الوسم: ونتنياهو

  • 600 يوم من المواجهة: إخفاق استراتيجي لإسرائيل ونتنياهو تحت نيران الانتقادات

    600 يوم من المواجهة: إخفاق استراتيجي لإسرائيل ونتنياهو تحت نيران الانتقادات


    في ذكرى مرور 600 يوم على الحرب الإسرائيلية ضد حماس، تعكس مقالات الصحف الإسرائيلية تشاؤمًا حيال الأداء الحكومي برئاسة نتنياهو. تنتقد المقالات فشل السلطة التنفيذية في تحقيق الأهداف القائدية، مثل القضاء على حماس واستعادة الرهائن. يُشار إلى أن الوضع الاستقراري ما زال هشًا، والصواريخ مستمرة في الهطول. يعاني القوات المسلحة من عجز سياسي، مع انقسامات داخلية تعرقل اتخاذ القرار. بينما تُظهر الضفة الغربية تحسنًا في العمليات العسكرية، تُعتبر غزة اختبارًا فاشلاً للقيادة الإسرائيلية. يبدو أن إسرائيل غير قادرة على تحقيق نتائج حاسمة، مما يزيد من الإحباط بين المواطنين.

    في الذكرى 600 لبدء الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة، غطّت الصحف الإسرائيلية بالتحليلات النقدية حول وضع إسرائيل، حيث ركز الكثير منها على إخفاق السلطة التنفيذية الإسرائيلية برئاسة بنيامين نتنياهو في تحقيق الأهداف المعلنة للعملية العسكرية. وكان من أبرز هذه الأهداف القضاء على حركة حماس، تحرير الرهائن، واستعادة الاستقرار على المدى البعيد.

    وهيمنت على هذه المقالات أجواء من التشاؤم وانعدام الرؤية للخروج من الأزمة، نظراً لتعدد الساحات التي يتواجد فيها جيش الاحتلال الإسرائيلي، بما في ذلك غزة والضفة ولبنان وسوريا واليمن وحتى إيران، بالإضافة إلى الاضطرابات الداخلية في ضوء الخلافات الحادة بشأن أهداف الحرب.

    مأزق إستراتيجي

    في مقال قوي نُشر في صحيفة “يديعوت أحرونوت”، قال المحلل السياسي ومراسل شؤون المستوطنات أليشع بن كيمون إن “الواقع في غزة لم يتغير، والقيادة الإسرائيلية فشلت في كل اختبار، وعلى رأسها رئيس السلطة التنفيذية الذي يتجنب اتخاذ القرارات ويقود البلاد إلى مأزق إستراتيجي عميق”.

    وأضاف المحلل أن القوات المسلحة الإسرائيلي، على الرغم من العمليات المكثفة التي أدت إلى تدمير مناطق واسعة من غزة ومقتل حوالي 20 ألفًا من عناصر حماس – حسب التقديرات الإسرائيلية – إلا أنه لا يزال مضطراً للعودة بنفس المناطق لمواجهة ما تبقى من خلايا المقاومة، وقال “بالفعل أُصيبت البنية التحتية لحماس، لكن الحركة لا تزال موجودة وتعمل وتتنفس”.

    كما لفت إلى أن جهود السلطة التنفيذية لإضعاف الحركة عبر تقديم مساعدات إنسانية مباشرة للسكان لم تحقق أهدافها حتى الآن، رغم الترويج لها كنقطة تحول.

    واستشهد المحلل بفشل المبادرات السابقة في مناطق مثل مستشفى الشفاء، ورفح، وطريق فيلادلفيا، مشيرًا إلى أن “الزمن يتغير فقط، لكن الواقع يبقى كما هو”.

    وفيما يتعلق بملف الرهائن، أوضح بن كيمون أن إسرائيل استردت حتى الآن 145 من أصل 251 رهينة أسروا في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، بينما لا يزال 58 منهم محتجزين في غزة “بعضهم لم يعد على قيد الحياة”.

