تواجه منغوليا، الغنية بالموارد، حالة من عدم اليقين السياسي بعد استقالة رئيس وزرائها، لوفسان نامسراي أويون-إردين، نتيجة احتجاجات على الفساد المتفشي. الاستقالة جاءت بعد خسارته تصويت الثقة، مأنذرًا من تهديد الديمقراطية. الاحتجاجات اندلعت بسبب تقارير عن إنفاق مفرط لعائلته، مما أظهر الفجوة بين النخبة الثرية والشعب الفقير. تسعى البلاد لحل مشاكلها الماليةية وضغوط القوى العظمى، الصين وروسيا، بينما يدعا المحتجون بتحسين توزيع الثروة من الموارد الطبيعية. قد يترتب على خليفة أويون-إردين تبني استراتيجيات جديدة تلبي احتياجات المواطنين، خاصة الفئة الناشئة.
تعاني منغوليا الغنية بالموارد من حالة عدم استقرار سياسي بعد استقالة رئيس وزرائها إثر احتجاجات ضد الفساد المنتشر في الدولة الآسيوية غير الساحلية الواقعة بين الصين وروسيا.
تأتي استقالة رئيس الوزراء لوفسن نامسراي أويون-إردين بعد خسارته تصويت الثقة في المجلس التشريعي، حيث أنذر من أن ذلك قد يؤثر سلباً على الديمقراطية المنغولية الناشئة.
وفقا لصحيفة إندبندنت البريطانية، فإن الاحتجاجات التي استمرت لأسابيع انطلقت بعد تقارير عن الإنفاق المت lavish على نجل رئيس الوزراء، مما ألقى الضوء على الفجوة الكبيرة بين النخبة الغنية من صادرات البلاد وفقر الأغلبية العظمى من السكان.
ديمقراطية ناشئة بين قوتين عظميين
يبلغ عدد سكان منغوليا حوالي 3.5 مليون نسمة، حيث تحدها روسيا من الشمال والصين من الجنوب، وتتميز بجبالها الخلابة التي تحتوي على وفرة من الفحم والنحاس وغيرها من الموارد الطبيعية المستخدمة في التصنيع المتقدم.
تبقى قضية المستفيدين من هذه الثروات موضوعاً رئيسياً منذ بدأت منغوليا المفاوضات مع شركات التعدين العالمية، وسط شائعات عن صفقات سرية ومدفوعات غير قانونية على مدار سنوات.
يعتقد الكثيرون أن مجموعة صغيرة من النخبة السياسية والماليةية تستأثر بالثروات الناتجة عن التعدين، وخاصة الفحم.
بعد التخلي عن الشيوعية في نهاية الحرب الباردة، فقدت منغوليا مساعدات سخية من الاتحاد السوفيتي، ومنذ ذلك الحين بدأت في التحول تدريجياً نحو الديمقراطية، لكنها تكافح لتجنب الوقوع في فخ الديون مع الحفاظ على مصالح الصين وروسيا.
تعتبر الصين جارة حيوية حيث تشتري 92% من صادرات منغوليا.
تظاهر الآلاف لأسابيع في العاصمة أولان باتور للمدعاة باستقالة رئيس الوزراء (الفرنسية)
“شبكة عنكبوتية من الجشعين”
على مر السنوات، تحولت العاصمة أولان باتور من مدينة ذات مباني ضخمة من الحقبة السوفييتية محاطة بالخيم التقليدية المعروفة باسم “الجير” إلى مدينة حديثة تضم مراكز تسوق وفنادق فاخرة.
لفت المتظاهرون إلى أن ثروات البلاد المعدنية استفادت رجال الأعمال والأثرياء بينما يعاني العديد من المنغوليين من الفقر.
في صباح يوم الثلاثاء، فقد رئيس الوزراء الثقة أمام المجلس التشريعي، مأنذراً من خطر “شبكة العنكبوت” التي شكلتها مصالح خاصة تعمل على إعاقة تقدم الشعب المنغولي.
في استقالته، دافع أويون-إردين عن نزاهته، معترفاً بأنه ارتكب خطأ بعدم تخصيص ما يكفي من الانتباه للقضايا الاجتماعية والسياسية المحلية.
منذ توليه السلطة في 2021، تراجعت منغوليا بشكل كبير في تصنيف مدركات الفساد الذي أعدته منظمة الشفافية الدولية.
من المتوقع أن يكون على اختيار خليفته الاستجابة لمدعا الجيل الشاب المتعلم الذي قاد الاحتجاجات، بما في ذلك المضي قدماً في إنشاء صندوق للسيادة الوطنية تم إطلاقه حديثاً للمساعدة في توزيع الثروة بشكل أفضل.
تجمهر في ساحة سخباتار بالعاصمة المنغولية للاحتفال بعد استقالة رئيس الوزراء لوفسان نامسراي أويون-إردين (الفرنسية)
ماذا يقول الخبراء والمواطنون؟
أفادت الباحثة البارزة في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية إيرين مورفي بأنه من الصعب “بناء هذا الأساس للديمقراطية” في ظل التحديات الماليةية الراهنة.
أما خبير شؤون منغوليا جوليان ديركس، من جامعة مانهايم بألمانيا، فلم يتوقع أي تغييرات جذرية في الإستراتيجية، بغض النظر عن من يصبح رئيس الوزراء المقبل.
ولفت ديركس إلى أن الاختيار سيتم على أساس الشبكات والعلاقات الشخصية.
بدت العديد من الآراء في الشارع تعبر عن القلق حيال المستقبل، حيث دافع البعض عن رئيس الوزراء المستقيل.
وقال جانسوك باتبايار، متقاعد عسكري، إن أويون-إردين لا يجب أن يتحمل مسؤولية إخفاقات ابنه، مشيداً بمحاولاته “لمصادرة الأصول والأموال المكتسبة بشكل غير قانوني من المسؤولين الفاسدين” وتوزيعها بشكل أفضل.
في حين قالت امرأة مسنّة في وسيلة نقل عامة إن “البقاء على قيد الحياة في هذه الأوقات الصعبة أصبح شبه مستحيل بسبب قلة معاشاتنا التقاعدية”.
تُعتبر البراكين ظواهر طبيعية مثيرة ومخيفة، قادرة على تدمير المناطق المحيطة بها. جبل إتنا في صقلية ثار مجددًا مؤخرًا، حيث شهد قذف للحمم والرماد. رغم تحذيرات الطيران، يستمر مطار كاتانيا في استقباله للرحلات. الباحث توماس فالتر يشدد على أهمية “السياحة البركانية المسؤولة”، مأنذرًا السياح من المخاطر المحتملة. تجذب البراكين الزوار لمشاهدة ديناميكيات الأرض، بينما تُشدد السلطات على ضرورة متابعة الأوضاع الميدانية والامتثال لإرشادات السلامة. مع وجود 1500 بركان نشط حول العالم، أصبحت السياحة البركانية تزداد شعبية في مناطق مثل أميركا اللاتينية.
تعد البراكين من الظواهر الطبيعية المروعة، حيث تمتلك القدرة على إبادة القرى بالكامل ودفن المعالم الجغرافية تحت طبقات سميكة من الرماد، بالإضافة إلى التأثير السلبي على حركة الطيران. ورغم هذه المخاطر، لا يزال المنظر البركاني يثير الإعجاب والانبهار، مما جعله وجهة سياحية متنامية تستقطب المسافرين الراغبين في خوض تجربة فريدة.
في جزيرة صقلية الإيطالية، عاد جبل إتنا، الذي يُعتبر أنشط براكين أوروبا وأكبرها، إلى الثوران مجددًا. حيث بدأ يقذف الحمم والرماد البركاني منذ الساعات الأولى من صباح الاثنين الماضي. ورغم رفع مستوى التحذير الجوي إلى اللون الأحمر، يستمر مطار كاتانيا الدولي -الأقرب إلى مكان البركان- في استقبال الرحلات حتى الآن.
السياحة البركانية.. بين المتعة والأنذر
يشير الباحث المتخصص في علوم الأرض توماس فالتر، إلى أن جبل إتنا أصبح وجهة يسهل الوصول إليها، حيث تنطلق جولات منظمة بالحافلات من الفنادق القريبة. ولكنه يأنذر في الوقت نفسه من أهمية ما يسميه بـ”السياحة البركانية المسؤولة”، مؤكدًا على ضرورة أن يكون السياح على معرفة دقيقة بظروف المنطقة قبل زيارتها.
ويتابع فالتر: “رغم أن مشهد الثوران قد يبدو مخيفًا، إلا أن خطر الإصابات بين السياح يظل منخفضًا نسبيًا مقارنة مع مخاطر أخرى مثل تقلبات الطقس أو الارتفاع الكبير في المواقع البركانية، وهذه أمور غالبًا ما يتم التقليل من شأنها”.
بركان ميرابي في جزيرة جاوة الإندونيسية ثار سنة 2010 مطلقا سحبا ضخمة من الرماد بلغ ارتفاعها 18 كيلومترا (غيتي)
فيما يتعلق بإرشادات السفر، لم تصدر وزارة الخارجية البريطانية حتى الآن أي تحذير بشأن السفر إلى صقلية، لكنها أوصت بضرورة الاتصال بشركات الطيران أو مطار كاتانيا قبل الإقلاع، لمتابعة آخر التطورات الميدانية.
أما إدارة الحماية المدنية الإيطالية فقد نوّهت على أهمية اتباع إرشادات السلامة المحلية، مأنذرة من مخاطر المعلومات المضللة التي قد تنتشر بسرعة خلال الأزمات، مما قد يعوق جهود فرق الطوارئ والإنقاذ.
سياحة البراكين.. ظاهرة متصاعدة
مع وجود حوالي 1500 بركان نشط حول العالم، أصبح من الطبيعي أن تتأثر حركة السياحة بتلك الظواهر؛ بل إن بعض السياح بدأوا وضع “تسلق البراكين” ضمن قائمة رغباتهم السياحية، خاصة في مناطق أمريكا اللاتينية.
في جبال الأنديز، على سبيل المثال، تنتشر براكين شاهقة على طول السلسلة الجبلية، ويصل ارتفاع بعض منها إلى أكثر من 6 آلاف متر. وتضم تشيلي وحدها 80 بركانا نشطا. ويعتبر بركان كوتوباكسي في الإكوادور واحدا من أجمل البراكين في العالم، وهو نشط أيضًا، وغالبًا ما تصل سحب رماده إلى العاصمة كيتو.
أما في “حلقة النار” بالمحيط الهادي -وهي المنطقة البركانية الأكثر نشاطا في العالم- هناك حوالي 450 بركانًا نشطا، منها 127 في إندونيسيا. في عام 2010، ثار بركان ميرابي في جزيرة جاوة، مُطلقا سحبا ضخمة من الرماد بلغ ارتفاعها 18 كيلومترا. وقد ساهم إخلاء المنطقة المحيطة مسبقًا في إنقاذ آلاف الأرواح. ويصف فالتر هذا البركان بأنه “خطير للغاية”.
تمنح البراكين الثائرة السياح فرصة نادرة لمشاهدة ديناميكيات كوكب الأرض بأمّ أعينهم (غيتي)
لماذا ينجذب الناس إلى البراكين؟
في تفسير هذا الانجذاب البشري نحو البراكين، يقول فالتر، “تمنحنا البراكين فرصة فريدة لمشاهدة ديناميكيات كوكب الأرض بصورة مباشرة. لا يمكن رؤية الصفائح التكتونية وهي تتحرك، لكن يمكن رؤية الثوران البركاني بشكل واضح. وهذا الفضول البشري قد يعود إلى عصور ما قبل التاريخ؛ فقد كانت النار دائمًا من العناصر التي تثير اهتمام الإنسان”.
