الوسم: أفريقيا

  • تركيا تعزز تأثيرها في أفريقيا من خلال التعاون الماليةي الأزرق مع الصومال

    تركيا تعزز تأثيرها في أفريقيا من خلال التعاون الماليةي الأزرق مع الصومال


    وقّع الصومال اتفاقاً مع شركة أوياك التركية لإعادة هيكلة قطاع الصيد البحري، مستهدفاً تحويل موارده البحرية غير المستغلة إلى رافد اقتصادي. يشمل الاتفاق استثمارات في تطوير البنية التحتية البحرية، وتحديث الموانئ، وتأمين تقنيات صيد متقدمة. كما يهدف لتوفير فرص عمل محلية وتعزيز الصادرات البحرية. يتضمن التركيز على مكافحة الصيد الجائر وتعزيز أنظمة الرقابة. هذا التعاون يعكس استراتيجية تركيا لتعزيز حضورها في أفريقيا والمالية الأزرق، الذي يعتبر محوراً لنموها المستدام. الخبرة التركية ستعزز من تطوير الأسواق الأفريقية، ملبية احتياجاتها الماليةية الجديدة وتعزيز الأمان البيئي.

    أنقرة- في الإسبوع الماضي، وقّع الصومال اتفاقًا استراتيجيًا مع شركة أوياك التركية لإعادة هيكلة قطاع الصيد البحري في الدولة الأفريقية، وتحويل موارده البحرية غير المستغلة إلى مصدر اقتصادي، مما يعزز النفوذ التركي في القارة السمراء من خلال أدوات المالية الأزرق.

    المالية الأزرق (Blue Economy) هو مفهوم اقتصادي يركز على الاستخدام المستدام للمحيطات والبحار والموارد المائية بشكل عام لتحقيق النمو الماليةي، وتحسين سبل العيش، وتوفير فرص العمل، مع الحفاظ على صحة النظم البيئية البحرية والساحلية. يهدف هذا الاتفاق إلى إعادة هيكلة قطاع الصيد البحري في الصومال وتحويل موارده البحرية غير المستغلة إلى مصدر اقتصادي.

    يتيح هذا التعاون فتح آفاق جديدة لتوظيف الخبرة التركية في مجالات البنية التحتية البحرية وتقنيات الاستزراع السمكي، في ظل التزايد الكبير في التنافس الدولي على الموارد الطبيعية في سواحل القرن الأفريقي.

    سفير تركيا لدى الصومال ألبير أكتاش بحانب وزير الصيد البحري والمالية الأزرق في الصومال أحمد حسن آدم- السفارة التركية في مقديشو
    سفير تركيا لدى الصومال ألبير أكتاش إلى جانب وزير الصيد البحري والمالية الأزرق في الصومال أحمد حسن آدم (السفارة التركية في مقديشو)

    تفاصيل الاتفاق

    يغطي الاتفاق استثمارات شاملة في تطوير البنية التحتية البحرية، تتضمن تحديث الموانئ، وإنشاء محطات تبريد حديثة، وتعزيز القدرات اللوجستية، ما يسهم في زيادة كفاءة سلاسل الإمداد وجاهزية القطاع للاندماج في الأسواق الدولية، كما ذكرته وكالة الأنباء الصومالية.

    يشمل الاتفاق أيضًا إدخال تقنيات صيد متطورة وتدريب الكوادر المحلية لزيادة الطاقة الإنتاجية من الأسماك، وتحسين جودتها وفق أعلى معايير التصدير، مما يسهم في تحقيق الاستقرار الغذائي من جهة، وتوليد صادرات بحرية كمصدر أساسي للعملة الصعبة من جهة أخرى.

    يمثل الجانب الصناعي محورًا أساسيًا في هذه الشراكة، حيث تخطط أنقرة لإنشاء معامل تجهيز وتصنيع متخصصة في معالجة وتعليب المنتجات البحرية، مما سيضاعف القيمة المضافة للمنتج النهائي ويتيح آلاف فرص العمل، خاصة في أوساط الفئة الناشئة الصومالي الباحث عن لاختلال الاستقرار الماليةي.

    من الناحية البيئية، وضعت الاتفاقية مكافحة الصيد الجائر وغير القانوني في صلب أولوياتها، من خلال تعزيز أنظمة الرقابة البحرية وتطوير نظم التتبع والمراقبة بالتعاون مع شركاء دوليين، مما يضمن استدامة المخزون السمكي وحماية الثروة البحرية من الاستنزاف.

    ووفقًا لوزارة الثروة السمكية الصومالية، فإن الاتفاق يمثل “عصرًا جديدًا” في إدارة موارد الصيد البحري في البلاد، ويؤسس لمرحلة من التنمية الزرقاء المستدامة التي تُعزز مكانة الصومال في خريطة المالية الأزرق في أفريقيا، في وقت تسعى فيه أنقرة لتقوية نفوذها الماليةي والجيوسياسي في إحدى أكثر المناطق حساسية واستراتيجية في القرن الأفريقي.

    استراتيجية توسع

    يلعب المالية الأزرق دورًا مركزيًا في الرؤية التنموية المستدامة التي تسعى تركيا لتحقيقها، باعتباره أحد أبرز مصادر دعم النمو وتنويع دخلها الوطني.

    بفضل سواحلها الممتدة على طول حوالي 8600 كيلومتر عبر البحر المتوسط وبحر إيجة والبحر الأسود، واحتوائها على 28 مدينة ساحلية يسكنها نحو 47 مليون نسمة، تمتلك تركيا قاعدة طبيعية قوية تتيح لها توسيع أنشطتها الماليةية البحرية، تحت مسمى المالية الأزرق عالميًا.

    تُظهر الدراسات البيئية والماليةية أن حجم الأنشطة البحرية العالمية يتجاوز 1.5 تريليون دولار سنويًا، مما يدفع أنقرة لتعزيز وجودها في هذا القطاع من خلال “خطة 2053 للتنمية المستدامة في المالية الأزرق”، التي تتضمن إجراءات طموحة لتحسين كفاءة الإنتاج البحري وضمان استدامة النظم البيئية.

    تتجلى نتائج هذه الإستراتيجية في الأرقام الأخيرة، حيث شهد قطاع تربية الأحياء المائية في تركيا نموًا سريعًا، إذ بلغ حجم الإنتاج نحو 472 ألف طن في عام 2021، مما جعل تركيا تحتل المركز الثالث عالميًا بعد الصين والهند.

    على الصعيد التجاري، حققت صادرات المنتجات السمكية التركية إيرادات بنحو 1.65 مليار دولار في عام 2022، مما يُبرز أهمية هذا القطاع كرافد متزايد في ميزان الصادرات التركية.

    بجانب التطور الإنتاجي، تمثل الشركات التركية في مجال بناء السفن والمعدات البحرية، مثل شركة “ميماريني”، التي أنتجت منذ عام 2018 حوالي 35 سفينة صيد متخصصة، تم تصدير 11 منها إلى أسواق موريتانيا والمغرب، مما يعكس عمق التكامل بين الصناعة البحرية والتوسع في أسواق القارة الأفريقية.

    في هذا السياق، أبدت مؤسسات رسمية تركية وشركات استثمارية اهتمامًا متزايدًا بالفرص الموجودة في السواحل الأفريقية الغنية، وخاصة في موريتانيا التي تمتاز باحتياطيات سمكية كبيرة، وفقًا لبيانات وزارة الخارجية التركية.

    يعتقد المحلل السياسي مراد تورال أنه من الصعب فصل التوسع التركي في مشاريع المالية الأزرق في أفريقيا عن الاتجاه الجيوسياسي الأوسع الذي تتبناه أنقرة منذ أكثر من عقد لتعزيز وجودها في مناطق يُشار إليها كـ”فراغات استراتيجية” على الخارطة الدولية، وأبرزها منطقة القرن الأفريقي.

    ويشير تورال في تعليق له إلى أن الاتفاقيات الماليةية، مثل مشروع التعاون مع الصومال، تُطرح تحت مظلة التنمية والتعاون الماليةي المستدام، وهو مسار مشروع نظرًا لخبرات تركيا، ولكن هذه الخطوات الماليةية مرتبطة أيضًا باعتبارات النفوذ الإستراتيجي الأوسع.

    يؤكد تورال أن موقع القرن الأفريقي على خطوط التجارة البحرية الدولية، مع ما يملكه من ثروات طبيعية غير مستغلة، جعل منه ساحة تنافس متزايد بين قوى دولية وإقليمية كبرى منها الصين ودول الخليج وروسيا وبعض القوى الأوروبية.

    في هذا الإطار، يعتقد تورال أن زيادة الحضور التركي في البنية التحتية البحرية، يعزز من قدرة أنقرة على لعب دور فعّال في أمن البحر الأحمر والمحيط الهندي، ويجمع مصالحها الماليةية ضمن معادلة نفوذ جيوسياسي متنامٍ.

    GettyImages 1245013060 1750681390
    الصومال لديه ثروة بحرية كبيرة (وكالة الأناضول)

    أسواق واعدة

    من جانبه، يشير المحلل الماليةي عمر أكوتش إلى أن المكاسب الماليةية التي يمكن أن تحصدها تركيا من دخولها أسواق الصيد البحري الأفريقية تشمل مستويين زمنيًا واستثماريًا، حيث تتيح هذه الأسواق فرصًا مباشرة أمام الشركات التركية في مجالات بناء السفن، وتصنيع معدات الصيد، وتطوير البنية التحتية للموانئ، بجانب تقنيات تجهيز ومعالجة المنتجات البحرية، وهي مجالات قد طوّرت فيها تركيا خبرات متقدمة خلال العقدين الأخيرين.

    ويشير أكوتش إلى أن هذه الشراكات ستفتح أمام الشركات التركية آفاقًا جديدة لتوسيع صادراتها من التقنيات والخدمات المتعلقة بالاستزراع المائي وسلاسل التبريد الحديثة، مما سيساعد على تنويع أسواق التصدير بعيدًا عن الأسواق التقليدية في أوروبا وآسيا.

    أما على المدى المتوسط والطويل، يؤكد أن إنشاء مصانع متكاملة لصنع وتجهيز الأسماك، والمساهمة في تطوير سلاسل الإنتاج المحلية في دول مثل الصومال وموريتانيا، سيمكن الشركات التركية من الحصول على موطئ قدم مستدام في سلاسل القيمة البحرية العالمية، ويُؤهل هذه الأسواق لتكون مراكز إمداد إقليمية جديدة.


    رابط المصدر

  • قارة موهوبة ولكن متجاهلة: أفريقيا في مواجهة فرص التعاون وصعوبات الوضع الراهن

    قارة موهوبة ولكن متجاهلة: أفريقيا في مواجهة فرص التعاون وصعوبات الوضع الراهن


    أفريقيا، على الرغم من هشاشتها وفقرها، تعد قارة غنية بالموارد الطبيعية وتتمتع بأهمية استراتيجية. تشير تقارير إلى تزايد اهتمام القوى العالمية بها، مثل الصين والولايات المتحدة وروسيا، بجانب القوى الاستعمارية التقليدية كفرنسا وبريطانيا. يُبرز مركز الجزيرة للدراسات التحديات التي تواجها القارة، منها عسكرية واقتصادية وثقافية، إضافة إلى ضرورة الوحدة الأفريقية لمواجهة التنافس الخارجي. تشكل هذه التحديات عقبة أمام التنمية، حيث يمكن أن تُستغل ثروات أفريقيا بما لا يخدم مصالح شعوبها، مما يعوق التقدم ويعزز الاعتماد على الخارج.

    تشتهر أفريقيا -وفقًا لتقارير ودراسات- بالهشاشة والتخلف والفقر، مما يجذب القوى الاستعمارية والجهات الساعية إلى النفوذ والسيطرة، خصوصًا عند الأخذ بعين الاعتبار الأهمية البالغة لهذه القارة في الحاضر والمستقبل، بالإضافة إلى غناها بالخيرات الملموسة وغير الملموسة، فضلا عن كونها قارة شابة وواعدة، على عكس القارات الأخرى التي قد شاخت أو وصلت إلى مراحل متقدمة من التطور.

    في سياق مكانة أفريقيا على الساحة العالمية، نشر مركز الجزيرة للدراسات ورقة تحليلية بعنوان “التنافس الدولي في أفريقيا.. الفرص والتحديات” حيث حاول رئيس جبهة المواطنة والعدالة في موريتانيا، محمد جميل منصور، تحليل مظاهر ومستويات التنافس الدولي في أفريقيا، وأهم الأطراف المعنية والتفاعلات والمواجهةات التي تنشأ عنها والتحديات الناتجة عنها.

