في ديربان، قابلت فاطمة أسمال الدكتور امتياز سليمان، مؤسس منظمة “وقف الواقفين”، التي تقدم الدعم الإنساني في جنوب أفريقيا والعالم. حصل على “جائزة التيتانيوم للتميز في الرعاية الصحية” تقديرًا لجهوده بعد جائحة كوفيد-19. يعمل سليمان بلا توقف، حيث ينام 3 ساعات يوميًا، ويدير عائلته الكبيرة. تأسست المنظمة عام 1992 بعد توجيه روحي، وتقوم بمهام متنوعة تشمل تقديم خدمات طبية وإنسانية في عدة دول. يدعا بضرورة إعادة بناء أفريقيا دون تدخل أجنبي، ويعبر عن تفاؤله بشأن جنوب أفريقيا رغم التحديات.
فاطمة أسمال – ديربان
14/6/2025–|آخر تحديث: 11:29 (توقيت مكة)
في أحد المطاعم في ديربان، قابلت الدكتور امتياز سليمان، مؤسس منظمة “وقف الواقفين”، التي تُعتبر من أبرز منظمات الإغاثة في جنوب أفريقيا. كان قد انتهى لتوه من اجتماع إفطار مع ممثلي شركة متخصصة في رعاية العيون، التي تبرعت بمستلزمات طبية بقيمة مليون راند لدعم برنامج إزالة المياه البيضاء الذي تديره زوجته في إطار المنظمة.
الدكتور امتياز سليمان رئيس مؤسسة وقف الواقفين (الجزيرة)
قبل ذلك بيوم، كان في جوهانسبرغ يتسلم “جائزة التيتانيوم للتميّز في توفير الرعاية الصحية”، التي منحته إياها هيئة ممولي الرعاية الصحية في البلاد، تقديرًا لجهود منظمته في تعزيز النظام الحاكم الصحي بعد جائحة كوفيد-19، من خلال تحسين البنية التحتية وتقليص قوائم الانتظار الجراحية، وتقديم الرعاية الأولية للمجتمعات المهمشة.
رغم انشغاله، يؤكد الدكتور سليمان: “أعمل طوال السنة. لا أحب العطلات، إذ أجدها مرهقة”.
ينام 3 ساعات فقط كل يوم، بينما يخصص بقية وقته لعائلته الكبيرة، التي تتكون من زوجتين، و6 أبناء، و9 أحفاد. حتى ابنته الصغيرة، التي تبلغ من العمر 9 سنوات، تذهب معه إلى المؤتمرات، ويصر على حضورها، وإلا يعتذر عن المشاركة.
بعد تأسيس “وقف الواقفين”، تخلى سليمان عن عياداته الطبية (الجزيرة)
بداية “وقف الواقفين”
تأسست “وقف الواقفين” في عام 1992، استجابة لرؤية روحية تلقاها الدكتور سليمان خلال زيارة إلى تركيا. يتذكر تلك اللحظة قائلًا: “قال لي مرشدي الروحي: يا بني، لا أطلب منك، بل آمرك بتأسيس منظمة اسمها بالعربية سيكون ‘وقف الواقفين’. ستخدم جميع الناس، من كل الأعراق والأديان دون مقابل، ولا حتى كلمة شكر”.
كان سليمان حينها طبيبًا شابًا في أوائل الثلاثينيات، يدير 3 عيادات في بيترماريتسبورغ. لكنه قرر الاستجابة لأزمة البوسنة، وأرسل 32 حاوية مساعدات إلى هناك. ومن تلك التجربة، تعلم كل ما يحتاجه في العمل الإنساني: اللوجستيات، التحويلات المالية، البيروقراطية، الشحن، الطيران، المخاطر، والدبلوماسية.
الدكتور امتياز سليمان يتفقد مشروعًا لتوفير المياه في ملاوي (الجزيرة)
في السنة الذي تلا ذلك، صممت المنظمة مستشفى متنقلاً، وأرسلته على شكل حاويات من جنوب أفريقيا إلى البوسنة. ويشعر بالفخر بالقول: “كانت هذه أول مرة في العالم يُبنى فيها منتج طبي بتكنولوجيا أفريقية ويُرسل إلى أوروبا”.
منظمة متعددة الأوجه
بعد تأسيس “وقف الواقفين”، ترك سليمان عياداته الطبية. ويقول: “المشاريع تطورت مع الزمن – كانت هناك حاجة، وتقدم الناس إلينا، فقمنا بدراسة الأمر وتنفيذه”.
