيار الماليةي، وتراجع المساعدات الدولية بعد عودة دعاان إلى الحكم في أغسطس/آب 2021، الأطفال إلى سوق العمل في سن مبكرة، في مهن شاقة وخطرة، وسط غياب الحماية القانونية وتدهور المنظومة التعليمية.

    ظاهرة متفاقمة بلا إحصاءات رسمية

    في اليوم العالمي لمكافحة عمل الأطفال -12 يونيو/حزيران- اعترفت السلطة التنفيذية الأفغانية بعدم توفر إحصاءات دقيقة عن عدد الأطفال السنةلين. لكن المتحدث باسم وزارة العمل والشؤون الاجتماعية الأفغانية سميع الله إبراهيمي أوضح للجزيرة نت أن “الوزارة تدرك انتشار العمالة الشاقة للأطفال، وهي غير قانونية، ويجب التصدي لها”.

    وأضاف: “الموارد الحالية لا تكفي لتحديد جميع الأطفال السنةلين، لذا ندعا المؤسسات الدولية بالتعاون ومشاركة المسؤولية”.

    ونوّه إبراهيمي للجزيرة نت أن مفتشي الوزارة يزورون المناطق التي يعمل فيها الأطفال في ظروف شاقة، ويصدرون تعليمات لأرباب العمل، مع اتخاذ إجراءات قانونية إن تكررت المخالفات. كما كشف أن الوزارة أنشأت دور رعاية في 15 ولاية، استقبلت أكثر من 40 ألف طفل يتيم أو بدون إشراف خلال السنوات الأربع الماضية، موفرة المنظومة التعليمية، والرعاية الصحية، والسكن، والغذاء. لكنه أقر بأن هذه الجهود “لا تكفي لمواجهة حجم المشكلة”، مشيرًا إلى أن الفقر المنتشر يعيق التقدم.

    هذه الأرقام، وإن بدت مجرّدة، تكشف قصص الأطفال من الميدان الأثر المأساوي لغياب البدائل.

    وتشير تقديرات حديثة لمنظمة اليونيسيف في عام 2023 إلى أن حوالي 1.6 مليون طفل (5-17 سنة) يعملون في أفغانستان، في مهن تشمل بيع المناديل، وتنظيف السيارات، والعمل في ورش الحدادة، وتصنيع السجاد، ومصانع الطوب. وفي ولاية هرات (غرب البلاد) يروي أحمد نويدي (13 عامًا) “أعمل 12 ساعة يوميًا في سوق الخردة لجمع المعادن، أكسب 50 أفغانيا (0.71 دولار بناءً على سعر الصرف 70.30 أفغانيا للدولار)، لكن الجروح والإصابات جزء من يومي”.

    وتؤكد منظمات محلية أن عودة حوالي 500 ألف لاجئ من إيران وباكستان منذ 2023، خاصة إلى ولايتي هرات وننغرهار، زادت الضغط الماليةي على الأسر، مما دفع المزيد من الأطفال إلى العمل بزيادة تقدر بنسبة 15% في المناطق النطاق الجغرافيية وفق تقرير اليونيسيف لعام 2024.

    عبدالبصير حنظلة، باحث في الشؤون الاجتماعية، يسلط الضوء على الأسباب العميقة لعمل الأطفال في أفغانستان، بين أزمة اقتصادية وغياب ال
    يسلط الباحث في الشؤون الاجتماعية عبد البصير حنظلة الضوء على الأسباب العميقة لعمل الأطفال في أفغانستان (الجزيرة)

    الفقر: المحرك الأساسي لعمل الأطفال

    يرتبط تفاقم عمل الأطفال ارتباطًا وثيقًا بالأزمة الماليةية التي بدأت بتجميد 9 مليارات دولار من الأصول الأفغانية في البنوك الغربية عام 2021، وتوقف المساعدات الدولية التي كانت تشكل 75% من ميزانية السلطة التنفيذية السابقة. ويقول الباحث في الشؤون الاجتماعية والأستاذ السابق بجامعة كابل عبد البصير حنظلة للجزيرة نت: إن “انخفاض قيمة الأفغاني من 80 إلى 70.30 للدولار بين 2021 و2025، وارتفاع أسعار المواد الغذائية بنسبة 40% وفق برنامج الأغذية العالمي، جعلا الأسر غير قادرة على تلبية احتياجاتها الأساسية”.

    ويضيف حنظلة أن “معدل البطالة بين البالغين يصل إلى 25% وفق تقديرات الأمم المتحدة لعام (2023)، مما يجبر الأطفال على أن يصبحوا المعيلين القائديين”. ويشير تقرير منظمة العمل الدولية لعام 2023 إلى أن العديد من الأطفال السنةلين يعانون من إصابات متكررة أو أمراض مزمنة، مثل التهابات الرئة بسبب الغبار في مصانع الطوب أو مناجم الفحم.

    وتفاقمت الأزمة بسبب ارتفاع الأسعار، حيث أصبح سعر كيلو الدقيق في كابل يتجاوز 40 أفغانيا (0.57 دولار) في 2025 مقارنة بـ25 أفغانيا في 2020. أما تكاليف الإيجار في المدن الكبرى، مثل كابل وهرات، تراوح بين ألفين-3 آلاف أفغاني شهريًا (28-42 دولارًا)، وهو عبء ثقيل على الأسر التي تعتمد على دخل الأطفال. ويشير تقرير برنامج الأغذية العالمي لعام 2024 إلى أن 70% من الأسر الأفغانية قلَّصت وجباتها اليومية إلى واحدة أو اثنتين.

    تأثير تغير المناخ على عمل الأطفال

    يفاقم تغير المناخ معاناة الأطفال السنةلين، خاصة في المناطق الريفية، إذ يشير تقرير الأمم المتحدة في عام 2024 إلى أن الجفاف المتكرر في محافظات مثل بادغيس وغور أدى إلى انخفاض الإنتاج الزراعي بنسبة 30% منذ 2021، مما دفع العديد من الأسر الريفية إلى الهجرة إلى المدن الكبرى.

    وفي هرات، أفادت منظمات محلية بأن الأطفال المهاجرين من المناطق المتضررة بالجفاف يشكلون 20% من السنةلين في أسواق الخردة والورش.

    تأثير العمل على المنظومة التعليمية

    ووفقًا لليونيسيف في 2023، يهدد عمل الأطفال صحتهم النفسية والجسدية ومستقبلهم المنظومة التعليميةي. وتوضح منسقة برامج حماية الطفل في اليونيسيف بأفغانستان سميرة حسيني للجزيرة نت أن “أكثر من 7.8 ملايين طفل خارج المدارس، وكثير منهم يعملون في ظروف خطرة تعرضهم للإصابات، وتؤثر على نموهم النفسي”.

    وفي ضواحي العاصمة كابل، يؤكد سيف الرحمن فضلي، مدير مدرسة “امت” الابتدائية، “نفقد تلاميذ كل أسبوع بسبب انضمامهم إلى سوق العمل. حوالي 30% من طلاب ضواحي كابل يعملون بعد الدوام أو يتغيبون نهائيا”.

    أما تقرير اليونيسيف، فهو يشير بدوره إلى أن التسرب المدرسي ارتفع بنسبة 25% منذ 2021، خاصة في المناطق الحضرية. وتشير تقديرات أخرى إلى أن الأطفال السنةلين يفقدون من 3 إلى 4 سنوات دراسية في المتوسط، مما يرفع معدلات الأمية بين الأطفال دون 15 سنة.

    عبدالرؤوف خليلي، 12 عامًا، يعمل وسط أدوات ثقيلة في ورشة لإصلاح الدراجات النارية في كابل. بينما يُفترض أن يكون في المدرسة، تجبره ظروف
    يعمل عبدالرؤوف خليلي البالغ من العمر 12 عامًا وسط أدوات ثقيلة في ورشة لإصلاح الدراجات النارية في العاصمة كابل (الجزيرة)

    الفتيات: ضحايا مضاعفون

    تواجه الفتيات تحديات إضافية تجعل عمل الأطفال بالنسبة لهن أكثر قسوة وأقل وضوحًا. ففي مدينة مزار شريف عاصمة ولاية بلخ شمالي أفغانستان، تعمل فاطمة نوابي (12 عامًا) في حياكة السجاد داخل منزلها لساعات طويلة دون أجر مباشر. تقول بحزن: “كنت أحلم بأن أصبح معلمة، لكن المدارس ممنوعة الآن، والعمل هو كل ما أملك”.