    اقرأ أيضا

    list of 2 items

    list 1 of 2

    محلل أميركي يتنبأ: تورط الولايات المتحدة في حرب ضد إيران سيحطم إرث ترامب

    list 2 of 2

    الجزيرة للدراسات يختتم مؤتمر “التنافس بين القوى العظمى والشرق الأوسط”

    end of list

    قارة غنية

    تشمل أهمية أفريقيا النقاط التالية:

    • تشكل 20% من المساحة اليابسة.
    • تمثل حوالي 15% من سكان العالم.
    • تعد خزانًا عالميًا من الموارد الطبيعية والمعادن الثمينة.
    • تحتوي على 10% من احتياطي النفط العالمي وحوالي 8% من احتياطي الغاز.
    • تمتلك 90% من احتياطي الكروم والبلاتين.
    • تشكل أكثر من ربع عدد الدول في الأمم المتحدة (54 دولة).
    • تتمتع بموقع استراتيجي بين القارات الكبرى (أميركا غرباً، أوروبا شمالاً، وآسيا شرقاً).
    • تحتوي على 65% من الأراضي القابلة للزراعة وحوالي 10% من موارد المياه العذبة المتجددة.

    وبالنظر إلى هذه الأهمية المتزايدة لأفريقيا، سيكون من الطبيعي أن تتجه إليها أنظار القوى الدولية المتنافسة، وهو ما يتجلى في القمم المتعاقبة ذات الصلة، منها: القمة الفرنسية الأفريقية، القمة الصينية الأفريقية، القمة الأميركية الأفريقية، القمة الروسية الأفريقية، وقائمة طويلة من الفعاليات، مع الأخذ بعين الاعتبار المحاولات الإسرائيلية.

    النفوذ الاستعماري التقليدي

    سعى الكاتبان أنطوان كلازير وستيفن سميث في كتابهما “كيف خسرت فرنسا أفريقيا؟” إلى تتبع الخطوات الفرنسية من الإهمال والاست exploitation، التي أدت إلى فقدان باريس شيئًا من نفوذها في قارة كانت تعتبر بامتياز حدائقها الخلفية ومجالًا لمصالحها ولغتها.

    إعلان

    ومع تقاسم النفوذ مع بريطانيا وبعض الدول الأوروبية الأخرى، تركت فرنسا بصمتها العميقة في القارة عبر جهودها الماليةية والثقافية والعسكرية وحتى القانونية.

    رغم التراجع الذي لفت إليه الكاتبان، نوّهت وزيرة الخارجية الفرنسية كاترين كولونا -في تصريحات داخل المجلس التشريعي في أواخر عام 2023- أن العلاقات مع أفريقيا تتجه نحو التطور والتوسع، مشيرة إلى إمكانيات بلادها في العديد من البلدان الأفريقية التي لم تكن لديها تاريخيًا الأولوية، كما هو الحال مع نيجيريا، التي تضاعفت فيها التنمية الاقتصاديةات الفرنسية خلال العقد الأخير، ولا تزال فرنسا الوجهة الأولى للطلاب الأفارقة.

    ولا يخفي بعض القادة الأفارقة تحفظهم تجاه دور فرنسا، معتبرين أنه لم يعد يتناسب مع قارة تسعى لتكون شريكة وليس تابعا، وطرفا محترما بدلاً من مستعمر سابق.

    ولا يمكن تجاهل بريطانيا التي كانت تستعمر عددًا من أبرز الدول الأفريقية، ولكن تحولها نحو آسيا وارتباطها الوثيق بالولايات المتحدة -أكثر من البلدان الأوروبية الأخرى- جعلها تقلص من دورها في أفريقيا وتترك هامشًا لفرنسا.

    إلا أن خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي ورغبتها في استعادة بعض قوتها، وحاجة القوى الغربية إلى وجودها في أفريقيا بعد التدخل الكبير من الصين وروسيا وتركيا -دفع البريطانيين إلى إعادة بعث نفوذهم في القارة.

    ولا بد من الإشارة إلى الأهمية المتزايدة لكل من إسبانيا وإيطاليا وبلجيكا، بالإضافة إلى ألمانيا وسويسرا، حيث تعبر هذه الدول عن اهتمام متزايد بالقارة الأفريقية.

    نفوذ غير أوروبي

    إلى جانب قوى الاستعمار التقليدية، تدخل القوى الدولية الكبرى التي تسعى للتركيز على المالية والتنمية مثل الصين، أو تهتم بالجوانب الماليةية والاستقرارية والسياسية مثل الولايات المتحدة، أو تدخلت عسكرياً وأمنياً مثل روسيا.

    لم تكن الصين غائبة عن الساحة الأفريقية، بل كانت حاضرة سياسيًّا خلال حركات التحرر ومدعا الاستقلال، وقدمت بعض الدعم التنموي الذي يظهر في عدة عواصم أفريقية كدليل على الامتنان لأفريقيا التي لم تبخل بدعم القضايا الصينية.

    من الواضح أن دخول الصين في أفريقيا كان قويًا، مع التركيز على الأبعاد الماليةية والتنموية والتنمية الاقتصادية في البنية التحتية، مما منحها بعض القبول من قبل الدول الأفريقية.

    بلغ حجم التبادل التجاري بين الصين وأفريقيا 282 مليار دولار في عام 2023، فيما سجل ارتفاعًا خلال الأشهر السبعة الأولى من عام 2024 ليصل إلى 167 مليار دولار، مما يشير إلى استمرار زيادة النشاط في هذا المجال.

    تجتهد بكين أيضًا في عدم إظهار أهدافها السياسية البعيدة، حيث يبدو أن استراتيجيتها -ليست فقط في أفريقيا- تعتمد على التدرج والتراكم وبناء ميزان قوة يمكنها من الإعلان عن أجندتها فيما بعد.

    على الرغم من أن الولايات المتحدة لم تكن تضع أفريقيا كأولوية، إلا أنها ظلت موجودة ومهتمة، وبعد أحداث 11 سبتمبر، عززت أمريكا جهودها في أفريقيا وأقامت القيادة الأمريكية لأفريقيا (أفريكوم) عام 2007، حيث أصبح الوقود الأفريقي يمثل ربع واردات الولايات المتحدة، ووصل الدعم الموجه لأفريقيا إلى 7.5 مليارات دولار بحلول عام 2008.

    بينما تمثل روسيا القوة الكبرى الثالثة في أفريقيا، حيث يتماشى دخولها مع الاستراتيجية التي يتبناها القائد فلاديمير بوتين في محاولة لإعادة تأسيس نفوذ السوفيات عبر البعد الاستقراري والعسكري، رغم ضعف القوى الماليةية الكبيرة.

    إعلان

    بينما كانت القمة الروسية الأفريقية، التي انعقدت في أكتوبر 2019، نقطة انطلاق هامة في بناء الشراكة مع القارة، حيث تم توقيع 50 وثيقة بقيمة تقارب 800 مليار روبل (12.5 مليار دولار).

    26417901 1707436016
    تركيا رفعت تمثيلها الدبلوماسي بأفريقيا وعقدت عددًا من القمم المشتركة مع دولها (الأناضول)

    نفوذ القوى الصاعدة بأفريقيا

    علاوة على القوى الاستعمارية التقليدية والدول الكبرى، توجد أيضًا قوى صاعدة، بما في ذلك الدول المتقدمة عسكريًا واقتصاديًا مثل اليابان والهند وتركيا والبرازيل وكوريا الجنوبية والسعودية وغيرها.

    تمكنت اليابان من تنظيم أول لقاء اقتصادي مع قارة أفريقيا، المعروف باسم “تيكاد” عام 1993، والذي قد ألهم القوى الأخرى لعقد لقاءات مشابهة.

    وتتميز الشراكة الهندية الأفريقية بالتنوع والشمول، حيث عقدت حتى الآن ثلاث قمم مشتركة في مجالات الزراعة والاستقرار الغذائي والرعاية الطبية والمنظومة التعليمية وتكنولوجيا المعلومات والتغييرات المناخية والمالية الأزرق.

    بلغت استثمارات الهند في أفريقيا عام 2018 نحو 63 مليار دولار، حيث توجه 21% من استثماراتها الخارجية نحو هذه القارة، بالإضافة إلى المناورات العسكرية المشتركة.

    أما تركيا، فقد شهدت تحسنًا كبيرًا في تواجدها في أفريقيا وأسواقها. وفي تقرير لمجلة “جون أفريك” الفرنسية، أُشير إلى أن أنقرة أنشأت شبكة من الكيانات لتعزيز هذه العلاقة، منها القمم التركية الأفريقية، منتديات رجال الأعمال، وفرق الصداقة المجلس التشريعيية مع 50 دولة أفريقية، مقارنة بـ39 مع آسيا و36 مع أوروبا. كما تمتلك تركيا 44 سفارة في القارة مقابل 12 سفارة كانت لديها في عام 2009.

    ومع عودة القائد لولا دا سيلفا إلى الحكم في البرازيل، انتعشت الروابط البرازيلية الأفريقية بعد أن شهدت تراجعًا خلال عهد سلفه، حيث مثّل المنتدى البرازيلي الأفريقي المنعقد في ساو باولو عام 2023 فرصة لتطوير الشراكة والتنمية الاقتصادية، حيث صرحت البرازيل أن أولوياتها في عام 2024 ستكون مع أفريقيا.

    وليس الأمر مقصورًا على هذه الدول فقط، فهناك محاولات متجددة من قبل إسرائيل لدعم علاقاتها مع الدول الأفريقية، حتى أنها سعت لتصبح عضوًا مراقبًا في الاتحاد الأفريقي، رغم المعارضة القوية من بعض الدول، أبرزها الجزائر وجنوب أفريقيا.

    تمتلك إسرائيل علاقات مع 40 دولة أفريقية، 36 منها في منطقة جنوب الصحراء، وقد فتحت 15 سفارة في أفريقيا، حيث زارها عدد من الرؤساء الأفارقة.

    التحديات والفرص

    تُظهر المعطيات السابقة أن التحديات التي تنجم عن هذا التنافس الواسع على أفريقيا متعددة:

    أولاً: التحديات الاستقرارية والعسكرية: يتضمن ذلك عددًا كبيرًا من الدول وأجهزتها الاستقرارية وقواعدها العسكرية وبرامج التعاون السيبراني والاستخباراتي، وهذا في قارة تعاني من الهشاشة. يبقى الخطر قائمًا، والقدرات لدى معظم الدول الأفريقية لا تؤهلها للاستفادة من هذا التعاون بشكل إيجابي.

    ثانيًا: التحديات الماليةية والتنموية: رغم أن برامج الشراكة توفر دعمًا وتطويرًا، إلا أن الاهتمام ينصب على الموارد والثروات الأفريقية، مما يدفع بعض الشركاء لاستغلال الشرعية الهشة لبعض الحكام الأفارقة.

    ثالثًا: التحديات الثقافية والاجتماعية: حيث تثار النقاشات باستمرار حول القضايا الاجتماعية، خاصة مع الأوروبيين الذين يصرون على توسيع قيمهم الثقافية.

    إعلان

    رابعًا: تحدي الوحدة: توجد خلافات عميقة داخل القارة، ولكن هناك جهود لتحسين الوضع تحت مظلة الاتحاد الأفريقي.

    خامسًا: تحدي الإغراء وضعف المساواة: حيث أن تنوع برامج التعاون قد يصعّب على الدول الاعتماد على الذات.

    سادسًا: تحدي غياب الرؤية المشتركة: وفقًا للمؤرخ السنغالي ممادو ديوف، الذي لفت إلى معاناة الدول الأفريقية من غياب الحلم.

    [يمكنكم قراءة الورقة التحليلية كاملة عبر هذا الرابط]


    رابط المصدر

  • البنوك المركزية في أفريقيا تعزز احتياطاتها من الذهب لمواجهة التقلبات المالية.

    البنوك المركزية في أفريقيا تعزز احتياطاتها من الذهب لمواجهة التقلبات المالية.


    أظهرت بيانات مجلس الذهب العالمي للربع الأول من 2025 أن دول شمال أفريقيا تتصدر قائمة أكبر حائزي الذهب في القارة. الجزائر احتلت المركز الأول بـ173.6 طنًا، تلتها ليبيا (146.7 طن) ومصر (128 طن). يُعزز هذا التوجه رغبة الدول في تعزيز السيادة النقدية وتقليل الاعتماد على العملات الأجنبية. بينما برزت دول مثل غانا (31 طن) في القائمة، تسعى دول أخرى، مثل جنوب السودان وزيمبابوي، لزيادة احتياطاتها لبناء أنظمة نقدية مستقلة. شهد الذهب ارتفاعًا قياسيًا في الأسعار متجاوزًا 3500 دولار للأونصة، مما يعكس أهمية الذهب كأصل موثوق.

    أظهرت أحدث إحصائيات مجلس الذهب العالمي للربع الأول من عام 2025 تفوق دول شمال أفريقيا في قائمة أكبر حائزي الذهب في القارة، في وقت تسعى فيه العديد من الدول لتعزيز سيادتها النقدية وتقليل اعتمادها على العملات الأجنبية.

    شمال أفريقيا يهيمن

    احتلت الجزائر المرتبة الأولى باحتياطي قدره حوالي 173.6 طنًا، تلتها ليبيا بـ146.7 طناً، ثم مصر بـ128 طناً. ويعكس هذا الترتيب هيمنة واضحة لدول شمال أفريقيا في مشهد الذهب على مستوى القارة، مدفوعة برغبة في تعزيز الثقة الماليةية داخلياً وخارجياً.

    على الرغم من الفجوة الكبيرة، فإن دولاً مثل غانا (31 طناً) وموريشيوس وتونس وكينيا برزت في قائمة السبعة الأوائل، مما يدل على اتساع دائرة الاهتمام بالذهب كأداة للتحوط من تقلبات أسعار الصرف وتعزيز الاستقلالية النقدية.