بدأت المؤسسة بتقديم خدمات متنوعة، منها مطابخ لتوزيع الطعام، منح دراسية للطلاب المحتاجين، وخدمات استشارية للمحتاجين.
على مدى أكثر من 3 عقود، تدخلت المنظمة في أزمات إنسانية في دول مثل رواندا، والشيشان، وأفغانستان، وكوسوفو، وفلسطين، وموزمبيق، ونيبال وغيرها. كما ساهمت في تحرير رهائن جنوب أفريقيين دون دفع فدية، مثل يولاند كوركي وستيفن ماكغوان في اليمن عام 2014، وفي مالي عام 2017.
الدكتور امتياز سليمان خلال زيارته إلى فلسطين (الجزيرة)
يقول سليمان: “بعض المنظمات تقدم خيامًا أو طعامًا أو أدوية. نحن نقدم كل شيء: فرق طبية، مستشفيات ميدانية، دعم نفسي، معدات، وحتى المفاوضات لتحرير الرهائن. يمكننا إنشاء مستشفى كامل في الصومال خلال 3 ساعات، أو غرفة عمليات على مدرج طائرات خلال 45 دقيقة”.
اليوم، تضم المنظمة مكاتب في جنوب أفريقيا وزيمبابوي وملاوي والصومال واليمن وغزة وسوريا وتركيا، ويعمل بها أكثر من 600 موظف.
رؤية سليمان لأفريقيا
رغم التحديات، يعتبر سليمان أن جنوب أفريقيا هي “أعظم بلد في العالم”، مشيدًا بحرية الرأي فيها. ولكنه يعترف أن الفساد والبيروقراطية تعوقان التقدم. ويؤكد أن السلطة التنفيذية تعاونت مع منظمته بشفافية، على الرغم من التحديات.
مؤخراً، عيّنه القائد سيريل رامافوزا ضمن لجنة وطنية تضم 31 شخصية بارزة لدعم الحوار الوطني في البلاد.
أما بخصوص القارة الأفريقية، فيدعو سليمان إلى التحرر من النفوذ الأجنبي، ويقول: “لدينا الموارد، ولدينا الانسجام. يجب أن نعيد بناء قارتنا بأنفسنا، بكرامة وفخر، دون أن نسمح لأي قوة خارجية بأن تملي علينا ما نفعل”.
الدكتور امتياز يحاضر الطلاب في كلية سانت آن الأبرشية في كوازولو ناتال (الجزيرة)
في تحليل نشرته فايننشال تايمز، وصف إدوارد لوس علاقة ترامب بالصين بأنها “لغز عميق” تفتقر للاستراتيجية. تُظهر سياسات ترامب تجاه الصين تذبذبًا، مما أدى لأزمات دبلوماسية مثل نفي الصين لادعاءاته بالاتصال برئيسها. تصريحاته حول تايوان وتهديد الصين لا تُؤخذ على محمل الجد، ويعتبر وزير دفاعه شخصية دعائية. كما تتقلب سياسة ترامب التجارية بين التعزيزات والتهديدات. بينما تتعارض سياسته مع الاستقرار القومي، مما يسبب قلقًا عالميًا واسعًا، تعكس قراراته المتغيرة تداخل المصالح التجارية مع الإستراتيجية. يبقى مستقبل العلاقة مع الصين غامضًا، مما يزيد من تعقيد المشهد العالمي.
في تحليل سياسي شامل نشرته صحيفة فايننشال تايمز، اعتبر الكاتب إدوارد لوس علاقة القائد الأميركي دونالد ترامب بالصين “لغزًا معقدًا” يفتقر إلى أي اتساق أو إستراتيجية واضحة.
بينما تعكس السجلات السياسية لترامب مواقف ثابتة تجاه بعض القضايا الداخلية مثل الهجرة والعجز التجاري، إلا أن سياساته نحو الصين تظهر تذبذبًا غريبًا لا يمكن التنبؤ به من قبل المسؤولين في واشنطن أو القيادة الصينية.
“فيما يتعلق بالصين، كل شيء يصبح لعبة حظ”، كما ورد في التقرير بشكل ساخر، مضيفًا: “هل يهتم ترامب حقًا بمسألة تايوان؟ دعونا نلقي عملة. هل يسعى لفصل اقتصادي تام عن بكين؟ لنجرّب عجلة الحظ”.