    وتشير اليونيسيف إلى أن حوالي 40% من الأطفال السنةلين فتيات، يعملن غالبًا في أعمال منزلية أو حرفية غير مدفوعة الأجر مثل الحياكة والتطريز بسبب حظر المنظومة التعليمية الثانوي منذ 2021.

    وتوضح زينب ناصري، وهي باحثة في شؤون النساء والطفولة، أن “الفتيات يعملن في الخفاء داخل المنازل، مما يجعل توثيق معاناتهن صعبًا”.

    أما تقرير منظمة “نساء من أجل أفغانستان” الصادر سنة 2024، فيشير إلى أن الفتيات السنةلات يعانين من الإجهاد المزمن، وآلام المفاصل، والاكتئاب، مع زيادة احتمال تعرضهن للزواج المبكر (28% من الفتيات دون 15 سنة متزوجات).

    وقبل عام 2021، دعمت منظمات مثل اليونيسيف، وبرنامج الأغذية العالمي، و”أنقذوا الأطفال” برامج للحد من عمل الأطفال عبر التغذية المدرسية، والمنح المالية، ومراكز التأهيل المهني.

    أما تقرير منظمة العمل الدولية الصادر سنة 2023، فيشير إلى زيادة 20% في عمل الأطفال بالمناطق الحضرية منذ 2020 بسبب نقص الدعم.

    ورغم أن قوانين العمل الأفغانية تحظر تشغيل الأطفال دون 14 سنة وتمنع عملهم في مهن خطرة، فإن تطبيقها شبه معدوم. ويقول المحامي بشير أحمد كوهستاني للجزيرة نت إن “الإطار القانوني موجود منذ عقود، لكنه غير مفعل بسبب ضعف المؤسسات، ونقص الموارد، وغياب آليات الرقابة. حيث تُفتش أقل من 5% من حالات عمل الأطفال”. ويشير مراقبون إلى أن الوزارة لا تملك سوى عدد محدود من المفتشين لتغطية الولايات الـ34، مما يجعل الرقابة غير فعالة.

    أحمد نويدي، طفل من هرات يعمل في جمع الخردة.. تعب الطفولة يُختصر في كيس ثقيل ووجه متعب.
    يضطر الطفل الأفغاني أحمد نويدي المقيم في هرات للعمل في جمع الخردة لتأمين دخل يكفي لسد رمق أسرته (الجزيرة)

    حلول ممكنة وسط التحديات

    وتتطلب مواجهة عمل الأطفال نهجًا متعدد الأبعاد. ففي ولاية باميان وسط أفغانستان، نجحت منظمة محلية بالتعاون مع اليونيسيف في إعادة 500 طفل إلى المدارس عبر منح 8 دولارات شهريًا. وفي ولاية هرات، يتلقى 200 طفل تدريبا مهنيا في النجارة والخياطة. وفي جلال آباد، عاصمة ولاية ننغرهار شرقي أفغانستان، تدعم منظمة “نساء من أجل أفغانستان” 150 طفلا، معظمهم فتيات، ببرامج تعليمية.

    وفي ولاية بلخ، بدأت منظمة محلية برنامجا لتأهيل 100 طفل عامل في أسواق مزار شريف، مع منح مالية لأسرهم.

    وتقترح زينب ناصري إنشاء مراكز تعليمية مجتمعية للفتيات في ولايات مثل قندهار وبادغيس، مع دعم نفسي للأطفال السنةلين. وتدعو منظمات إنسانية إلى إعادة تخصيص جزء من الأصول المجمدة (9 مليارات دولار) لدعم برامج الأطفال، واقتراح صندوق دولي مشابه لبرامج الدعم النقدي في الأردن، التي قللت عمل الأطفال بنسبة 30% وفق منظمة العمل الدولية في 2023.

    وفي بلد يعاني من فقر يطال 90% من سكانه، يُدفع الأطفال إلى جبهات العمل بدلاً من مقاعد الدراسة، مما ينذر بجيل مهدد بالأمية والتهميش. وفي ظل الأزمات المستمرة، يبقى مستقبل الأطفال مرهونًا بقرارات الكبار.. بين من يملك المال، ومن يملك القرار.


    رابط المصدر

  • لماذا انحاز الغرب نحو سوريا وتراجع عن دعم أفغانستان؟

    لماذا انحاز الغرب نحو سوريا وتراجع عن دعم أفغانستان؟


    مقال في مجلة أميركية يستعرض الاختلاف الشديد في تعامل الغرب مع سوريا وأفغانستان عام 2025. رغم ارتباط الدولتين بالتشدد الإسلامي، تُحظى سوريا بدعم دبلوماسي بينما تُعاني أفغانستان تحت حكم دعاان. يبرز الكاتب آدم وينشتاين خمسة أسباب لهذا التباين، منها إعادة تأهيل النظام الحاكم السوري تحت قيادة أحمد الشرع وتراجع عزلة دعاان. يشير إلى أن الصورة السنةة والسياسات الماليةية تلعب دورًا في هذا الفرق. بينما تعود سوريا للغة الدبلوماسية، تظل دعاان معزولة. المقال ينبه إلى أهمية المواقف الاستراتيجية والتاريخية في تحديد كيفية تعامل الغرب مع الدولتين.

    يعرض مقال في مجلة أميركية التناقض الواضح في طريقة تعامل الغرب -وخاصة الولايات المتحدة- مع كل من سوريا وأفغانستان في عام 2025. فرغم أن كلا البلدين يعانيان من المواجهةات وارتبطا سابقاً بالتشدد الإسلامي، إلا أن سوريا تحظى باحتضان دبلوماسي، في حين تبقى أفغانستان تحت حكم دعاان بشكل مُعزول.

    الكاتب آدم وينشتاين، في مقال له بمجلة فورين بوليسي الأميركية، يسعى لتفسير أسباب هذا التباين في النهج الغربي تجاه السلطة التنفيذية السورية الجديدة وحركة دعاان الأفغانية.

    يحدد المحلل السياسي ونائب مدير برنامج الشرق الأوسط في معهد كوينسي خمسة نقاط رئيسية لتوضيح هذا التباين وأسبابه والدروس المستفادة منه:

    • أولاً: إعادة تأهيل سوريا المفاجئة

    استقبل القادة الغربيون القائد السوري الجديد أحمد الشرع، المعروف سابقًا كأبي محمد الجولاني، حيث كان يتزعم هيئة تحرير الشام (فرع القاعدة) في سوريا.

    التقى الشرع بزعماء عالميين، بما في ذلك القائدين الفرنسي إيمانويل ماكرون والأميركي دونالد ترامب، وحظي باستحسان في الأوساط الدبلوماسية، وشهدت سوريا عودتها إلى الساحة الدولية.

    كما تعهد ترامب برفع العقوبات عن سوريا وتطبيع العلاقات معها، على الرغم من ماضي الشرع، الذي يبدو أنه أعاد صياغة نفسه من جهادي يرتدي زيًا عسكريًا إلى مثقف ورجل دولة يرتدي بزات رسمية.

    • ثانياً: تفاقم عزلة أفغانستان

    أفغانستان، التي كانت قد أُعفيت سابقاً من حظر السفر الذي فرضه ترامب عام 2017، أصبحت الآن ضمن النسخة الأحدث، بينما أُعفيت سوريا من قائمة الممنوعين من دخول الولايات المتحدة.

    ورغم رغبتها في الانفتاح على الدبلوماسية، فإن دعاان لا تزال مُنبوذة من قِبل القوى الغربية، خاصة بعد عودتها إلى السلطة في عام 2021.

    هذا الوضع يُهدد الشركاء الأفغان السابقين ويُعزز المخاوف الإنسانية في البلاد.

    • ثالثاً: لماذا هذا التفاوت؟

    1. التاريخ والصدمة النفسية

    جماعة الشرع (هيئة تحرير الشام) ليست مرتبطة مباشرة بالصدمة النفسية التي سببتها هجمات 11 سبتمبر، بخلاف حركة دعاان.

    كما أن دمشق لا تتحمل العبء العاطفي لفقدان القوات الأميركية في أفغانستان، حيث قُتل أكثر من ألفي جندي أميركي، بخلاف كابل.