    بينما تسعى دول مثل جنوب السودان وزيمبابوي ونيجيريا إلى تعزيز احتياطياتها من الذهب، متبعةً خطى القوى الماليةية الكبرى لبناء أنظمة نقدية أكثر مرونة واستقلالية.

    KUNSU, GHANA – May 22, 2022: Ghanaian Illegal miner finds a small nugget of gold. Ghana gold nugget.
    تسعى العديد من الدول الأفريقية لتقليل اعتمادها على العملات الأجنبية من خلال تعزيز احتياطاتها من الذهب (شترستوك)

    الذهب يبلغ ذروته

    لطالما اعتُبر الذهب من الأصول الموثوقة بفضل استقراره وسيولته وعوائده المستقرة، وهو ما يفسر سعي البنوك المركزية في جميع أنحاء العالم، بما في ذلك الأفريقية، لزيادة احتياطياتها منه.

    ووفقاً لمجلس الذهب العالمي، تمتلك البنوك المركزية اليوم حوالي خُمس إجمالي الذهب المستخرج عالمياً، مما يعكس مكانته كركيزة للاستقرار النقدي.

    جدير بالذكر أن سعر الذهب شهد ارتفاعاً قياسياً في أبريل/نيسان الماضي، متجاوزاً 3500 دولار للأونصة، نتيجة لمخاوف المستثمرين من التوترات الجيوسياسية وانتقادات القائد الأميركي دونالد ترامب لرئيس الاحتياطي الفيدرالي.

    ويأتي ذلك في سياق عام شهد شراء البنوك المركزية لأكثر من ألف طن من الذهب، وهو ضعف متوسط العقد الماضي.


    رابط المصدر

  • التقنية كعائق أمام الفقراء في الوصول إلى الذهب: حرب عنيفة في مناجم أفريقيا

    التقنية كعائق أمام الفقراء في الوصول إلى الذهب: حرب عنيفة في مناجم أفريقيا


    في منجم تاركوا الذهبي في غانا، أطلقت طائرة مسيرة لرصد عمليات التعدين غير الشرعي. الهدف كان كشف عمال المناجم غير القانونيين الذين يواجهون صراعات مع السلطات بسبب زيادة أسعار الذهب إلى 3300 دولار للأونصة. وثق الفريق مضخات ومعدات مستخدمة في استخراج الذهب. وفي السنوات الأخيرة، قُتل العديد من العمال أثناء اشتباكات في المناجم. يعتمد حوالي 10 ملايين شخص في أفريقيا على التعدين غير المنظم، متسببًا في مواجهات عنيفة وتدهور الوضع الماليةي. الحكومات تعمل على تعزيز الحماية العسكرية لمواقع التعدين مع استخدام تكنولوجيا متقدمة للكشف عن الأنشطة غير القانونية.

    بينما كانت الشمس الحارقة تتألق على منجم تاركوا الذهب في الجنوب الغربي من غانا، أطلق ثلاثة رجال طائرة مسيرة في الأفق. ولم تمضِ سوى دقائق قليلة حتى عادت بخبر مؤكد.

    جابت الطائرة المسيرة منطقة خضراء تمتد على نحو 210 كيلومترات مربعة.

    بعد أن رصدت شيئًا غير عادي، وبعد 20 دقيقة، وصل إلى الموقع فريق مكون من 15 شخصًا، بينهم رجال شرطة مسلحون.

    كان هناك ملابس مهجورة، وخنادق حديثة الحفر، ومعدات بدائية وسط برك من المياه الملوثة بالزئبق والسيانيد.

    تعود هذه المعدات إلى ما يُعرف بعُمَّال المناجم غير الشرعيين، الذين يعملون على حواف العديد من مشاريع التعدين الرسمية في القارة الإفريقية.

    صادر الفريق سبع مضخات مياه تعمل بالديزل ووحدة معالجة “تشانفان” المستخدمة لاستخراج الذهب من مجاري الأنهار.

    وهذه واحدة فقط من عمليات الكر والفر بين السلطات والشركات المتحكمة في المناجم، وعمال التعدين غير الشرعيين.

    الموت على درب الذهب

    لطالما كان الذهب مصدر جذب في جميع أنحاء العالم عبر العصور. ولكن الآن، أصبح ذا أهمية أكبر مع ارتفاع سعر الأونصة الواحدة إلى 3300 دولار.

    هذا الارتفاع الكبير في الأسعار يزيد من حدة المواجهات القاتلة أحيانًا بين امتيازات الشركات وعُمَّال المناجم الحرفيين في غرب أفريقيا،

    يقول دوين أساري – وهو رئيس خدمات الحماية في منجم غولد فيلدز تاركوا – “إذا لم يكن لديك عيون في السماء، فلن تعرف بوقوع حدث مدمر”.

    وفي نهاية السنة الماضي، قُتل حوالي 20 عاملًا خلال مواجهات في مناجم غير شرعية في غانا وغينيا وبوركينا فاسو.

    في بعض الحالات، تسببت الاشتباكات في توقف الإنتاج في المناجم لمدة تصل إلى شهر، مما دفع هذه الشركات للضغط على الحكومات لتوفير مزيد من الحماية العسكرية.

    تقدم عمليات التعدين غير الرسمية في أفريقيا جنوب الصحراء الدخل الأساسي لحوالي 10 ملايين شخص، وفق تقرير صادر عن الأمم المتحدة في مايو/أيار الماضي.

    وفي غرب أفريقيا، يعتمد ما بين 3-5 ملايين شخص على التعدين غير المنظم، الذي يمثل نحو 30% من إنتاج الذهب، وفق بيانات أخرى من قطاع التعدين، مما يشكل شريان حياة اقتصاديًا في منطقة تعاني من شح فرص العمل الرسمية.

    ومثل فامانسون كيتا (52 عامًا)، الذي ينحدر من منطقة كيدوغو الغنية بالذهب، نشأ العديد من السكان وهم يمارسون تعدين الذهب في مناطقهم.

    A drone view shows queued dump trucks at Gold Fields Mine in Tarkwa, Ghana, April 11, 2025. REUTERS/Francis Kokoroko TPX IMAGES OF THE DAY
    منجم تاركوا الذهبي في جنوب غرب غانا (رويترز)

    الشركات أخلفت الوعود

    باستخدام أساليب تقليدية وبسيطة، تمكن العديد من الأفراد من الحصول على دخل إضافي يُكمل دخلهم الزراعي، حتى وصول شركات التعدين، التي وعدتهم بفرص عمل وتنمية سريعة.

    يقول كيتا إن الشركات “لم تفِ بتلك الوعود. فالكثير من شبابنا يعملون في وظائف متدنية المستوى وغير متعاقد عليها، مع أجور منخفضة ودون استقرار. لا تكفي الزراعة الصغيرة وحدها لتوفير احتياجات أسرنا”.

    يريد الكثير من السكان المحليين كسب عيشهم من البحث عن الذهب على أطراف مناجم الشركات.

    بالإضافة إلى ذلك، هناك العديد من الأنشطة غير المشروعة التي تتم الآن باستخدام معدات حفر وتجريف حديثة، بدعم من عصابات محلية وأجانب، بما في ذلك من الصين، حسبما أفادت وكالة رويترز.

    ضغوط اقتصادية ومواجهات عنيفة

    يتوقع أولف ليسينغ، وهو محلل في مجال الاستقرار والتعدين، حدوث المزيد من المواجهات العنيفة حول عمليات التعدين في الأشهر المقبلة.

    ويضيف: “كلما ارتفع سعر الذهب، زادت المواجهةات بين عمال المناجم الصناعيين وغير الرسميين”.

    وفقًا لمصدر مجهول، قُتل 9 عمال مناجم غير نظاميين بالرصاص في يناير في منجم أوبواسي التابع لشركة “إيه جي إيه” في غانا عندما اقتحموا منطقة الامتياز المُسيّجة التي تمتد على 110 كيلومترات مربعة لاستخراج الذهب.

    وفي منجم سيغويري التابع لشركة “إيه جي إيه”، شمال شرق غينيا، اقتحم مئات من عمال المناجم غير النظام الحاكميين منطقة الامتياز في فبراير، مما استدعى تدخلاً عسكريًا، حسبما أفاد مصدر مطلع على العمليات.

    وقالت الشرطة إن ثلاثة عمال مناجم غير نظاميين على الأقل أصيبوا برصاص الحراس، بينما أصيب آخرون في موقع تعدين الذهب “أهافو” التابع لشركة نيومونت في شمال غرب غانا في يناير.

    وفي منطقة كايس الغنية بالذهب في مالي، صرح عامل حفار في موقع تعدين غير قانوني بأن العمليات توسعت بسرعة هذا السنة، مع قيام الصينيين بنشر المزيد من المعدات في مواقع جديدة نتيجة ارتفاع أسعار الذهب، بحسب قوله.

    هذا السنة، دهمت السلطات الغانية عشرات المواقع التعدينية غير الرسمية، واعتقلت مئات من السكان المحليين والأجانب، خاصة الصينيين، الذين يديرون عمليات تعدين غير منظمة في الغابات الواسعة للبلاد، بما في ذلك المناطق المحمية والمسطحات المائية.

    Security personnel stand watch during a drone surveillance exercise at the Gold Fields Mine in Tarkwa, Ghana, April 10, 2025. REUTERS/Francis Kokoroko
    الدول الأفريقية تتعهد باستخدام القوة لحماية امتيازات الشركات في مناجم التعدين (رويترز)

    التهريب والخسائر

    يقول الباحث مارك أوميل “بسبب النطاق الجغرافي غير المحكمة وضعف اللوائح، يتم تهريب معظم منتجاتهم.. مما يحرم الدول من الاستفادة الكاملة”.

    فقدت غانا أكثر من 229 طنًا من الذهب، الذي يتم استخراجه في أغلبه يدويًا، بسبب التهريب خلال الفترة من 2019 إلى 2023، وفقًا لمنظمة سويس إيد، التي قامت بتحليل بيانات التصدير خلال تلك الفترة.

    وقال أداما سورو، رئيس اتحاد غرف المناجم في غرب أفريقيا، إن عُمَّال المناجم الحرفيين يتنافسون أيضًا مع عمال المناجم الكبار على الخام، مما يحدد عمر المناجم.

    وأضاف: “نشهد عمال مناجم حرفيين يحفرون حتى عمق 100 متر، مما يؤثر على كتلة الخام لعمال المناجم الكبار، ويتسبب في خسائر مالية لنا”.

    وقد صرح رئيس شركة تعدين في غانا أن عمال المناجم يلجؤون إلى أساليب غير تقليدية ويزيدون الإنفاق على حساب التنمية الاقتصادية والمشاريع المواطنونية.

    التقنية في مواجهة الفقراء

    أضاف المصدر أن المنجم ينفق تقريبًا نصف مليون دولار سنويًا على إجراءات تشمل مراقبة الطائرات بدون طيار لمكافحة التعدين العشوائي، ولكنه لا يزال يتعرض لهجمات متكررة.

    وزادت شركات التعدين الكبرى في غانا من حملتها لتوفير الحماية العسكرية لمواقع التعدين هذا السنة، وتم تقديم طلبات مماثلة في بوركينا فاسو ومالي.

    قال أحمد داسانا نانتوغماه – القائد التنفيذي للعمليات في غرفة مناجم غانا – “من الناحية المثالية، نرغب في وجود عسكري في جميع عمليات التعدين، لكننا نفهم أهمية إعطاء الأولوية للمواقع التي تتعرض لهجمات متكررة مع تنفيذ دوريات منتظمة في المواقع الأخرى”.

    وأضاف، “التقى قادة القطاع بمسؤولين حكوميين في منتصف أبريل الماضي لطرح قضيتهم، وقد أسفرت المناقشات عن نتائج إيجابية”.

    تُحقق هيئة المعادن، الجهة المنظمة لقطاع التعدين في غانا، تقدمًا تكنولوجيًا كبيرًا، حيث أنشأت غرفة تحكم تعمل بالذكاء الاصطناعي لتحليل المعلومات من 28 طائرة بدون طيار منتشرة في المناطق التعدينية غير القانونية.

    يشمل النظام الحاكم أجهزة تتبع على الحفارات ونظام تحكم يمكنه تعطيل الحفارات التي تعمل خارج النطاق الجغرافي المسموح بها عن بُعد.


    رابط المصدر

  • ثروات غرب أفريقيا: مركز منافسة عالمية على مستقبل التقنية

    ثروات غرب أفريقيا: مركز منافسة عالمية على مستقبل التقنية


    تتمتع غرب أفريقيا بموارد معدنية هائلة، مثل الذهب والليثيوم والبوكسيت، ما يجعلها نقطة جذب للقوى الدولية الكبرى. تمثل هذه الثروات دورًا حاسمًا في سلاسل التوريد العالمية وتكنولوجيا الطاقة النظيفة، مما يضع المنطقة في قلب “حرب عالمية باردة” بين دول كالصين وروسيا والغرب. رغم غناها، لا تزال معظم مواردها غير مست exploited، مما يزيد من أهميتها الماليةية المستقبلية. تسعى دول غرب أفريقيا إلى استثمار هذه المعادن بشكل يحسن من أوضاع شعوبها، لكن التحديات مثل الافتقار إلى الشفافية والاستقرار السياسي تبقى عقبات رئيسية أمام التنمية المستدامة.