مكالمة زائفة وغضب دبلوماسي صيني
وقد وصل الغموض حده إلى دفع ترامب، خلال مقابلة مع مجلة تايم في أبريل/نيسان الماضي، إلى الادعاء بأن القائد الصيني شي جين بينغ قد اتصل به مؤخرًا، قائلًا “وأنا لا أعتقد أن هذا يُظهر ضعفًا من جانبه”.
تصريحات ترامب بشأن اتصال القائد شي جين بينغ به تسببت في أزمة دبلوماسية صامتة مع بكين (رويترز)
لكن وزارة الخارجية الصينية سارعبت إلى نفي هذه الادعاءات رسميًا ووصفتها بأنها “تضليل للرأي السنة”، مستخدمة لهجة دبلوماسية اعتُبرت معتدلة بالنظر إلى حساسية الموقف.
يشير التقرير إلى أن أي محاولة لفهم تفكير شي جين بينغ بناءً على تصريحات ترامب “تشبه التفسيرات من أنظمة الذكاء الاصطناعي التي تخلط الأمور”، مما يعكس عدم موثوقية أقوال ترامب.
وفي تصعيد جديد للتوترات بين واشنطن وبكين، وصف القائد الأميركي دونالد ترامب نظيره الصيني شي جين بينغ بأنه “صعب جدًا وصعب للغاية في التفاوض معه”، في منشور له على منصة “تروث سوشيال”.
وكتب ترامب “أنا معجب بالقائد شي، لطالما كنت كذلك وسأظل، لكنه شخص صعب جدًا وصعب للغاية للإبرام صفقة معه!”، بحسب ما نقلت بلومبيرغ.
تايوان تحت المجهر.. ولكن لا أحد يثق في وزير الدفاع
تعد قضية تايوان من الملفات الأكثر حساسية في العلاقة بين واشنطن وبكين، حيث تعتبرها الصين جزءًا لا يتجزأ من أراضيها. بينما تعزز بكين مناوراتها العسكرية حول الجزيرة، صرح وزير الدفاع الأميركي بيت هيغسيث أن “التهديد الصيني تجاه تايوان حقيقي وقد يكون وشيكًا”.
لكن تقرير الصحيفة يشير إلى أن هذا التصريح لم يُؤخذ على محمل الجد، حيث يُنظر إلى هيغسيث على أنه مجرد شخصية دعائية، تم تعيينها من قبل ترامب كما لو كانت تؤدي دورًا في برنامج تلفزيوني واقعي.” وبذلك، تخلق إدارة ترامب فراغًا إستراتيجيًا في ملف حساس، مما يجعل الحلفاء غير قادرين على الوثوق في جدية المواقف الأميركية تجاه هذا الأمر.
سياسة تجارية مرتجلة
أما على الصعيد التجاري، فتتأرجح سياسات ترامب تجاه بكين بين التصعيد والتقليل. فقد فرض في وقت ما رسومًا جمركية على الواردات الصينية تصل إلى 145%، ثم خفضها إلى 30% بعد توقيع اتفاق مؤقت لاستئناف تصدير المعادن الأرضية النادرة إلى الولايات المتحدة. لكن ترامب عاد مؤخرًا ليزعم أن الصين “نقضت الاتفاق”، مهددًا بتصعيد جديد.
تُعتبر المعادن النادرة -التي تهيمن الصين على أكثر من 80% من إنتاجها العالمي- أساسية لصناعة السيارات الكهربائية والإلكترونيات والطائرات الحربية الأميركية، مما يمنح بكين ورقة ضغط إستراتيجية يصعب على واشنطن تجاهلها.
تيك توك والتقنية.. ازدواجية بلا حدود
ولن تسلم شركات التقنية من تناقضات ترامب، ففي ولايته الأولى، وصف تطبيق “تيك توك” الصيني بأنه تهديد مباشر للأمن القومي الأميركي وسعى لحظره. أما الآن، فإنه يحتفظ بالوجود المُستمر للتطبيق، وسط تكهنات متزايدة بأن ذلك قد يكون تمهيدًا لبيعه إلى شريك تجاري مقرب له. ويضيف التقرير أن هذا التحول يُظهر المعدن البراغماتي لترامب الذي يتقيّد بالصفقات بدلًا من المبادئ.