يصل ارتفاع جبل إتنا إلى حوالي 3350 مترا، وهو يخضع لمراقبة علمية دقيقة نظرًا لنشاطه المستمر. يشهد البركان ثورات متكررة تُعرف بالانفجارات “السترومبوليانية”، والتي تتميز بجمال بصرى فريد، وتُعتبر من أبرز معالم الجذب السياحي في المنطقة.
وفقًا للمعهد الإيطالي للجيوفيزياء والبراكين، فإن الثوران الأخير شمل انفجارا بيروكلاتيا، وهو نوع من الانهيارات النارية الناتجة عن مزيج من الرماد والصخور والغازات الحارقة. وتشير التقارير الأولية إلى أن المواد المتساقطة بقيت محصورة في وادٍ ناءٍ يُعرف باسم “فالي ديل ليونه”، وهو غير مأهول بالسكان.
كما أفاد المعهد أن النشاط البركاني قد تصاعد ليصل إلى مرحلة “نافورة الحمم البركانية”، حيث يقذف البركان الحمم السائلة بشكل عمودي نحو السماء. وقد صاحب ذلك زيادة ملحوظة في الاهتزازات الأرضية، وتشوهات في سطح الفوهة، تم رصدها باستخدام أجهزة استشعار دقيقة.
بينما تتواصل المفاوضات في إسطنبول، تتصاعد الحرب الروسية الأوكرانية بشكل غير مسبوق، مما يثير القلق بشأن فعاليتها. كثفت روسيا هجماتها على أوكرانيا بعد اجتماع 16 مايو، بينما نفذت أوكرانيا عملية “شبكة العنكبوت” التي استهدفت قواعد جوية روسية، متسببة بخسائر ضخمة. العملية نالت ترحيباً واسعاً في أوكرانيا، لكنها أثارت قلقاً من رد فعل روسي عنيف. ورغم الجهود الدبلوماسية، لا يزال الشك يسيطر على الآمال بالتوصل إلى اتفاقية سلام، حيث يُعتبر وقف إطلاق النار هدفاً أوكرانياً لا روسياً.
Sure! Here’s a rewritten version of your content with the HTML tags preserved:
مراسلو الجزيرة نت
كييف- بينما يلتقي الفرقاء في إسطنبول للتفاوض، تزداد حدة الحرب الروسية الأوكرانية بشكل غير مسبوق، مما يثير التساؤلات حول فعالية المفاوضات والجهود المبذولة لتحقيق السلام، في ظل ظروف قد تكون غير مواتية لذلك.
بعد الاجتماع الذي جرى بين الطرفين في 16 مايو/أيار، كثفت روسيا من هجماتها الصاروخية على كييف وغيرها من المدن والمقاطعات، وسجلت أوكرانيا أعدادا قياسية من الضربات باستخدام المسيرات الهجومية أيضا.
وفي يوم الأحد الماضي، نفذت أوكرانيا عملية “شبكة العنكبوت” بنجاح في العمق الروسي، مستهدفة 4 قواعد جوية استراتيجية، مما نتج عنه تدمير وإعطاب حوالي 34% من ترسانة القاذفات الاستراتيجية الروسية، مع خسائر تقدر بنحو 7 مليارات دولار، وفقا لما أفادت به أجهزة الاستقرار الأوكرانية التي تقف وراء العملية.
تيشكيفيتش: الضربة الأوكرانية أدت إلى تراجع الثقة في القيادة السياسية والعسكرية الروسية (الجزيرة)
أثر متعدد الأوجه
قوبلت عملية “شبكة العنكبوت” بترحيب كبير من الجانب الأوكراني، حيث وصفها القائد فولوديمير زيلينسكي بأنها “تاريخية”، وقد عكست ردود الفعل الشعبية على وسائل التواصل الاجتماعي إشادة واسعة، مما دفع المراقبين للحديث عن آثارها وتداعياتها على مسار الحرب.
في حديثه مع الجزيرة نت، قام خبير “المعهد الأوكراني للمستقبل” إيهور تيشكيفيتش بتلخيص آثار وتداعيات العملية في ثلاث نقاط رئيسية. أولاً، ستساهم العملية في تقليل الضغوط الروسية النوعية، حيث يعاني الجانب الروسي من نقص في الصواريخ الباليستية دفعهم إلى شراء أسلحة من كوريا الشمالية وإيران، إضافة إلى ما تعرض له أسطولهم البحري من ضربات.
ويضيف تيشكيفيتش “ولذا تبقى عمليات الطيران هي الأكثر فعالية، حيث لم تتأثر بشكل ملحوظ، بينما تستمر روسيا في إنتاج كميات كبيرة من الصواريخ الأكثر تكاليفًا والمستخدمة في الهجمات الجوية.”.
كما يشير الخبير إلى أن تأثير العملية على الرأي السنة الروسي هو الأثر الثاني، حيث أن استهداف المطارات العسكرية أثر بشكل أكبر على الفخر الروسي مقارنة بالهجمات الأخرى السابقة. هذا يكشف عن حالة الغضب والشك في قدرة نظام الدفاع الجوي الروسي.
أما الأثر الثالث، فيكمن في التراجع الجيوسياسي لروسيا، حيث كانت الأطماع الروسية تعتمد دائمًا على قوة جيشها الكبير، لكن موسكو اليوم تجد نفسها في أزمة تتعمق أكثر في أوكرانيا.
بينما تواصل تركيا تعزيز نفوذها في القوقاز وسوريا وأفريقيا، يضغط الصين على روسيا، مما يقلل من قدرتها على التوسع. ويستنتج أن بكين ليست متحالفة مع موسكو كما كانت تأمل الأخيرة، بل أنها تسعى إلى إيجاد حوار مع واشنطن يعيد التوازن في النظام الحاكم الدولي.
رد غاضب متوقع
مع مشاعر “الفرح والفخر”، ينتظر الأوكرانيون ردة فعل غاضبة من روسيا، وهذا ما أنذر منه القائد زيلينسكي بالأمس قائلا: “لا تستهينوا بتحذيرات الخطر”.
توقع المحلل العسكري بوريس تيزينهاوزين في حديثه مع الجزيرة نت أن تلجأ روسيا إلى استخدام أسلحة جديدة قريبا، قائلا: “تتزايد الدعوات في روسيا لتوجيه ضربات قاسية إلى كييف باستخدام صواريخ من طراز أوريشنيك، أو حتى الأسلحة النووية”.
وأضاف “قد يستجيب الكرملين لتلك الدعوات في محاولة للحد من غضب الشارع الروسي، وقد لا يكون ذلك قريبا، ولكنني أرجح حدوثه بعد انتهاء مفاوضات إسطنبول، التي يتم استخدامها من قبل روسيا لتظهر للعالم أنها تسعى للسلام، مع توجيه اللوم لأوكرانيا والغرب”.
ونوّه: “بشكل عام، نتوقع من روسيا كل شيء، ولن يفوت القائد الروسي فلاديمير بوتين أي فرصة لتحقيق مطامعه في أوكرانيا، سواء كان هناك مبرر أم لا، حيث حشد القوات لهجوم على مقاطعة سومي خلال فصلي الصيف والخريف، ولا تؤثر فيه أي جهود وساطة”.
فيسينكو: الهدف من وقف إطلاق النار هو أوكراني وليس روسي (الجزيرة)
ما مصير التفاوض؟
في خضم هذا التصعيد المتبادل، يراقب العالم بقلق تحركات المفاوضات في إسطنبول، لكن الشكوك تنتشر في معظم التحليلات داخل أوكرانيا.
يقول فولوديمير فيسينكو، رئيس مركز الدراسات السياسية البرنامجية “بنتا” للجزيرة نت، إن “عملية التفاوض طويلة ومعقدة، حيث بدأت روسيا للتو هجوماً على سومي، ولن تتوقف. قد يتمكن الجانبان من التوصل إلى معاهدات بسيطة، مثل تبادل الأسرى وإعادة الأطفال الأوكرانيين المخطوفين، لكن هدف وقف إطلاق النار هو أوكراني في المقام الأول”.
من وجهة نظره، فإن “أفضل ما قد تحققه مفاوضات إسطنبول هو إمكانية التوصل إلى اتفاق مبدئي لعقد لقاء مباشر بين بوتين وزيلينسكي بحضور القائد التركي رجب طيب أردوغان والقائد الأمريكي دونالد ترامب، حيث سيكون هذا اللقاء أكثر فعالية من أي وساطات أخرى، وسيوضح للوسطاء الأتراك والأمريكيين نوايا الأطراف بخصوص إنهاء الحرب، من خلال الأفعال وليس الأقوال.
Let me know if you need any further modifications!
شنت أوكرانيا هجومًا كبيرًا ضد روسيا، مستهدفة قاذفات بعيدة المدى في سيبيريا، مما تسبب في خسائر تقدر بـ7 مليارات دولار. استخدمت أوكرانيا طائرات مسيرة خفيفة، مع تنفيذ الهجوم من داخل الأراضي الروسية. وقد استهدفت العملية، المسماة “شبكة العنكبوت”، قواعد عسكرية في عدة مناطق، مما أدى إلى تدمير 34% من القاذفات الاستراتيجية الروسية. الهجوم يأتي في وقت تتزايد فيه الجهود الدولية لإنهاء النزاع، قبيل محادثات السلام في إسطنبول. روسيا، رغم صمتها الرسمي، استمرت في قصف أوكرانيا، مما يزيد من التوترات بين الطرفين.
قامت أوكرانيا أمس الأحد بتنفيذ واحدة من أكبر هجماتها في المواجهة المستمر مع روسيا، حيث استهدفت القاذفات الروسية البعيدة المدى القادرة على إطلاق رؤوس نووية في سيبيريا، بالإضافة إلى قواعد عسكرية أخرى، مما نتج عنه أضرار وخسائر مادية كبيرة.
ما حدث أمس في هجوم “شبكة العنكبوت” الذي وُصف بأنه الأكثر عنفاً، كبد روسيا خسائر تقدر بنحو 7 مليارات دولار في دقائق معدودة وباستخدام أسلحة منخفضة التكلفة؟.
كيف وقع الهجوم؟
استهدفت أوكرانيا باستخدام طائرات مسيرة قاذفات روسية بعيدة المدى في قاعدة عسكرية في سيبيريا، وهو الهجوم الأول من نوعه حتى الآن نظرًا لبعد خطوط المواجهة عن بعضها بمسافة تزيد عن 4300 كيلومتر.
قدمت مقاطع الفيديو والصور التي لم يتم التحقق من صحتها والتي تم نشرها على وسائل التواصل الاجتماعي مشاهد لقاذفات استراتيجية روسية، المصممة لإسقاط قنابل نووية على أهداف بعيدة، وهي مشتعلة في قاعدة بيلايا الجوية شمال إيركوتسك بعد دخول عشرات الطائرات المسيرة الأوكرانية عليها.
ونوّهت الأجهزة الاستقرارية الأوكرانية أنها نفذت “عملية خاصة واسعة النطاق” استهدفت أربعة مطارات عسكرية موزعة في أنحاء روسيا.
ولفتت إلى إصابة حوالي 41 طائرة روسية تستخدم “للقصف على المدن الأوكرانية”، خاصة القاذفات الاستراتيجية مثل تو-95 وتو-22 وطائرات الرادار إيه-50.
تجري أوكرانيا بانتظام هجمات بطائرات مسيرة على مواقع داخل روسيا خلال فترة الحرب المستمرة منذ ثلاث سنوات، لكن هذه المرة يبدو أنها اعتمدت أسلوباً مختلفاً تماماً.