    تُعتبر منطقة غرب أفريقيا غنية بالموارد المعدنية، مما جعلها محط انتباه القوى الدولية الكبرى. تحتضن المنطقة معادن نفيسة مثل الذهب ومعادن حيوية لانتقال الطاقة النظيفة مثل الليثيوم والنحاس والبوكسيت.

    هذه الثروات قد حولت المنطقة إلى محور استراتيجي في سلاسل الإمداد العالمية المرتبطة بتكنولوجيا الطاقة المستقبلية.

    تُعزز أهمية هذه الموارد مكانة غرب أفريقيا في “حرب عالمية باردة”، حيث يستخدم الأطراف استراتيجيات متنوعة للسيطرة على المعادن التي تُسهم في الريادة التقنية في القرن الواحد والعشرين، مما يضع دول المنطقة وشعوبها أمام تحدٍ لتحويل هذا “التكالب الدولي” إلى فرصة للتنمية المستدامة.

    نقود السيدي الغاني وقطعة ذهبية على خلفية داكنة. خام المعدن، الغالامسي، التعدين، ثري، غني، معدن ثمين
    تُعد منطقة غرب أفريقيا غنية بالذهب والمعادن الأساسية لصناعة الطاقة النظيفة (شترستوك)

    ثروة معادن هائلة

    يتسم حزام الحجر الأخضر البريمي “Birimian Greenstone Belt” في غرب أفريقيا، الذي يمتد عبر غانا ومالي وبوركينا فاسو، باحتياطيات غنية من المعادن، خاصة الذهب. كما تحتفظ المنطقة بمخزون كبير من البوكسيت والليثيوم والمنغنيز والنيكل والفوسفات والزنك، وهي من أبرز مصدري الذهب واليورانيوم وخام الحديد والماس في أفريقيا.

    تشير بيانات منصة “إينرجي باور آند كابيتال” إلى أن غينيا تملك أكبر احتياطيات البوكسيت في العالم، حيث شكلت أكثر من نصف صادرات خام الألمنيوم العالمية في 2020.

    إلى جانب ذلك، تعرف غانا أيضًا بأنها المنتج الثاني عالميًا للبوكسيت في 2022، وصادرت خام المنغنيز بما قيمته 370 مليون دولار في 2021 لتصبح خامس أكبر مصدر لهذا المعدن.

    إضافة إلى ذلك، تُعَد الغابون صاحبة ثاني أكبر احتياطيات المنغنيز في العالم، وتؤكد شركة ماك غولد اكتشاف رواسب مهمة من المنغنيز في ساحل العاج في أغسطس 2023، مما يعزز من وضع البلاد كسادس أكبر مصدر للخام في العالم.

    Nsuonsia, Ghana - April 26, 2017: exploration team of a gold mining company on a briefing and having a look at maps on remote exploration permits.
    تشير التقديرات إلى أن أجزاء كبيرة من غرب أفريقيا لا تزال غير مستكشفة بشكل كافٍ (شترستوك)

    سوق يسيل لها لعاب المتنافسين

    رغم غنى غرب أفريقيا الكبير بالمعادن، توضح منصة “أفريكا ماينينغ آي كيو” أن معظم الثروات المعدنية في المنطقة لا تزال غير مستغلة، مما يعني أن أهميتها في المالية العالمي ستزداد في المستقبل.

    تكشف التحليلات أن أجزاء كبيرة من غرب أفريقيا لم تُستكشف بشكل كافٍ باستخدام تقنيات حديثة، مما يُظهر وجود احتياطيات ضخمة محتملة لا تزال غير مكتشفة، وهو ما يُعرف بـ”الفجوة الاستكشافية” مقارنة بمناطق أخرى من العالم.

    تتميز المنطقة كذلك بجاذبيتها للقوى المنافسة، فهي واحدة من أكبر مناطق تعدين الذهب عالميًا، حيث تجاوز إنتاجها 15 مليون أوقية في عام 2024، فضلاً عن غناها بالمعادن الحيوية للتحول نحو الطاقة النظيفة، مثل الليثيوم والكوبالت والنيكل والنحاس، وهي ضرورية لصناعة بطاريات السيارات الكهربائية وتخزين الطاقة المتجددة، مما يجعلها في قلب النزاع حول الهيمنة التكنولوجية للقرن الواحد والعشرين.

    ويشير مقال نشر على منصة “كروكس إنفيستور”، المختصة باستثمارات التعدين، إلى مزايا تشغيلية “هائلة” تتميز بها المنطقة، مثل التشريعات الداعمة للتعدين وسرعة استصدار التراخيص والتكاليف المنخفضة، حيث يُعتبر متوسط الإنفاق الرأسمالي لكل أوقية موارد أقل بكثير من أميركا الجنوبية أو أوروبا، كما أن فترات بناء المشاريع أقصر وتكاليف الإنتاج تنافسية عالميًا.

    التنين الصيني أكبر اللاعبين

    تُعتَبر الصين أكبر لاعب في قطاع التعدين في أفريقيا، حيث استثمرت مليارات الدولارات في السنوات الأخيرة، خاصة ضمن إطار مبادرة “الحزام والطريق”. تشير غريسلين باسكاران، مديرة برنامج المعادن الحرجة في “مركز الدراسات الإستراتيجية والدولية” الأميركي، إلى أن التنمية الاقتصادية الصيني المباشر في أفريقيا شهد زيادة من 75 مليون دولار في عام 2003 إلى 4.2 مليارات دولار في عام 2020، بمسعى رئيسي لاستهداف قطاع الصناعات الاستخراجية.

    تقوم سياسة بكين على إقامة شراكات استراتيجية مع 44 دولة أفريقية على الأقل، مع التركيز على العلاقات الثنائية بدلاً من التحالفات المتعددة الأطراف، مما يتيح لها تأمين صفقات مربحة غالبًا ما تكون ترتيبات تتعلق بالموارد مقابل إنشاء البنية التحتية.

    تركز التنمية الاقتصاديةات الصينية في غرب أفريقيا على مشاريع التعدين الكبرى وتطوير البنية التحتية للنقل وتمويل مشاريع الطاقة، إلى جانب التنمية الاقتصادية في النفط والغاز، مما يزيد من تأثير الصين في سلاسل الإمداد العالمية للمعادن والطاقة ويمنحها دورًا محوريًا في اقتصادات المنطقة.

    بكين تُعد المستثمر الأكبر في قطاع البوكسيت في غينيا، حيث تسيطر على جزء كبير من الإنتاج من خلال شركات مثل “شاندونغ ويكو” و”تشاينا هونغكياو”، وتستورد الصين معظم إنتاج غينيا من البوكسيت المستخدم في صناعة الألمنيوم.

    وفقاً للبيانات المنشورة على منصة “الطاقة”، يُعتبر مشروع سيماندو (Simandou) في غينيا أكبر مشروع تعدين في العالم حاليًا، بقيمة استثمار تبلغ حوالي 20 مليار دولار، مع مشاركة 5 شركات صينية كبرى بجانب شركة ريو تينتو، حيث تستثمر الصين في تطوير المنجم وبناء خطوط السكك الحديدية والموانئ لتسهيل تصدير خام الحديد إلى الأسواق العالمية، لا سيما الصين.

    Kunsu, Ghana - March 20th, 2023: Rural Women in Small Scale Mining (Galamsey) in Ghana, Africa. The quest for the daily meal of these women relies on them finding gold in an already mined land.
    نساء ريفيات يعملن في التعدين على نطاق صغير في غانا (شترستوك)

    روسيا والمزاوجة بين الاستقرار والتنمية الاقتصادية

    شهدت مالي والنيجر وبوركينا فاسو زيادة كبيرة في النفوذ الروسي في مجال التعدين، خاصة بعد الانقلابات العسكرية الأخيرة وتراجع التأثير الفرنسي والغربي. بينما تتبنى الصين استراتيجية تستند إلى التنمية الاقتصادية مقابل الموارد، تعتمد روسيا على مقايضة الاستقرار بالثروات الطبيعية من خلال تقديم مساعدات عسكرية مقابل امتيازات تعدين.

    برزت في هذا الصدد أنشطة مجموعة فاغنر (الفيلق الأفريقي لاحقًا) التي استفادت من العلاقات الاستقرارية مع السلطات الانتقالية في مالي للحصول على امتيازات في قطاع المعادن، مشابهة للذهب.

    كما منحت السلطة التنفيذية الانتقالية في بوركينا فاسو تراخيص لشركة “نورد غولد” الروسية لتشغيل مناجم ذهب رئيسية مثل منجم “نيو”، الذي يُتوقع أن يصل إنتاجه إلى 20.2 طنًا من الذهب خلال ثمان سنوات، مما يُعزز من تأثير روسيا في قطاع الذهب في البلاد.

    بعد حظر تعدين اليورانيوم المفروض على الشركات الفرنسية في النيجر، وقعت السلطة التنفيذية مذكرة تفاهم مع روسيا في فبراير 2025 لتعزيز التعاون في مجالات الاستكشاف والتعدين، خاصة فيما يتعلق باليورانيوم.

    تشير التقارير إلى أن روسيا تحقق ما يتجاوز 2.5 مليار دولار من تجارة الذهب الأفريقي منذ 2022، حيث يُنقل جزء كبير من ذهب غرب أفريقيا إلى روسيا بهدف تعزيز احتياطياتها وتقليل اعتمادها على الدولار في ظل التحديات الناتجة عن الحرب الأوكرانية.

    القوى الغربية آخر الواصلين إلى “الحفلة”

    دخلت القوى الغربية، لا سيما الولايات المتحدة، في مجال المعادن الحيوية في أفريقيا متأخرة نسبيًا مقارنةً بالصين، مما أدى إلى حصولها على موطئ قدم أضعف. تُعزى عدم انخراط الشركات الغربية تاريخيًا إلى تحديات مثل ضعف الحوكمة، وسوء ممارسات العمل، والتدهور البيئي، واحتمالات تأجيج المواجهةات المسلحة.

    رغم دخول واشنطن المتأخر، أصبح تأمين الوصول الموثوق إلى المعادن الحيوية ضروريًا للأمن الماليةي والقومي الأميركي. شهدت السنوات الأخيرة زيادة اهتمام الولايات المتحدة بالتنمية الاقتصادية في معادن غرب أفريقيا الحيوية للطاقة النظيفة، لتأمين سلاسل التوريد بعيدًا عن الصين. يقود هذه الجهود مؤسسات مثل بنك التصدير والاستيراد الأميركي، حيث تُدار ضمن استراتيجية وطنية تقر بأهمية 50 معدنًا أساسيًا للأمن القومي والماليةي الأميركي، الكثير منها يتوفر في أفريقيا.

    تمتلك الشركات الغربية أيضًا حضورًا قويًا في قطاع الذهب، خاصة البريطانية مثل “إنديفور ماينينغ”، التي كانت تدير مناجم “بونغو” و”واهغنيون” في بوركينا فاسو قبل أن تُصادرها السلطة التنفيذية الانتقالية في أغسطس 2024. كما تستثمر شركات كندية وأسترالية في مشاريع الذهب والليثيوم والمعادن النادرة في دول مثل غانا ومالي ونيجيريا وساحل العاج.

    بالإضافة إلى ذلك، تواجه الشركات الغربية تحديات مضاعفة بسبب تصاعد “النزعة الوطنية للسيطرة على الموارد” في غرب أفريقيا، حيث تسعى الحكومات لزيادة حصتها من العائدات، وإدخال ضرائب جديدة، ومراجعة العقود، بل وحتى مصادرة بعض المشاريع كما حدث في بوركينا فاسو والنيجر، مما يُجبر الشركات الغربية على تحسين شروط العقود وتعزيز الشفافية والتنمية الاقتصادية المواطنوني.

    السعي نحو التخلص من “اللعنة”

    إن مفهوم “لعنة الموارد” يختصر المأساة التاريخية لأفريقيا مع مواردها الطبيعية، حيث يشير إلى أن الرفاهية بسبب هذه الكنوز غالبًا ما ترتبط بالاستعمار، والاضطرابات السياسية، والفساد، مما يتيح للقوى الخارجية السيطرة على الثروات في مقابل دعم بقاء الأنظمة الحاكمة، مع محدودية الفوائد على المواطن.

    في ظل سباق المعادن الحيوية، تسعى حكومات المنطقة لاعتماد استراتيجيات جديدة لضمان فوائد أكبر من التعدين للسكان، مدعومة بتأييد شعبي قوي. ففي استطلاع “أفروبارومتر” لعام 2024، أظهر 78% من الغانيين دعمهم لهذا التوجه.

    يوضح مقال كتبته زينب عثمان، مديرة برنامج أفريقيا في “مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي”، أن دول القارة بدأت تعتمد قوانين تعدين تعزز السيادة الوطنية على المعادن، مع حظر تصدير المعادن غير المعالجة، ووضع سياسات لدعم القيمة المضافة محليًا.

