الصين نفت اليوم اتهامات هولندية بشأن “سرقة” ملكية فكرية إثر تصريحات وزير الدفاع الرويني، الذي اتهم بكين بتكثيف أنشطة التجسس، خصوصاً في قطاع أشباه الموصلات. وزارة الخارجية الصينية دافعت عن سمعة البلاد، معارضةً محاولات “التشويه” من خلال اتهامات تتعلق بالتجسس والهجمات الإلكترونية. كما لفت الوزير إلى أن وكالة المخابرات العسكرية الهولندية تحقق في استهداف الصين لصناعات أشباه الموصلات والطيران والبحرية، مؤكداً على استمرار هذه الأنشطة. السلطة التنفيذية الهولندية كانت قد اتهمت بكين في وقت سابق بالتسبب في اختراق لشبكتها العسكرية عام 2023.
نفت الصين، اليوم الثلاثاء، أن تكون إنجازاتها العلمية والتكنولوجية ناتجة عن “سرقة” ملكية فكرية، وذلك بعد تصريحات لوزير الدفاع الهولندي الذي اتهم بكين بتكثيف جهود التجسس، خصوصاً في مجال أشباه الموصلات.
ذكرت وزارة الخارجية الصينية، في رد مكتوب لوكالة رويترز، أن بكين تعارض بشدة محاولات “تشويه” سمعتها بواسطة اتهامات “التجسس” و”الهجمات الإلكترونية”، ودعت الأطراف المعنية إلى النظر إلى الصين بموضوعية وإنصاف.
أفادت وكالة المخابرات العسكرية الهولندية السنة الماضي بأن جواسيس صينيين استهدفوا صناعات أشباه الموصلات الهولندية، وكذلك صناعات الطيران والبحرية. ولفت وزير الدفاع الهولندي روبن بريكلمانز، في منتدى عُقد يوم السبت، إلى أن تلك الهجمات قد زادت بشكل ملحوظ.
ونوّه بريكلمانز، في حوار على هامش اجتماع شانغريلا الاستقراري في سنغافورة، أن صناعة أشباه الموصلات تُعتبر من الأهداف القائدية المستمرة للهجمات السيبرانية الصينية، وهي واحدة من الصناعات المتطورة في هولندا مع تزايد الاهتمام الصيني بها. كما أضاف أن وكالة الاستخبارات العسكرية الهولندية تعتبر الصين أكبر مصادر التهديد السيبراني لها.
لفت بريكلمانز إلى التقرير السنوي الذي تصدره وكالة الاستخبارات الهولندية، والذي تضمن في السنة الماضي ذكر الهجمات السيبرانية الصينية في محاولة للتجسس على صناعات أشباه الموصلات، بالإضافة إلى الصناعات الفضائية والبحرية. بعدها، أوضح بريكلمانز في حديثه مع رويترز أن هذه الأنشطة لا تزال مستمرة حتى الآن، مؤكداً وجودها في النسخة الأحدث من التقرير الذي سيصدر قريباً.
بدأت السلطة التنفيذية الهولندية في توجيه أصابع الاتهام إلى السلطة التنفيذية الصينية للمرة الأولى في السنة الماضي، عندما وجهت اتهامات إليها بشأن عملية الاختراق التي وقعت للشبكة العسكرية الهولندية في عام 2023، والتي أدت إلى اختراق شبكة داخلية تُستخدم من قبل 50 شخصًا لإجراء أبحاث غير مصنفة.
تتنافس دول الخليج الغنية بالطاقة، مثل السعودية والإمارات، لتصبح مراكز رائدة في الذكاء الاصطناعي، مرهونةً على هذه التقنية لتنويع اقتصاداتها وتقليل الاعتماد على النفط. تشمل المشاريع شراكات مع شركات عالمية مثل إنفيديا، وتأسيس مراكز بيانات ضخمة. ومع ذلك، تواجه المنطقة تحديات نقص المواهب المحلية وضعف الشركات الرائدة في تطوير الذكاء الاصطناعي. تسعى دول الخليج جذب المهارات من الخارج بتسهيلات مثل الضرائب المنخفضة. كما يثير التعاون مع الصين قلقًا بشأن تسرب التقنية الأميركية. رغم هذه التحديات، تبقى طموحات المنطقة في هذا المجال عالية مع استثمارات كبيرة ومشاريع مستقبلية.