القرارات المرتجلة لترامب بشأن تطبيق “تيك توك” تعكس تداخل المصالح التجارية مع اعتبارات الاستقرار القومي (الأوروبية)
وفي ما يخص صادرات الرقائق المتقدمة إلى الصين، خفف ترامب بعض القيود المفروضة سابقًا، رغم أن سياسة القائد بايدن تبنت ما يُعرف بـ”سياج عالٍ حول فناء صغير”، في إشارة إلى تشديد الرقابة على تقنيات الذكاء الاصطناعي.
يُعتبر جينسن هوانغ، المدير التنفيذي لشركة “إنفيديا”، من أبرز المناصرين لتخفيف هذه القيود، نظرًا لمصلحة شركته المباشرة في القطاع التجاري الصينية.
تأثير عالمي فوضوي
لا يقتصر الأثر السلبي للغموض في سياسة ترامب على العلاقة مع الصين، بل يمتد إلى النظام الحاكم الماليةي العالمي. في قمة حديثة، صرح القائد الفرنسي إيمانويل ماكرون بوضوح: “لا نريد أن نُعلم يوميًا ما هو مسموح وما هو غير مسموح، وكيف ستتغير حياتنا بسبب قرارات شخص واحد”. وهو تصريح يُعبر عن قلق دول الاتحاد الأوروبي من الطابع الشخصي للسياسات الأميركية في عهد ترامب.
أما جيمي ديمون، القائد التنفيذي لمصرف “جي بي مورغان”، فقد صرح بصراحة “الصين عدو محتمل… لكن ما يقلقني فعليًا هو نحن”، مشيرًا إلى الوضع المقلق الناتج عن الفوضى في الإستراتيجية الأميركية التي يعتبرها الكثيرون الخطر الأكبر على استقرار المالية العالمي.
الصين حائرة.. والعالم يترقّب
يختتم تقرير فايننشال تايمز بالقول إن الصين، مثل باقي دول العالم، تواجه معضلة مستمرة في فك رموز نوايا ترامب أو التنبؤ بخطواته التالية. في غياب أي تواصل رسمي بين شي وترامب حتى الآن، يصعب تخيل أن بكين ستخاطر بخوض لقاء علني قد يستخدمه ترامب لأغراض استعراضية أو دعائية. إذ أن لقاءاته من هذا النوع مع قادة دول مثل أوكرانيا وجنوب أفريقيا قد تحولت إلى مشاهد درامية أضرت بهذه الدول أكثر مما أفادتهم.
وهكذا، يبقى ملف ترامب والصين لغزًا مفتوحًا، تتزايد تعقيداته مع كل تصريح، وتتوسع تبعاته من المالية العالمي إلى الاستقرار الإقليمي، في وقت يبدو أن القائد الأميركي لا يتبع بوصلته الخاصة… بل ينقلبها باستمرار.
على مدى عقود، كانت سندات الخزانة الأميركية الدعامة الأساسية للنظام المالي العالمي، لكن بين 2024 و2025 تآكلت الثقة بها، مما أثّر على الأسواق العالمية. شهدت عوائد السندات ارتفاعًا غير مسبوق بسبب عجز مالي متزايد وانقسام سياسي، مما أثار تساؤلات حول مستقبل الدولار كعملة احتياط. أدى تراجع حيازات الدول الكبرى لسندات الخزانة إلى مشكلات هيكلية وجيوسياسية، مع هروب رؤوس الأموال وأزمات ديون في الدول النامية. أنذر اقتصاديون من احتمال نهاية هيمنة الدولار، داعين لإيجاد بدائل جديدة، مثل السندات الخضراء وحقوق السحب الخاصة، لتحسين وضع المالية العالمي.
على مر العقود، كانت سندات الخزانة الأميركية تُعتبر العمود الفقري للنظام المالي العالمي وملاذاً آمناً للمستثمرين في أوقات الأزمات، كما تُعد المعيار الذهبي للديون السيادية، والحجر الأساسي لسوق رؤوس الأموال العالمية.
لكن بين عامي 2024 و2025، بدأت الثقة المطلقة بهذه الأداة المالية تتلاشى، مما أدى إلى تأثيرات سلبية على الأسواق العالمية عبر القارات.