    2. الصورة والمنظور السنة

    يتناقض التحول المُدروس لصورة الشرع مع الصورة القاسية والمتشددة لقيادة دعاان.

    ففي سوريا، لا تزال النساء تُشاركن علنًا، بينما حظرت دعاان تعليم الفتيات وقيّدت مشاركة النساء في الحياة السنةة.

    3. سياسات الشتات

    يُعارض الشتات الأفغاني في الغرب حركة دعاان، ويدعو لاستمرار عزلتها، بينما يدفع الشتات السوري، رغم أنذره، نحو مزيد من الانفتاح في التعامل مع حكومة الشرع.

    4. الأهمية الإستراتيجية

    تتمتع سوريا بموقع جيوسياسي مهم، حيث تحدها إسرائيل وتركيا والبحر الأبيض المتوسط، مما يجعلها أكثر أهمية بالنسبة للغرب. وتُعتبر سوريا أيضًا وكيلًا لإيران ومصدرًا للاجئين إلى أوروبا، بالإضافة إلى وجود قواعد عسكرية روسية فيها. بينما بالرغم من الأهمية التاريخية لأفغانستان، فإن الغرب “تخلى” عنها في نهاية المطاف.

    تظل أهمية سوريا بالنسبة لروسيا وإيران وإسرائيل سببًا في بقائها على رادار الغرب، بينما أفغانستان، رغم مركزيتها السابقة في الحرب ضد التطرف، تُعتبر الآن دولة هامشية.

    • رابعاً: الولايات المتحدة والتحولات الدبلوماسية العالمية

    بدأت فرنسا وألمانيا وروسيا بالفعل التعاون مع سوريا، وبدأت الولايات المتحدة تلاحق هذا الاتجاه، معبرةً عن استعدادها لتطبيع العلاقات من خلال:

    – تعيين توماس باراك سفيرًا لدى تركيا ومبعوثًا خاصًا إلى سوريا.
    – تخفيف العقوبات والإشادة بجهود الشرع في تحقيق الاستقرار.

    يُعتبر الانخراط مع الشرع اختبارًا محتملًا لمدى قدرة الدبلوماسية المبكرة على تهدئة الأنظمة بشكل أفضل من نهج العقوبات والعزل.

    لقد حصلت كل من سوريا الشرع وحركة دعاان على السلطة من خلال ملء فراغات حكومات فاشلة، وليس من خلال الاعتراف الدولي، ومع ذلك، يظل هناك اختلاف في الاعتراف والشرعية؛ فقد نجح الشرع في جذب الغرب بينما لم تنجح دعاان.

    يشير المقال إلى أن دعاان يمكن أن تستفيد من براغماتية الشرع، ويدعو واشنطن لتبني نهج متسق تجاه دعاان إذا أثبت التعاون مع سوريا فعاليته.

    وأخيرًا، يرى الكاتب أن المعاملة المختلفة لسوريا وأفغانستان تبرز أن الموقف الشعبي والقيمة الإستراتيجية والارتباطات التاريخية تشكل أساس الانخراط الغربي أكثر من الأيديولوجية أو نماذج الحكم، ومن ثم يراهن الغرب على المشاركة المبكرة مع سوريا كوسيلة لتحقيق الاستقرار، ويبقى أن نرى ما إذا كان هذا الرهان سينجح، وما إذا كانت أفغانستان ستظل منبوذة.


    رابط المصدر

  • أفغانستان تُعلن عن عفو عام للمساعدين الأمريكيين والغربيين

    أفغانستان تُعلن عن عفو عام للمساعدين الأمريكيين والغربيين


    صرحت حكومة دعاان عفواً شاملاً عن كل من تعاون مع القوات المسلحة الأميركي والغرب، داعية الأفغان الراغبين في الهجرة إلى العودة إلى بلادهم. جاء ذلك بعد فرض الولايات المتحدة قيوداً على سفر رعايا 12 دولة، منها أفغانستان. في كلمة بمناسبة عيد الأضحى، نوّه رئيس الوزراء حسن أخوند أن العائدين، حتى لو عملوا مع القوات الأميركية، سيحظون بالحماية. وتعهد بأن عودتهم لن تواجه أي إساءة. يذكر أن دعاان قد صرحت عفواً سابقاً عن المتعاونين مع السلطة التنفيذية المدعومة من الغرب بعد استعادة السلطة عام 2021، وسط تدفق كبير للاجئين بسبب مخاوف الانتقام.

    علنت حكومة دعاان في أفغانستان اليوم السبت عن عفو شامل لكل من تعاون سابقاً مع القوات المسلحة الأميركي والدول الغربية، كما دعت الأفغان الراغبين في الهجرة إلى الولايات المتحدة للعودة إلى بلادهم بعد أن شددت واشنطن شروط دخولها.

    وأفصح القائد الأميركي دونالد ترامب الأربعاء الماضي عن منع رعايا 12 دولة من دخول الولايات المتحدة، بما في ذلك أفغانستان، وفرض قيودًا على سفر رعايا 7 دول أخرى، في خطوة تبرر برغبته في “حماية” مواطنيه من “إرهابيين أجانب”.

    ردًا على هذا الحظر، دعا رئيس الوزراء حسن أخوند اليوم السبت الأفغان للعودة إلى وطنهم، مؤكدًا أنهم سيحظون بحماية حتى لو تعاونوا مع القوات التي قادتها الولايات المتحدة في الحرب التي استمرت لعقدين ضد دعاان.

    وقال أخوند -في كلمة بمناسبة عيد الأضحى التي بثتها وسائل الإعلام الرسمية- “أقول لأولئك الذين يشعرون بالقلق من أن الولايات المتحدة قد أغلقت أبوابها أمام الأفغان: عودوا إلى بلادكم، حتى لو خدمتم الأميركيين لمدة 20 أو 30 عامًا لتحقيق أهدافهم، ودمرتم النظام الحاكم الإسلامي”.

    وأضاف “لن تواجهوا أي إساءة أو مشكلة”، مؤكدًا أن القائد الأعلى لدعاان هبة الله أخوندزاده “منح العفو للجميع”.

    بعد استعادتها للسلطة في عام 2021، صرحت دعاان عن عفو عام للأفغان الذين تعاونوا مع القوات الأفغانية والسلطة التنفيذية المدعومة من الغرب.

    فرّ الأفغان بأعداد كبيرة إلى الدول المجاورة خلال عقود من النزاعات، لكن الانسحاب الفوضوي للقوات الغربية بقيادة الولايات المتحدة أدى إلى موجة جديدة من النازحين خارج البلاد نتيجة مخاوف من رد فعل انتقامي من دعاان بسبب التعاون مع واشنطن.


    رابط المصدر

  • تزايد معاناة السكن غير المنظم في أفغانستان نتيجة الفقر والعزلة العالمية

    تزايد معاناة السكن غير المنظم في أفغانستان نتيجة الفقر والعزلة العالمية


    تتفاقم أزمة البناء العشوائي في أفغانستان، خصوصًا بعد عودة دعاان للحكم في 2021. يتزايد عدد المنازل الطينية على سفوح الجبال حول كابل ومدن أخرى، حيث يعيش مئات الآلاف في ظروف قاسية تفتقر للخدمات الأساسية مثل الماء والكهرباء. يضطر المواطنون كالسنةل الحكومي محمد طاهر إلى بناء منازل في مناطق خطرة بسبب ارتفاع تكاليف الإيجار. تُعاني السلطة التنفيذية من غياب الدعم الدولي والعقوبات المفروضة، ما يعقد جهودها لتنظيم هذه الأحياء. الخبراء يؤكدون أهمية التخطيط الحضاري الشامل والتعاون الدولي لحل هذه التحديات الماليةية والبيئية.

    كابل- تعتبر المناطق الجبلية المحيطة بالعاصمة الأفغانية كابل ومدن أخرى كـ مزار شريف وهرات وجلال آباد وقندهار، موطناً لمنازل طينية بسيطة تم بناؤها بواسطة أيادٍ محلية، تفتقر إلى أبسط مقومات الحياة الحديثة، مثل المياه والكهرباء وطرق معبدة تصل هذه التجمعات، التي أصبحت ملاذاً لمئات الآلاف من الأفغان الذين اضطروا للانتقال من الأحياء المنظمة بحثاً عن مساكن أرخص على المنحدرات الجبلية، مما يجعل حياتهم معرضة للمخاطر اليومية.