تتنافس دول الخليج الغنية بالطاقة على تحويل نفسها إلى مراكز للبنية التحتية للذكاء الاصطناعي المكثف للطاقة، مستفيدةً من هذه التقنية لتعزيز التنويع الماليةي وتقديم الخدمات الحكومية، كما ورد في تقرير لصحيفة فايننشال تايمز البريطانية.
ولفت التقرير إلى أن الصفقات التي تم الكشف عنها خلال زيارة القائد الأميركي دونالد ترامب للمنطقة الفترة الحالية الماضي، تسلط الضوء على طموحات السعودية والإمارات في أن تصبحا قوى بارزة في مجال الذكاء الاصطناعي.
تتضمن هذه الجهود شراكة بين شركة إنفيديا العالمية للرقائق الإلكترونية وشركة هومين، وهي شركة ناشئة في مجال الذكاء الاصطناعي مدعومة من السلطة التنفيذية السعودية، والتي تخطط لإطلاق صندوق استثماري بقيمة 10 مليارات دولار وتأمين استثمارات من شركات التقنية الأميركية.
كما صرحت أبوظبي عن مجموعة ضخمة من مراكز المعلومات لشركة أوبن إيه آي وشركات أميركية أخرى كجزء من مشروعها (ستارغيت)، وتستثمر الإمارة، التي تدير 1.7 تريليون دولار من صناديق الثروة السيادية، مليارات الدولارات عبر صندوق الذكاء الاصطناعي إم جي إكس MGX، وتفتتح جامعة محمد بن زايد للذكاء الاصطناعي مركزًا جديدًا في وادي السيليكون.
ونقلت الصحيفة عن الزميل في مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي، سام وينتر ليفي: “تمتلك دول الخليج رأس المال والطاقة والإرادة السياسية”، مضيفًا: “الشيء الوحيد الذي لم يكن متوفرًا لهذه الدول هو الرقائق والأشخاص الموهوبون. والآن [بعد زيارة ترامب] قد تمتلك الرقائق”.
السعودية تسعى إلى تطوير قطاع الذكاء الاصطناعي بالتعاون مع الولايات المتحدة الأميركية (رويترز)
تحدي توفر المهارات
يأنذر الخبراء من أن الطموحات الكبيرة في مجال الذكاء الاصطناعي قد تواجه عقبات، حيث يفتقر كلا البلدين إلى العمالة الماهرة التي تمتلكها وادي السيليكون أو شنغهاي، كما أن مخرجات البحث العلمي ليست بمستوى الدول الأخرى.
تستثمر كل من السعودية والإمارات في الذكاء الاصطناعي معتمدةً على التقنية المتطورة لتعزيز التنوع الماليةي وتقليل الاعتماد على عائدات الوقود الأحفوري المتقلبة.
ويأمل البلدان في إنشاء مراكز المعلومات الضخمة اللازمة لتدريب وتشغيل نماذج ذكاء اصطناعي متقدمة، حيث تخطط شركة هيومين Humain لبناء “مصانع ذكاء اصطناعي” مدعومة بمئات الآلاف من رقاقات إنفيديا Nvidia خلال السنوات الخمس المقبلة.
كما تعهدت شركة إيه إم دي AMD الأميركية بتوفير الرقائق والبرمجيات لمراكز المعلومات “الممتدة من السعودية إلى الولايات المتحدة” في مشروع تصل تكلفته إلى 10 مليارات دولار.
بينما يفضل مزودو مراكز المعلومات التي تصدر الحرارة عادةً المناطق الأكثر برودة، فإن دول الخليج ترَ أن وفرة الأراضي والطاقة الرخيصة تعوض عن درجات الحرارة المرتفعة في الصيف.