    واعتبر أن حكومة نتنياهو فشلت في خلق أي نفوذ فعال على حماس للضغط من أجل الإفراج عنهم، قائلاً “لا أتوقع من منظمة إرهابية أن تظهر رحمة، لكنني كنت أتوقع من حكومتي أن تتخذ خطوات تجعل الخاطف يندم على فعله”.

    أمن مفقود وقيادة مترددة

    ويعتقد المحلل السياسي أن الاستقرار الذي وعدت به السلطة التنفيذية لا يزال بعيد المنال، فالصواريخ ما زالت تنطلق من غزة وإن كانت بوتيرة أقل، والحوثيون في اليمن يستمرون في استهداف الممرات البحرية، كما أن النطاق الجغرافي الشمالية مع سوريا تشهد تصعيداً متزايداً، بينما لم يعد جميع سكان غلاف غزة إلى منازلهم حتى الآن.

    ويقول بن كيمون إن سبب هذا التعثر هو “عجز نتنياهو عن الحسم”، واصفاً إياه بأنه “شخص يفضل إبقاء جميع الخيارات مفتوحة، ويتجنب اتخاذ القرارات اللازمة”.

    استناداً إلى فشله العسكري، يرى بن كيمون أن الانقسامات الداخلية داخل السلطة التنفيذية تلعب دوراً أيضاً، حيث تتنافس تيارات من أقصى اليمين مثل إيتمار بن غفير وبتسلئيل سموتريتش، مع تيارات أكثر براغماتية، مما يؤدي إلى تعطيل اتخاذ القرار.

    ويضيف أن نتنياهو غالباً ما يعيق صفقات وقف إطلاق النار، سواء كان ذلك بسبب ضغط سياسي أو نزاعات مع القوات المسلحة أو جهاز الاستقرار السنة (الشاباك)، مما أدى إلى “شلل إستراتيجي يفتقر إلى انتصار ملموس أو تراجع”.

    ورغم انتقاده أداء السلطة التنفيذية في غزة، يقدم بن كيمون الضفة الغربية كنموذج متناقض، حيث يدّعي أن إسرائيل تحقق “نجاحاً في تغيير الواقع” من خلال عمليات أمنية مكثفة داخل المخيمات والمدن وتوسيع المستوطنات بشكل غير مسبوق.

    ويشير إلى أن رؤساء المجالس الاستيطانية يتحدثون بصراحة عن السيطرة على المزيد من الأراضي وفرض الوقائع، مؤكداً أن “إسرائيل هناك تمتلك رؤية واضحة وتنفيذ متسق، بينما تسود الفوضى والتردد في غزة”.

    ويختتم المحلل مقاله بالتأكيد على أن غزة لم تعد مجرد ساحة حرب، بل أصبحت “اختباراً للقيادة الإسرائيلية”، وهو اختبار فشلت فيه السلطة التنفيذية، على حد قوله.

    ويضيف أن “600 يوم من القتال لم تؤد إلى نتائج حاسمة، وكل ما تحقق حتى الآن هو مزيد من الدماء والجمود”.

    لا خطة للخروج

    من ناحية أخرى، قال آفي أشكنازي المراسل العسكري لصحيفة معاريف إن إسرائيل تعيش حالة من الضياع الاستراتيجي في حربها المستمرة منذ 600 يوم ضد حركة حماس.

    ولفت أشكنازي إلى أن الفشل ليس عسكريًا بقدر ما هو سياسي، وكتب في مقال نشر الأربعاء في الذكرى 58 لحرب يونيو/حزيران 1967 أن “إسرائيل، التي احتلت الشرق الأوسط في 6 أيام، لا تستطيع منذ ما يقارب السنةين هزيمة منظمة مسلحة ببنادق كلاشينكوف”.

    ورأى أشكنازي أن السلطة التنفيذية الإسرائيلية لا تعرف ماذا تريد من هذه الحرب، ولا تمتلك خطة خروج أو حتى مؤشرات حقيقية للنجاح، بل تسير في حرب بلا نهاية واضحة. ولفت إلى أن القوات المسلحة وأجهزة الاستقرار تمكنت من التعافي بعد صدمة 7 أكتوبر، لكنها تفتقر إلى التوجيه السياسي الواضح.