بينما كشفت وزارة الدفاع الروسية أن الطائرات المسيرة أطلقت من مواقع “قريبة مباشرة” من المطارات، مما يعني أنها انطلقت من داخل الأراضي الروسية. وأضافت أن الهجوم استهدف أيضاً مطارات في مناطق إيفانوفو وريازان وأمور، قرب النطاق الجغرافي مع الصين في أقصى شرق روسيا، لكن تلك الهجمات تم التصدي لها.
ما الأسلحة المستخدمة؟
وفق تقارير أوكرانية، قامت كييف بتهريب طائرات مسيرة إلى روسيا، حيث تم إخفاؤها في هياكل خشبية في سقف حاويات شحن، تم فتحها عن بعد لإطلاق الطائرات.
كما أظهرت مقاطع الفيديو التي نقلتها وسائل الإعلام الروسية لكن لم يتم التحقق من صحتها طائرات مسيرة تنطلق من شاحنات.
صرح القائد فولوديمير زيلينسكي أن أحد المواقع التي اتُخذت منها العملية في روسيا “يقع بجانب مكتب” جهاز الاستقرار الفدرالي الروسي (أف اس بي).
تم التخطيط للعملية الأوكرانية المسماة “شبكة العنكبوت” لمدة تجاوزت السنة والنصف، وقد أشرف عليها زيلينسكي، وفقاً لمصادر أوكرانية.
ونوّه زيلينسكي أن الهجوم تم باستخدام 117 طائرة مسيرة، مع عدد مشابه من العناصر الذين “تم إخراجهم من الأراضي الروسية في الوقت المناسب”.
تم تهريب طائرات مسيرة إلى روسيا، حيث تم إخفاؤها في هياكل خشبية في أسقف حاويات الشحن وإطلاقها من هناك (الفرنسية)
لماذا لم تكتشفه موسكو؟
على الرغم من قلة التفاصيل التي أفصح عنها القوات المسلحة الروسي حول الهجوم وأضراره، تحدث مدونون ومحللون روس عن “فشل استخباراتي” في بلادهم.
وأعرب مدونون عسكريون روس عن استنكارهم لما وصفوه بـ”يوم أسود للطيران” بسبب الأضرار التي لحقت بعدة مطارات روسية، حيث دُمِرت حوالي 40 طائرة بما في ذلك القاذفات الإستراتيجية، لتصل قيمة الخسائر إلى حوالي 7 مليارات دولار.
واعتبرت قناة تلغرام “ريبار” المرتبطة بالقوات المسلحة الروسي أن “هذه، دون مبالغة، ضربة قاسية للغاية”، مشيرة إلى “الأخطاء الخطيرة” التي ارتكبتها الاستخبارات الروسية.
من جهة أخرى، أشاد زيلينسكي، إلى جانب مسؤولين أوكرانيين آخرين، بالنتائج ووصفها بأنها “رائعة للغاية” و”تستحق أن تذكر في كتب التاريخ”.
ما الخسائر الناجمة؟
صرح جهاز الاستقرار الأوكراني أمس الأحد أن الهجوم بالطائرات المسيرة ألحق أضراراً بالطيران العسكري الروسي تفوق تكلفتها 7 مليارات دولار، مستهدفةً 34% من القاذفات الروسية الإستراتيجية الحاملة لصواريخ كروز.
اليوم الاثنين، لفت أندريه كوفالينكو، المسؤول في مجلس الاستقرار والدفاع الوطني الأوكراني، إلى تدمير 13 طائرة على الأقل خلال الهجوم على القواعد الجوية الروسية أمس الأحد، في حين نوّهت مصادر أوكرانية أخرى أن عدد الطائرات المعطلة أو المدمرة تجاوز 40.
بدورها، اعترفت وزارة الدفاع الروسية بحدوث حرائق في عدة طائرات عقب إطلاق الطائرات المسيرة في منطقتي مورمانسك وإيركوتسك، إلا أنها لم تقدم تفاصيل إضافية حول حجم الخسائر أو قيمتها.
قائد المخابرات الأوكرانية يتفحص صور محطة عسكرية روسية مستهدفة خلال الهجوم (الفرنسية)
ما التداعيات؟
وسط توقعات مراقبين بأن يكون الرد الروسي “قاسياً” و”غير مسبوق” على الهجوم الأوكراني الكبير والمفاجئ الذي استهدف مطارات عسكرية بعيدة عن النطاق الجغرافي بين البلدين، تمتنع موسكو عن التعليق الرسمي بشأن الرد المتوقع.
تدّعي بعض الأوساط السياسية والإعلامية الروسية أن الضربات التي وقعت يوم الأحد واستهداف القاذفات الروسية تحمل دلالة استراتيجية مقارنة بحادثة “بيرل هاربور” الأمريكية التي أدت إلى دخول الولايات المتحدة الحرب العالمية الثانية ضد اليابان باستخدام القنابل النووية.
واعتبر بعض المحللين أن ضربة الأحد تمس العقيدة النووية الروسية التي تم تعديلها خلال الحرب، نظرًا لاستهدافها للقاذفات الاستراتيجية، مما يستدعي “رداً نووياً من قبل روسيا”، لكن موسكو لم تعلن حتى الآن بشكل رسمي عن خسائرها أو عن خطوات الرد المحتملة.
ورغم الصمت الرسمي، تواصل موسكو هجوماً شبه يومي على الأراضي الأوكرانية، حيث نوّهت القوات الجوية الأوكرانية يوم الأحد أن روسيا أطلقت 472 طائرة مسيرة على البلاد خلال ساعات، وهو أعلى عدد لطائرات مسيرة في هجوم ليلي منذ بداية الحرب.
كما ذكرت القوات الجوية الأوكرانية في بيان لها أن روسيا أطلقت سبعة صواريخ أخرى، وتم إسقاط 382 من الطائرات المسيرة أو تحييدها، بالإضافة إلى إسقاط ثلاثة من تلك الصواريخ.
توقيت الهجوم؟
يأتي الهجوم الأوكراني الكبير في وقت تركز فيه واشنطن جهودها لإيجاد حل للنزاع القائم بين موسكو وكييف، وسط تراجع عسكري لأوكرانيا في بعض الجبهات، ومحاولات كييف لحشد الدعم الغربي مرة أخرى لمواجهة الهجوم الروسي واستعادة الأراضي التي سيطرت عليها موسكو خلال فترة الحرب.
كما جاء الهجوم قبل يوم واحد من لقاء مسؤولين روس وأوكرانيين في مدينة إسطنبول بتركيا لإجراء الجولة الثانية من محادثات السلام المباشرة منذ عام 2022.
يعتقد المحللون أن توقيت الهجوم الأوكراني القوي وغير المسبوق يسعى لمنح أوكرانيا موقف قوة على طاولة المفاوضات في إسطنبول، حيث يعرف أن القوي هو الذي يملي شروطه عادة عند التفاوض على السلام.
منذ عودته لمنصب الرئاسة في يناير/كانون الثاني الماضي، يُلحّ القائد الأمريكي دونالد ترامب على ضرورة إحلال السلام بين روسيا وأوكرانيا، ولكن لم يتم التوصل بعد إلى اتفاق، وقد أنذر البيت الأبيض مراراً من أن الولايات المتحدة “ستنسحب” من جهود إنهاء الحرب إذا استمر تعنت الطرفين ورفضهما التوصل إلى سلام.
أسفرت الجولة الأولى من المحادثات في 16 مايو/أيار الماضي عن أكبر عملية تبادل للأسرى خلال فترة الحرب، لكنها لم تسفر عن أي بادرة للسلام، أو حتى وقفٍ لإطلاق النار، إذ اكتفى الطرفان بتحديد موقفيهما التفاوضيين الأساسيين.
في ربيع عام 1459، بعد فتح القسطنطينية، ارتكب فلاد الثالث، المعروف بـ”دراكولا”، مجازر بشعة أثناء حصار بلدة براشوف. دمر البلدة وأمر بطعن الأسرى على الرماح، قائلاً إنه أعدم الآلاف. تم تحذير النبلاء لم يكن عشاء عيد الفصح سوى فخ لمقتلهم. وُلِد فلاد في ترانسيلفانيا عام 1431، وحكم الأفلاق بأساليب دموية لمواجهة الفوضى. تعاون مع العثمانيين ثم انقلب عليهم، مما أسفر عن نزاع طويل. على الرغم من انتصاراته الأولية، تمكن السلطان محمد الفاتح من هزيمته لاحقاً، ليُقتل عام 1476، مما عزز سمعة دراكولا كرمز للوحشية التاريخية.
في ربيع عام 1459، وبعد ست سنوات من فتح القسطنطينية على يد السلطان محمد الفاتح، وعلى بُعد 800 كيلومتر أو أقل، كانت أوروبا تشهد واحدة من أبشع المذابح في تاريخها. حينها كان حاكم بلاد الأفلاق (رومانيا الحالية) فلاد الثالث وقواته يحاصرون أسوار بلدة براشوف التي ساعد التجار الساكسونيون فيها أعداءه وعصوا أوامره.
تروي الروايات التاريخية كيف أن قوات فلاد هدمت البلدة وأحرقتها، وأسرت سكانها. لكن ما حدث بعد ذلك كان كفيلًا بأن يضع فلاد الثالث في قائمة الأكثر وحشية في تاريخ البشرية. فقد أمر فلاد بجمع الأسرى، أطفالًا ورجالًا ونساء، على تلة تطل على كنيسة القديس يعقوب، قبل أن يأمر بطعنهم جميعًا بالرماح الطويلة من أسفلهم إلى أعلاهم. بعد ذلك، أمر بتثبيت الرماح وعليها الضحايا المخوزَقين على طول المنحدرات، قبل أن ينصب خيمته وطاولة عشائه تحت أجساد القتلى، ويغمس خبزه من دمائهم.
في وقت لاحق من السنة نفسه، ارتكب فلاد جريمة أخرى بعد أن دعا عددًا كبيرًا من “النبلاء” مع أطفالهم ونسائهم إلى عشاء عيد الفصح. وما إن حانت ساعة الطعام حتى اقتحم رجاله المكان ليطعنوا النساء والشيوخ أمام البقية، ويُعلَّقوا أمام الرجال النبلاء، والذين أمر فلاد بهم فاستُعبدوا حيث قضوا في ميتات بشعة وبطيئة. قد لا تعلم الكثير عن فلاد الثالث، لكنك على الأرجح تعرف أسطورة مصاص الدماء دراكولا، والتي استوحاها الكاتب البريطاني برام ستوكر في الرواية التي صدرت عام 1897 من تاريخ فلاد.
لقد نال دراكولا، الذي لُقب بـ”المخوزِق” بسبب اعتماده الوحشي على أسلوب الخازوق كوسيلة للتعذيب والإعدام؛ شهرة واسعة في عصره والعصور التي لحقته، وهو الأسلوب الذي استخدمه على خصومه السياسيين وأسرى الحروب، بل ونفذه على النساء والأطفال، مانحًا إياه سمعة مرعبة تجاوزت حدود إمارة ولاشيا موطنه الأصلي، لتصل إلى الإمبراطورية الرومانية المقدسة في الغرب ودوقية موسكو في الشرق، وسرعان ما انتشر صيته في القارة الأوروبية، حيث أضحت ممارساته موضوعًا شائعًا في المدونات والسجلات التاريخية، وتشير التقديرات إلى أن عدد ضحاياه بلغ عشرات الآلاف، ما جعل اسمه مرادفًا للرعب الممنهج والتنكيل السياسي.