    لقد تفاقمت ظاهرة البناء العشوائي بشكل ملحوظ خلال السنوات الأخيرة على إثر عودة حركة دعاان إلى السلطة في أغسطس/آب 2021. هذه الظاهرة ليست جديدة، فقد وجدت خلال السلطة التنفيذية السابقة، لكنها زادت بحدة في ظل الأزمة الماليةية والعزلة الدولية الراهنة.

    رغم الخطر

    في حي “قلعة فتح الله” الجبلي شرق كابل، يشارك محمد طاهر، موظف حكومي، قصته مع الجزيرة نت حيث قال: “استأجرت بيتاً وسط المدينة بـ70 دولاراً شهرياً، وهو ما يتجاوز راتبي، لذا اضطُرِرت لشراء قطعة أرض صغيرة على سفح الجبل وبناء منزل طيني، ولا توجد طرق تؤدي إليه، وعلينا أن نحمل المياه على ظهورنا يومياً”.

    قصة طاهر ليست حالة منفردة، بل تعكس نمط حياة يعيشه مئات الآلاف من الأفغان الذين لجأوا إلى الجبال هرباً من ارتفاع تكاليف المعيشة وانخفاض رواتبهم.

    وفي المنطقة 15 من كابل، تم بناء أكثر من 39 ألف منزل عشوائي، وأعداد كبيرة منها تقع على سفوح الجبال، خاصة جبل “خواجه بغرا”، حيث سجل نحو 6 آلاف منزل، أما المنطقة 13 (دشت برتشي) غرب العاصمة، فقد شهدت توسعاً ملحوظاً في البناء العشوائي.

    وفقاً لتصريحات رئيس المنطقة، فإن “حوالي 70% من مدينة كابل مبنية بشكل غير منظم”، مما يفرض تحديات كبيرة أمام تقديم خدمات أساسية مثل المياه والكهرباء والطرق.

    وسط الصخور الحادة والطرق الوعرة، يقف محمد طاهر على جبل يشرف على العاصمة كابل، شاهداً على معاناة يومية يعيشها آلاف السكان في الأحياء الجبلية المح
    محمد طاهر دفعه الفقر وغلاء تكلفة الاستئجار للسكن فوق سفوح الجبال (الجزيرة)

    تهديدات متواصلة

    أدى استيلاء دعاان على الحكم إلى تفاقم الأزمة، بسبب تجميد الأصول الأجنبية للبنك المركزي الأفغاني وفرض عقوبات على أعضاء السلطة التنفيذية، إضافة إلى تعليق معظم المساعدات الدولية التي كانت تمثل العمود الفقري للاقتصاد. أدى توقف دعم المؤسسة المالية الدولي والمانحين إلى شلل مشاريع البنية التحتية وبرامج الإسكان، مما زاد من اعتماد المواطنين على أنفسهم بوسائل بدائية.

    يقول خبير التنمية الحضرية عبد الله رضايي، للجزيرة نت: “غياب سياسة إسكان واضحة، وانعدام خرائط حديثة للمدن، وتدهور القدرات المالية للحكومة، سمح بانتشار البناء العشوائي دون ضوابط. والمشكلة لم تبدأ مع دعاان، بل كانت موجودة خلال السلطة التنفيذية السابقة التي فشلت في إيجاد حلول جذرية بسبب الفساد وسوء الإدارة”.

    ويضيف رضايي: “الأزمة الحالية تعقدت أكثر نتيجة العقوبات وغياب الدعم الدولي”.

    منازل على سفوح الجبال بلا خدمات وسط ضائقة اقتصادية وعزلة دولية
    يواجه سكان السفوح معاناة كبيرة وفقرا وعدم توفر الخدمات الأساسية (الجزيرة)

    تعاني سكان الأحياء العشوائية من نقص واضح في الخدمات الأساسية، بالإضافة إلى تهديدات بيئية خطيرة. وفقاً لبيانات بلدية كابل، فقد تم بناء آلاف المنازل فوق سفوح جبال العاصمة، مما يعرض القاطنين لمخاطر الانهيارات الأرضية والفيضانات، حيث تسقط الصخور في الشتاء وتهدد الأمطار الغزيرة صيفاً بتدمير البيوت الطينية الهشة.

    يقول جلال الدين تيمور، أحد السكان في منطقة جبلية بجلال آباد: “كل شتاء نعيش في خوف من انهيار الجبل، ولا توجد جدران دعم أو قنوات لتصريف المياه، ونعتمد على إمكانياتنا المحدودة لإصلاح المنازل”.

    وفي إقليم بكتيكا، أظهر زلزال عام 2022 هشاشة هذه التجمعات، حيث أدى إلى مقتل أكثر من ألف شخص وإصابة 1500 آخرين، معظمهم من سكان المنازل الطينية العشوائية.

    جهود محدودة

    تعترف السلطات الأفغانية بمشكلة البناء العشوائي، لكن الإمكانيات المحدودة تعيق أي تقدم فعلي.

    وأوضح مصدر من وزارة التنمية الحضرية، للجزيرة نت، أن “السلطة التنفيذية تعمل على إجراء إحصاء شامل للمناطق العشوائية في كابل والمدن الكبرى، بهدف تقنين الأوضاع وتوفير الحد الأدنى من الخدمات مثل المياه والصرف الصحي”. ومع ذلك، اعترف بأن “الموارد المالية واللوجستية محدودة للغاية، مما يجعل هذه الجهود عملية بطيئة ومتعثرة”.

    في حين قال المتحدث باسم بلدية كابل نعمة الله باركزي إن “البلدية تبذل جهدها لضبط المخالفات وتنظيم النمو العمراني ضمن الإمكانيات المتاحة”، حيث منعت خلال الأشهر الخمسة الماضية بناء 34 مبنى عشوائياً، وأوقفت أعمال البناء في 77 آخرين بسبب مخالفات فنية، كما أشرفت هندسياً على أكثر من 1240 مبنى بأنحاء العاصمة.

    أضاف باركزي أن “البلدية أنجزت خلال السنوات الثلاث الماضية شق 260 كيلومتراً من الطرق داخل كابل، وتسعى لتوسيع هذه المشاريع رغم التحديات المالية”، مشيراً إلى أن مشروع “كابل الجديدة” لا يزال قيد الدراسة ضمن رؤية شاملة لمعالجة أزمة السكن والاكتظاظ.

    على صعيد التخفيف من معاناة سكان المناطق الجبلية، بدأت بلدية كابل بالتعاون مع جهات دولية ببناء سلالم حجرية (أدراج) لتسهيل وصول المواطنين إلى الأحياء السفلية، حيث تم إنجاز نحو 2600 متر من هذه السلالم في المنطقة الأولى، مما حسن نسبياً حركة التنقل.

    كانت هناك مشاريع إسكان مدعومة دولياً، لكنها لم تصل إلى الفئات الأكثر حاجة، والآن تحاول السلطة التنفيذية الأفغانية التعاون مع منظمات دولية لتوفير دعم تقني وإنساني، لكن العقوبات الدولية والضغوط السياسية تعوق ذلك.

    مشروع كابل الجديدة.. رؤية عمرانية تنمو خارج أسوار العاصمة الحالية، تهدف إلى تخفيف الازدحام السكاني وبناء بيئة حضرية حديثة تستجيب لاحتياجات الأجي
    تحاول كابل تحت حكم دعاان النهوض وتوفير الخدمات الأساسية للسكان رغم الحصار الدولي (الجزيرة)

    حلول طويلة الأمد

    يستعرض خبراء التنمية الحضرية حلولاً طويلة الأمد تتطلب وضع سياسات وإجراءات إسكان واضحة وميسورة التكلفة، بالإضافة إلى تحديث الخرائط العمرانية.

    يقول رضايي: “لا يمكن حل الأزمة من خلال الملاحقة القانونية أو هدم المنازل، بل يتطلب الأمر استراتيجيات تنموية تأخذ في الحسبان الواقع الاجتماعي والماليةي”.

    بالمقابل، يرى المحلل الماليةي أحمد رشيدي أن “جذب التنمية الاقتصاديةات الدولية، مثل الاتفاقيات مع الصين للتنقيب عن النفط أو مشاريع الحزام والطريق، يمكن أن يوفر موارد مالية لإعادة بناء البنية التحتية”.