    وقال إن المأزق يتجلى في عجز القيادة السياسية عن تحديد ما إذا كانت إسرائيل تريد إنهاء حكم حماس في غزة، أو إعادة الاحتلال والاستيطان، أو الاكتفاء بردع مؤقت.

    في هذا السياق، أضاف أشكنازي أن “اليمين المتطرف يريد التمسك بالقطاع وتجديد الاستيطان فيه، بينما لا يوجد توافق على أهداف العملية، أو حتى اسم موحد لها”، حيث استُخدمت حتى الآن عشرات الأسماء المتناقضة لوصف الحملة.

    في مقارنة لافتة، لفت الكاتب إلى أن إسرائيل تقيم اليوم ذكرى انتصارها الساحق في حرب 1967، بينما تغوص في “مستنقع غزة” منذ ما يقارب عامين، دون أن تتمكن من تحرير 58 رهينة أو حتى تحديد موعد لإنهاء الحملة.

    وأضاف أن ما بدأ كحرب عادلة ضد ما وصفه بالاعتداء الدموي تحول إلى “مستنقع بلا أفق”، متوقعاً أن يستمر هذا الوضع حتى اليوم 700 وربما الألف، بلا اسم، وبلا نهاية، وبلا أفق سياسي.

    ضربة تاريخية وإسرائيل تعود للهزيمة مجددا

    يعرض الكاتب الإسرائيلي بن كسبيت في مقاله بصحيفة معاريف سرداً مفصلاً لما يعتبره إحدى أحلك الفصول في تاريخ إسرائيل، بدءًا من الهجوم المفاجئ لحماس في 7 أكتوبر، وصولاً إلى تعافي القوات المسلحة ومن ثم تعثر الدولة مجددًا بسبب قيادة نتنياهو، الذي ركز منذ البداية على البقاء السياسي بدلاً من استخلاص الدروس أو تصحيح المسار.

    ويصف بن كسبيت هجوم حماس بأنه “أسوأ هزيمة في تاريخنا”، مشيرًا إلى أن خطة “طوفان الأقصى” نجحت في تجاوز الدفاعات الإسرائيلية على النطاق الجغرافي مع غزة، واحتلال مواقع عسكرية، وقتل المئات من المدنيين والجنود، مما أثار حالة من الرعب الوجودي بين الإسرائيليين لم تشهدها البلاد منذ حرب الاستقلال.

    ويؤكد أن الخطر لم يكن في حجم الدمار أو عدد القتلى، بل في إدراك الإسرائيليين أن دولتهم ليست بمأمن، وأصبحت هشة أمام أعدائها.

    ورغم ذلك، يشير بن كسبيت إلى أن القوات المسلحة الإسرائيلي فاز بالسيطرة بعد ثلاثة أيام من الهجوم، واستعاد المناطق التي احتلها مقاتلو حماس، وبدأ مرحلة الرد والهجوم.

    بحسب الكاتب، حققت إسرائيل “انتصاراً حقيقياً” في الأسابيع التي تلت الهجوم، حيث تم القضاء على قادة حماس وتدمير جزء كبير من بنيتها التحتية، وخاصة الأنفاق، مع استمرار التفوق الجوي والعمليات داخل غزة.

    لكن هذا الزخم العسكري – بحسب بن كسبيت الذي يعرف بنقده اللاذع لنتنياهو – لم يتحول إلى إنجاز سياسي أو استراتيجي بسبب فشل القيادة السياسية، وتحديداً نتنياهو الذي استخدم الكارثة كفرصة لتعزيز بقائه في السلطة.

    ويرى الكاتب أن نتنياهو اجتمع في اليوم التالي للهجوم مع المقربين منه، ليس لمناقشة الرد أو إدارة الأزمة، بل لوضع “خطة البقاء السياسي”، وكيفية تحميل المسؤولية للآخرين وتجنب المحاسبة.