فمن هو دراكولا؟ وكيف كانت علاقته مع الدولة العثمانية ممثلة في السلطان محمد الفاتح؟ وكيف ارتكب أعظم الجرائم المروعة في ذلك العصر؟ وكيف كانت نهايته على يد العثمانيين؟
دراكولا.. من الرعاية العثمانية إلى العداء
وُلد فلاد الثالث عام 1431 في إقليم ترانسيلفانيا الذي كان آنذاك جزءًا من مملكة المجر، والتي أصبحت لاحقًا ضمن حدود رومانيا الحالية، كان والده فلاد الثاني المعروف بلقب “دراكول”، أحد أبرز أمراء الأفلاق، حيث تلقّى فلاد تعليمه على أيدي معلمين بيزنطيين ورومانيين وفق توجيهات من القسطنطينية التي لم تكن قد سقطت بعد في يد العثمانيين، ودرس مجموعة واسعة من المعارف، وقدورث فلاد الثالث عن والده لقب دراكولا الذي كان يعني “ابن التنين”، ثم تحول معناه فيما بعد إلى “ابن الشيطان”، والذي انتمى سنة 1431م إلى تنظيم فرسان يدعى “تنظيم التنين”، وهو تنظيم أسسه الإمبراطور الروماني في بداية القرن 15 الميلادي.
قلعة بران، المعروفة باسم “قلعة دراكولا”، تقف بين جبال ترانسلفانيا في رومانيا. (غيتي)
وفي عام 1436 تولّى فلاد الثاني الشهير بدراكولا حكم إمارة الأفلاق، لكن فترة حكمه لم تدم طويلا، إذ أُطيح به عام 1442 نتيجة مؤامرات حيكت بين خصومه المحليين وملك المجر فلاديسلاف الثالث. ومع ذلك، تمكن فلاد من استعادة العرش بعد عام، بمساعدة السلطان العثماني مراد الثاني، إثر اتفاق قضى بدفعه الجزية للباب العالي.
ولتعزيز هذا التحالف، أرسل فلاد ابنيه، فلاد الثالث ورادو، إلى البلاط العثماني في أدرنة كرهائن لضمان ولائه. وبحسب إرهان آقهان في كتابه “السلطان ودراكولا”، قضى فلاد الثالث سنواته تلك في كنف الدولة العثمانية، حيث تلقى تعليمًا في المنطق والأدب والقرآن، وتعلّم اللغة التركية العثمانية حتى أتقنها، كما تلقى تدريبًا عسكريًا صارمًا في الفروسية وفنون القتال، بل تعرف على ولي العهد الأمير محمد الفاتح. وبعد وفاة والده، عاد فلاد الثالث إلى الأفلاق ليدعا بالعرش، بينما بقي شقيقه رادو في البلاط العثماني.
وكما نرى في “تاريخ رومانيا” لإيوان بولوفان وآخرين، فإنه مع تصاعد النزاع بين الأمير فلاد الثاني ونبلاء ترانسيلفانيا “البويار”، اتجه هؤلاء إلى التآمر عليه بالتنسيق مع يوحنا هونياد، وصي العرش المجري آنذاك، ما أسفر عن اغتياله في ديسمبر/كانون الأول 1447. ولم ينجُ ابنه ووريثه ميرتشا من المصير نفسه، إذ تعرّض للتعذيب والقتل بطريقة مروّعة بدفنه حيًا بعدما أُصيب بالعمى، في مشهد يعكس قسوة المواجهة على السلطة.
وكما يذكر محمد فريد في كتابه “تاريخ الدولة العلية العثمانية”، فإنه مع مخاوف الدولة العثمانية من تغلغل النفوذ المجري في الأفلاق (رومانيا)، سارعت إلى التدخل العسكري، فنصّبت فلاد الثالث الموالي لها حاكما على البلاد، إلا أن ولايته الأولى لم تستمر طويلا؛ إذ أعاد هونياد ملك المجر غزو الإمارة وأعاد فلاديسلاف الثاني إلى الحكم.
وعقب خلعه، فضّل فلاد الثالث عدم اللجوء إلى العثمانيين مجددًا بسبب العداء الشخصي الذي نشأ لاحقًا بينه وبين السلطان محمد الثاني الفاتح، فلجأ إلى مولدوفا لفترة قصيرة، ثم إلى المجر عقب مقتل حليفه بوغدان الثاني، حيث حظي باهتمام يوحنا هونياد الذي قدّر معرفته بالشؤون العثمانية وعداءه الشديد للسلطنة، فعينه مستشارًا عسكريًا وسعى إلى ترميم علاقته مع خصمه فلاديسلاف.
أقام فلاد الثالث في المجر فترة امتدت إلى ما بعد سقوط القسطنطينية في 29 مايو/أيار 1453 على يد السلطان محمد الثاني الفاتح، وهو الحدث الذي مثّل نقطة تحوّل استراتيجية في ميزان القوى بالمنطقة، فقد تزايد التمدد العثماني في أعقاب هذا النصر، مما شكّل تهديدًا مباشرًا للبوابة الشرقية لأوروبا الوسطى. وبحلول عام 1481، كانت الدولة العثمانية قد أحكمت سيطرتها على كامل شبه جزيرة البلقان، منهية بذلك وجود سلالة فلاد الثالث في الحكم بعد عقود من المواجهة المستمر.
وفي عام 1456، وفي سياق الحملة العثمانية لمحاصرة بلغراد عاصمة الصرب بهدف إضعاف المملكة المجرية، قاد يوحنا هونياد هجومًا مضادًا في صربيا أدى إلى فك الحصار، واستغل فلاد الثالث حالة الانشغال العسكري والسياسي ليعود إلى إمارة الأفلاق، حيث نجح في استعادة الحكم في أغسطس/آب 1456 للمرة الثانية.
دراكولا في موقع القيادة
وعقب عودته إلى عرش الأفلاق، واجه فلاد الثالث واقعًا مأزوما تمثل في حالة من الانهيار الداخلي والفوضى الشاملة. فكما يذكر كل من فلوريسكو، رادو آر ورايموند تي. ماكنالي في كتابهما “دراكولا.. أمير الوجوه المتعددة؛ حياته وعصره”، كانت البلاد قد خرجت لتوها من صراعات دامية أضعفت بنيتها الماليةية، وانتشرت فيها الجريمة، وتراجعت الزراعة والتجارة إلى حد كبير، في ظل تهديدات متزايدة من الداخل والخارج؛ فوضع فلاد لنفسه مشروعًا ثلاثي الأبعاد: إعادة بناء المالية، وتعزيز الدفاعات العسكرية وتحصين البلاد، وترسيخ سلطته السياسية.
فلاد الثالث (مواقع التواصل)
وبحسب الكاتبين، اتجه فلاد الثالث على الصعيد السياسي والاجتماعي نحو إعادة هيكلة هرم السلطة بشكل جذري، مدفوعًا برغبته في الانتقام من البويار الذين اعتبرهم المسؤول الأول عن مقتل والده وتردي الأوضاع في البلاد. فأقدم على تصفية عدد كبير منهم، مستبدلًا إياهم بأشخاص من خارج النخبة الأرستقراطية يثق بولائهم، ومن بينهم بعض الأجانب والفلاحين الأحرار. كما تبنّى سياسات أمنية متطرفة تمثلت في فرض عقوبات صارمة كالقتل الفوري لكل من يرتكب جرمًا، دون استثناء أو تفريق بين الطبقات.
وكذلك أعاد تنظيم القوات المسلحة من خلال تشكيل مليشيات قروية تُستخدم عند الحاجة، مع الاحتفاظ بحرس خاص من المرتزقة منحهم امتيازات سخية. أما في علاقاته الإقليمية، فقد وجّه ضربات قاسية لنبلاء سكسون ترانسيلفانيا، حيث اتهمهم بالتواطؤ مع البويار ضد حكمه، فقام بالمجزرة التي ذكرناها في براشوف عام 1459، حيث أعدم خلالها الآلاف، وأتبعها بحملة مشابهة في سيبيو سنة 1460، ما عزز صورته كحاكم دموي لا يتهاون مع أي تهديد لسلطته.
وفي عام 1459، وبعد سقوط القسطنطينية والتمدد العثماني في البلقان، أطلق البابا بيوس الثاني دعوة إلى حملة صليبية جديدة ضد الدولة العثمانية. وقد أُسندت قيادة هذه الحملة إلى الملك ماتياس كورفينوس، حاكم المجر وكرواتيا، ونجل القائد الراحل يوحنا هونياد، على أن تستمر ثلاث سنوات بدعم مالي من البابوية بلغ 40 ألف قطعة ذهبية، خُصصت لتجنيد جيش قوامه 12 ألف جندي وشراء 10 سفن حربية. إلا أن هذه المبادرة البابوية لم تلقَ الدعم المرجو من ملوك أوروبا، واقتصر التأييد الفعلي على فلاد الثالث أمير الأفلاق، الذي أعرب عن استعداده للانضمام إلى الحملة دعمًا لاستقلال إمارته، ما عزز مكانته لدى البابا وأظهره كحليف موثوق في مواجهة التوسع العثماني.
وفي المقابل، شهد السنة 1460 تطورات درامية تمثلت في أسر وقتل العثمانيين لميخائيل زيلاغي، وصي عرش المجر وأقرب حلفاء فلاد الثالث والأخطر بين أعداء العثمانيين أثناء مروره بالأراضي البلغارية. وفي نهاية السنة نفسه، أرسل السلطان محمد الفاتح وفدًا إلى فلاد الثالث يدعاه بدفع الجزية المتأخرة التي تعود إلى عام 1459، والتي كانت مقدّرة بمبلغ 10 آلاف دوقات ذهبية، إلى جانب تقديم 500 من الشبان الأفلاقيين للخدمة ضمن فرق الانكشارية.
رفض فلاد هذه المدعا رفضًا قاطعًا، معتبرًا الإذعان لها قبولًا ضمنيًا بالوصاية العثمانية على الأفلاق، وهو الأمر الذي يتعارض مع سعيه الحثيث نحو ترسيخ استقلال الإمارة. وتصاعد التوتر بين الجانبين حين أمر فلاد بتسمير عمائم الرسل العثمانيين على رؤوسهم بعد رفضهم خلعها أمامه، في مشهد أثار قطيعة نهائية مع الدولة العثمانية.
كما بعث برسالة إلى سكسون ترانسيلفانيا في سبتمبر/أيلول 1460 مأنذرًا من غزو عثماني وشيك، داعيًا إلى الدعم العسكري، وهو الأمر الذي كان صحيحًا، فقد أصر السلطان الفاتح على تأديب فلاد الثالث. ولمّا بدأت القوات العثمانية بعبور نهر الدانوب وفرض التجنيد القسري، ردّ فلاد بهجوم عنيف أوقع فيه العديد من الأسرى وأعدمهم بأسلوبه الشهير بالخازوق، ما مهّد لمواجهة مفتوحة استمرت حتى عام 1461، عندما وجّه السلطان محمد الفاتح دعوة مباشرة لفلاد الثالث بالحضور إلى القسطنطينية للتفاوض.
ومع أواخر نوفمبر/تشرين الثاني 1461، بعث فلاد الثالث برسالة إلى السلطان العثماني يعلن فيها عجزه عن الاستمرار في دفع الجزية، مبرّرا ذلك باستنزاف موارد الأفلاق نتيجة الحرب الضارية مع سكسون ترانسيلفانيا. ولفت في خطابه إلى تعذر مغادرته البلاد خشية استغلال ملك المجر لغيابه والانقضاض على الحكم، موضحا استعداده لإرسال الذهب إلى الباب العالي متى توفرت الموارد، كما اقترح أن يوفد السلطان واحدًا من رجالاته ليحكم باسمه في الأفلاق.