    قامت دول مثل غانا ونيجيريا ومالي وغينيا والنيجر بوضع سياسات تفضيل وطني في قطاع التعدين لزيادة المشاركة المحلية، تشمل التزامات بمعالجة المعادن قبل التصدير، وشروط بيئية أكثر صرامة.

    على سبيل المثال، ينص قانون التعدين في مالي لعام 2023 على رفع الحصة الإجمالية للدولة والقطاع الخاص المحلي إلى 35% في المشاريع الجديدة مع إلغاء بعض الإعفاءات الضريبية.

    ينص القسم 42 من قانون المعادن والتعدين في غانا لعام 2006 على إعادة التفاوض على عقود الإيجار، في حين تدعو الإصلاحات المالية في غينيا لعام 2023 إلى تمثيل الغينيين بنسبة 40% في المناصب الإدارية بالشركات بحلول عام 2026.

    ختامًا، تمتلك منطقة غرب أفريقيا قطاع تعدين جاذب، إلا أن هذه الميزة تحمل مخاطر تحول المنطقة إلى ساحة تنافس جيوسياسي تشكل جوهر السعي للهيمنة على المستقبل التقني، مما يستدعي من الدول تحقيق توازن بين جذب التنمية الاقتصاديةات وضمان مصالحها الوطنية، مع مواجهة التحديات المتعلقة بالديون، والاستقرار، والشفافية كعقبات رئيسية نحو التنمية المستدامة.


    رابط المصدر

  • هل تستطيع أفريقيا التخلص من سيطرة الدولار؟

    هل تستطيع أفريقيا التخلص من سيطرة الدولار؟


    في أغسطس 2023، صرح القائد الجنوب أفريقي سيريل رامافوزا، خلال قمة البريكس، عن توسيع عضوية المجموعة لتشمل مصر، وإثيوبيا، والسعودية، والإمارات، وإيران، والأرجنتين، مما ينذر بتغيير في الديناميات الماليةية العالمية. يسعى التحالف لتقليل الاعتماد على الدولار عبر أدوات جديدة مثل نظام “بريكس باي”، لكن هذا قد يعيد تشكيل التبعية بدلاً من تخليص الدول الأفريقية منها. يواجه الجنوب العالمي تحديات في بناء سيادة نقدية حقيقية، حيث تعاني الماليةات من الاعتماد على الدولار وغياب التنسيق والسياسات النقدية المستقلة. يبقى السؤال: هل ستؤدي البدائل إلى استقلال حقيقي أم مجرد تبعية جديدة؟

    في ليلة شتوية باردة من ليالي جوهانسبرغ في أغسطس 2023، صعد القائد الجنوب أفريقي سيريل رامافوزا إلى المنصة في القمة الخامسة عشرة لمجموعة البريكس، حاملاً في نبرته ما يُشير إلى أكثر من مجرد بيان تقليدي. صرح، باسم الدول الخمس المؤسّسة، عن قرار تاريخي بتوسيع عضوية المجموعة لتشمل ست دول جديدة: مصر، وإثيوبيا، والسعودية، والإمارات، وإيران، والأرجنتين.

    لم يكن الإعلان مفاجئًا فحسب، بل بدا وكأنه يتجاوز التوقعات. في قاعة امتلأت بالكاميرات والمراقبين، تجاوز تأثير الأسماء المُضافة مجرد التوسعة، وكأنه يفتح بابًا لنظام مالي جديد أو على الأقل يُعيد ترتيب خريطة النفوذ الماليةي العالمي.

    بين الكلمات البروتوكولية وعدسات الإعلام، انتشرت همسات حول عملات بديلة، ونظام مالي جديد، ومصطلحات مثل “التحرر من هيمنة الدولار” و”إعادة التوازن النقدي العالمي”.

    كانت اللغة أنذرة، لكنها في عمقها تشير إلى تحول يتجاوز التحالفات الجغرافية؛ إذ تتضمن أحاديث عن الجنوب العالمي الذي يستعد للتخلص من قبضة الدولار، أو على الأقل يعيد التفكير في علاقته به.

    لم تكن الكلمات صاخبة، لكنها أفصحت عن الكثير. كانت، في جوهرها، إعلانًا صامتًا عن أن الجنوب العالمي، وأفريقيا في صميمه، يستعد لمرحلة ما بعد الدولار.

    على مدى عقود، لم يعد الدولار مجرد عملة؛ بل أصبح أداة هيمنة تُؤثر بعمق على اقتصادات الدول الأفريقية التي تتحرك في ظل تقلباته، في غياب سياسات نقدية مستقلة. وفي هذا السياق، تقدم البريكس بدائل مغرية، من نظم دفع موحدة إلى تمويلات بعملات غير غربية، لكنها تثير تساؤلات حيوية: هل يمكن التحرر من التبعية بالدخول في تبعية جديدة؟ وهل تمتلك أفريقيا مشروعًا نقديًا ذاتيًا، أم أنها لا تزال تجري ضمن خرائط الآخرين؟

    بناءً عليه، يسعى هذا المقال للتقرب من هذه اللحظة الفارقة، ليس من زاوية التحليل المالي فحسب؛ بل من خلال سؤال السيادة. يبدأ من واقع اختلال النظام الحاكم النقدي المتجذر، ويُفكر في أدوات البريكس وإمكاناتها، ثم يتأمل في التساؤل الأكثر إلحاحًا: هل نشهد فعلاً بداية خروج أفريقيا من المدار؟ أم أننا نُبدّل فقط اتجاه التبعية لكن لا نغير طبيعتها؟

    ضيق العملة.. واتساع التبعية

    في قلب المشهد النقدي الأفريقي، تتجلى الهيمنة الأميركية على الدولار باعتبارها عاملًا مركزيًا يُقيّد قدرة العديد من الدول على تحقيق استقرار اقتصادي مستقل. تُظهر تجارب دول مثل مصر ونيجيريا ودول منطقة الفرنك سيفا كيف أن الاعتماد المفرط على العملة الأميركية يُعرض هذه الماليةات لتقلبات خارجية تُعرقل جهود التنمية المستدامة.

    في مصر، شهد الجنيه المصري سلسلة من التخفيضات الحادة، أبرزها في يناير 2023 بنسبة 40%، تلاها تعويم العملة في مارس 2024، مما أدى إلى تراجع قيمتها إلى 0.02 دولار أميركي. أدت هذه التغيرات إلى ارتفاع تكاليف الواردات وزيادة معدلات ارتفاع الأسعار، مما أثر سلبًا على القدرة الشرائية للمواطنين. بالإضافة إلى ذلك، تفاقمت أزمة العملة الأجنبية، مما دفع السلطة التنفيذية للسعي للحصول على قروض من صندوق النقد الدولي بقيمة 3 مليارات دولار.

    وفي نيجيريا، تراجعت قيمة النيرة بشكل ملحوظ، إذ انخفضت بنسبة 47% من 770.38 نيرة مقابل الدولار في 2023 إلى 1,470.19 نيرة في 2024. أدى هذا التراجع إلى زيادة عبء الديون الخارجية، حيث ارتفعت مستويات الدين الخارجي إلى 42.5 مليار دولار أميركي في نهاية 2023، مما زاد من تكاليف خدمة الدين وأثر على الاستقرار المالي للبلاد.

    أما في دول منطقة الفرنك سيفا (CFA Franc)، التي تضم 14 دولة أفريقية، تُستخدم عملة مرتبطة باليورو بسعر صرف ثابت. تُلزم هذه الدول بإيداع 50% من احتياطاتها من النقد الأجنبي لدى الخزانة الفرنسية، مما يُحد من سيادتها على سياساتها النقدية. هذا النظام الحاكم يُقيد التنمية الماليةية ويُعزز التدفقات الرأسمالية نحو أوروبا، مما يؤدي إلى ضعف قدرة هذه الدول على تحقيق نمو اقتصادي مستدام.

    على الصعيد العالمي، بدأت بعض الدول في اتخاذ خطوات لتقليل الاعتماد على الدولار. على سبيل المثال، اتفقت الصين والبرازيل على استخدام عملاتهما المحلية في التبادلات التجارية، وبدأت روسيا في استخدام اليوان الصيني في بعض معاملات التجارة. تُظهر هذه التحركات رغبة متزايدة في تقليل هيمنة الدولار.

    في هذا السياق، تمثل مبادرات مجموعة البريكس فرصة للدول الأفريقية لتعزيز سيادتها النقدية. ورغم ذلك، فإن نجاح هذه المبادرات يعتمد على قدرة الدول على تطوير مؤسسات مالية قوية وتعزيز التكامل الإقليمي، ووضع رؤية واضحة للسيادة النقدية. فبدون هذه الخطوات، يمكن أن تتحول هذه البدائل إلى تبعية جديدة تُعيد إنتاج نفس الاختلالات السابقة، ولكن بأدوات مختلفة.

    التحرر الحقيقي لا يتحقق عبر اعتماد بدائل جديدة فحسب؛ بل يتطلب بناء نظام نقدي أفريقي متماسك داخليًا، يستند إلى مؤسسات قوية وتكامل إقليمي فعال ورؤية إستراتيجية واضحة. فقط من خلال هذه الأسس، يمكن لدول القارة أن تحقق السيادة النقدية الحقيقية، وتتجنب الوقوع في فخ التبعية بالألوان الجديدة.

    حين تَهْمِس البريكس بلغة أخرى

    تهدف مجموعة البريكس إلى تقديم بدائل للنظام المالي العالمي الهيمن عليه من قبل الدولار الأميركي، من خلال تطوير أدوات مالية جديدة لتعزيز التعاون بين الدول الأعضاء وتقليل الاعتماد على العملات الغربية.

    بين هذه الأدوات، يأتي نظام “بريكس باي” (BRICS Pay)، وهو منصة دفع رقمية تستخدم تقنيات البلوكشين، وتهدف إلى تسهيل المعاملات عبر النطاق الجغرافي بين الدول الأعضاء، باستخدام عملاتها المحلية، مما يُقلل الحاجة إلى الدولار في التسويات الدولية.

    تشير التقارير إلى أن ما يقارب 160 دولة قد تعتمد هذا النظام الحاكم الجديد، مما يعكس اهتمامًا عالميًا متزايدًا بتقليل الاعتماد على الدولار الأميركي في المعاملات المالية الدولية.

    كما تدرس المجموعة إمكانية إنشاء عملة موحدة تُعرف باسم “عملة بريكس”، لتكون وسيلة تبادل بين الدول الأعضاء، مما يعزز الاستقلال المالي ويقلل من تقلبات أسعار الصرف المرتبطة بالدولار. تشير الدراسات إلى أن هذه العملة قد تكون مدعومة بسلة من السلع الاستراتيجية، مما يمنحها استقرارًا وقيمة حقيقية في الأسواق العالمية.

    فضلًا عن ذلك، أنشأت البريكس بنك التنمية الجديد (NDB) لتمويل مشاريع البنية التحتية والتنمية المستدامة في الدول الأعضاء، مع التركيز على تقديم قروض بعملات محلية لتقليل مخاطر تقلبات العملات الأجنبية. في عام 2024، وافق المؤسسة المالية على قروض قيمتها مليار دولار لجنوب أفريقيا لمشاريع البنية التحتية، و200 مليون دولار لدعم مشاريع التنمية المستدامة في مصر.

    أما في مجال التجارة، تسعى مجموعة البريكس إلى تعزيز استخدام اليوان الصيني في التبادلات التجارية بين الدول الأعضاء، مما يُساهم في تقليل الاعتماد على الدولار ويساعد على تعزيز مكانة اليوان كعملة دولية. وتشير المعلومات إلى أن استخدام اليوان في المعاملات التجارية بين دول البريكس قد ارتفع بنسبة 6% خلال الأربع سنوات الماضية، مما يعكس الاتجاه المتزايد نحو تنويع العملات المستخدمة في التجارة الدولية.

    بالنسبة للدول الأفريقية، تُعتبر هذه المبادرات فرصة لتحسين السيادة المالية وتقليل التبعية للنظام المالي الغربي. تسعى مصر، مثلاً، إلى أن يساعد انضمامها إلى البريكس في جذب التنمية الاقتصاديةات وتخفيف أزمة العملة. بينما تأمل نيجيريا في الاستفادة من تمويل بنك التنمية الجديد لدعم مشاريع البنية التحتية والتنمية الماليةية.

    رغم ذلك، تواجه هذه المبادرات العديد من التحديات، بما في ذلك الحاجة إلى توافق سياسي واقتصادي بين الدول الأعضاء، وتطوير بنية تحتية مالية وتقنية متقدمة، وضمان استقرار العملة الموحدة المقترحة. هناك أيضًا مخاوف من أن تؤدي هذه البدائل إلى تبعية جديدة، لاسيما في ظل الهيمنة المتزايدة للصين داخل مجموعة البريكس.

    لذلك، في الوقت الذي تقدم فيه مجموعة البريكس أدوات واعدة لتعزيز الاستقلال المالي للدول الأعضاء، فإن نجاح هذه المبادرات يعتمد على قدرة الدول على التعاون والتنسيق الفعّال وتطوير مؤسسات مالية قوية تدعم هذه التوجهات.