    يستهزئ بن كسبيت بمحاولات نتنياهو تحميل رئيس حزب الديمقراطيين يائير غولان أو مسؤولين آخرين المسؤولية، بينما تتحمل السلطة التنفيذية والاستخبارات والعسكر المسؤولية بسبب سياساته الطويلة الأمد. كما ينتقد استغلاله لانضمام رئيس حزب معسكر الدولة بيني غانتس وغادي آيزنكوت إلى السلطة التنفيذية بعد الهجوم، لتعزيز موقعه دون إحداث تغيير حقيقي في إدارة الدولة أو الحرب.

    ويعتبر الكاتب أن إسرائيل فقدت فرصة استراتيجية بعد نجاحها العسكري، حيث تراجعت على الأصعدة السياسية والدولية، في الوقت الذي كان فيه العالم العربي والدولي مستعداً للتقارب مع إسرائيل تحت زخم جديد تقوده الولايات المتحدة.

    ومع ذلك، فإن سياسات نتنياهو وتحالفه مع أقصى اليمين أفشلا هذه الفرصة، وجعلت من إسرائيل “دولة منبوذة” على حافة فرض العقوبات والاعتراف بالدولة الفلسطينية.

    ويختتم بن كسبيت مقاله بأن إسرائيل هزمت ثم انتصرت، لكنها تعود للهزيمة مرة أخرى بسبب قيادتها؛ أما نتنياهو فقد حقق هدفه الشخصي بالبقاء في الحكم، لكن على حساب الدولة ومؤسساتها ومستقبلها.

    الإرهاق يلف المواطنون

    في مقال يعبر عن إحباط متزايد داخل قطاعات من الرأي السنة الإسرائيلي – خاصة من استمرار الحرب دون نتائج حاسمة – تناولت الكاتبة كارني ألداد في صحيفة “يسرائيل هيوم” مرور 600 يوم على الحرب الجارية، معبرة عن الإرهاق العميق الذي يلف الجنود والمختطفين وعائلاتهم والداخل الإسرائيلي، بل والمواطنون الدولي بأسره، بينما تستمر المعارك دون أفق واضح لنهايتها، ودعات بما تسميه “صورة النصر” التي ترى أن الشعب الإسرائيلي يستحقها بعد هذه المعاناة الطويلة.

    وتصف ألداد الواقع الميداني والنفسي قائلة “الإرهاق يترك بصماته على جنودنا بشكل لا مثيل له، وعلى المختطفين وعائلاتهم، وعلى العائلات والجبهة الداخلية”، وهذا الإرهاق – برأيها – يعكس حجم الأزمة المستمرة، وسط غياب أي حسم واضح للحرب.

    وتنتقد الكاتبة التأخر في حسم المعركة، مستشهدة بأمثلة من التاريخ لتوضح ما يمكن تحقيقه خلال 600 يوم من الحرب، قائلة إن نابليون خلال فترة مماثلة “غزا النمسا وبروسيا وبولندا وأجزاء من ألمانيا، وغيّر خريطة أوروبا، وأسس إمبراطوريات ودول جديدة”.

    كما تشير إلى إنجازات يوليوس قيصر في بلاد الغال، حيث بسط النفوذ الروماني على مساحات واسعة خلال أقل من عامين.

    ثم تقارن ذلك بالحرب الحالية قائلة “صحيح أن العالم ليس هو نفسه، وليس لدينا الترتيب العسكري لتلك الجيوش، لكننا أيضاً لا نسعى إلى إقامة إمبراطورية، بل إلى أهداف واضحة وبسيطة: هزيمة حماس وإعادة الرهائن”.

    ورغم ذلك، فإن الكاتبة تتساءل بلهجة مشككة في القيادة الإسرائيلية “فكيف لم نحقق هذه الأهداف بعد؟ هل نسينا كيف ننتصر؟ هل تفتقر القيادة التي اعتادت على الجولات المحدودة إلى الخيال والقدرة على تصور نصر كامل؟”.