قرر السلطان محمد الفاتح القضاء على دراكولا واستغرق الأمر أكثر من 15 سنة (مواقع التواصل)
نقطة التحول
غير أن السلطان محمد الفاتح، وبعد اطلاعه على تقارير استخباراتية تؤكد تحالف فلاد الثالث مع ملك المجر وتكذّب ادعاءاته، قرر إرسال حمزة باشا على رأس قوة من 1000 فارس لعقد لقاء ظاهري مع فلاد بينما كانت المهمة الحقيقية تكمن في القبض عليه واقتياده أسيرًا إلى القسطنطينية. غير أن خطط العثمانيين لم تَخفَ عن فلاد الثالث، الذي تمكّن من الحصول على معلومات مسبقة عن نواياهم، فبادر إلى حشد قواته وكمَن لهم عند الممرات الجبلية شمال منطقة جورجيو في بلغاريا، حيث شنّ هجومًا مباغتًا استخدم فيه تكتيكات نارية متقدمة، كالمَدافع اليدوية والبارود، وتمكّن من تطويق القوة العثمانية والقضاء على معظم عناصرها، بينما أسر الباقين، وعلى رأسهم القائد حمزة باشا.
كما يرصد كتاب “فلاد المخوزِق.. حياة من البداية إلى النهاية”، وبأسلوبه الدموي المعتاد، أمر فلاد بإعدام الأسرى جميعًا على خوازيق، مخصصا أطولها لحمزة باشا، تعبيرًا عن مكانته العسكرية، وإهانة للدولة العثمانية. وعقب هذا الانتصار، تابع تقدمه نحو حصن جورجيو، حيث خدع الحامية العثمانية باستخدام اللغة التركية وتنكر في هيئة أحد الفرسان العثمانيين “السباهية”، ما مكّنه من دخول الحصن وتدميره وقتل من فيه.
وفي سلسلة من عمليات الانتقام ضد المتعاونين مع العثمانيين، توغل جنوبًا حتى بلغ بلغاريا، وشن حملة قاسية امتدت لمسافة 800 كلم خلال أسبوعين، أسفرت عن مقتل نحو 25 ألف مسلم تركي وبلغاري. وقد وثّق فلاد هذه الإنجازات العسكرية برسالة ثانية أرسلها إلى ماتياس الأول، ملك المجر، بتاريخ 11 فبراير/شباط 1462، يشرح فيها تفاصيل انتصاراته المتتالية.
وجاء في الرسالة: “قتلتُ الفلاحين في أوبلوكيتزا ونوڤوسيلو؛ رجالًا وإناثًا، شيوخًا وأطفالًا، كذلك المتواجدون عند مصب الدانوب وحتى راهوڤا، على مقربة من كيليا، ومن الدانوب السفلي حتى ساموڤيت وغيغن، قتلنا 23,884 من الأتراك، دون إحصاء هؤلاء الذين أحرقناهم داخل منازلهم أو قام جنودنا بقطع رقابهم، وعليه جلالتك، لك أن تعلم أنني نقضتُ سلامي معه (أي السلطان محمد الفاتح)”.
وخلال حملته العسكرية ضد العثمانيين، أظهر فلاد الثالث سياسة انتقائية تجاه السكان، حيث أطلق سراح المسيحيين البلغاريين، ما شجّع على هجرتهم إلى الأفلاق، في حين خلفت حملته آلاف القتلى في عدة مدن بلغارية. وردًا على ذلك، أرسل السلطان العثماني محمد الفاتح، الذي كان منشغلا وقتها بحصار كورينث اليونانية، قوة قوامها 18 ألف جندي بقيادة الصدر الأعظم محمود باشا لتدمير مدينة برايلا، غير أن فلاد نجح في التصدي للهجوم، وقد أثارت هذه الانتصارات صدى واسعًا في أوساط العالم المسيحي، وعمّت الاحتفالات العديد من المدن الأوروبية، وأسهمت في فك الحصار عن كورينث.
نهاية السفاح
وأمام هذه التطورات، قرر السلطان شنّ حملة كبرى لاسترداد الأفلاق، وحدد لانطلاقها أحد يومي 26 أبريل/نيسان أو 17 مايو/أيار 1462. واختلفت تقديرات المؤرخين بشأن قوام القوات المسلحة العثماني، إذ تراوحت بين 60 و400 ألف مقاتل، في حين قدّر تقرير المبعوث البندقي توماسي المعاصر لتلك الأحداث عدد الجنود النظام الحاكميين وغير النظام الحاكميين بحوالي 90 ألفا. وقرر السلطان الفاتح تعيين الأمير رادو الوسيم أو الثالث شقيق فلاد، على رأس قوة مؤلفة من 4000 فارس.
الروائي الإيرلندي برام ستوكر نسج شخصية دراكولا مصاص الدماء الشهير من وحي سيرة فلاد الثالث الدموية. (غيتي)
من جانبه، حاول فلاد الثالث كسب دعم ملك المجر حينئذ كورفينوس، حتى إنه عرض عليه اعتناق الكاثوليكية، لكن محاولاته باءت بالفشل. فلجأ إلى إعلان التعبئة السنةة؛ شاملة الرجال والنساء والأطفال والغجر، وقدّرت قواته بنحو 30 ألف مقاتل، كان معظمهم من الفلاحين والرعاة، مدعومين بمرتزقة وقوات من الحرس الشخصي، في استعداد لمواجهة المعركة الوشيكة.
كما يذكر الباحث إرهان أفيونجي في كتابه “محمد الفاتح.. سلطان العالم”، فمع تمكن القوات العثمانية في التقدم رغم العديد من العوائق، لجأ فلاد الثالث إلى تكتيكات الأرض المحروقة. فسمّم مصادر المياه، وحوّل مجاري الأنهار لصنع مستنقعات طبيعية تعيق الحركة، كما نصَب الفخاخ الأرضية وهجّر سكان القرى وحيواناتهم إلى الجبال، ما أدى إلى إنهاك القوات المسلحة العثماني خلال تقدمه لأيام دون طعام أو شراب. وإلى جانب ذلك، استخدم فلاد حرب العصابات، بل وتعمّد نشر الأوبئة بين صفوف العثمانيين بإرسال مرضى بالطاعون والجذام والسل إلى معسكراتهم، ما تسبب بانتشار وبائي داخل القوات المسلحة.
وكما يذكر المؤرخ محمد مقصود أوغلو في كتابه “التاريخ العثماني”، فقد بلغ التوتر ذروته في 17 يونيو/حزيران 1462، عندما شنّ فلاد الثالث هجومًا ليليًا جريئًا على معسكر العثمانيين جنوب العاصمة ترغوفيشت، حيث بدأ الهجوم عند الثالثة بعد حلول الظلام واستمر حتى فجر اليوم التالي، متسببًا في فوضى عارمة داخل المعسكر. ولكنه فشل الهجوم في تحقيق هدفه القائدي باغتيال السلطان محمد الفاتح، إذ كانت الخيمة التي هوجمت تضم الصدرين الأعظمين محمود باشا وإسحق باشا بدلا من السلطان، في حين نُسب فشل جزء من الهجوم إلى تقاعس أحد قادة البويار، الذي لم ينفذ الهجوم من الجهة المقابلة كما خُطط له.
حينها أمر السلطان محمد الفاتح جيوشه باستكمال الزحف نحو عاصمة الأفلاق ترغoviشت، ولكنه فوجئ عند وصوله بأنها خالية من السكان وأبوابها مفتوحة، ما أثار الريبة، وبصحبة جنوده دخل المدينة وسار في شوارعها لنحو نصف ساعة، تحف به مشاهد مرعبة لآلاف الجثث من الجنود العثمانيين ومسلمي البلغار مسمَّرين على خوازيق، في واحدة من أكثر صور الرعب وحشية في التاريخ، حيث تميّزت أطول الخوازيق بجثة حمزة باشا التي كانت قد تعفّنت.
ورغم الاختلافات بين المصادر حول تفاصيل المشهد، سواء في موقع الجثث أو وجود حامية داخل العاصمة، فإن ما أجمع عليه المؤرخون هو صدمة السلطان الفاتح من هول المنظر، ما دفعه إلى اتخاذ تدابير احترازية؛ فأمر جنوده بالمبيت خارج المدينة وتحصين المعسكر بخندق واسع خشية هجوم مفاجئ، وأصر على القضاء على فلاد الثالث بكل وسيلة.
ويذكر إرهان أفيونجي في كتابه السابق، أنه بعد أيام قليلة، وبتشجيع من السلطان شخصيًا، شنّ شتيفان الثالث أمير مولدوفا وابن عم فلاد الثالث هجومًا على مدينتي أكيرمان وكيليا لاستعادتهما من سيطرة فلاد، غير أن القوات الولاكية الموالية لفلاد أو دراكولا تمكنت من صد الهجوم.
وفي المقابل، أمدّ السلطان الفاتح شقيق فلاد الثالث، الأمير رادو الوسيم الموالي للعثمانيين والذي صرح إسلامه، بقوات انكشارية وفرسان سپاهية، بهدف إنهاء مقاومة فلاد بشكل نهائي. وقد نال رادو دعمًا ماليًا وعسكريًا مستمرًا من الباب العالي، ما مكنه من محاصرة فلاد في قلعة بويناري، حيث تمكن الأخير من الفرار بعدما انتحرت زوجته بإلقاء نفسها من أسوار القلعة. وبذلك نجح السلطان الفاتح من تنصيب رادو حاكمًا على الأفلاق، مستفيدا من تحالفه مع قبائل البويار الذين انقلبوا على فلاد بسبب سياساته القمعية السابقة ضدهم.
ولما استتب الأمر ونجح الفاتح، استقل الأسطول العثماني عائدًا إلى أدرنة، التي بلغها في 11 يوليو/تموز، وفي اليوم التالي، أُقيمت احتفالات صاخبة في العاصمة ابتهاجًا بالنصر على دراكولا والسيطرة على بلاده. ورغم تحقيق فلاد انتصارات على قوات أخيه رادو بحلول شهر سبتمبر/أيلول، فإن إفلاسه وعجزه عن دفع أجور المرتزقة دفعه للجوء إلى ملك المجر، كورفينوس، طلبًا للعون. لكن الأخير استغل الفرصة واعتقله بتهمة الخيانة بعد تلفيق خطاب للسلطان العثماني نُسب زيفًا لفلاد، ما أتاح له الاحتفاظ بالدعم البابوي دون خوض حرب.
سُجن فلاد في عدة مواقع منها أوراتيا وفيشغراد وبودا، وتراوحت المدة بين أشهر معدودة وفق المراسلات البابوية، وبين 10 سنوات حسب روايات أخرى. بينما يُعتقد أن إطلاق سراحه وقع نتيجة وساطة قادها ابن عمه شتيفان سل مارى أمير مولدوفا، لمواجهة تزايد التهديد العثماني شمال الدانوب.
وبعد وفاة رادو عام 1475، صرح فلاد الثالث استعادة الحكم في 26 نوفمبر/تشرين الثاني 1476، بدعم مجري، لكن حكمه الثالث لم يدم سوى أسابيع، حيث أصر السلطان الفاتح على القضاء عليه نهائيا هذه المرة، فأرسل إليه قوات عثمانية تمكنت من قتله وقطع رأسه في معركة قرب مستنقعات دير سناجوف في جنوب رومانيا، وأُرسلت رأسه إلى السلطان العثماني الذي عرضه على خازوق في أدرنة، بينما دُفن جسده في دير كومانا، الذي أسسه هو نفسه عام 1461.