    لكن التحدي الأكبر كما يشير رشيدي هو استعادة الثقة الدولية في حكومة دعاان، التي تواجه انتقادات بسبب خرق حقوق الإنسان، خاصة تجاه النساء.

    رغم صغر سنهم، يتحمّل هؤلاء الأطفال عبء جلب المياه يومياً لعائلاتهم من منحدرات الجبل الوعرة، في مشهد يعكس حجم المعاناة اليومية لسكان الأحياء الفق
    يواجه السكان ومنهم الأطفال عبء نقل المياه لمسافات طويلة حيث تفتقر هذه الأحياء لأبسط الاحتياجات (الجزيرة)

    تستمر أزمة البناء العشوائي في أفغانستان في كونها مرآة تعكس تحديات اقتصادية وبيئية وسياسية عميقة. على سفوح الجبال، يمضي الأفغان في بناء منازلهم الطينية رغم المخاطر. في وقت تحاول فيه السلطة التنفيذية الأفغانية القيام بخطوات محدودة، كما توضح جهود بلدية كابل في شق الطرق وبناء السلالم، يؤكد الخبراء أن الحلول الحقيقية تحتاج إلى تخطيط حضري شامل وتعاون دولي وإرادة سياسية لإعادة بناء اقتصاد منهار وبنية تحتية متهالكة.


    رابط المصدر

  • الحج من أفغانستان: مسيرة رائعة وتقاليد تضاهي الفناء

    الحج من أفغانستان: مسيرة رائعة وتقاليد تضاهي الفناء


    صديق الله سردار، أفغاني، تلقى خبر سفره للحج هذا السنة بعد أن تخلف حاج آخر، مما حقق حلمه. عبر عن فرحته البالغة لفرصة أداء مناسك الحج، مشيرًا إلى تغير عادات الحج في أفغانستان على مر السنين. بينما يستعد الحجاج، يتم تنظيم مواكب خاصة تحترمهم وتنقلهم لمطار المغادرة، حيث يجتمع الأصدقاء والأقارب لتوديعهم. تأمل السلطات زيادة عدد الحجاج من 30 ألفًا إلى 40 ألفًا سنويًا، رغم التحديات المالية. تكلفة الحج هذا السنة بلغت 3837 دولارًا، مع تأكيد الوزارة على معاملة جميع الحجاج سواسية دون تمييز.

     

    كابل- كانت تلك اللحظة مميزة عندما رن جرس هاتف الأفغاني صديق الله سردار، حيث كان المتحدث من وزارة الإرشاد والحج والأوقاف ليخبره بالاستعداد لرحلة العمر إلى بيت الله الحرام، حيث ينجذب المؤمنون.

    تحدث سردار عن السعادة الكبيرة التي شعر بها في تلك اللحظة، وكيف توافق الحظ مع حلمه وجرت الأمور كما تمناه، إذ اضطُر أحد الحجاج للتخلف عن رحلة الحج هذا السنة لأسباب قاهرة، فتلقى اتصالًا ليأخذ مكانه.

    وبشكل غير متوقع، أتيحت الفرصة لصديق الله سردار لأداء مناسك الحج هذا السنة، ليكتمل أركان دينه كما ذكر في حديثه مع الجزيرة نت، حيث التقت به في قريته النائية قرب كابل، قائلاً: “لقد كان أمراً غير متوقع، وقد تحقق أخيرًا الحلم الذي يتمنى كل مسلم تأشيرة الحج هذا السنة”.

    BUS CARRYING AFGHAN PILGRIMS ARRIVING, BUS WITH AFGHAN PILGRIMS DRIVING THROUGH PARKING LOT, VARIOUS OF AFGHAN PILGRIMS GETTING OFF BUS
    ينقل الحجاج الأفغان في حافلات في موكب تفتح له الشوارع وتغلق أمام السيارات والمارة (رويترز )

    عادات الأفغان في الحج

    مثل العديد من البلدان، يتفق عدد كبير من الأفغان على أن عادات الحج وتقاليده قد تغيرت في أفغانستان مقارنة بما كانت عليه قبل 40 عامًا، لكن بقيت بعض الطقوس محفوظة وتواصلت عبر الأجيال.

    يقول سردار مع الإشارة إلى حقيبته المليئة بحاجاته: “لقد جهزت حقيبتي بكل ما أحتاجه من ملابس الإحرام وأخرى، وأحضرت معي فواكه مجففة ومكسرات مثل الزبيب واللوز والجوز والفستق والكاجو والشاي الأخضر”.

    لكنه يؤكد مبتسمًا أن “الأمر الأكثر أهمية هو إبريق الشاي، لأننا الأفغان نعتاد على شربه بكثرة ولا نتخلى عنه”، مشيرًا إلى أن بعض الحاجيات تكون هدايا من الأصدقاء والأقارب قبل سفره.

    ومن العادات التي يظل الأفغان محافظين عليها، كما يوضح مدير مدرسة عمر بن الخطاب الدينية الشيخ محمد حقاني، أنهم يدعون الشخص المسافر للحج لأداء الصلاة معهم جماعة سواء في المسجد أو في المنزل، كما تواجهه عائلة الحاج وأصدقاؤه بالدعوات للطعام أسبوع تقريبًا قبل سفره، ويطلبون منه الدعاء لهم عند توديعه بكل اجلال.

    موكب مهيب

    يتم توديع الحجاج من قبل الأقارب في المطار بأعداد كبيرة قبل السفر، لكن وزارة الحج اتخذت خطوات جديدة لتقليل الازدحام، حيث يتم نقل الحجاج بحافلات خاصة من المجمع للحج حتى المطار على مسافة 3 كيلومترات في موكب مهيب، فتُفتح لهم الشوارع وتُغلق أمام السيارات والمشاة، وذلك احترامًا وتكريمًا لهم. يتم الأمر بتنسيق مسبق مع رجال الاستقرار والمرور.

    أما الوداع من الأهل والأصدقاء فينتظر حتى عودة الحجاج، إذ تمتلئ مطارات أفغانستان الأربع بالوافدين بأعداد كبيرة رغم ضعف البنية التحتية.

    تنظم السلطات مجموعة من الإجراءات لتسهيل ترتيبات الحج، منها أنه لا يُسمح للحجاج بالتوجه من منازلهم إلى المطار مباشرة بغض النظر عن شخصية الحاج، بل يجب عليهم جميعًا التوجه إلى مجمع الحجاج، الذي يعتبر نقطة التجمع.

    هناك، يتم التنوّه من الوثائق الثبوتية والحصول على اللقاحات المطلوبة قبل الاتجاه إلى المطار لمغادرة البلاد إلى الديار المقدسة، حسبما نوّه مدير مجمع الحجاج عبد الصبور فاروق للجزيرة نت: “نقدم للحجاج التطعيمات الضرورية ضد الإنفلونزا وكوفيد 19، ونزودهم ببعض الأدوية التي قد يحتاجونها”.

    ولفت المتحدث إلى أن عشرات الأطباء المتخصصين يرافقون حملة الحجيج إلى الديار المقدسة كل عام، بالإضافة إلى وجود مراكز طبية مرخصة من السلطات السعودية في مكة والمدينة.

    عند وصول الحجاج إلى المجمع، يُلزمون بحضور دروس دينية ويتلقون ردودًا على استفساراتهم من مرشدين مختصين يبقون معهم حتى عودتهم إلى أفغانستان ضمن حملة الحج.

    30 ألف حاج

    كان سردار واحدًا من 30 ألف حاج أفغاني وصلوا إلى الديار المقدسة في مكة والمدينة، حيث جرى تنظيم نحو ألف رحلة من قبل وزارة الحج هذا السنة من 4 مطارات رئيسية في البلاد، مثل هيرات ومزار شريف وقندهار وكابل.

    تأمل السلطات الأفغانية في زيادة حصتها من الحج لتصل إلى 40 ألف حاج سنويًا، بسبب الإقبال المتزايد من المواطنين على أداء مناسك الحج، وفقًا للناطق الإعلامي باسم وزارة الحج الأفغانية فاضل الحسيني، الذي ذكر للجزيرة نت أن طلبات الحج هذا السنة تجاوزت 60 ألف طلب في جميع البلاد.