    وتتحدث الكاتبة عن رؤيتين داخل المؤسسة الاستقرارية: الأولى يتمثل في رئيس الأركان إيال زامير الذي يعتقد أن الحرب اقتربت من نهايتها بهزيمة العدو، والثانية عبر عنها القائد الجديد لجهاز الشاباك ديفيد زيني الذي يعتبر أن إسرائيل تخوض “حرباً أبدية”.

    وتشدد ألداد على أن “هذا الفصل من الحرب يجب أن ينتهي، وينتهي بشكل جيد”.

    وفي نهاية مقالها، توجه ألداد نداءً إلى السلطة التنفيذية الإسرائيلية “هذه الأمة تستحق صورة النصر، وتستحق أن تستريح قليلاً وتلعق جراحها، وأن تعيش في بلد سيكون هادئاً لمدة 40 عاماً، على الأقل حتى الجولة التالية”.


    رابط المصدر

  • خلفيات التوتر بين ترامب ونتنياهو

    خلفيات التوتر بين ترامب ونتنياهو


    في مايو 2025، قام القائد الأمريكي دونالد ترامب بجولة في الشرق الأوسط، متجاوزًا تحالفه السابق مع نتنياهو. تفاوض ترامب على وقف إطلاق النار مع الحوثيين وأجرى محادثات مباشرة مع حماس، مظهرًا تحولًا في الإستراتيجية الأمريكية رغم المعارضة الإسرائيلية. كتب الأكاديميون عن تأثير اللوبي الصهيوني على الإستراتيجية الأمريكية، بينما يجادل تشومسكي بأن إسرائيل تتبع المصالح الأمريكية. ترامب، المعروف بدعمه لنتنياهو، بدأ يظهر مواقف متناقضة، مثل اعترافه بحقوق الفلسطينيين خلال المفاوضات. التحولات السياسية تعكس تغير التكتيكات بدلاً من الأهداف، ويبقى السؤال: من يقود الآخر في هذه العلاقة؟

    في مايو/أيار الجاري، قام القائد الأميركي دونالد ترامب بجولة في الشرق الأوسط شملت السعودية وقطر والإمارات، في تغيير ملحوظ عن تحالفه السابق مع رئيس وزراء الكيان الصهيوني بنيامين نتنياهو.

    قبل الزيارة، أجرى ترامب مفاوضات لوقف إطلاق النار مع الحوثيين، ولم يطلب من اليمن إنهاء هجماته على الأهداف الإسرائيلية. كما سمح بمحادثات مباشرة مع حركة حماس، حيث تعهد بإرسال مساعدات إنسانية عاجلة إلى غزة مقابل الإفراج عن أسير مزدوج الجنسية يحمل الجنسية الأميركية والإسرائيلية.

    هذه الخطوات الأميركية، على الرغم من المعارضات الإسرائيلية الكبيرة، تمكنت من زعزعة الافتراضات حول متانة العلاقة الاستراتيجية بين واشنطن وتل أبيب، وهو موضوع أثار جدلاً بين المؤرخين والأكاديميين لعقود عدة.

    يرى البعض أن العلاقة بين الولايات المتحدة والكيان الإسرائيلي تتشكل بفعل تأثير اللوبي الصهيوني على النظام الحاكم السياسي الأميركي لخدمة مصالح الكيان.

    في هذا السياق، قدم العالمان السياسيان جون ميرشايمر وستيفن والت حججًا قوية في كتابهما “اللوبي الإسرائيلي والإستراتيجية الخارجية الأميركية”، حيث استشهدا بأمثلة تاريخية توضح نفوذ اللوبي على صانعي القرار في الولايات المتحدة، بما في ذلك في الكونغرس والإدارات المتعاقبة.

    مثلاً، يشير الكتاب إلى تأثير اللوبي الصهيوني والمحافظين الجدد على إدارة القائد جورج بوش الابن أثناء التحضير لغزو العراق بعد أحداث 11 سبتمبر/أيلول 2001.