ونختم بوصف المؤرخ العثماني المعاصر لهذه الأحداث طورسون بك في كتابه “تاريخ أبو الفتح” عن فلاد الثالث أو دراكولا بقوله: “كان فلادُ كافرا سفاكا متعطشّا للدماء، كان هذا المأفون يدفع الجزية للسلطان سابقا، وكان يحظى بعطفه وعنايته، لكن تبين لاحقا أنه بمثابة حَجّاج الملاحدة، لقد كان ظلمُه وسوء إدارته لا يوصفان بشاعة، فعلى سبيل المثال إذا خانَ شخصٌ ما أو ارتكب جريرة، كان يأمر بالقبض على أمه وزوجته وأطفاله بل وحتى أقاربه ويأمر بهم فيُقتلون على الخوازيق”!
في روايته “ظل الموت”، يستكشف الروائي الشاب أمير العجلة عدة أسئلة فلسفية حول الموت والواقع الأليم الذي يعيشه الشعب الفلسطيني، وخاصةً في غزة بعد الحرب الإسرائيلية. تحاكي الرواية معاناة النزوح والجوع والخيبة، مشددة على أن الكتابة مقاومة، تعكس الوجع والأمل رغم الظروف القاسية. يسعى العجلة لنقل قصص الألم والصمود، ويعتبرها تعبيرًا عن واقع يعاني منه الجميع. كذلك، تلقي الرواية الضوء على النساء في الحرب، كما في رواية أمل أبو سيف “أثير غزة”، التي تُبرز المواجهةات اليومية للمرأة الفلسطينية. الكتابة تصبح وسيلة لتوثيق الأمل وسط القهر.
غزة– “كيف يكون للموت ظل؟ هل نرى الموت من الأساس؟ هل هو كائن مادي يمكننا الإحساس به، بآلامه وقهره؟ هل يموت الإنسان مرة واحدة فقط؟”، تشكّل هذه الأسئلة وغيرها الموضوعات التي يتناولها الروائي الشاب أمير العجلة في روايته “ظل الموت”، التي صيغت أفكارها استنادًا إلى ما شهدته عينيه والظروف القاسية التي عايشها منذ بداية الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة بعد عملية “طوفان الأقصى” في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023.
خارج غزة، يصعب الإجابة على هذه الأسئلة، بينما في الداخل، نجد أن العجلة هو أوضح من يعبر عن الإجابات، حيث يقول (26 عامًا): “للموت ظل يتجلى فيمن خذلونا، وقد لمسناه في كل موت وقهر ومعاناة، وفي كل هجرة وطابور وقفنا فيه، وفي كل جوع، وفي كل جري تحت آلة الموت التي لا تزال تفتك بنا”.
“نحن نموت مع كل دمعة طفل، ومع كل عجز كهل، ومع كل صرخة ثكلى… ثم يأتي الموت الأكبر ليقضي على جميع معاناتنا وآلامنا”، يضيف العجلة.
“ظل الموت” رواية حديثة للروائي الشاب أمير العجلة كتبها في خيمة النزوح وتحت القصف وقرصات الجوع (الجزيرة)
ظل الموت
تتناول هذه الرواية “ظل الموت” ما لفت إليه العجلة من دموع الأطفال التي يمكنها أن تحرق العالم، وما يعانيه النازحون من قهر، وجراح الصفوف الطويلة وآلامها، والخذلان الذي نشعر به بوضوح في نظر العالم كله (..) وهنا تفهمت كيف ضاعت فلسطين وأدركت الفرق بين مصيبتنا الأولى وهذه المأساة التي نعيشها: إن نكبتنا الحالية تُصور بأحدث الكاميرات وبأعلى دقة لعالم أعمى، إما لا يرى أو يتعامى”.
وعن مفهوم هذه الرواية، التي نُشر الجزء الأول منها في 270 صفحة، ويعمل على الجزء الثاني، قال: “لا أحتاج إلى فكرة محددة في ظل واقع قاتم وظروف قاسية نعيشها.. أكتب ما يعبر عنا، أدوّن واقعنا وصرخاتنا، ألتقط الأفكار من صاروخ يمتزج غباره بماء الشاي، ومن كيس طحين يلعب الدم والأشلاء، ومن صف طويل حيث يصرخ الطفل صرخة خذلان تشق السماء ولا يسمعها أي عربي”.
ويرى العجلة: “الحكايات دائماً تبدأ من عمق الألم؛ فالألم يصنع المعجزات. تبقى قصصنا حية حتى لو غبنا، لأننا نكتبها بالروح لا بالحبر”. ويدعو: “لطالما أراد الاحتلال أن يحولنا إلى أرقام وإحصائيات في تقارير الموت، لكننا نرفض. نحن نواجه قسوة الحياة بإصرار لا يلين، ونحمل في قلوبنا ما يكفي من الأمل لتغيير الواقع”.
الكتابة مقاومة
تعتبر “ظل الموت” ليست العمل الأدبي الأول لهذا الروائي الشاب، الذي تزوج خلال فترة الحرب والنزوح عن منزله المدمر في حي الشجاعية بشرق غزة، ويصف العجلة كيف دمرت الحرب بيت أحلامه مما أجبره على بدء حياته الزوجية في خيمة تعصف بها الرياح، وصفها بوجع كأنها “قبر يحتويني وأنا حي، حيث إن الخيام هي مقابر الذين لم تقتلهم الحرب”.
لدى العجلة سابقاً رواية بعنوان “إلا أن يسجن أو عذاب”، تناول فيها معاناة الأسرى الفلسطينيين في سجون الاحتلال وما يتعرضون له من ألم وتعذيب.
كما أخرج رواية أخرى تحمل عنوان “مرفوض بالفطرة”، تركز على القضايا الاجتماعية الصعبة التي تواجه الفئة الناشئة في غزة، ومعاناتهم ومشاكلهم المتعددة في المنظومة التعليمية واختيار شريك الحياة، وتكاليفهم.. فضلاً عن أزمة الهجرة التي تعصف بالمدينة المنكوبة.
وفيما يتعلق بالكتابة في ظل الحرب والنزوح، يرى العجلة أن “المعذبين هم الأكثر قدرة على التعبير عن الألم، فلا يجد الخائف ما يهدئ قلبه سوى كلماته التي يكتبها”، مضيفاً: “إن أدب الحرب والخوف ما هو إلا نزيف لأرواحنا الذي لا يلتئم، ندوّنه على صفحات القهر والوجع، على سجلات الخذلان والآلام التي نتجرعها أمام العالم، جهاراً نهاراً دون أن يحرك أحد ساكناً”.
أمل أبو سيف: رغم قسوة الحرب يجب أن لا نسمح لها بكتم أصواتنا (الجزيرة)
البداية حلم
تحدثت أمل محمد أبو سيف، شابة في العشرين من عمرها، عن حلمها الذي تجسد في رواية، حيث تقول للجزيرة نت: “روايتي وُلدت من قلب مدينة مكلومة.. مدينة تُسرق أحلامها يومياً، ورغم كل شيء ما زلنا نحب الحياة، ونسعى لتمسك بالأمل، ونعيد بناء أحلامنا من تحت الأنقاض”.
تعيش “أثير” تجربة النجاة من تحت الركام بعد غارة جوية إسرائيلية، لا تزال تسعى لتحديد وجودها في هذه الأرض. تقوم بتنظيف غبار ركام بيتها، الذي كان مليئًا بالحياة والضحكات والذكريات قبل لحظات من القصف.
فقدت “أثير” شقيقتها ومنزلها، ودفنت الكثير من ذكرياتها تحت الأنقاض، لكن ليس كل ما حصل معها كان سيئاً، فقد كانت الغارات تطاردها، متوقعة أن تتعرض لمجزرة جديدة في كل مكان تذهب إليه بحثاً عن الأمان.
“أثير” هي بطلة رواية أبو سيف (22 عاماً) المعنونة “أثير غزة”، حيث تعتبر هي الصورة الحقيقية لكل فتاة فلسطينية تعيش الرعب وصنوف الموت نتيجة الحرب.
احتلت معاناة النساء في غزة مساحة كبيرة من رواية “أثير غزة” للروائية الشابة أمل أبو سيف (الجزيرة)
جمعت أبو سيف في الشخصية “أثير” أنماطًا متنوعة من الآلام التي تعاني منها النساء في غزة، حيث هن الضحايا القائديات لجرائم الحرب الإسرائيلية. وقد أخذت النساء حيزاً كبيراً في رواية “أثير غزة”، وهي العمل الأدبي الأول لهذه الكاتبة الشابة.
وسط الرواية، تبرز شخصية “الخالة آمنة”، التي تعكس صمود النساء وارتباطها بأرضها ووطنها، وتجسدها أبو سيف كفلسطينية مسنّة، تتخذ تجاعيد وجهها خريطة لوطن يصارع من أجل تحرره من الاحتلال، وترفض كل استراتيجيات الهجرة.
تعتبر أبو سيف جزءاً من شخصيات روايتها، حيث تعيش في مخيم “النصيرات” للاجئين وسط القطاع، الذي يعد من أكثر المناطق تعرضاً لنيران القوات المحتلة، ويشهد مجازر مأساوية منذ بداية الحرب. وقد اضطرت أمل مع عائلتها إلى تجربة النزوح.
رغم أنها شعرت بقدرتها على الكتابة منذ طفولتها، ألهمها “وحي الكتابة” لتأليف روايتها الأولى خلال الحرب، رغم الضغط الكبير من الظروف الحياتية.
تقول أمل: “كتبت أثير غزة كإفراغ لما في قلبي، واحتجاجًا صامتًا ضد واقع لا يحتمل”، وتضيف بعزيمة كبيرة: “لا يجب أن تجعلنا الحرب بكل قسوتها نصمت”.
الكاتب والروائي يسري الغول: نكتب لننجو بأفكارنا ومعتقداتنا وليس للنجاة بأجسادنا (الجزيرة)
سيرة الجوع والوجع
“عزيزي القارئ.. أدعوك للخروج إلى الشرفة أو النافذة.. تأمل البيوت المتلاصقة، الشوارع بأزقتها وتفرعاتها، الأشجار الباسقة، أعمدة الإنارة، الإشارات الضوئية، خط المشاة، الإعلانات، السيارات الفاخرة والعربات المتهالكة. ركز على تفاصيل الأشياء ثم عد إلى شقتك أو غرفتك وأعط عينيك الفرصة لتتمعن في الجدران، لون الطلاء، الصور، اللوحات، شهادات التقدير، الأرائك والكراسي، فناجين القهوة وعلب الحلوى، ثم قبل أن تغمر بالحزن، اذهب نحو فراش زوجتك وأطفالك، قبلهم كأنك سترىهم للمرة الأخيرة، عانقهم بحرارة، ثم اقبل معي لنصلي في هذا المكان الخاوي”.
تلك الكلمات كتبها الروائي يسري الغول على غلاف كتابه: “نزوح نحو الشمال.. سيرة الجوع والوجع”، وهو تسجيل يومي يعكس تجربة حقيقية، حيث يقول للجزيرة نت: “لا أدري إن كنت محظوظًا بموقعي في شمال قطاع غزة أم لا، فأنا لم أنزح إلى جنوب وادي غزة رغم كل الضغوط والتطرف الإسرائيلي لأشهد جرائم الاحتلال، ولأوثق تجربة الجوع التي مررنا بها بشكل لم يكن ليتخيله أحد حتى في أسوأ كوابيسه”.