    تبعية مُقنّعة أم استقلال مؤجّل؟

    بينما تسعى أفريقيا إلى التحرر من هيمنة الدولار، تبدو مبادرات مجموعة البريكس كبدائل محتملة؛ بيد أن هذه البدائل قد تحمل في طياتها تحديات جديدة، مما يثير التساؤل: هل ستؤدي هذه البدائل إلى سيادة نقدية فعلية، أم ستفضي إلى تبعية بألوان جديدة؟

    أحد أبرز التحديات يكمن في الهيمنة المتزايدة للصين داخل مجموعة البريكس. وفقًا لتقرير صادر عن East Asia Forum، تشكل الصين أكثر من 70% من الناتج المحلي الإجمالي للمجموعة، مما يمنحها نفوذًا قويًا في تحديد السياسات والتوجهات المالية. قد يؤدي هذا التركيز إلى تبعية جديدة؛ حيث تعتمد الدول الأعضاء على الصين بدلاً من الولايات المتحدة، مما يحد من استقلالية قراراتها الماليةية.

    على الرغم من ما تقدمه مجموعة البريكس من أدوات بديلة، فإن التحدي الحقيقي لا يزال في داخل القارة نفسها. تضم أفريقيا أكثر من خمسين دولة، متباينة في مستويات النمو والاستقرار والتكامل، وتفتقر إلى قاعدة مؤسسية قوية، يمكن أن تُبنى عليها مبادرات التحرر من الهيمنة النقدية.

    تظهر تقارير المؤسسة المالية الدولي أن ضعف البنية التحتية المالية وتعدد العملات وغياب التنسيق بين السياسات النقدية والمالية تُعزز من حالة التشظي، وتضعف إمكانية بناء نظام نقدي موحد أو حتى منسق وظيفيًا.

    في غرب أفريقيا، يستمر ربط الفرنك سيفا بالخزانة الفرنسية كقيد سياسي وتقني في آن واحد، بينما تعاني دول الشرق من ضغوط تقلبات الأسواق ونفاد احتياطيات النقد الأجنبي. أما دول الجنوب، فبينما تتمتع بمرونة المؤسسات كما في حالة جنوب أفريقيا، فإن الاعتماد على تدفقات رأسمالية مضاربة يبقي الاستقرار عُرضة للاهتزاز.

    المشكلة إذًا ليست في غياب البدائل؛ بل في هشة الأرضية التي يُفترض أن تُبنى عليها تلك البدائل. يأتي البديل الحقيقي من إعادة ترتيب داخلي واضحة، تعيد تعريف العلاقة مع القطاع التجاري ومع الإستراتيجية المالية ومع أدوات التنسيق الإقليمي. مهما تعددت طرق الانفصال الظاهري، ستظل مُعرضة للارتداد، ما لم تُحل الأسئلة البنيوية أولًا.

    في انتظار السيادة.. لا المخلّص

    في عالم تُعيد فيه القوى صياغة موازينها، لا يكفي أن تخرج دول أفريقيا من هيمنة الدولار، إن لم تكن قادرة على الوقوف في ظلها الذاتي. لم تكن المشكلة في العملة فحسب، بل في المسافة الطويلة بين القرار والمصدر، بين الحاجة والقدرة، بين التبعية والمبادرة.

    تطرح مجموعة البريكس أوراقًا جديدة على الطاولة، بعضها يحمل وعدًا حقيقيًا بمساحة أوسع للحركة؛ لكنها أوراق لا تكتمل إن لم تُقرأ من الداخل أولاً. لأن النوافذ وحدها لا تُحدث تغييرًا إن كانت الجدران متصدعة، والمؤسسات هشة، والرؤية غائبة أو مؤجلة.

    القدرة النقدية لا تُمنح، ولا تُستورد؛ بل تُبنى لبنة لبنة. فالاتفاقية الخاصة بالتجارة الحرة الأفريقية ليست مجرّد مشروع تكامل اقتصادي، بل قد تكون الإطار الوحيد الذي يمكن أن تُكتب فيه خارطة استقلال نقدي حقيقي، تتقاطع فيه الإرادة مع البنية، والإستراتيجية مع الإنتاج، والمصالح مع المستقبل.

    لذا، أفريقيا التي تطمح إلى التحرر، لا يكفيها أن تستبدل العملة بعملة أخرى؛ بل يجب إعادة كتابة شروط العلاقات، ليس مع واشنطن أو بكين فحسب؛ بل مع ذاتها أولًا. فهي الوحيدة القادرة على تحويل تلك النوافذ إلى أبواب تُفتح باتجاه السيادة، لا مجرّد ممرات جديدة للنفوذ القديم، أو الجديد الذي لم تتضح معالمه بعد.

    الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.


    رابط المصدر

  • لماذا قامت إدارة ترامب بنقل مواطنين من جنوب أفريقيا إلى أمريكا عبر الطائرات؟

    لماذا قامت إدارة ترامب بنقل مواطنين من جنوب أفريقيا إلى أمريكا عبر الطائرات؟


    بحلول 2025، أطلق ترامب برنامجًا لمساعدة الأقلية البيضاء في جنوب أفريقيا على الهجرة إلى الولايات المتحدة، مما يثير تساؤلات حول دوافعه. يشير بعض التحليلات إلى أن هذه الحملة مرتبطة بمزاعم إيلون ماسك عن “اضطهاد البيض”، رغم عدم وجود تجربة شخصية له تُظهر ذلك. في المقابل، تؤكد حكومة جنوب أفريقيا عدم صحة هذه الادعاءات، بينما تواصل الأبحاث عرض الحقائق حول العنف الزراعي. تتزايد العلاقات الدولية لجنوب أفريقيا، مع الاستعداد لاستضافة قمة مجموعة العشرين، بينما تسعى واشنطن لفرض نفوذها على المالية العالمي، داعمة للتوترات القائمة بين البلدين.

    |

    عند تولي دونالد ترامب رئاسة أمريكا، أطلق برنامجًا يهدف إلى مساعدة الأقلية البيضاء في جنوب أفريقيا على الانتقال إلى الولايات المتحدة. حيث تم تحويل مواطنين بيض (أفريكان) عبر طائرات مستأجرة، مما أثار الكثير من التساؤلات حول دوافع هذا البرنامج.

    يتضح أن إحدى الأسباب التي تعزز خطاب إيلون ماسك حول “اضطهاد السود للأقلية البيضاء” تعود إلى أن هذه الأقلية، رغم كونها لا تتجاوز 7% من السكان، تسيطر على حوالي 70% من الأراضي الزراعية. الرسالة الضمنية هنا تُلقي باللوم على السود في إخفاق السياسات الماليةية التي أُقيمت بعد انتهاء نظام الفصل العنصري بعد ثلاثة عقود.

    ومع ذلك، يبرز تساؤل: لماذا يتزعم إيلون ماسك هذه الحملة؟ فالرجل وُلد في جنوب أفريقيا عام 1971، ثم انتقل إلى كندا وأخيرًا إلى الولايات المتحدة، دون أن يواجه تجارب مباشرة مع المضايقات من السود في بلده الأصلي.

    تُظهر الحملة أيضًا قلقًا متزايدًا لدى الأقلية البيضاء بشأن جهود الحكومات ذات الأغلبية السوداء في تعزيز التمكين الماليةي، والتي تهدد بمسح الثروة من أيديهم. هذا القلق يتزايد مع وجود قانون يتيح مصادرة الأراضي لأغراض اقتصادية. وفي سياق ذلك، توضح المؤشرات السياسية منذ عهد نيلسون مانديلا أن جنوب أفريقيا تسير نحو سياسات أكثر استقلالًا عن الغرب.

    القائد الجنوب أفريقي سيريل رامافوزا لم يفوت أي فرصة لدحض الادعاءات التي روج لها إيلون ماسك، وكذلك ترامب، حتى خلال الاجتماع الأخير بينهما في البيت الأبيض. حيث أصر ترامب على عرض فيديو يدعم الرواية الأمريكية حول “اضطهاد البيض” في جنوب أفريقيا، ويظهر مقاطع لجوليوس ماليما، السياسي اليساري، وهو يوجه هتافات من فترة الفصل العنصري ضد البيض.

    وفي منتدى في أبيدجان بساحل العاج، علق رامافوزا على إعلان أمريكا بفتح أبواب الهجرة للأفارقة البيض بدعوى تعرضهم للاضطهاد، قائلًا: “هذا لا ينطبق عليهم، فهم لا يستوفون تعريف اللاجئ”، مشدّدًا على أن اللاجئ هو من يهرب من بلاده خوفًا من الاضطهاد السياسي أو الديني.

    تشير إحصائيات من الشرطة إلى أن الفترة بين أبريل/نيسان 2020 و2024 شهدت مقتل 225 شخصًا في المزارع، بينهم 53 من المزارعين البيض فقط. ورغم ذلك، تبقى أمريكا مستمرة في تضخيم الحوادث التي تستهدف البيض، مما يطرح تساؤلاً: لماذا هذا التركيز الأمريكي على هذه المسألة تحديدًا؟

    هناك جانب آخر مرتبط بظهور جنوب أفريقيا على الساحة العالمية؛ حيث تم إدراجها ضمن اقتصادات الأسواق الناشئة، وانضمت إلى مجموعة العشرين التي تمثل نحو 85% من المالية العالمي، رغم أن مساهمتها ضئيلة. والأكثر أهمية هو أنها ستستضيف قمة مجموعة العشرين هذا السنة، مما يعزز مكانتها الدولية.

    لكن الأهمية لا تقتصر على هذا الحضور الدولي، بل إن هذه القمم تسهم في تعزيز الوعي الأفريقي بقيمة الثروات والموقع الجيوسياسي للقارة، مما يثير قلق الولايات المتحدة والشركات التي تسعى لتوسيع سيطرتها على المالية العالمي.

    جنوب أفريقيا وروسيا

    أعربت جنوب أفريقيا بوضوح عن تضامنها مع روسيا منذ بداية غزوها لأوكرانيا، لكن القائد بوتين لم يحضر قمة “البريكس” التي استضافتها البلاد في 2023، مشيرًا إلى أن غيابه قد يؤثر سلبًا على الاجتماع. وهذا يفتح مجالًا لتوقع عدم حضوره قمة مجموعة العشرين القادمة في جنوب أفريقيا.

    التحدي الأكبر أمام الدولة المضيفة يتمثل في ضمان مشاركة القائد ترامب، حيث ستشكل مشاركته إنجازًا سياسيًا كبيرًا وتساهم في تعزيز العلاقات بين جنوب أفريقيا وأمريكا.

    المالية يتحدث

    هدد ترامب بفرض رسوم جمركية تصل إلى 100% على دول مجموعة “البريكس”، ردًا على دعوات إنشاء عملة احتياطية بديلة للدولار. تزداد المخاوف الأمريكية أيضًا من تعزيز جنوب أفريقيا للعلاقات مع شركاء “البريكس”، مثل الصين وروسيا وإيران، وهي علاقات شملت بعض التدريبات العسكرية المشتركة.

    فيما يتعلق بموقف جنوب أفريقيا من الحرب على غزة، حيث قدمت دعوى ضد إسرائيل أمام محكمة العدل الدولية بتهمة جرائم الإبادة، يصبح واضحًا تعدد نقاط التوتر بين بريتوريا وواشنطن. هذا التوتر يفسر ضعف شعبية جنوب أفريقيا داخل الأوساط الجمهورية في الكونغرس الأمريكي، حيث تم اقتراح إعادة تقييم العلاقات الثنائية منذ فبراير 2024.

    قوة جنوب أفريقيا

    تتسم جنوب أفريقيا بقوة استراتيجية من خلال معادنها النادرة مثل المنغنيز والبلاتين، التي تمثل حوالي 6.4 مليارات دولار من صادراتها إلى الولايات المتحدة، مما يشكل 7.4% من واردات واشنطن من المواد الأولية في عام 2022. من هنا، يدرك الطرفان أهمية هذه الصادرات في العلاقات الثنائية.

    في هذا الإطار، سعى رامافوزا خلال زيارته الأخيرة إلى الولايات المتحدة – ثاني أكبر شريك تجاري لجنوب أفريقيا – للحصول على تأكيدات حول مستقبل العلاقات الماليةية، خاصة في ظل التهديدات بفرض تعريفات جمركية مرتفعة قد تعمق الأعباء على المالية المتعثر بالفعل.

    إيلون ماسك

    في خضم هذه التطورات، تمثل إيلون ماسك “صياد الفرص”، حيث سعى لتقديم خدمات شركته “ستارلينك” المتخصصة في بث الشبكة العنكبوتية عبر الأقمار الصناعية في جنوب أفريقيا. لكن هذه المساعي واجهت عائقًا يتمثل في قانون محلي يتطلب تخصيص نسبة من أسهم الشركة للمواطنين السود، وهو ما تم رفضه من قِبل ماسك وعدد من المستثمرين الأمريكيين.

    بدلًا من ذلك، قدّمت حكومة جنوب أفريقيا بديلًا عبر ما يُعرف بـ”برنامج مكافئ الأسهم”، الذي يتيح للشركات الأجنبية التنمية الاقتصادية في مشاريع تنموية بدلًا من التنازل عن أسهمها. وقد تم تطبيق هذا النموذج بنجاح في قطاع السيارات، مما يمهد الطريق لمزيد من التنمية الاقتصاديةات من ماسك في القطاع التجاري الجنوب أفريقية.