ضعف الشركات الرائدة
على الرغم من طموحاتها الكبيرة، لا تمتلك دول الخليج شركة بارزة تنافس في تطوير نماذج الذكاء الاصطناعي مثل أوبن إيه آي OpenAI أو ديب سيك DeepSeek الصينية أو ميسترال Mistral الفرنسية، كما أنها تعاني من قلة تواجد المواهب البحثية في مجال الذكاء الاصطناعي، وفقًا لبيانات منظمة التعاون الماليةي والتنمية.
لجذب أفضل الموهوبين في مجال الذكاء الاصطناعي، تتبع دول الخليج استراتيجيات تشمل تقديم ضرائب منخفضة و”تأشيرات ذهبية” طويلة الأجل وقوانين تنظيمية ميسرة.
تظهر المعلومات التي جمعتها منظمة التعاون الماليةي والتنمية من شبكة لينكدإن الخاصة بالوظائف، أن الإمارات كانت وجهة الهجرة الثالثة الأعلى للأشخاص ذوي المهارات في الذكاء الاصطناعي بين عامي 2019 و2024، حيث جاء ترتيبها بعد دول ذات ضرائب منخفضة مثل لوكسمبورغ وقبرص.
تسعى دول الخليج لتطوير شراكات مع جهات غربية لتعزيز تطلعاتها التكنولوجية، وقد صرحت مجموعة الذكاء الاصطناعي الإماراتية جي 42 – G42 في الإسبوع الماضي عن شراكتها مع شركة ميسترال لتطوير منصات وبنية تحتية للذكاء الاصطناعي. كما أقامت شراكة مع شركة تصنيع الرقائق الأميركية Cerebras، التي تدير حواسيبها العملاقة، وفي السنة الماضي، تعاونت مع شركة مايكروسوفت، التي استثمرت 1.5 مليار دولار للحصول على حصة أقلية.
التحدي الصيني
يأنذر خبراء أميركيون من احتمالية تسرب التقنية الأميركية إلى الصين، ويشعر العديد في المؤسسة الاستقرارية الأميركية بالقلق من علاقاتهم مع دول الخليج إذا أصبحت منافسًا في مجال الذكاء الاصطناعي.
وأفاد كبير مستشاري تحليل التقنية في مؤسسة راند، جيمي غودريتش بأنه: “يتمثل القلق في أن تلجأ [دول الخليج]، في سعيها لتحقيق التنافسية، إلى اختصار الطريق واستخدام العمالة الصينية أو حتى الشركات الصينية.. وهذا يفتح الباب لمخاطر أمنية”.
وأضاف أن الشركات الصينية قد تحاول الالتفاف على القيود المفروضة على التقنية الأميركية.
سلط موقع بلومبيرغ الضوء على طموح كوريا الجنوبية لتكون قوة عظمى في مجال الطاقة النووية السلمية، بعد عقود من التطوير. تجذب سول اهتمام الدول الراغبة في تقليل الاعتماد على روسيا والصين. يشير التقرير إلى انتعاش الصناعة النووية العالمية نتيجة المخاوف المناخية وزيادة الطلب على الطاقة، مما يتطلب استثمارات ضخمة تصل إلى 9 تريليونات دولار على مدار 25 عامًا. رغم التحديات الداخلية، تتنافس كوريا الجنوبية على تصدير التقنية النووية وتحتمل أن تفوز بنسبة 43% من المشاريع التخطيطية العالمية. لكن الاضطرابات السياسية قد تعيق تقدمها وتؤثر على الدعم الحكومي المستقبلي.
سلط موقع بلومبيرغ الضوء على طموح كوريا الجنوبية في أن تصبح واحدة من القوى الرائدة في مجال الطاقة النووية السلمية بعد عقود من تطوير تقنياتها النووية.
ونوّه التقرير الذي أعده الكاتبان هيسو لي وويل وايد، أن كوريا الجنوبية أصبحت تجذب اهتمام الدول التي تسعى للحصول على طاقة نووية آمنة وتقليل الاعتماد على روسيا والصين، اللتين تهيمنان على هذا القطاع.
ولفت الكاتبان إلى أن سول تواجه فرصاً كبيرة لترويج تقنياتها، عازمةً على أن تكون واحدة من كبار مصدّري التقنية النووية على المستوى الدولي، رغم التحديات السياسية المحلية والمنافسة الشديدة على الساحة العالمية.