    في المقابل، أفاد مسؤول في وزارة الحج أن حوالي 4 آلاف حاج لم يتمكنوا من دفع تكاليف الحج هذا السنة في عموم أفغانستان، بما في ذلك 700 في العاصمة كابل، وذلك بسبب الأوضاع المعيشية الصعبة والضائقة المالية التي يعيشها الناس.

    Muslim pilgrims gather at the top of the rocky hill known as the Mountain of Mercy, on the Plain of Arafat, during the annual Hajj pilgrimage, near the holy city of Mecca, Saudi Arabia, Saturday, June 15, 2024. (AP Photo/Rafiq Maqbool)
    من شعيرة الوقوف بعرفة (أسوشيتد برس)

    سواسية في الحج

    صرحت الوزارة أن تكلفة الحج لهذا السنة تبلغ 3837 دولار أميركي، وتشمل الإقامة في الفندق، وتذاكر السفر، والطعام، والمواصلات الداخلية، وكل المستلزمات الأساسية للحاج.

    ويشير الناطق الإعلامي باسم وزارة الحج فاضل الحسيني إلى أنه “لا يوجد تمييز في الحج في أفغانستان، فجميع مواطنينا يصطفون سواسية، لا توجد حساسية في أماكن سكنهم داخل مكة أو المدينة”.

    تُدفع تكاليف الحج مسبقًا للوزارة، والمثير أن العديد من المبالغ تُعاد بعد العودة إلى أفغانستان تحت مُسمى “ردّيّات” (المسترجعات)، وفقًا لبيانات الوزارة، حيث تم إرجاع 38 دولارًا لكل حاج في السنة الماضي، و110 دولارات في السنة السابق.

     


    رابط المصدر

  • حرير الدود في أفغانستان: حرفة قديمة تُ revive رغم الصعوبات

    حرير الدود في أفغانستان: حرفة قديمة تُ revive رغم الصعوبات


    تُعتبر تربية دودة القز في أفغانستان حرفة تقليدية راسخة، تُنتج الحرير الطبيعي وتشكل مصدر دخل مهم للأسر الريفية. تنتشر هذه المهنة في ولايات مثل هرات وبلخ وبدخشان، ويعمل بها أكثر من 5000 عائلة. في عام 2022، أدرجت اليونسكو هذه الحرفة ضمن التراث الثقافي غير المادي. تساهم التنمية الاقتصاديةات الحديثة في تحسين الإنتاجية، حيث تشغّل النساء نحو 70% من الأنشطة المرتبطة. رغم المنافسة مع الواردات الصينية، شهدت الصناعة انتعاشاً بنسبة 60% بفضل تحسن الوضع الاجتماعي والماليةي. يعتبر الحرير الأفغاني رمزاً للرفاهية، يُستخدم في منتجات تقليدية متعددة.

    كابل– يُعتبر تربية دودة القز من الحرف التقليدية العريقة في أفغانستان، حيث يتم استخدامها لإنتاج الحرير الطبيعي، وتبرز بشكل خاص في ولايات هرات وبلخ وبدخشان، وتعد مصدر دخل رئيسي للأسر الريفية. وتُساهم الظروف المناخية الملائمة لزراعة أشجار التوت – الغذاء الأساسي لدودة القز – في استدامة هذه الحرفة.

    طبقاً للإحصائيات الرسمية، يعمل أكثر من 5 آلاف عائلة أفغانية في مجال إنتاج الحرير، حيث يتم جمع شرانق دودة القز، ويُغزل حوالي 40% منها إلى خيوط، بينما يُستخدم الباقي في تصنيع الأقمشة المصدَّرة إلى أوروبا. وتُعتبر دودة القز نفسها منتجاً ذا قيمة اقتصادية، إذ يُنتَج نحو 200 طن سنوياً.

    في عام 2022، تم إدراج مهنة تربية دودة القز وإنتاج الحرير بالطريقة التقليدية في قائمة التراث الثقافي غير المادي لليونسكو، مما يعكس الأهمية الثقافية والاجتماعية لهذه الحرفة ودورها في تعزيز الهوية الثقافية والتماسك المواطنوني في أفغانستان.

    يقول غلام سخي علي زاده، رئيس نقابة عمال الحرير، في حديثه لموقع الجزيرة نت: “لقد قمنا بتربية دودة القز بشكل تقليدي منذ العصور القديمة في أفغانستان، ويعود تاريخ هذه المهنة إلى ما يقرب من 2000 عام. بدأت هذه الصناعة لأول مرة في الصين حوالي عام 2600 قبل الميلاد، ويواجه السنةلون في هذا المجال من الأفغان منافسة شديدة من الواردات الصينية الرخيصة، حيث تواجه الأساليب التقليدية المحلية صعوبات في البقاء.”

    عملية إنتاج متقنة

    تشير مديرية الزراعة في ولاية هرات، غربي أفغانستان، إلى وجود تحسن ملحوظ في صناعة الحرير وتربية دودة القز مقارنة بالسنة الماضي، حيث تم توزيع أكثر من 6 آلاف صندوق من دودة القز على المزارعين وسكان المناطق الريفية، خاصة في مديرية “زنده جان”.

    **داخلية** تربية دودة القز لصناعة الحرير في أفغانستان
    تعتبر تربية دودة القز من أقدم الحرف التقليدية في أفغانستان وتشكّل مصدر رزق لآلاف العائلات الريفية (الجزيرة)

    يشرح أحمد شاه قيومي، رئيس نقابة مزارعي تربية دودة القز في ولاية هرات، لموقع الجزيرة نت، أن عملية إنتاج الحرير من شرنقة دودة القز تستغرق ما بين 26 يوماً إلى شهر. وقد يصل طول خيط الحرير في الشرنقة إلى ما بين 300 و900 متر، إلا أن خروج الفراشة من الشرنقة يؤدي إلى تمزيق الخيط إلى قطع صغيرة. ويؤكد أن عمر الفراشة البالغة قصير جداً، ويكفي فقط لتمكينها من وضع البيض.

    ويؤكد قيومي أن عوامل مثل التغذية المناسبة للديدان، ودرجة الحرارة والرطوبة المثلى، إلى جانب نظافة البيئة، تعدّ من العناصر الحاسمة في تعزيز وزيادة إنتاجية دودة القز.

    يوضح أن هذه الحرفة تستفيد من كل أفراد العائلة، فإذا كانت الأسر تمتلك 4 أو 5 صناديق من دودة القز، قد يصل دخلها السنوي إلى 861 دولاراً. ويضيف: “تقوم دودة القز بإنتاج خيوط الحرير عند نسج الشرنقة، ثم يُجمع الشرنق ويُغلى في وعاء كبير لاستخراج خيوط الحرير”.

    ميدان جديد لتمكين النساء

    يرى خبراء المالية في أفغانستان أن انتعاش هذه المهنة يعود جزئياً إلى عودة النساء للعمل فيها بعد أن كان تم منعهن من الدراسة والعمل بسبب الأوضاع السياسية. وتشير الدراسات الرسمية إلى أن النساء يشاركن في ما يقارب 70% من الأنشطة المرتبطة بتربية دودة القز وجمع الشرانق، مما يجعل من هذه الحرفة مصدراً اقتصادياً مهماً للنساء في المناطق الريفية.

    توضح مريم أحمدي، التي تمارس تربية دودة القز منذ 35 عاماً، في مقابلة مع الجزيرة نت: “عائلتي تعمل في هذه الحرفة منذ سنوات. إغلاق المدارس البنات ومنع النساء من العمل كان له أثر كبير في عودة الكثيرات إلى هذه الحرفة. 3 من بناتي يعملن معي الآن، وقد زادت نسبة الإنتاج مقارنة بالسنوات السابقة”.

    يؤكد المزارعون ضرورة دعم عمال الحرير وتوفير آلات حديثة، نظراً لأن أغلب السنةلين يستخدمون أدوات قديمة تفوق 30 عاماً. كما يدعون إلى توزيع صناديق إضافية من دودة القز، مما سيساعد على زيادة الإنتاجية ويسمح للمستثمرين بتصدير الحرير الأفغاني إلى الأسواق العالمية.

    يضيف رئيس نقابة عمال الحرير في هرات: “إذا تمكنت مديرية الزراعة والمؤسسات ذات الصلة من توزيع 10 آلاف صندوق من دودة القز على المزارعين، فسيحقق ذلك فرص عمل لـ20 ألف شخص، وسيزيد من الدخل بنسبة 35% مقارنة بالسنة الماضي. كما يحتاج بعض الفئة الناشئة والشابات للمشاركة في ندوات توعوية حول دودة القز وأهمية صناعة الحرير”.