وقد أطلق بعض الماليةيين على هذه الظاهرة “الصدمة الكبرى لسندات الخزانة”، والتي تُعتبر أكثر من مجرد أزمة تقلبات سوقية، بل أزمة هيكلية وجيوسياسية، حيث اجتمعت العجوزات المالية المتصاعدة والانقسام السياسي في الولايات المتحدة وتراجع ثقة المستثمرين العالميين لتدفع بعوائد السندات الأميركية إلى مستويات غير مسبوقة، مما أثار نقاشًا جادًا حول مستقبل الدولار كعملة احتياطية عالمية.
هذه الأزمة تعود جذورها إلى مؤتمر “بريتون وودز” الذي عُقد في عام 1944، والذي وضع معالم النظام الحاكم النقدي العالمي الحديث.
“عاصفة العوائد”.. بداية الانهيار من قلب وول ستريت
بحلول منتصف عام 2024، ارتفعت عوائد السندات الأميركية لأجل 10 سنوات إلى أكثر من 5.2%، وهي أعلى مستوياتها منذ عام 2007.
العوامل وراء ذلك هي مزيج من العجز المالي السنوي الذي جاوز 1.8 تريليون دولار، وتكاليف خدمة الديون التي تجاوزت 514 مليار دولار سنويًا، بالإضافة إلى تراجع ثقة المستثمرين في قدرة الولايات المتحدة على سداد ديونها على المدى الطويل.
الأسواق العالمية خسرت مليارات الدولارات نتيجة انخفاض أسعار السندات الأميركية طويلة الأجل (الفرنسية)
بدأت البنوك المركزية الأجنبية، بما في ذلك الصين واليابان، في تقليص حيازاتها من سندات الخزانة الأميركية بسبب المخاوف الجيوسياسية والمالية.
ومع ارتفاع العوائد، تراجعت أسعار السندات، مما أدى إلى خسائر فادحة للمستثمرين المؤسسيين، وما بدأ كتصحيح في أسعار الفائدة تحول إلى أزمة ثقة.
وأنذر الخبير الماليةي الأميركي نوريل روبيني في حديث صحفي قائلاً: “القطاع التجاري ترسل إشارة واضحة بأنها لم تعد تثق في قدرة النظام الحاكم السياسي الأميركي على إدارة مستقبله المالي”.
ما أهمية سندات الخزانة فعلاً؟
تؤدي سندات الخزانة الأميركية دوراً رئيسياً في بناء المالية العالمي، فهي ليست مجرد أدوات دين، لفهم تأثيرها نحتاج إلى النظر في استخداماتها المتعددة التي تشمل جميع جوانب الأسواق المالية الدولية:
دعامة لاحتياطيات النقد الأجنبي: أكثر من 59% من احتياطيات العملات الأجنبية عالمياً مقومة بالدولار، غالبية هذه الاحتياطيات هي في سندات الخزانة.
ملاذ آمن للأزمات: خلال الاضطرابات، يتجه المستثمرون إليها كخيار دفاعي طبيعي.
مقياس تسعير عالمي: تحدد أسعار الفائدة على هذه السندات منحنى العائد الذي يُستخدم لتحديد أسعار قروض الشركات والرهون العقارية والديون السيادية حول العالم.
ضمانة رئيسية في أسواق الريبو: تُستخدم كضمان أساسي لتوفير السيولة بين البنوك والمؤسسات المالية الكبرى.
مرتكز للسياسة النقدية: تتابع البنوك المركزية العالمية تحركات الاحتياطي الفيدرالي الأميركي باستخدام عوائد السندات كمرشد.
وأي تشكيك في موثوقية سندات الخزانة لا يهدد الولايات المتحدة فقط، بل يضرب الأسس التي يعتمد عليها النظام الحاكم المالي العالمي بأسره.
كيف وصلت الهيمنة الأميركية إلى هنا؟
لفهم جذور هذه الأزمة، يجب العودة إلى مؤتمر “بريتون وودز” في عام 1944، الذي وضع خريطة المالية العالمي الذي تلا الحرب العالمية الثانية وأسّس هيمنة الدولار.
سندات الخزانة الأميركية لم تعد تلعب دور “الضامن الأخير” في أسواق الريبو والسيولة العالمية كما كان الحال سابقاً (رويترز)
في ذلك المؤتمر، اتفقت 44 دولة على إنشاء نظام مالي جديد يعتمد الدولار كعملة احتياطية عالمية وقابلة للتحويل إلى الذهب، ولكن بعد انهيار هذا النظام الحاكم عام 1971، نشأت آلية غير معلنة حيث أعادت دول النفط الماليةية المصدرة ضخ فوائضها في سندات الخزانة الأميركية، مما دعم العجز في واشنطن لسنوات عديدة دون أن يثير الذعر.