    بالإضافة إلى ذلك، يصعب تفسير التدخل الأميركي في “الحرب الكونية على التطرف” وتغيير الأنظمة في الشرق الأوسط فقط من خلال المصالح الأميركية الخالصة. لذا، لا شك أن الكيان الصهيوني لعب دورًا رئيسًا في تعزيز هذه السياسات.

    في كتابه “القوة اليهودية”، يوضح الصحفي ج. ج. غولدبرغ جوهر قوة اللوبي الصهيوني في تعزيز المصالح الإسرائيلية.

    كما تم دراسة هذا التأثير بشكل معمق في كتاب حديث للمؤرخ الإسرائيلي إيلان بابيه، الذي تابع تأثير اللوبي على الساسة الأميركيين والبريطانيين، ومدى تأثير ذلك على الإستراتيجية الخارجية لكل من الولايات المتحدة وبريطانيا لأكثر من قرن.

    وعلى النقيض، يؤكد المفكر الأميركي نعوم تشومسكي في كتبه أن الولايات المتحدة هي التي توجه الكيان الصهيوني لخدمة مصالحها الجيوسياسية في الشرق الأوسط.

    وفقًا لهذا الرأي، يُنظر إلى الكيان الإسرائيلي كأداة في خدمة الاستراتيجية الأميركية للهيمنة على المنطقة. وهناك سوابق تاريخية تدعم هذا الرأي، مثل العدوان الثلاثي على مصر عام 1956، حيث أمر القائد الأميركي دوايت أيزنهاور حينها الكيان بالانسحاب قبل الاستحقاق الديمقراطي الأميركية.

    مثال آخر هو حرب الخليج عام 1991، إذ دعات الولايات المتحدة الكيان بعدم الرد على هجمات العراق لتجنب إحراج الحلفاء العرب.

    لذا، يبقى السؤال: من يقود الآخر؟ هذه القضية مهمة لفهم الأحداث في غرب آسيا وشمال أفريقيا.

    بمعنى آخر، هل إسرائيل تتحكم في الإستراتيجية الأميركية، أم أنها تتبع الخيوط الأميركية؟

    خلال حملة الإبادة التي شنتها إسرائيل منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023، دعمت الولايات المتحدة إسرائيل بالكامل، وزودتها بأفضل الأسلحة، مما أثر سلبًا على مكانتها كقوة عظمى مسؤولة عن الاستقرار الإقليمي.

    رغم أنه لا يمكن إنكار تأثير اللوبي على الإستراتيجية الأميركية، تبقى مسألة من يقود الآخر في القرارات الكبرى غير مؤكدة، خاصة بعد التحولات السياسية لترامب.

    بدأ ترامب فترته الثانية كشخص يدعم الرؤى الصهيونية بشكل غير مسبوق.

    خلال ولايته الأولى، اعترف ترامب بالقدس عاصمة للكيان ونقل السفارة الأميركية، وأقر بسيادة الكيان على هضبة الجولان، وهو ما يعد انتهاكًا للقانون الدولي.

    عملت سياسات ترامب على إضعاف السلطة الفلسطينية، بتقليص المساعدات الأميركية وإغلاق مكاتب منظمة التحرير في واشنطن، رغم أن المنظمة كانت طرفًا في عملية أوسلو التي قادتها الولايات المتحدة منذ 1993.

    لكن ترامب ينظر إلى نفسه كقائد قوي يقدم إنجازات، ولا يريد أن يفوت الفرصة انتظار وعود نتنياهو.

    عندما انتهك نتنياهو اتفاق وقف إطلاق النار، أعطى ترامب له شهرين إضافيين لتحقيق أهدافه، لكنه فشل في النهاية.

    في السابع من أبريل/نيسان، فاجأ ترامب نتنياهو بإعلان بدء المفاوضات النووية الأميركية الإيرانية بعد أن كان نتنياهو يسعى لتوجيه ضربات عسكرية لإيران.