نمو الطلب
يضيف التقرير أن الصناعة النووية العالمية شهدت انتعاشاً ملحوظاً في السنوات الأخيرة، مدفوعةً بالمخاوف المناخية وزيادة الطلب على الطاقة نتيجة التطورات التكنولوجية الحديثة.
حاليًا، تسهم المفاعلات النووية بنحو عُشر إنتاج الطاقة العالمي، لكن التقديرات تشير إلى الحاجة لمضاعفة هذا الإنتاج ثلاث مرات بحلول 2050 لتفادي أسوأ آثار التغير المناخي.
وفقا للكاتبين، التزم أكثر من 30 دولة بدعم هذا الهدف الطموح، حيث إن الطفرات في الحوسبة السحابية وتطبيقات الذكاء الاصطناعي تضغط على البنية التحتية للطاقة.
وتوقعت مؤسسة مورغان ستانلي السنة الماضي أن تستهلك تطبيقات الذكاء الاصطناعي بحلول عام 2027 كمية من الطاقة تعادل ما استهلكته إسبانيا في عام 2022.
ومع استعداد شركات كبرى مثل أمازون ومايكروسوفت وميتا للاعتماد بشكل أكبر على الطاقة النووية، أصبحت الحاجة ملحة لبناء المزيد من المفاعلات.
250 مليار دولار سنوياً
تشير تقديرات “كلين إير تاسك فورس”، المعنية بقضايا المناخ، إلى أن تحقيق هذا الهدف يتطلب استثمارات تُقدّر ب9 تريليونات دولار خلال الـ25 عاماً القادمة، أي ما يعادل نحو 250 مليار دولار سنوياً.
وذكر الكاتبان أن أحد أكثر جوانب الطفرة النووية العالمية غموضًا هو تحديد من سيقوم ببناء المفاعلات، في ظل تراجع هذه الصناعة نتيجة ارتفاع التكاليف، وفترات التنفيذ الطويلة، وتعقيدات اللوائح، بالإضافة إلى المعارضة السياسية.
تعاني الولايات المتحدة وفرنسا، وفقاً للتقرير، من تأخيرات مزمنة وتجاوزات في الميزانيات، بينما تواجه روسيا والصين صعوبات في جذب المشترين الغربيين بسبب المخاوف الاستقرارية، أما اليابان فلا تزال تسعى للتعافي من آثار كارثة فوكوشيما النووية عام 2011.
عقود من التطوير
يوضح الكاتبان أن كوريا الجنوبية قد طورت تقنيات نووية محلية على مدى عقود، وأصبحت صناعتها النووية المزدهرة على الساحل الجنوبي الشرقي من البلاد موضوع اهتمام للكثير من الدول الغربية.
بعد انتهاء الحرب الكورية عام 1953، اعتبر القائد سينغمان ري الطاقة النووية أداة ضرورية لتأمين الكهرباء وإعادة الإعمار، وتم بناء أول مفاعل تجاري عام 1971 باستخدام تكنولوجيا أمريكية تم تطويرها لاحقًا في كوريا الجنوبية.
تحتوي البلاد اليوم على 26 مفاعلاً نشطًا، ومن المتوقع بدء تشغيل المزيد منها بحلول عام 2038.
فرص هائلة
بحسب الكاتبين، فإن كوريا الجنوبية، بصفتها لاعباً جديدة نسبياً في مجال تصدير التقنية النووية، تبدو في موقع جيد للاستفادة من الفرص الضخمة عالمياً.
وفقاً لتحليل “بلومبيرغ بيزنس ويك” لأكثر من 400 مفاعل نووي مخطط له أو مقترح على الصعيد العالمي، تُعتبر كوريا الجنوبية مرشحة للحصول على نحو 43% من هذه المشاريع، مما قد يضعها في مقدمة مصدري التقنية النووية خلال العقد القادم.
ورغم أن الصين ستصبح أكبر منتج للطاقة النووية بحلول عام 2030، إلا أن تركيزها سيكون على القطاع التجاري المحلية، وفقاً للكاتبين.