ومع ذلك، لا تزال تحذيرات الماليةي روبرت تريفين في الستينيات تثير الانتباه، حيث قال “الدولة التي تصدر العملة العالمية ستضطر إلى إغراق العالم بالسيولة، مما يؤدي حتماً إلى تآكل الثقة بتلك العملة”.
وبحلول عام 2025، يبدو أن نبوءة تريفين قد تحققت.
تصدعات كبرى.. من الإنفاق الأميركي إلى الهروب الصيني
خلال السنوات الأخيرة، بدأت تظهر تصدعات واضحة في النظام الحاكم المالي الأميركي، وتحولت تلك التصدعات إلى شقوق عميقة:
الإنفاق الفيدرالي يخرج عن السيطرة: من حزم التحفيز المتعلقة بجائحة “كوفيد-19” إلى توسيع النفقات العسكرية ومشاريع البنية التحتية، ارتفع الدين الفيدرالي الأميركي إلى حوالي 37 تريليون دولار، ليشكل نحو 130% من الناتج المحلي الإجمالي.
ويتوقع “مكتب الميزانية في الكونغرس” أن تتجاوز تكاليف خدمة الدين نفقات الدفاع قريبًا.
وقالت الخبيرة الماليةية الأميركية كارمن راينهارت في ورقة نشرت بمجلة تابعة لجامعة ستيرن: “عندما يُستهلك أكثر من 30% من إيرادات الضرائب في دفع الفوائد، يصبح العجز المالي تهديدًا للأمن القومي”.
هروب رؤوس الأموال الأجنبية:
في عام 2024، خفضت الصين حيازتها من سندات الخزانة إلى أقل من 700 مليار دولار بعد أن كانت تزيد عن 1.1 تريليون قبل عشر سنوات، وتبعتها اليابان ودول الخليج، مما يعكس تحولًا استراتيجيًا نحو الذهب واليوان والأصول الرقمية.
وأنذر صندوق النقد الدولي في نهاية 2024 بأن “أي ضعف في الطلب على سندات الخزانة الأميركية قد يؤدي إلى اضطرابات ممنهجة في الاحتياطيات العالمية”.
التعريفات الجمركية تعمق الجراح الماليةية:
في خضم الأزمة، لعبت السياسات الحمائية الأميركية دورًا غير مباشر في زعزعة الثقة بالأسواق، خاصة مع قرارات رفع التعريفات الجمركية على الواردات من الصين وأوروبا خلال النصف الثاني من 2024.
هذه السياسات التي اعتمدتها إدارة ترامب تحت شعار “إعادة التوازن التجاري” أدت إلى ارتفاع أسعار السلع المستوردة، مما زاد الضغوط ارتفاع الأسعارية داخليًا.
السياسات الحمائية الأميركية التي طبقتها إدارة ترامب أدت إلى ارتفاع أسعار السلع المستوردة وساهمت في زيادة ارتفاع الأسعار المحلي (الأوروبية)
ردت دول مثل الصين وألمانيا بفرض رسوم انتقامية، مما أطلق موجة توترات تجارية أثرت سلبًا على حجم التبادل التجاري العالمي وأضعفت توقعات النمو.
قال الخبير الماليةي بول كروغمان: “التعريفات ليست مجرد أداة تفاوض، بل أصبحت عبئًا ماليًا يدفع التكاليف على المستهلك والدولة على حد سواء، خصوصًا حين تقترن بعجز مالي واسع النطاق وارتفاع حاد في عوائد السندات”.
دوامة الفوائد المرتفعة:
وأبقى الاحتياطي الفيدرالي أسعار الفائدة فوق 5% في مسعى لمكافحة ارتفاع الأسعار، مما زاد تكلفة خدمة الدين وأجبر السلطة التنفيذية على مزيد من الاقتراض، مما أدى إلى زيادة المعروض من السندات وضغط الأسعار.
وفي أكتوبر 2024، فشلت مزايدة كبيرة لسندات طويلة الأجل عندما امتنعت البنوك الكبرى عن الشراء، مما أحدث صدمة قوية في الأسواق.