    طلب نتنياهو دعم ترامب في سياسته تجاه سوريا بعد الإطاحة بالأسد، حيث سيطر على أراضٍ سورية بعد مسلسل من الغارات. لكن ترامب خالف توقعاته بدعمه لأردوغان وبدعوة نتنياهو للتوصل إلى تسوية.

    على مدار ثلاثين عامًا، كانت الخلافات السياسية نادرة بين الولايات المتحدة والكيان الإسرائيلي، مما أجبر ترامب الكيان على بدء مفاوضات مع تركيا.

    صرح ترامب رفع العقوبات عن سوريا رغم الاعتراضات الإسرائيلية، في خطوة جاءت بعد ضغط من ولي العهد السعودي ورجب طيب أردوغان.

    تجلى الموضوع الماليةي في زيارة ترامب للمنطقة، حيث سعى وقع صفقات أسلحة مع الخليج.

    لكن السعودية رفضت تطبيع العلاقات مع الكيان في ظل إبادة غزة، واشترطت ضمانات أميركية لبناء مفاعل نووي.

    فشلت إدارة بايدن في تحقيق اتفاق بسبب رفض إسرائيل دعم حل سياسي مع الفلسطينيين.

    لكن ترامب فاجأ الجميع وتجاهل شرط التطبيع ووقع صفقة أسلحة تاريخية.

    المفاجأة كانت كبيرة للإسرائيليين الذين عارضوا الصفقة لكنهم لم يقدروا على منعها.

    بعد زيارة نتنياهو، صرح ترامب وقف إطلاق النار مع الحوثيين دون شروط، مما عكس تراجع الدعم الأميركي لإسرائيل.

    ركزت الإستراتيجية الأميركية على إعطاء الكيان حرية التصرف مع الفاعلين غير الدوليين بينما احتفظت بكبح نشاطاته تجاه الدول.

    لكن ترامب أعطى إسرائيل شهورًا من الحرية لقصف غزة، وكان حريصًا على إنقاذ الأسرى الإسرائيليين على الرغم من أن نتنياهو كان يسعى لتحقيق “النصر الكامل”.

    قبل جولة ترامب، بدأ فريقه محادثات مباشرة مع حماس لتأمين إطلاق سراح مواطن أميركي-إسرائيلي.

    بعد ضغوط من الوسطاء، أطلقت حماس سراح الأسير قبل زيارة ترامب كبادرة حسن نية.

    أثار هذا الأمر غضب نتنياهو، حيث اعتبروه تراجعًا أمام حماس.

    لكن لا ينبغي علينا الحكم سريعًا، فإدارة ترامب تضم العديد من الصهاينة الموالين للمشروع الصهيوني، مما يجعل التحولات غير مؤكدة.

    لذا، تبدو هذه التغيرات تكتيكية أكثر من كونها استراتيجية، حيث تبقى الأهداف النهائية ثابتة، لكن الوسائل تتغير.

    الاختبار الحقيقي يكمن في قدرة ترامب على إجبار إسرائيل على إنهاء الحرب في غزة، حينها سنعرف أيهما الدمية وأيهما يمسك بالخيط.

    إن نتيجة هذا الاختبار ستجيب عن سؤال: أيهما الأداة وأيهما المحرك؟

    الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.


    رابط المصدر

  • الجزيرة الآن إعلام إسرائيلي: أزمة غير مسبوقة بين ترامب ونتنياهو

    الجزيرة الآن إعلام إسرائيلي: أزمة غير مسبوقة بين ترامب ونتنياهو

    تناولت وسائل إعلام إسرائيلية ما وصفتها بالأزمة غير المسبوقة في العلاقات بين تل أبيب وواشنطن، وسط تأكيدات بأن استبعاد إسرائيل من جولة القائد الأميركي دونالد ترامب في الشرق الأوسط يعكس عمق الخلافات بين الطرفين.