ويقول كوم يونغ جانغ، القائم بأعمال رئيس بلدية تشانغوون: “نستطيع تسليم المحطات في الوقت المحدد وضمن الميزانية، ولهذا يزداد اهتمام العالم بالتقنية الكورية”.
اضطرابات داخلية
رغم هذه الطموحات والفرص الكبيرة على الساحة العالمية، يشدد الكاتبان على أن كوريا الجنوبية لا تزال متأخرة مقارنة بالصناعات النووية العالمية الرائدة، مثل الصين وروسيا.
لفت الكاتبان إلى أن الاضطرابات السياسية في كوريا الجنوبية قد تعرقل طموحاتها النووية، خاصة بعد قرار المحكمة الدستورية في أبريل/نيسان بإقالة القائد يون سوك يول، الداعم القوي للطاقة النووية.
ومن المتوقع أن يخلفه لي جاي ميونغ، زعيم المعارضة، الذي لم يعلن موقفًا رسميًا في هذا السياق، لكنّه وعد سابقًا بعدم بناء مفاعلات جديدة وإغلاق المنشآت القائمة عند انتهاء صلاحيتها، مما قد يقلل من الدعم الحكومي والضمانات المالية.
تتناول الهجرة اللبنانية إلى الخارج، مُسلطًا الضوء على دول أخرى بخلاف أميركا، مثل أفريقيا، وأستراليا، وأوروبا، والدول الخليجية، منذ منتصف القرن الـ19. كانت أفريقيا وجهة لبنانيين هربوا من ظروف اقتصادية وسياسية صعبة. معظمهم كانوا من المارونيين ثم توافد الشيعة من الجنوب خلال الحرب الأهلية (1975-1990). تصدّر اللبنانيون العديد من قطاعات التجارة، لكنهم يعانون من صور نمطية تتعلق بالفقر والثراء، إذ يعتبر 10% منهم أغنياء، بينما يشكل الآخرون جزءًا من الطبقة المتوسطة أو الفقراء. أدوارهم الماليةية تبدو مؤثرة لكن نشاطهم السياسي محدود.
عند الحديث عن هجرة اللبنانيين إلى الخارج، تتركز الأنظار عادةً على أميركا الشمالية (الولايات المتحدة وكندا) والعديد من دول أميركا اللاتينية، إذ حقق أحفاد الفينيقيين نجاحات اقتصادية وسياسية وأدبية في تلك المناطق البعيدة.
لكن عند البحث في تفاصيل تاريخ هجرة اللبنانيين إلى بلدان أخرى، نكتشف وجهات أخرى كانت محطّ آلاف المهاجرين منهم منذ منتصف القرن الـ19، مثل أفريقيا وأستراليا وأوروبا ودول الخليج العربي التي جذبتهم في مراحل لاحقة.
تأثرت موجة الهجرة اللبنانية إلى أفريقيا بوقائع تاریخیة كبرى، مثل الحربين العالميتين الأولى والثانية، ونظام الانتداب الفرنسي على لبنان، والحرب الأهلية اللبنانية بين 1975 و1990.
في البداية، كانت رحلة اللبنانيين إلى أفريقيا نتيجة للصدف والأقدار، إذ توقفت رحلاتهم نحو أميركا عند شواطئ أفريقيا الغربية بسبب بعض العوامل غير المخطط لها في ذلك الوقت.
تروي بعض الروايات أن أوائل اللبنانيين الذين وصلوا إلى أفريقيا، كانوا في طريقهم إلى أميركا، لكنهم تعرضوا للخداع بشأن وجهتهم النهائية، حيث أقنعهم الناقلون بأن شواطئ السنغال وغينيا تقع في أميركا.
تشير تفسيرات أخرى إلى أن العديد من اللبنانيين الطامحين للهجرة لم يكن لديهم خيار سوى الدول الأفريقية بسبب انخفاض تكاليف السفر مقارنة بالرحلة إلى القارة الأميركية، بالإضافة إلى أن الدخول للكثير من بلدان غرب أفريقيا قبل عام 1923 لم يتطلب جواز سفر.
في تلك الفترة الزمنية، كانت بلدان غرب أفريقيا تمثل وجهة أكثر ملاءمة للمهاجرين القادمين من بيئات فقيرة، والذين لم يحصلوا على تعليم كافٍ، ويفتقرون إلى المهارات الفنية أو الخبرات العملية.