“ولم أكن في لحظة كتابة هذه اليوميات على يقين من النجاة، وما زلت، فالقذائف والطائرات لا تتوقف، حتى باتت جزءًا من روتيني اليومي، وقد أكون الرقم التالي من بين الشهداء، الذين يموتون بالمئات يومياً، بشكل يدعو للسخرية، كأن يذهب شاب لصالون حلاقة استعداداً لحفلته، فقصفت الجهة وقتل الجميع في مشهد عبثي”، وفق الغول، أحد أبرز كتّاب غزة الحاصلين على جوائز عربية ودولية لأعماله المترجمة لعدة لغات.
ويتابع القول: “كما قد يصطف الأطفال في طابور طويل للحصول على وجبة طعام، فتستهدفهم قذيفة على بعد، متفرقة الشظايا تخترق أحلامهم وحياتهم. وكأن تمشي نحو اللامكان، ثم تفاجأ بقنبلة تسقط باتجاه جسمك الضعيف، ربما يكون كل ذلك مجرد لعبة ترفيهية بين جنود في ثكنات بعيدة، مجسدين هكذا موتاً”.
قد يظن البعض أن “الكلمات قد لا أهمية لها أمام تعطش الآخر للدم”، لكنه يؤمن قائلاً: “بالتأكيد ستظل جريمة تُدون للتاريخ كحقبة مظلمة من تاريخ الإنسانية”.
ويقول الغول: “لا أعني شيئًا سوى نقل الوجع والرسالة، مؤمنًا بأنه يجب أن يكون هناك مجنون يلقي القنابل في وجه جميع الأنظمة المتواطئة والنخب المتزلفة والشعوب العاجزة عن الحركة والغارقة في الصمت”.
ما أهمية الكتابة في زمن الحرب؟ يجيب الغول، ممسكًا بالكتاب الرابع له مشيرًا إلى ما تعرض له من قتلٍ وجوع: “الكتابة تحت الحرب هي بمثابة القشة التي نتعلق بها، نحاول الوصول إلى الأمان، ليس بأجسادنا، بل بأفكارنا ومعتقداتنا، وبنقل مظلوميتنا للعالم”.
أدت الغارة الجوية الإسرائيلية على مطار صنعاء الدولي إلى استنكار واسع عبر منصات التواصل الاجتماعي، حيث استهدفت الطائرة المدنية الوحيدة المتبقية لدى الحوثيين. نشر مدير المطار مقاطع توثق الهجوم، الذي وصفته شركة الخطوط الجوية اليمنية بأنه “جريمة جديدة” تسجل في تاريخ الاحتلال. الطائرة كانت تستعد لنقل حجاج بيت الله الحرام. وتساءل البعض عن سبب عدم نقل الطائرات إلى مطار عدن، رغم المخاطر المعروفة. في حين لفت آخرون إلى تحمل إدارة الشركة مسؤولية عدم اتخاذ الاحتياطات اللازمة. المدعاات بتحقيق دولي ومحاسبة المعتدي تتزايد وسط دعوات للدفاع عن حقوق المدنيين.
أدى القصف الجوي الإسرائيلي الذي استهدف مطار صنعاء الدولي إلى إثارة جدل كبير واستنكار على وسائل التواصل الاجتماعي، لا سيما بعد أن طال الهجوم الطائرة المدنية الوحيدة المتبقية لدى حكومة الحوثيين في العاصمة.
وقد نشر خالد الشايف، مدير عام مطار صنعاء الدولي، مقطع فيديو يظهر احتراق الطائرة بعد استهدافها من قبل سلاح الجو الإسرائيلي يوم الأربعاء الماضي.
كما نشر مقطعًا آخر لاحقًا، قال إنه يظهر عملية إخلاء الطائرة التابعة للخطوط الجوية اليمنية قبل لحظات من استهدافها.
مشاهد لإخلاء طائرة الخطوط الجوية اليمنية قبل استهدافها من قبل العدو الصهيوني بلحظات. pic.twitter.com/yhkLt2l1Dj
— Khaled alshaief خالد الشايف (@KAlshaief) May 29, 2025
من جانبها، أصدرت الخطوط الجوية اليمنية بيانًا استنكاريًا، واصفة الحادث بأنه “جريمة جديدة تُضاف إلى سجل الاحتلال الصهيوني المخزي والدامي”.
ونوّهت الشركة أن الطائرة المستهدفة تعرضت لهجوم مباشر وجبان “قبل لحظات من بدء صعود الركاب، من حجاج بيت الله الحرام إلى متنها، ضمن رحلة مجدولة، حاصلة على كافة التصاريح اللازمة للهبوط والتشغيل والإقلاع من جميع الجهات المعنية”.
بيان تنديد
في جريمة جديدة تُضاف إلى سجل الاحتلال الصهيوني المخزي والدامي، تعرّضت صباح اليوم طائرة أخرى لاستهداف مباشر وجبان، وذلك قبل لحظات من بدء صعود الركاب من حجاج بيت الله الحرام إلى متنها، ضمن رحلة مجدولة، حاصلة على كافة التصاريح اللازمة من جميع الجهات المعنية.
— Yemenia-Yemen Airways (@yemenairway) May 28, 2025
تفاعل رواد مواقع التواصل مع الخبر، حيث طرح العديد منهم تساؤلات حول المسؤول عن دمار الطائرة المتبقية.
إذ تساءل بعضهم: لماذا لم تُنقل الطائرات إلى مطار عدن رغم المعرفة المسبقة بأن مطار صنعاء قد يتعرض للاستهداف الإسرائيلي؟
لماذا لم يتم نقل الطائرات إلى مطار عدن وهم يعلمون أن العدو الإسرائيلي سيقصف مطار صنعاء
لم يوافق التحالف على إعطاء تصاريح إقلاعها، هذا نقلاً عن مختصين في اليمنية.
— : المستشار: عبدالله الكيلاني (@hady_shrf) May 29, 2025
ورد ناشطون بأن استهداف الطيران المدني، وخاصة في أوقات السلم أو المناسبات الدينية مثل موسم الحج، يُعد جريمة مدانة ولا يمكن تبريرها.
وفي تعليقات مؤثرة، كتب أحد المتضررين: “كل مرة نحاول التمسك بأمل بسيط، يأتي عدوان جبان ليقصفه حرفيًا! هذه ليست مجرد طائرة… بل باب كان يمكن أن يعيدنا إلى أهلنا، لأرضنا، لأحلامنا المعلقة منذ سنوات”.
وأضاف: “كنت أنتظر هذه الرحلة، وكان هذا آخر أمل لي بالعودة. الاستهداف ليس استهدافًا لطائرة فحسب، بل هو استهداف للأمل وحقنا الطبيعي في التنقل والعودة للوطن. ندعا برفع الصوت محليًا ودوليًا، فهذا عدوان على شعب كامل”.
آخر طائرة للخطوط الجوية اليمنية تم قصفها قبل قليل، وبهذا يتقفل مطار صنعاء رسميًا.
كان طيران اليمنية يعمل بشكل رسمي لمدة ثمان سنوات لكل اليمنيين، حتى أختطف الحوثيون ٤ طائرات وصرحوا أن هذا نصيبهم وجمدوا أرصدة طيران اليمنية.
في المقابل، حمل آخرون قيادة شركة الخطوط الجوية اليمنية ومديريها المسؤولية عن تدمير الطائرات، مشيرين إلى أن سلطات المطار كانت قد أُبلغت مسبقًا بموعد القصف، ومع ذلك لم يتم نقل الطائرات إلى مطارات بديلة، مما عرّض ممتلكات الشركة للتدمير في مطار صنعاء، حسب رأيهم.
وكتبت إحدى المعلقات: “أنتم المسؤولون، سمحتم للطائرة بالذهاب إلى مطار صنعاء وأنتم تعلمون أنه مستهدف، وشاهدتم قصف الطائرات فيه مسبقًا. لماذا لم تعيدوها إلى عدن أو سيئون؟”.
دعا المتضررون والمنظمات المحلية والدولية بمحاسبة إسرائيل على هذه الجريمة وإيجاد حلول تحمي المدنيين وحقهم في التنقل الآمن.
تفاعلت المنصات اليمنية مع الغارات الإسرائيلية التي استهدفت مطار صنعاء الدولي، مما أدى إلى تدمير الطائرة الرابعة. جاء ذلك بعد إعلان الحوثيين إعادة تأهيل المطار. وأفادت وسائل الإعلام أن الطائرة كانت قادمة من الأردن. القوات المسلحة الإسرائيلي نوّه تنفيذ الغارات بعشر طائرات، بينما نتنياهو اتهم إيران بدعم الحوثيين. تعليقات يمنيين عبر منصات التواصل اختلفت، حيث وصفها البعض بالعدوان الظالم، مدعاين بمعاملة مماثلة مع إسرائيل. وزير الدفاع الإسرائيلي توعد باستمرار القصف على الموانئ اليمنية والبنية التحتية، مشيراً إلى أن مطار صنعاء سيتم تدميره مراراً.
تفاعل الإعلام اليمني مع الغارات الإسرائيلية الأخيرة التي استهدفت مطار صنعاء الدولي، اليوم الأربعاء، مما أسفر عن تدمير الطائرة الرابعة والأخيرة الموجودة في المطار.
وجاء الهجوم الإسرائيلي الجديد بعد حوالي أسبوع من قيام جماعة “أنصار الله” (الحوثيين) بالإعلان عن فتح المطار وإعادة تأهيله، فيما أفادت وسائل إعلام تابعة للجماعة أن الطائرات الإسرائيلية نفذت 4 غارات استهدفت مدرج المطار وطائرة تابعة للخطوط الجوية اليمنية.
وبحسب تقارير صحفية، فإن الطائرة المدمرة من طراز “إيرباص 320″، كانت قادمة من مطار الملكة علياء الدولي في الأردن صباح اليوم.
سبق أن قامت إسرائيل بقصف مطار صنعاء الدولي قبل 3 أسابيع، مما أدى إلى تعطيله وتدمير 3 طائرات للخطوط الجوية اليمنية المتواجدة فيه.
فيما نوّه القوات المسلحة الإسرائيلي أنه استهدف المطار بـ10 طائرات حربية، قال رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إن “من يؤذينا سيعاني، ومن لم يُدرك ذلك بالقوة سيفهمه بقوة أكبر”.
وجدد نتنياهو -وفقاً لما ذكرته صحيفة يسرائيل هيوم- اتّهامه لإيران بدعم الحوثيين، مشيراً إلى أنها “المسؤولة عن العدوان المنطلق من اليمن”.
آراء متباينة
رصد برنامج “شبكات” -في حلقته بتاريخ (2025/5/28)- جانبًا من ردود أفعال اليمنيين على الغارات الإسرائيلية الجديدة على مطارهم وتدمير آخر طائرة في صنعاء.
وبين التعليقات، قال محمد هاشم في تغريدته “العدوان الإسرائيلي على مطار صنعاء الدولي هو عدوان غاشم وظالم وفاشل”.
ونوّه أن هذا العدوان “لن يغير أو يؤثر على موقفنا من القضية الفلسطينية، وسنستمر في دعم غزة، والعَدُو عليه الانتظار لما هو آتٍ”.
من جانبه، دعا حسين في تغريدته “القوة الصاروخية اليمنية لمعاملة مطارات وموانئ الكيان الصهيوني بالمثل”، مضيفًا “لن ينفع الضرب من دون دمار”.
أما محمد فتساءل “أين هي الصواريخ فرط الصوتية لتدمير مطارات وموانئ إسرائيل والحصار المفروض عليهم؟”.