    وفي نهاية المطاف، يبقى السؤال: هل تمثل هذه الخطوة بداية لتطور إيجابي في العلاقات بين جنوب أفريقيا والولايات المتحدة قبيل قمة العشرين المنتظرة في نهاية السنة؟

    لا تعكس الآراء الواردة في المقال بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.


    رابط المصدر

  • حوالي 8 ملايين شخص مشرد في أفريقيا بحلول عام 2024 نتيجة لتغير المناخ

    حوالي 8 ملايين شخص مشرد في أفريقيا بحلول عام 2024 نتيجة لتغير المناخ


    نوّه تقرير الاتحاد الدولي لجمعيات الصليب الأحمر والهلال الأحمر أن تغير المناخ أدى إلى نزوح نحو 8 ملايين شخص في أفريقيا. ولفت إلى زيادة حالات النزوح بسبب الكوارث المناخية، مثل الفيضانات والجفاف، من 6 ملايين في 2023 إلى 7.8 ملايين في 2024. يتناول التقرير تأثير التغير المناخي على المواطنونات وأهمية الاستعداد المبكر، حيث تتداخل هذه التحديات مع مخاطر أخرى كالاضطرابات الماليةية والمواجهةات. دعا تشارلز بوسينغ إلى العمل المحلي والتنمية الاقتصادية في الحلول الفعالة لضمان عدم تخلف أي شخص عن الركب، وتحقيق التعافي المستدام والآمن.

    |

    أفاد تقرير للاتحاد الدولي لجمعيات الصليب الأحمر والهلال الأحمر أن الظواهر الناجمة عن تغير المناخ أدت إلى نزوح نحو 8 ملايين شخص داخل القارة الأفريقية أو هجرتهم، مأنذرًا من تفاقم المشكلة نتيجة تزايد الكوارث المرتبطة بالمناخ وزيادة عدم الاستقرار.

    ولفت التقرير، الذي جاء بعنوان “مُجبرون على الفرار في ظل مناخ متغير”، إلى أن وتيرة وشدة الفيضانات والجفاف والعواصف وموجات الحر تفاقم المشكلة، مما يؤدي إلى زيادة عدد الذين نزحوا عن ديارهم في أفريقيا بفعل الكوارث المناخية.

    في عام 2024، صرحت تسجيل 7.8 ملايين حالة نزوح بسبب الكوارث في أفريقيا، وفق مركز رصد النزوح الداخلي. ويشير هذا الرقم إلى زيادة قدرها 1.8 مليون مقارنة بسنة 2023، حيث بلغ العدد 6 ملايين.

    يتضمن التقرير 30 دراسة حالة من 15 جمعية وطنية للصليب الأحمر والهلال الأحمر في أفريقيا، التي تعمل في مجالات مثل تحديد المخاطر والحد منها، وتعزيز التكيف، والاستعداد المبكر، وتقديم المساعدات والحماية، ودعم التعافي المرن، وذلك للحد من مخاطر النزوح المرتبط بالمناخ.

    بحسب التقرير، فإن هذه الضغوط المناخية لا تأتي في عزلة، بل تتداخل بشكل كبير مع مخاطر أخرى مثل النزاعات وعدم الاستقرار الماليةي وانعدام الاستقرار الغذائي، مما يزيد من تفاقم نقاط الضعف ويجعل من الصعب على المواطنونات التعافي وإعادة البناء.

    تجدر الإشارة إلى أن هذه الأرقام تمثل حالات النزوح وليس عدد الأفراد، لأن بعض الأشخاص قد اضطروا للنزوح أكثر من مرة. كما يتوقع أن تؤدي الظروف المناخية مثل درجات الحرارة المرتفعة والأمطار الغزيرة والفيضانات إلى استمرار زيادة معدلات النزوح.

    على مدى العقود الماضية، كانت وتيرة الاحترار في أفريقيا أكبر من المتوسط العالمي، وفقًا للهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ. وقد سُجلت مؤخرًا موجات حر وأمطار غزيرة وفيضانات وعواصف وأعاصير وفترات جفاف طويلة وصارمة.

    وأوضح التقرير أنه في كثير من الأحيان، لا تبقى للناس سوى خيارات محدودة عندما يشاهدون مياه الفيضانات ترتفع أو الأرض القاحلة تتشقق؛ إما المغادرة فورًا بحثًا عن ملاذ آمن، أو البقاء ومواجهة المخاطر بفقدان منازلهم أو سبل عيشهم، أو الموت في أسوأ الحالات.

    قال تشارلز بوسينغ، المدير الإقليمي للاتحاد الدولي لجمعيات الصليب الأحمر والهلال الأحمر في أفريقيا، إن “هذا التقرير يعد دعوة للعمل، للاستثمار في الحلول المحلية، وتمكين المواطنونات، وضمان عدم تخلف أي شخص عن الركب عند حدوث أي كارثة مثل الفيضان أو الجفاف أو العاصفة المقبلة”.

    يعتقد بوسينغ أن هذا ليس أمرًا حتميًا، فمع الدعم الملائم يمكن للمجتمعات الأفريقية الاستعداد والتكيف واتخاذ قرارات مدروسة بشأن مستقبلها، مما يساعدها على تجنب مخاطر أكبر، وفقًا لتوقعاته.

    يخلص التقرير إلى أن “العمل الجماعي من خلال القيادة المحلية يمكن أن يدعم الناس في التكيف والانتقال إلى مناطق أكثر أمانًا، والتعافي وإعادة البناء بكرامة”.

    ويؤكد أيضًا على أهمية الاستعداد المبكر للكوارث لتمكين المواطنونات من اتخاذ قرارات آمنة قبل حدوث النزوح.

    كما يسلط الضوء على ضرورة تأهيل مراكز المساعدات للنازحين في أفريقيا، وتوفير الحماية والمساعدة خلال فترة النزوح، ودعم التعافي طويل الأجل بعد الكوارث، وهو ما يسعى الاتحاد الدولي لجمعيات الصليب الأحمر والهلال الأحمر لتحقيقه، لكن شدة الكوارث المتزايدة في القارة تجعل ظروف العمل صعبة.


    رابط المصدر

  • ملايين من حيوانات البنغول و193 ألف فيل.. الجريمة المنظمة تهدد الحياة البرية في أفريقيا

    ملايين من حيوانات البنغول و193 ألف فيل.. الجريمة المنظمة تهدد الحياة البرية في أفريقيا


    A recent investigative report highlights the complexity of wildlife trafficking in Africa, detailing a web of corruption and organized crime that undermines conservation efforts and fuels illegal markets. Titled “Disruption and Chaos: Analyzing Pangolin Trade from 2015-2024,” the study reveals alarming statistics, showing the mass killing of pangolins and elephants for their scales and ivory. Notably, over 193 tons of ivory were seized, potentially representing the death of 193,000 elephants. The report also discusses the role of African intermediaries in facilitating trade with organized crime networks in Asia, particularly in Vietnam and China, amidst shifting law enforcement strategies due to COVID-19.

    كشف تحقيق استقصائي حديث عن مدى تعقيد وسعة الاتجار بالحياة البرية في أفريقيا، كاشفاً عن شبكة معقدة من الفساد والجريمة المنظمة والإخفاقات النظام الحاكمية التي تؤثر سلبا على جهود الحفاظ على البيئة وتغذي الأسواق غير المشروعة.

    يقدم تحقيق “الاضطراب والفوضى: تحليل لحجم حيوان البنغول (آكل النمل) والاتجار بالعاج 2015-2024” صورة مقلقة ومعقدة للاتجار بالحياة البرية بين أفريقيا وآسيا خلال هذه الفترة، ما بين ما قبل وما بعد جائحة كوفيد-19.

    يُعتبر التقرير من إعداد “لجنة العدالة للحياة البرية” أحد أكثر الدراسات شمولاً حول كيفية استفادة التجارة غير المشروعة من الثغرات القانونية والتدخلات السياسية والضعف المؤسسي.

    الأرقام الواردة في التحقيق مثيرة للدهشة، حيث تشمل 8 أنواع من البنغول الكبير والصغير. في المتوسط، يصل وزن البنغول إلى 5 كيلوغرامات، ويحتوي كل منها على نحو 500 إلى 600 غرام من الحراشف، ويحتاج الحصول على طن واحد منها لقتل أكثر من 1800 بنغول.

    AP19100266007745 1748120198
    عام 2019 تمت مصادرة 1.2 طن من حراشف البنغول في سنغافورة (أسوشيتد برس)

    الاتجار بالطبيعة

    في عام 2024، أعدت الجمارك النيجيرية أكثر من 9.4 أطنان من حراشف البنغول من شحنات مخفية تحت طبقات من الخشب أو داخل أكياس الكاجو، إلى جانب آلاف من أنياب الفيلة، مما يشير إلى أن أكثر من 18 ألف بنغول قد قُتل لتأمين هذه الشحنة وحدها.

    كما يذكر التقرير أنه في عام 2019، تجاوزت الضبطيات العالمية لحراشف البنغول 100 ألف طن، ويُقدّر أن هذه الضبطيات تمثل حوالي 10% فقط من الكمية الكلية المتداولة، مما يعني أن الملايين من البنغول تعرضوا للقتل.

    يعتبر حيوان البنغول، المعروف أيضًا باسم أم قرفة، من أكثر الثدييات البریة تعرضًا للاتجار، حيث أصبحت التجارة غير المشروعة في حراشفه ولحمه قضية عالمية منذ حوالي 10 سنوات. هناك 8 أنواع معروفة من البنغول، 4 منها في آسيا و4 في أفريقيا.

    خلال العقد الثاني من القرن، بدأت عمليات تهريب كميات كبيرة من حراشف البنغول الأفريقي لتلبية الطلب المتزايد في آسيا، والتي قُدّرت بأكثر من 370 طناً خلال العقد الماضي.

    في عام 2019، تمت مصادرة شحنتين قياسيتين من حراشف البنغول بفارق أيام قليلة في سنغافورة، بلغ مجموعها أكثر من 25 طناً، بينما ضبطت 3 عمليات ضبط قياسية للعاج في فيتنام وسنغافورة والصين، بلغ مجموعها أيضًا أكثر من 25 طناً.

    في الوقت نفسه، شهد عام 2019 إحدى أكبر عمليات مصادرة عاج الفيلة، حيث أُفيد بأنها قاربت 50 طناً، مما يعني أن حوالي 50 فيلاً قُتلوا من أجل هذه الكمية.

    يُشير التقرير إلى أنه بين عامي 2015 و2024، تمت مصادرة أكثر من 193 طناً من عاج الأفيال. وإذا كان هذا يمثل 10% من الإجمالي، فهذا يعني أن عدد الأفيال التي قُتلت يبلغ حوالي 193 ألف فيل، أي تقريباً نصف إجمالي تعداد الأفيال في أفريقيا، حسب التقرير.

    AP17088285912440 1748120166
    شحنة من أنياب الفيلة المهربة بعد مصادرتها في كينيا عام 2016 (أسوشيتد برس)

    تظهر الزيادة السريعة في حجم الشحنات تورط شبكات الجريمة المنظمة التي تعمل برأس مال كبير وبنية تحتية تجارية قادرة على نقل شحنات ضخمة عبر القارات بشكل متكرر.

    تشير التقديرات إلى أن الصيد الجائر على مدار السنوات الماضية أدى إلى انخفاض أعداد الأفيال عالمياً بنحو 30%، معظمها في القارة الأفريقية.

    تعتبر الصين تقليديًا وجهة رئيسية لتجارة العاج والحراشف، لكنها عززت جهودها لمكافحة الاتجار بالحياة البرية خلال الجائحة.

    في عام 2020، قامت السلطات بإجراء عدة اعتقالات بارزة، وفرضت عقوبات أكثر صرامة على الجرائم المتعلقة بالحياة البرية، وخصوصاً الأنواع المتعلقة بنقل الأمراض الحيوانية المنشأ، مما ساهم جزئياً في انخفاض عمليات الضبط للعاج وحراشف البنغول داخل الصين.

    تشير إجمالي المضبوطات المقدرة بحوالي 176.1 مليون دولار على مدى العقد إلى مقدار الربح الذي يجب أن تحققه الشبكات الإجرامية من عمليات الاستيراد وبيع المنتجات حتى يستمر الأمر ويظل مشروعًا تجاريًا جذابًا.

    رغم عدم معرفة نسبة التجارة غير المشروعة التي تمثلها عمليات الضبط، فإن الافتراض بأن معدل الضبط هو 10% يعني أن الإيرادات الناتجة عن الشحنات الناجحة خلال السنوات العشر الماضية قد تصل إلى 1.58 مليار دولار.

    AP17033238171460 1748120346
    حراشف بنغول صادرتها السلطات التايلندية في عام 2017 (أسوشيتد برس)

    خلال السنوات الأخيرة، وجدت لجنة العدالة للحياة البرية -التي أعدت التقرير- أن الوسطاء الأفارقة يلعبون أدوارًا حاسمة في الشبكات الإجرامية الفيتنامية والصينية التي تعمل في أفريقيا.