كل هذه العوامل جعلت الموجة الأولى من اللبنانيين في أفريقيا يعملون كباعة متجولين في الأسواق والشوارع والقرى، قبل أن ينتقلوا إلى تجارة التجزئة في المحلات الصغيرة، ثم تطور الأمر تدريجياً إلى نشاط تجاري منظم يحتكر مواد معينة في هذا البلد أو ذاك، مثل الكاكاو والقهوة في كوت ديفوار، والأخشاب في الغابون.
طوائف وإحصائيات
كان غالبية المهاجرين اللبنانيين إلى أفريقيا في البداية من المارونيين، قبل أن يتوافد عدد كبير من المسلمين الشيعة القادمين من جنوب البلاد، وكان القاسم المشترك بينهم هو الهروب من الاضطهادات السياسية والدينية والظروف الماليةية السيئة.
تشير إحصائيات لبنانية إلى أن 70% من المهاجرين اللبنانيين في أفريقيا هم من الشيعة الذين ينحدرون من جنوب لبنان، حيث زادت أعدادهم بشكل ملحوظ بين عامي 1975 و1990 (سنوات الحرب الأهلية).
ووفقاً لبعض المصادر المتخصصة في توثيق الهجرة وإحصائياتها، فإن أول قدوم للبنانيين إلى أفريقيا كان إلى السنغال عام 1860.
ومع بداية القرن العشرين، أصبح العدد بالمئات، ثم ارتفع بشكل ملحوظ بعد أن أصبحت لبنان تحت الانتداب الفرنسي الذي استعمِر أيضاً الدولة السنغالية، وكانت موانئها محطة مهمة لرعايا باريس.
تسارعت هجرة اللبنانيين إلى أفريقيا خلال فترة الاستعمار الفرنسي لكوت ديفوار، والسنغال، وغينيا، وكذلك خلال حقبة الاستعمار البريطاني لنيجيريا، وغانا، وسيراليون، وغامبيا.
تساهم العائلات والمواطنونات بطابع عائلي وطائفي في تعزيز الهجرة اللبنانية إلى أفريقيا، إذ يتطلب التضامن التكافلي تضافر الجهود لمساعدة الأقارب، سواء كانوا عائلياً أو مذهبياً، في الوصول إلى تلك البلدان.
ممثل دار الفتوى اللبنانية بالسنغال محمد العوض ووجهاء الجالية في عزاء خليفة الطريقة التيجانية عام 2017 (مواقع التواصل)
لا توجد أرقام دقيقة حول عدد اللبنانيين في أفريقيا، لكن التقديرات تشير إلى أنهم يتراوحون بين 300 ألف و500 ألف نسمة، يعيش معظمهم في غرب ووسط أفريقيا في دول مثل كوت ديفوار (حوالي 100 ألف نسمة) والسنغال (حوالي 30 ألف نسمة)، ويمثلون واحدة من أكبر الجاليات في نيجيريا، حيث يتراوح عددهم بين 30 إلى 100 ألف نسمة، وفي الغابون أكثر من 15 ألف نسمة.
تنتشر أعداد أخرى من اللبنانيين في غانا، وغينيا، وليبيريا، وسيراليون، وبوركينا فاسو، ومالي، وبنين، وتوغو، وأنغولا، وجمهورية الكونغو الديمقراطية، والكونغو برازافيل، وغيرها من الدول في المنطقة.
فقراء أم أغنياء؟
يثير التاريخ الطويل لهجرة اللبنانيين إلى أفريقيا العديد من التساؤلات حول أوضاعهم وأدوارهم والصور النمطية المرتبطة بهم، وقد تتعلق هذه الأسئلة بشكل عام بالفقر والثراء والنفوذ التجاري.
ربما ما يعزز التساؤلات حول “نجاح” أو “ثراء” اللبنانيين هو التحول الكبير من بائعين متجولين في أواخر القرن الـ19 وبداية القرن الـ20 إلى رجال أعمال وأثرياء يقودون مجموعات اقتصادية كبرى في العقود الأخيرة.