    وقال رئيس قسم الدراسات الفلسطينية في جامعة تل أبيب الدكتور ميخائيل بلشتاين إن إسرائيل أمضت أسبوعا من خيبة الأمل الإستراتيجية، خاصة فيما يتعلق بالاتفاق بين جماعة أنصار الله (الحوثيون) والقائد الأميركي دونالد ترامب، مضيفا أنهم يدخلون أسبوعا قد يشهد ضائقة إستراتيجية تتضمن الكثير من الأزمات.

    وتساءل بلشتاين عن المقولة التي طالما رددها القادة الإسرائيليون بأن “أميركا دائما إلى جانبهم في النار وفي الماء”، مؤكدا أن هناك الكثير من مؤشرات التحذير، وأن كل إستراتيجيتهم قائمة على أن الأميركيين سيكونون دائما إلى جانبهم، لكن الآن بدأت تظهر الكثير من الثغرات.

    وفي إشارة إلى تنامي الشعور بالإحباط داخل المؤسسة العسكرية الإسرائيلية، أفاد مراسل الشؤون العسكرية في القناة الـ13 الإسرائيلية أور هيلر بوجود شعور بالخذلان لدى ضباط كبار في القوات المسلحة الإسرائيلي بسبب السلوك الأميركي إثر إعلان واشنطن السريع عن الوقف الفوري للهجمات على الحوثيين في اليمن، مشيرا إلى أن هذا يترك إسرائيل وحدها في مواجهة الحوثيين.

    وعلى صعيد تقييم العلاقات الشخصية بين القيادتين، قال باراك سري مستشار وزير الدفاع السابق إن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو تفاخر بالتنسيق الاستقراري مع أميركا كثيرا، والآن بات إخفاقا كبيرا له وإخفاقا لوزير الشؤون الإستراتيجية الإسرائيلي رون ديرمر.

    وأضاف أنه كما يبدو فإن ترامب ليس واقعا في حب نتنياهو وإسرائيل كما كانوا يعتقدون.

    وفي تحليل لتباين ردود فعل نتنياهو تجاه الإدارات الأميركية المختلفة، انتقد سري بشدة تعامله مع الأزمة الحالية، قائلا إنه لو حدثت هذه الأمور زمن إدارة القائد السابق جو بايدن لقلب نتنياهو واشنطن رأسا على عقب، ولأرسل إليها أو حتى سافر هو شخصيا وجعل الحزب الجمهوري يتمرد على الديمقراطيين، لكنه عاجز عن فعل ذلك لأن ترامب لا يقيم له أي اعتبار.

    وتعمقت الصحفية في إذاعة “103 إف إم” سيفان كوهين سابان في تحليل التغيرات التي طرأت على العلاقة مع ترامب، موضحة أن ديرمر كان يعد ساحرا تقريبا خلال فترة رئاسة ترامب الأولى، على الأقل وصفوه كذلك، لكنهم الآن في واقع مختلف.

    وفي نظرة تحليلية، قالت إنه يضاف إلى ذلك أن القوة الإنجيلية التي كانت فعالة لم تعد مؤثرة بالنسبة لترامب مثلها مثل المصالح الإسرائيلية، في ظل حقيقة أن ترامب هو رجل أعمال، وفي هذا الأمر أخطؤوا أيضا.

    وبشأن أهمية الفترة الحالية للإدارة الأميركية، لفت مراسل الشؤون الخارجية في القناة الـ13 يوسي إسرائيل إلى أن هذا يفترض أن يكون أحد أكثر الأسابيع أهمية بالنسبة للرئيس ترامب خلال فترة رئاسته الحالية، وتتصدره زيارة خارجية أولى إلى الشرق الأوسط.

    وكشف عن الأولويات الأميركية، موضحا أنه حتى قبل سفره سيحاول فريق ترامب تحقيق إنجاز في المشروع المنخرط به، وهو المفاوضات النووية مع إيران، في إشارة إلى أولويات الإستراتيجية الأميركية الجديدة التي لا تتوافق مع رؤية السلطة التنفيذية الإسرائيلية.


    رابط المصدر