كيف وصلت العدوى إلى العالم؟
مع كل ارتفاع في عوائد السندات الأميركية، تعاني الماليةات الناشئة من موجات صدمة متتالية، حيث تجد الدول التي تعتمد على التمويل بالدولار أو تلك التي تمتلك احتياطيات هشة نفسيها في مأزق خانق يتعلق بـ:
ارتفاع تكاليف الاقتراض: شهدت دول من أفريقيا وأميركا اللاتينية وجنوب شرق آسيا قفزات كبيرة في فوائد القروض.
هروب رؤوس الأموال: انهارت بعض العملات المحلية وارتفعت معدلات ارتفاع الأسعار مع تدفقات رؤوس الأموال الهاربة.
أزمات ديون متجددة: بدأت دول مثل سريلانكا وباكستان ومصر جولات جديدة من مفاوضات إعادة هيكلة الديون بحلول أوائل عام 2025.
وفي الولايات المتحدة، واجهت شركات كبرى مثل “بوينغ” و”فورد” تأجيلات في إصدار السندات بعد أن شهدت الأسواق موجة من التخفيضات الائتمانية.
وسط هذه الفوضى، تزايدت الأصوات العالمية المنادية بضرورة إعادة النظر في النظام الحاكم المالي الدولي، حيث دعات دول “بريكس” بإنشاء أنظمة بديلة لتسوية المدفوعات بعيدًا عن الدولار، بينما دعت أوروبا إلى اعتماد نظام احتياطي متعدد الأقطاب يشمل اليورو واليوان والعملات الرقمية.
هل هناك مخرج؟
ورغم التعقيدات المحيطة، قدم خبراء المالية والمؤسسات الدولية مجموعة من الاقتراحات التي قد تساعد في احتواء الأزمة أو تقليل آثارها المستقبلية من خلال:
إصدار سندات خضراء عالمية: اقترح الماليةي جيوفاني مونتاني في عام 2024 إصدار سندات خضراء من مؤسسات دولية لتقليل الاعتماد على سندات الخزانة الأميركية.
آليات تأجيل تلقائي للديون: تدرس أدوات مثل “السندات المشروطة” التي تمدد آجال الاستحقاق تلقائيًا أثناء الأزمات.
تعزيز دور حقوق السحب الخاصة: اقترح بعض الماليةيين استخدام سلة حقوق السحب الخاصة من صندوق النقد الدولي أو العملات الرقمية المدعومة بالأصول كبدائل لاحتياطات الدولار.
نظام بريتون وودز جديد: دعا أكاديميون مثل جيمس إيشام وباناجيوتيس ليساندرو إلى قمة دولية جديدة تركّز على التمويل المستدام والعملات الرقمية وتقاسم المخاطر الجيوسياسية.
حين يهتز قلب النظام الحاكم المالي
لم تعد سندات الخزانة الأميركية ذلك “الركن الثابت” الذي يُطمئن الأسواق ويكرر النظام الحاكم المالي العالمي أطره، بل أصبحت اليوم مصدر قلق وتوجس، ومحورًا لأسئلة عميقة تهز ثقة المستثمرين وصنع القرار معًا.
اهتزاز الثقة بالسندات الأميركية أحدث شروخا في بنية المالية العالمي لم تعد خافية على أحد (غيتي)
أزمة 2024-2025 كشفت عن عطب هيكلي عميق، ليست فقط في إدارة الدين الأميركي، بل في الفرضية التي استندت إليها الهيمنة المالية الأميركية منذ مؤتمر “بريتون وودز” وحتى يومنا هذا.
يرى المراقبون أن الاضطرابات في مزادات السندات، وهروب رؤوس الأموال، والتساؤلات حول استمرارية الدولار كعملة احتياطية قد لا تكون مجرد مخاوف عابرة، بل هي علامات على نهاية حقبة وبداية أخرى.
وسط هذا التحول، يبقى السؤال الجوهري مطروحًا: هل تتجه الولايات المتحدة والعالم نحو ترميم منظومة معقدة؟ أم أننا أمام بداية تفكيك تدريجي لما تبقى من “عالم الدولار”؟
كما قال الماليةي الإنجليزي الشهير جون ماينارد كينز: “الوقت الذي ننتظر فيه التوازن الطويل الأمد قد نكون فيه قد متنا جميعًا”.