تدفع الصور السائدة عن نجاح اللبنانيين في غرب أفريقيا عالمة الأنثروبولوجيا مروة الشاب للكتابة عن رجال الأعمال اللبنانيين في تلك المناطق.
تشير الباحثة اللبنانية إلى أن حوالي 10% من أفراد هذه الجالية يمكن اعتبارهم ناجحين اقتصادياً أو أغنياء، بينما يمكن تصنيف ما بين 70% و80% منهم ضمن الطبقة المتوسطة، والبقية يمكن اعتبارهم فقراء بمقارنة باللبنانيين الآخرين هناك.
وما زال بعض هؤلاء الأفراد يمارسون تجارة التجزئة الصغيرة في السنغال وغينيا، في ظروف تتسم أحياناً بالهشاشة، ويعتمدون على مساعدات مالية واجتماعية عادة ما تقدمها جمعيات أو هيئات تحت غطاء ديني من هذه الطائفة أو تلك.
غالبًا ما تتسم مكانتهم الاجتماعية بنوع من المفارقة، إذ ينظر إليهم أحيانًا بصفتهم مساهمين في تطوير البلدان التي يقيمون فيها، وأدوارهم المهمة في تعزيز اقتصاداتها، لكن في بعض الدول يُنظر إليهم كسبب لانتشار ممارسات اقتصادية سلبية مثل الاحتكار والقطاع التجاري السوداء والاحتيال الضريبي وتهريب المخدرات والأسلحة والألماس والمعادن النفيسة.
ترتبط الصور المتناقضة حول الجاليات اللبنانية في أفريقيا بالأوضاع السياسية والماليةية في كل بلد على حدة، إلا أن رجال الأعمال غالباً ما يحظون بالتقدير، خاصة في البلدان التي تتمتع باستقرار وأمان.
وزن اقتصادي
تعتبر الجالية اللبنانية في كوت ديفوار الأبرز من ناحية العدد والوزن الماليةي، حيث تشير إحصائية لعام 2018 إلى أن اللبنانيين يديرون أكثر من 3 آلاف شركة في قطاعات العقارات والنقل والصناعة والتوزيع، حيث يمثلون نحو 8% من الناتج المحلي الإجمالي.
ومن المثير للاهتمام أن نيجيريا شهدت في السنوات العشر الأخيرة زيادة في النشاط الماليةي، حيث أصبحت منصة جاذبة لرائد الأعمال اللبنانيين الذين يسعون لتوسيع وتنويع استثماراتهم.
وفقًا لبيانات غرفة التجارة الفرنسية اللبنانية لعام 2018، فإن مساهمة رجال الأعمال اللبنانيين في ليبيريا تبلغ حوالي 50%، وفي غانا تُقدّر بـ 25%.
تأثير سياسي
يساهم النشاط المكثف للبنانيين في مجالات التجارة والخدمات والتصدير والاستيراد والأنشطة المالية والعقارية في التأثير الماليةي، وأحياناً يمتد ذلك إلى التأثير السياسي.
بخلاف اللبنانيين في أميركا اللاتينية الذين انخرطوا في العمل السياسي، ظل نشاط الجالية في أفريقيا محدودًا في علاقاتها مع بعض الوزراء أو رؤساء الدول، لتعزيز مصالحهم الفردية أو الجماعية.
اجتماعيًا، لم يندمج اللبنانيون بشكل كامل في المواطنونات الأفريقية التي يعيشون فيها لأسباب ثقافية وأسرية، مما جعلهم يعيشون في بيئات وشبكات فنية وترفيهية خاصة بهم.
لكن مع مرور الوقت، بدأت بعض عوائق الاندماج تهدأ، حيث بدأت بعض الدول تفتح أبوابها للمهاجرين اللبنانيين للحصول على الجنسية.
مع هذه الظروف، بدأت تظهر أجيال جديدة من اللبنانيين يشعرون بأنهم جزء من الأرض التي استقبلت أجدادهم قبل أكثر من قرن، وبينما يظل ارتباطهم بوطنهم الأم عميقاً كما هو الحال مع المهاجرين في العديد من بلدان العالم.