    الحرير الأفغاني.. رمز الرفاهية والمقاومة

    يستخدم الحرير في أفغانستان في مجالات متعددة، وله دور ثقافي واقتصادي خاص في القرى والمناطق الريفية. وتشمل استخداماته تصميم الشالات النسائية التقليدية، والعمائم، والمناديل، وربطات العنق، وقطع السترات، وفساتين الزفاف، والسجاد اليدوي. ويعتبر الحرير في مناطق مثل هرات وقندهار ومزار شريف رمزاً للرفاهية والاحترام.

    تربية دودة القز لصناعة الحرير في <a class=

    يقول محمد حليمي، مدير دائرة الزراعة في ولاية هرات، في تصريح للجزيرة نت: “رغم أن الصين والهند تهيمنان على القطاع التجاري العالمي للحرير الصناعي، فإن ما يميز الحرير الأفغاني هو أنه طبيعي بالكامل، ولا تدخل في صناعته أي مواد كيميائية. واعتمادنا في أفغانستان على الإنتاج الحرفي يساهم في الحفاظ على الهوية الثقافية للبلاد، ولهذا أُدرجت هذه الحرفة ضمن قائمة التراث من قبل اليونسكو. يتميز الحرير الأفغاني بجودته العالية، ونسجه اللامع والمتين”.

    عوامل انتعاش المهنة

    شهدت مهنة تربية دودة القز في أفغانستان نشاطاً ملحوظاً في السنوات الأخيرة، نتيجة لعوامل اقتصادية واجتماعية، بالإضافة لجهود المنظمات الدولية والمحلية. وقد عاد العديد من الفئة الناشئة الذين فقدوا وظائفهم بعد انسحاب القوات الأجنبية إلى هذا القطاع الحيوي.

    يقول خبير تربية دودة القز عبد الحكيم باركزاي، للجزيرة نت: “في ولاية هرات، زاد اهتمام الفئة الناشئة بتربية دودة القز بنسبة 60%. وهذه الزيادة تعود لكونها مصدراً مستقراً للدخل للعائلات الفقيرة وارتفاع الطلب على الحرير المحلي، إلى جانب تحسن الأوضاع الاستقرارية، مما سمح بالتنقل في المناطق الريفية حيث توجد أشجار التوت”.

    يضيف غلام رباني، مدير قسم صناعة الحرير، في تصريح للجزيرة نت، أن الصناديق الحديثة التي وفرتها مؤسسة أجنبية للمزارعين أثبتت نجاحها، ويوضح أن كل قرية تحتاج إلى ما بين 400 و500 صندوق لتربية دودة القز، إذا توفرت الظروف الملائمة.

    ويؤكد أن صناعة الحرير تشهد تحسناً ملحوظاً، حيث زادت إيراداتها بنسبة تتراوح بين 60% و70% مقارنة بالسنوات السابقة، إلا أن دخول السلع الأجنبية إلى القطاع التجاري المحلية لا يزال يعتبر عائقاً أمام نمو المبيعات. ويدعا رباني السلطة التنفيذية الأفغانية بوقف استيراد الأقمشة الأجنبية لإتاحة الفرصة لصناعة الحرير المحلية كي تنمو وتصدر منتجاتها.


    رابط المصدر

  • العسل الذهبي: ازدهار صناعة العسل في أفغانستان رغم الصعوبات

    العسل الذهبي: ازدهار صناعة العسل في أفغانستان رغم الصعوبات


    في عمق الريف الأفغاني تنبثق قصة نحل وصمود، حيث يُعتبر العسل “الذهب الحلو” لمكانته كمصدر رزق. رغم الأزمات السياسية والماليةية، شهدت تربية النحل انتعاشاً بفضل الطلب المتزايد على العسل الطبيعي. يتوقع إنتاجه أن يرتفع إلى 2860 طناً في 2024. تمثل هرات وبلخ وننغرهار وبدخشان ولايات رئيسية في هذا الانتعاش، حيث يقود شباب وفتيات مبادرات تدريبية لتحسين الإنتاج. بعد حظر الأفيون، تُعَد تربية النحل بديلاً اقتصادياً واعداً. السلطة التنفيذية تخطط لتحسين البنية التحتية لإنتاج العسل وزيادة التصدير، مما يعكس قدرة المواطنونات المحلية على مواجهة التحديات.

    كابل- في عمق الريف الأفغاني، حيث تنتشر وديان هرات وحقول زعفرانها، وتزدهر الحياة في مروج بلخ وننغرهار وتخار، وتلتقي القمم الوعرة في بدخشان مع السهول الخصبة في لغمان، تظهر قصة نحل وصمود.

    هنا، يُنظر إلى العسل كأكثر من مجرد غذاء، إذ يُعتبر “الذهب الحلو” لما يمثله من مورد حيوي ومصدر رزق لآلاف الأسر في بلد يواجه أزمات سياسية واقتصادية مزمنة وتراجعاً حاداً في المساعدات الدولية.

    تراث متجدد.. صناعة تقليدية تنبض بالحياة

    لطالما كانت تربية النحل جزءاً راسخاً من التراث الريفي الأفغاني، وقد شهدت العقود الأخيرة إحياء لهذه الصناعة بسبب تزايد الطلب على العسل الطبيعي، وتوفيرها بدائل اقتصادية مستدامة.

    من هرات غرباً إلى ننغرهار شرقاً، مروراً ببلخ وبدخشان وتخار، يسعى النحالون إلى تحويل هذه الحرفة إلى رافد اقتصادي قادر على مواجهة التحولات.

    **داخلية** نحال یعرض إطار نحل في ولاية تخار شمالي أفغانستان
    نحال یعرض إطار نحل في ولاية تخار شمالي أفغانستان (الجزيرة)

    يؤكد مصباح الدين مستعين، المتحدث باسم وزارة الزراعة والري والثروة الحيوانية، في تصريح خاص لـ”الجزيرة نت”، أن “إنتاج العسل زاد بنسبة 15% في عام 2024، ليصل إلى 2860 طناً، وذلك بفضل توزيع 237 ألف صندوق نحل، وتنظيم دورات تدريبية موسعة في ولايات رئيسية”. ومن المتوقع أن يتراوح إنتاج عام 2025 بين 2800 و3000 طن اعتماداً على الاتجاهات الحالية.

    هرات.. قلب الإنتاج وبوابة التغيير

    تُعتبر ولاية هرات الواقعة غرب البلاد مركزاً استراتيجياً لإنتاج العسل، مدفوعة بمناخها المعتدل وحقول الزعفران المشهورة. تنتج الولاية ما بين 200 و250 طناً سنوياً من العسل عبر حوالي 25 ألف صندوق نحل.

    يقول محمد ياسر جمشيدي، نحّال من مديرية غوريان: “بدأت بـ6 خلايا، والآن أمتلك 35 خلية تنتج 400 كيلوغرام سنوياً. الطلب على عسل الزعفران مرتفع، لكن تكلفة الصناديق تظل عائقًا”.

    من جانبها، تروي فاطمة علي زاده، شابة من مديرية إنجيل: “بعد مشاركتي في دورة تدريبية نظمتها الوزارة، أصبحت أمتلك 20 خلية. هذا العمل منحني استقلالاً مالياً وشعوراً بالقدرة”.

    ننغرهار.. وديان خصبة وطموحات شابة

    في شرق أفغانستان، تُعتبر ننغرهار واحدة من أبرز الولايات إنتاجًا للعسل بفضل وديانها الغنية بالأزهار البرية.

    أحمد مياخيل، شاب عاد من باكستان إلى جلال آباد، استثمر مدخراته في شراء 10 خلايا نحل، تنتج 100 كيلوغرام سنويًا، ويقول: “الجفاف يُهدد الأزهار، وغياب التدريب يحد من قدرتنا على التوسع”.

    منتجات العسل في سوق محلي في ولاية هرات غرب أفغانستان
    منتجات العسل في سوق محلي في ولاية هرات غرب أفغانستان (الجزيرة)

    رغم التحديات، يقود أحمد مبادرة شبابية لتدريب النحالين. وتنتج الولاية نحو 150 طناً سنوياً من خلال 15 ألف صندوق نحل، غير أن ضعف التغليف وغياب أنظمة التسويق الحديثة يقيّد فرص التصدير.