    تتجاوز هذه الأدوار عادة مجرد توريد المنتجات، وتشمل تنظيم السفر والاتصالات في الموانئ والمطارات، واختيار وتأمين الحمولات، وإدارة تخزين الشحنات ونقلها وتعبئتها.

    يدير هذه العمليات عادة شخص ذو خبرة وعلاقات جيدة مع الوسطاء في أفريقيا والمشترين في آسيا، بالإضافة إلى اتصالات لوجستية على كلا الجانبين.

    أظهرت التحقيقات أن شبكات الجرائم المتعلقة بالحياة البرية الصينية لها بنية تشغيلية نموذجية لعصابات الجريمة المنظمة، فهي مُهيكلة كمجموعة من الأعضاء المنظمين هرميًا وتحتوي على سلطة مركزية.

    يتخصص كل عضو في الشبكة في وظيفة معينة، مثل التمويل والتوريد والخدمات اللوجستية ونقل الأموال. غالباً ما تحدد هذه الأدوار رسمياً، وتظل العضوية ثابتة لسنوات عديدة.

    كذلك كشفت التحقيقات عن وجود ترابط قوي بين الشبكات الإجرامية النيجيرية المتورطة في تجارة حراشف البنغول والعاج. توجد روابط غير رسمية ومؤقتة بين التجار النيجيريين، تختلف عن العلاقات الهيكلية والمستمرة في الشبكات الإجرامية التقليدية.

    AP22044817139072 1748120131
    السلطات التايلندية صادرت عام 2018 شحنة من أنياب الفيلة قادمة من نيجيريا ومتجهة إلى الصين (أسوشيتد برس)

    خطوات قانونية

    على الرغم من أن جائحة كوفيد-19 أحدثت صدمة أولية أدت إلى توقف تقريباً للحركات التجارية لفترة قصيرة، فإن الجهود الاستباقية لإنفاذ القانون كان لها تأثير كبير على مشهد الجرائم ضد الحياة البرية على مستوى العالم.

    حدثت اعتقالات ومحاكمات رئيسية لتجار كبار في عدة دول على طول سلاسل التوريد خلال فترة هذا التحليل، بما في ذلك فيتنام وماليزيا وموزمبيق.

    بحسب التقرير، لعبت جهود إنفاذ القانون في الصين دورًا بارزًا، حيث قضت البلاد على تقريبًا على شبكات جريمة منظمة معنية بالاتجار بالعاج منذ بدء العمل بحظر تجارة عاج الفيلة في ديسمبر 2017.

    ومع الانخفاض الكبير في حجم التجارة، لفت برنامج الأمم المتحدة للبيئة إلى أن البنغول والفيلة لا يزالان يحتلان المركزين الثاني والثالث على التوالي، بعد وحيد القرن، في عمليات القتل والتهريب المتعلقة بالحراشف والأنياب، كما أن هناك طرقاً عديدة، بما في ذلك أوروبا، لا تزال نشطة كمسارات للتهريب.


    رابط المصدر

  • ما هي المعايير التي يعتمدها ترامب تجاه جنوب أفريقيا؟

    ما هي المعايير التي يعتمدها ترامب تجاه جنوب أفريقيا؟


    زار سيريل رامافوزا، رئيس جنوب أفريقيا، البيت الأبيض رغم تحذيرات مستشاريه، في مسعى لتقليل التوترات مع الولايات المتحدة. لكن ترامب فاجأه بعرض مقاطع فيديو تتهم بلاده بالإبادة الجماعية ضد المزارعين البيض، مما أظهر صعوبة تغيير آراء ترامب حول جنوب أفريقيا. كما تعرضت حكومة رامافوزا لانتقادات من دعاة اليمين في أميركا، بما في ذلك إيلون ماسك، الذي دعا إلى استقبال اللاجئين البيض. من ناحية أخرى، زادت جنوب أفريقيا من نشاطها القانوني ضد إسرائيل، متهمة إياها بارتكاب انتهاكات، ما يعكس الخلافات الماليةية والسياسية العميقة بين البلدين.

    واشنطن- بالرغم من تحذيرات عدد من مستشاريه بعدم زيارة القائد الأميركي دونالد ترامب، وصل سيريل رامافوزا، رئيس جنوب أفريقيا، إلى البيت الأبيض سعياً لتقليل الهوة بين بلاده والولايات المتحدة.

    ومع ذلك، نصب ترامب كميناً للرئيس الزائر، وفاجأه بعرض مقاطع فيديو بشأن ما وصفه زيفاً بـ”الإبادة الجماعية” ضد المزارعين البيض، لكن القائد الجنوب أفريقي تمكّن من الحفاظ على هدوئه.

    نوّهت الحادثة آراء ترامب المشوّهة عن جنوب أفريقيا، ومدى صعوبة تغيير تلك الآراء، خصوصًا وأن القوى المحركة لها تتمتع بنفوذ كبير عليه، في وقت يبدو فيه أن ترامب لا يهتم بقضايا القارة الأفريقية عموماً، بما في ذلك جنوب أفريقيا.

    وقد استبقت مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات، المركز البحثي اليميني في واشنطن، الزيارة بتحديد 5 جوانب كان ينبغي على ترامب التحدث عنها مع رامافوزا، مشيرة إلى العلاقات الوثيقة لجنوب أفريقيا مع روسيا والصين وإيران، كما ادعت عن وجود روابط قوية مع حركة حماس وحزب الله.

    ومع ذلك، كان هذا التوجه يهدف لأن يحفز ترامب للضغط على جنوب أفريقيا بسبب موقفها الصارم أمام محكمة العدل الدولية أمام الإبادة الجماعية التي ترتكبها إسرائيل في قطاع غزة بدعم أميركي كامل.

    في الوقت نفسه، لعب إيلون ماسك، الجنوبي الأفريقي الأصل، دورًا هامًا يتماشى مع الجناح اليميني المتعصب والمنتمي لتيار “أميركا أولاً”، والذي يؤمن بتفوق العرق الأبيض.

    من منظور مادي، لعب “لوبي المعادن النادرة” ومصالح واشنطن في مواجهتها للهيمنة الصينية دورًا في الضغط على رئيس جنوب أفريقيا، في محاولة لزيادة الحصة الأميركية في معادن جنوب أفريقيا النادرة.

    إسرائيل أولا

    في عهد رامافوزا، زادت حزب المؤتمر الوطني الأفريقي من جهوده القانونية ضد إسرائيل في محكمة العدل الدولية. وزعم اللوبي اليهودي أن “جنوب أفريقيا وضعت نفسها محامية لحركة حماس على الساحة الدولية”.

    وقد أطلقت بريتوريا هجوماً قانونياً ضد ممارسات إسرائيل أمام محكمة العدل الدولية في ديسمبر/كانون الأول 2023، متهمة إسرائيل بارتكاب إبادة جماعية ضد الفلسطينيين في غزة. ووصف وزير الخارجية السابق توني بلينكن هذه الاتهامات بأنها “سخيفة” وأن المحكمة ليست مؤهلة للنظر فيها.

    على الرغم من ذلك، أصدرت المحكمة مذكرتي اعتقال بحق رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير دفاعه السابق يوآف غالانت. ورغم أن إسرائيل ليست عضواً في المحكمة، فإن 125 دولة أصبحت ملزمة قانوناً باعتقال نتنياهو إذا وطئت قدمه أراضيها، مما يجعله منبوذاً في معظم أنحاء العالم.

    وصف ترامب جنوب أفريقيا بأنها تتخذ “مواقف ضد الولايات المتحدة وحلفائها”. وفي أوائل فبراير/شباط، صرح وزير الخارجية ماركو روبيو أنه لن يحضر قمة مجموعة العشرين في جوهانسبرغ، مدعياً أن جنوب أفريقيا تستخدم المنتدى لتعزيز التنوع والإنصاف والشمول وجهود تغير المناخ، وهي سياسات تعارضها إدارة ترامب.

    ولم تتراجع جنوب أفريقيا، بل نوّه رامافوزا دعمه ل”مساءلة إسرائيل عن جرائم الحرب”.

    FILE PHOTO: Elon Musk listens to U.S. President Donald Trump speak in the Oval Office of the White House in Washington, D.C., U.S., February 11, 2025. REUTERS/Kevin Lamarque/File Photo
    إيلون ماسك (يسار) حث ترامب على استقدام اللاجئين البيض من جنوب أفريقيا (رويترز)

    ماسك و”الأفريكانيز”

    جاءت الزيارة في وقت تدهورت فيه العلاقات بين واشنطن وبريتوريا إلى أدنى مستوى منذ انتهاء نظام الفصل العنصري عام 1994. وزعم ترامب أن “أحداث مروعة تحدث” في جنوب أفريقيا، وتحدث عن تقارير تتعلق بـ”الإبادة الجماعية للبيض”، داعياً البيض هناك إلى التقدم بطلب لجوء في الولايات المتحدة.

    ومن الجدير بالذكر أن طائرة حكومية أميركية وصلت تحمل حوالي 59 مواطناً جنوب أفريقياً من البيض الذين طلبوا اللجوء في الولايات المتحدة.

    وعزز صديق ترامب المقرب الملياردير إيلون ماسك هذا الموقف، ما ينعكس في رؤيته اليمينية التي ترى أن البيض يواجهون تهديداً وجودياً، سواء في الولايات المتحدة بسبب الهجرة، أو في بلدانهم الأم مثل جنوب أفريقيا نتيجة السياسات التي تدعم العدالة الاجتماعية.

    ركز الإعلام اليميني في الولايات المتحدة على سردية أن حكومة جنوب أفريقيا “تقوم بمصادرة الأراضي من البيض بناءً على لون بشرتهم”، ووجدت دعماً لهذه الفرضية من قبل إيلون ماسك.

    ومن المثير للإعجاب أن إدارة ترامب ألغت اعتماد سفير جنوب أفريقيا السابق إبراهيم رسول بعد وصولها للحكم في يناير/كانون الثاني، نتيجة مزاعمه بأن حركة “ماغا” (MAGA) الداعمة لترامب “عنصرية” وتعزز التوجهات التي تعكس التراجع في أعداد الأغلبية البيضاء بسبب الهجرة.

    يقول منتقدو ترامب إن سياساته الخارجية المتعلقة بالهجرة، بما في ذلك قبول اللاجئين “الأفريكانيز” (الأفارقة البيض)، ليست سوى استمرار لأجندته المناهضة للسود في الولايات المتحدة.

    أما رامافوزا، فيرفض مزاعم ترامب ومستشاره ماسك بشأن مصادرة أراضي “الأفريكانيز” أو معاملتهم بشكل غير عادل، مشيراً إلى أن بلاده “هي الوحيدة في القارة التي استقر فيها المستعمرون ولم نطردهم أبداً”.

    المعادن النادرة

    من ناحية أخرى، جاء قرار ترامب في وقت سابق من هذا السنة بقطع المساعدات عن جنوب أفريقيا صادماً لمشاركة بلاده في مشروع يتعلق بالأتربة والمعادن النادرة في منطقة فالابوروا، شمال شرق جنوب أفريقيا، الذي يعتبره عدد من المعلقين حاسماً لمصالح الولايات المتحدة في مجال إنتاج الإلكترونيات والسيارات والأسلحة.

    تحتكر الصين إلى حد بعيد توريد وتكرير بعض المعادن الحيوية، خاصة الأتربة النادرة، وهي مجموعة من 17 معدنًا تُستخدم في بناء منتجات تدعم المالية الحديث.

    ويعتقد الخبراء أن مشروع جنوب أفريقيا يساعد في التغلب على تحديات تطوير مصادر المعادن التي لا تسيطر عليها الصين.

    من المتوقع استخراج 4 أتربة نادرة رئيسية من الموقع، وفقاً لتقارير من شركة “قوس قزح للمعادن النادرة” (Rainbow Rare Earths) التي تدير المشروع.

    وفي تقرير لمركز الدراسات الإستراتيجية والدولية بواشنطن، تشير الخبيرة غراسيلين باسكاران إلى أن منطقة “فالابوروا” تمثل مركزًا إستراتيجياً للمصالح الأميركية. ولأهميتها، قام وفد من موظفي الكونغرس الأميركي بزيارة مختبرات الشركة في جنوب أفريقيا خلال مارس/آذار الماضي.

    يشير تقييم أجرته هيئة المسح الجيولوجي الأميركية إلى أن هذه المنطقة يمكن أن تنتج أكثر من 10 آلاف طن من أكاسيد الأرض غير المغناطيسية سنوياً. وتسيطر الصين على 70% من الإنتاج العالمي لهذه المواد النادرة والقيّمة.

    تظهر النزاعات بين إدارة ترامب وجنوب أفريقيا تهديداً لمصالح واشنطن الماليةية، في وقت تشير فيه التحليلات إلى رغبة ترامب في منح جنوب أفريقيا مزيدًا من حقوق التنقيب واستخراج المعادن النادرة للشركات الأميركية.

    في النهاية، فإن قرار ترامب بالحضور أو عدم الحضور في قمة مجموعة العشرين المزمع عقدها في جنوب أفريقيا فيما بعد هذا السنة يعد اختبارًا حقيقياً لمستوى وخطورة الخلافات بين الدولتين.


    رابط المصدر