    بلخ.. طموح نسائي في المروج الخصبة

    تُعتبر بلخ بيئة مثالية لتربية النحل وسط المروج الزراعية الغنية. وتقول زهرة محمدي، شابة من مدينة مزار شريف: “بعد مشاركتي في دورة تدريبية، أصبحت أدير 12 خلية تنتج 120 كيلوغراما”.

    وقد نما عدد المناحل بنسبة 30%، مما يمنحنا أملاً كبيراً، رغم أننا نواجه نقصاً حاداً في التمويل”. وتقود زهرة فريقاً نسائياً مدعوماً من منظمات محلية، وتنتج بلخ نحو 180 طناً سنوياً عبر 18 ألف صندوق، مع خطط لاقتحام أسواق الخليج.

    بدخشان.. جودة العسل في أعالي الجبال

    في ولاية بدخشان الشمالي، تتحدث الأزهار الجبلية عن نكهة خاصة للعسل، ولكن النحالين يواجهون تحديات مناخية كبيرة. يقول عبد المجيد بدخش: “أنتج 150 كيلوغراماً من 15 خلية، لكن الأمطار الغزيرة في السنة 2022 قلّصت الإنتاج بنسبة 50%”.

    هبط الإنتاج من 113 طناً في 2021 إلى 48 طناً في 2022، لكنه بدأ يتعافى تدريجياً ليصل إلى 70 طناً في 2024، بفضل التدريب الموسع وامتلاك حوالي 7 آلاف صندوق نحل، لكن الطرق الجبلية الوعرة لا تزال تعيق النقل والتسويق.

    لغمان.. حلم التوسّع وسط ندرة الموارد

    في ولاية لغمان شرقي البلاد، تُعتبر الزهور البرية مصدراً طبيعياً للنحل، لكن التحديات اللوجستية تقف حائلاً أمام التوسع. يقول سراج الدين الكوزي، من مديرية عليشنك: “بدأت بخليتين، واليوم أمتلك 40 خلية تنتج 600 كيلوغرام سنوياً. عدم توفر مستودعات تخزين يمنعنا من التوسع”.

    فاطمة علي زاده، نحالة من مديرية أنجيل بولاية هرات، تدير 20 خلية نحل بعد تلقيها دورة تدريبية حكومية، مساهمة في تطوير صناعة العسل المحلية
    فاطمة علي زاده، نحالة من مديرية أنجيل بولاية هرات، تدير 20 خلية نحل بعد تلقيها دورة تدريبية حكومية (الجزيرة)

    يحلم سراج بإنشاء تعاونية لتسويق العسل في كابل ودول الخليج. وتنتج لغمان حوالي 100 طن سنوياً عبر 10 آلاف صندوق، وفق تقديرات محلية.

    تخار.. صمود في مواجهة الجفاف

    في سهول تخار، وعلى الرغم من الجفاف وقلة الأمطار، يواصل النحالون العمل. يقول رحيم الله من تالقان: “أدير 20 خلية تنتج 200 كيلوغرام، لكن الجفاف قلّص الإنتاج بنسبة 30%”.

    يشارك رحيم في جمعية محلية تضم 500 نحال يديرون 12 ألف صندوق نحل، بإنتاج سنوي يصل إلى 75 طناً، بعد أن كان 107 أطنان في 2023.

    يُصدّر جزء من عسل تخار إلى الخليج عبر باكستان، رغم العقوبات التي تُعيق التوسع.

    خارطة الإنتاج بالأرقام

    تظهر الإحصاءات الرسمية نمواً ملحوظاً في قطاع إنتاج العسل:

    • في عام 2019، بلغ الإنتاج 2100 طن، ثم ارتفع إلى 2490 طناً في 2020.
    • وفي عام 2023، سجّل حوالي 2487 طناً، تمهيداً للزيادة المسجلة في 2024 التي بلغت 2860 طناً.

    تشير التوقعات إلى استمرار النمو في 2025.

    • هرات: 200-250 طنا (25 ألف صندوق)
    • ننغرهار: 150 طناً (15 ألف صندوق)
    • بلخ: 180 طناً (18 ألف صندوق)
    • بدخشان: 70 طناً (7 آلاف صندوق)
    • لغمان: 100 طن (10 آلاف صندوق)
    • تخار: 75 طناً (12 ألف صندوق)

    يدير هذا القطاع الحيوي أكثر من 27 ألفاً و700 نحال أفغاني، منهم 652 امرأة.

    بيئة فريدة وتحديات مزمنة

    تتمتع أفغانستان ببيئة مثالية لإنتاج العسل الطبيعي، بدءاً من زعفران هرات وصولاً إلى أزهار بدخشان، لكن التحديات تبقى قائمة.

    تشمل هذه التحديات:

    • نقص المعدات: لا تزال عمليات الفرز تُجرى يدوياً، مما يؤثر على جودة العسل ويزيد من تكاليفه.
    • ضعف البنية التحتية: غياب شبكات النقل الحديثة ومراكز التعبئة يعيق الوصول إلى الأسواق.
    • التغيرات المناخية: الجفاف في بعض الولايات والأمطار في أخرى تؤثر سلباً على المحاصيل.
    • العقوبات الدولية: تعرقل تصدير العسل إلى أوروبا والخليج.
      صناديق النحل في أفغانستان تمثل مصدر رزق مهم للعائلات، رغم التحديات، وتساهم في دعم المالية المحلي
      صناديق النحل في أفغانستان تمثل مصدر رزق مهم للعائلات (الجزيرة)

    الفئة الناشئة يقودون التغيير

    رغم كل التحديات، تظهر مبادرات محلية يقودها الفئة الناشئة والنساء:

    • فاطمة في هرات تدير فريقاً نسائياً.
    • أحمد في ننغرهار يبني مبادرات تدريبية.
    • زهرة في بلخ تقود حركة نسوية في المناحل.
    • عبد المجيد في بدخشان يشارك المعرفة والخبرة.
    • سراج في لغمان يخطط لإنشاء تعاونية تسويقية.
    • رحيم الله في تخار يشارك في تنظيم جمعية أهلية.

    وتعكس هذه المبادرات -بدعم من منظمات غير حكومية وبرامج تركية- حيوية المواطنونات الريفية وقدرتها على مواجهة التحديات.

    بديل إستراتيجي للأفيون

    منذ قرار حظر الأفيون في عام 2022، الذي أدى إلى تراجع زراعته بنسبة 95% حسب الأمم المتحدة، برزت تربية النحل كبديل اقتصادي واعد، خاصة في ولايات ننغرهار وبلخ ولغمان وتخار، مع دعم مشاريع زراعية دولية.

    يقبل المزارعون في هرات أيضاً على التحول من زراعة الخشخاش إلى الزعفران والعسل.

    استراتيجيات قيد التنفيذ

    يقول الخبير الماليةي عبد الواحد نوري إن قطاع العسل في أفغانستان “يساهم في تقليل الاعتماد على المساعدات الخارجية، ويخلق فرص عمل محلية مستدامة”.

    يوصي بإنشاء مراكز تعبئة حديثة في هرات وننغرهار، وتوفير قروض ميسرة للنحالين، وتأسيس شراكات تسويقية مع أسواق الخليج.

    في المقابل، كشف مصباح الدين مستعين أن الوزارة “تخطط لإنشاء 10 مراكز تعبئة بحلول 2026، مع التركيز على الولايات القائدية ذات الإنتاج المرتفع، لتعزيز قدرات التصدير”.

    خلية الأمل

    من جبال بدخشان إلى مزارع بلخ، ومن أودية ننغرهار إلى سهول تخار، تتناثر خلايا النحل كشاهد حي على صمود الريف الأفغاني في وجه الظروف القاسية. فهي أكثر من مجرد خلايا لإنتاج العسل، إنها خلايا أمل، تنبض بالحياة والكرامة والفرص.

    قصص فاطمة وأحمد وزهرة وعبد المجيد وسراج ورحيم الله تجسد روحا جديدة تنبع من قلب الأزمة وتعبر عن مستقبلٍ يمكن أن يُبنى بمجهودات محلية ومساندة دولية.


    رابط المصدر