من جهتها، أعربت سهى عن قناعتها بأن ما يحدث “ليس قصفًا، بل تنسيقًا مفضوحًا”، مشيرة إلى أنه لم يُصَب “أي قيادي حوثي، بينما طائرات (اليمنية) تُستهدف في مطار صنعاء”.
وخلصت إلى أن “الغارات الإسرائيلية محسوبة بدقة، تستهدف ممتلكات الشعب، وتترك القيادات بأمان”.
وكانت الخطوط اليمنية قد صرحت سابقًا أنها ستفوج ألفي حاج من مطار صنعاء حتى 31 مايو/أيار الجاري، بواقع رحلتين يوميًا.
في المقابل، قال وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس إن “من يطلق النار على دولة إسرائيل سيدفع ثمنًا باهظًا”.
وهدد كاتس بـ”استمرار قصف الموانئ اليمنية بكثافة”، مشيراً إلى أن “مطار صنعاء سيُدمر مرارًا وتكرارًا، بالإضافة إلى البنية التحتية الاستراتيجية الأخرى”.
ظهر فيديو عفوي للبابا ليو الرابع عشر، الذي تولى البابوية بشكل تاريخي وهو أول بابا أمريكي من أصل أمريكي، مما جعله بطلاً محلياً في تشيكلايو، بيرو. الفيديو، الذي يعود لعام 2014، يظهره وهو يغني “فيليز نافيداد” محاطًا بشباب محليين. منذ أن أصبح أسقفاً في تشيكلايو، لعب دوراً في معالجة قضايا مثل الفقر والهجرة. بينما يأمل الكثيرون أن يعيد حيويتهم بمساعدة قيادته، تواجه البابوية تحديات، منها فضائح الاعتداء الجنسي داخل الكنيسة. يسعى ليو الرابع عشر إلى تنفيذ إصلاحات، مؤملاً أن يكون صوتًا للدفاع عن الفقراء والمهمشين.
المشهد المصور يبدو غير واضح. الكاميرا غير مستقرة، وفي لحظة معينة، يظهر هاتف محمول آخر ليلتقط الصورة.
ومع ذلك، انتشر الفيديو بسرعة في بيرو لسبب مهم: إنه يوثق لحظة عفوية ومرحة للبابا ليو الرابع عشر، الذي تولى مؤخرًا قيادته للكنيسة بقداس تنصيبي في ساحة القديس بطرس بالفاتيكان.
لقد غيّرت بابويته مجرى التاريخ. وُلد ليو الرابع عشر في شيكاغو، وهو أول بابا على الإطلاق من الولايات المتحدة. وفي مدينة تشيكلايو شمال بيرو، يُعتبر بطلًا محليًا، والفيديو الذي يعود لعام 2014 يُظهر جذوره اللاتينية.
في المقطع، كان ليو الرابع عشر – المعروف سابقًا باسم روبرت بريفوست – يُنشد أغاني عيد الميلاد عبر مكبر صوت محمول تحت الأضواء وديكورات العيد.
يغني “فيليز نافيداد! فيليز نافيداد”، مدعومًا بفرقة شبابية في تشيكلايو تعزف على الغيتار، مغنيًا: “أتمنى لكم عيد ميلاد مجيد”.
قبل أن يصبح بابا، أدت تشيكلايو، خامس أكبر مدينة في بيرو، دورًا حاسمًا في صعود ليو الرابع عشر في الكنيسة الكاثوليكية.
منذ 1985، شارك ليو في بعثات كاثوليكية في شمال البلاد، لكن خلال العقد الأخير من حياته المهنية، أصبحت تشيكلايو قاعدته القائدية. شغل منصب أسقف هناك من 2015 إلى 2023، وخلال تلك الفترة أصبح أيضًا مواطنًا بيروفيًا.
قال الأب خوسيه أليخاندرو كاستيو فيرا، وهو زعيم كنسي محلي التقى ليو الرابع عشر لأول مرة في 2014، “لقد كسب حب الناس”.
بينما استقبلت المنطقة بحرارة “بابا تشيكلايانو”، يعكس وضعه أيضًا التحديات التي تواجه منصبه الجديد في أميركا اللاتينية.
بطل محلي
يُعتبر أن الكاثوليكية تتراجع في أميركا اللاتينية. وفقًا لاستطلاع أجرته شركة “لاتينوباروميترو”، انخفض عدد الكاثوليك من 80% تقريبًا إلى 54% بين 1995 و2024.
بيروفيون يحتفلون بأصول البابا ليو الرابع عشر في شيكلايو أمام كاتدرائية القديس بطرس (أسوشيتد برس)
في بيرو، تضررت صورة الكنيسة بعد فضيحة اعتداء جنسي ظهرت في 2015.
مع ذلك، يسود التفاؤل في تشيكلايو بأن قيادة ليو الرابع عشر قد تعيد الروح للمؤمنين الكاثوليك بفضل سجله المضيء.
قالت يولاندا دياز، معلمة في تشيكلايو، “أعتقد أنه يمكنه فتح مجال للحوار”.
وترى أن ليو الرابع عشر سيساعد في “دفع التغييرات التي نريد رؤيتها في الكنيسة على مراحل”.
حدد ليو الرابع عشر ملامح بابويته منذ البداية، حيث انتقل من الإيطالية إلى الإسبانية لمخاطبة أهل مدينته التي احتضنته.
سكان مدينة شيكلايو في بيرو يرفعون صورة البابا ليو الرابع عشر خلال قداس أقيم على شرفه بعد توليه البابوية (أسوشيتد برس)
قال في تصريحاته: “إذا سمحتم لي بكلمة، تحية للجميع وبشكل خاص لأبرشيتي الحبيبة تشيكلايو، في بيرو، حيث رافق الشعب المؤمن أسقفه، وشارك إيمانه وأعطى الكثير لمواصلة كونها كنيسة وفيّة ليسوع المسيح”.
سرعان ما لفت المراقبون إلى أنه لم يخاطب الولايات المتحدة، بلد مولده، أو يتحدث لغته الأم الإنجليزية.
بعد ذلك، تدفق آلاف الناس إلى الساحة القائدية في تشيكلايو للاحتفال بالبابا الجديد، يرقصون ويتناولون القربان المقدس تحت كاتدرائيتها ذات اللون الأصفر الزبدي.
في خضم هذه الأجواء، أدركت الشركات المحلية الفرصة الماليةية. اقترح رئيس الرابطة الوطنية لوكالات السفر والسياحة “إبافيت” (APAVIT) ريكاردو أكوستا تنظيم مسار سياحي باسم “البابا”.
ووضعت المطاعم في تشيكلايو لافتات خارج أبوابها “أكو كوميو إل بابا”، أي: “البابا أكل هنا”.
مواجهة فقر بيرو
يمس الفقر ما يقرب من ربع سكان المنطقة الشمالية من بيرو. وقد نوّه المدافعون المحليون أن المدينة والمناطق المحيطة بها تعاني من نقص في البنية التحتية السنةة.
برزت هذه القضية بشكل كبير خلال جائحة كورونا في عام 2020 وما بعدها، حيث أفادت الأمم المتحدة بأن أكثر من ألف عائلة في تشيكلايو كانت تعاني من نقص في مياه الشرب.
كما كانت الموارد الصحية تحت ضغط هائل. وقد سجلت بيرو أعلى معدل وفيات لكل فرد، يُقدّر بـ 665.8 حالة وفاة لكل 100 ألف شخص.
يتذكر الأب كاستيو، الأمين السنة لمنظمة “كاريتاس تشيكلايو”، التي تشرف على الأعمال الخيرية الكاثوليكية، أن ليو الرابع عشر ساهم بشكل كبير في جمع التبرعات لشراء الأكسجين الطبي للمرضى.
أوضح الأب كاستيو: “ابتكر فكرة لإطلاق حملة لجمع الدعم المواطنوني من أجل محطة أكسجين”.
من خلال الجهود المشتركة، تم جمع أكثر من 380 ألف دولار لشراء أنظمة توليد الأكسجين.
قال الأب كاستيو “لقد تواصل مع جميع السكان والسلطات ورجال الأعمال أيضًا”. “وفي النهاية، عمل الله العظيم وسنحت لنا الفرصة لبناء محطتين بدلاً من واحدة”.
ومع ذلك، أُغلقت كلتاهما منذ ذلك الحين بسبب نقص التمويل اللازم للصيانة. ومع ذلك، أعرب الأب كاستيو للجزيرة الإنجليزية عن أمله في أن يواصل البابا ليو الرابع عشر الدفاع عن الفقراء خلال فترة ولايته في الفاتيكان.
وقال: “نتمنى أن يكون ذلك الصوت، ليس فقط للبيروفيين، ولكن للجميع”. وأضاف “الكثير من الناس بحاجة للخروج من البؤس والفقر”.
من مهاجر إلى آخر
كانت إحدى أقرب ذكريات دياز، المعلمة، عن البابا الجديد هي العمل معًا على قضية ملحة أخرى تتعلق ببيرو: الهجرة.
منذ عام 2018، أصبحت بيرو من الوجهات القائدية للمهاجرين من فنزويلا، حيث أدت الأزمات السياسية والماليةية إلى هجرة أكثر من 7.9 ملايين شخص.
تقدّر الأمم المتحدة أن بيرو استوعبت حوالي مليوني مهاجر، مما يجعلها ثاني أكبر مستقبل للفنزويليين في أميركا اللاتينية.
أخبرت دياز الجزيرة الإنجليزية بأنها شهدت تأثير تدفق المهاجرين في تشيكلايو. عملت مع ليو الرابع عشر في لجنة جديدة أنشيئت لمعالجة قضايا الهجرة والاتجار بالبشر.
تستعيد دياز ذكرياتها: “شهدنا تدفقًا كبيرًا”. “رأينا حوالي 20 ألف شخص يصلون إلى تشيكلايو، أكثر من 3 آلاف عائلة، بما في ذلك الأطفال والفئة الناشئة. كان بإمكانك رؤيتهم ينامون في الساحة القائدية، وفي الشوارع، وفي مداخل الكنائس، وخارج شركات السفر”.
أثار هذا التدفق مشاعر معادية للمهاجرين لدى بعض البيروفيين، ووردت تقارير عن تعرض اللاجئين للتمييز.
مع ذلك، لاحظت دياز أن ليو الرابع عشر حاول إزالة وصمة العار عن الهوية الأجنبية في بيرو عندما زار مجتمعات المهاجرين.
تتذكر دياز قوله: “أنا مهاجر.. أعلم ماذا يعني الوصول إلى أرض جديدة بثقافة مختلفة”.
رأت ذلك دليلًا على قدرته على مداواة الصدوع في منصبه الجديد كيمم. “إنه يفهم التنوع في الكنيسة”.
مواجهة فضائح الاعتداء في الكنيسة
بينما يُعَدّ البابا ليو الرابع عشر شخصية موحِّدة في تشيكلايو، أعاد تعيينه إشعال بعض الجدل القائم داخل الكنيسة الكاثوليكية.
تتركز العديد من الاتهامات على مزاعم الاعتداء الجنسي في أبرشيات كاثوليكية حول العالم، بما في ذلك الولايات المتحدة وتشيلي وأيرلندا.
الكنيسة الكاثوليكية في بيرو ليست استثناءً. تركّز الكثير من التدقيق على مجموعة محددة، هي “سوداليتيوم كريستياناي فيتاي”.
تأسست في بيرو عام 1971، ونمت لتشمل أعضاء في جميع أنحاء أميركا اللاتينية.
لكن في 2011، بدأت الكنيسة تلقي شكاوى رسمية بشأن مؤسسها لويس فرناندو فيغاري وغيره من قادة الحركة.
في 2015، بعد سنوات من التحقيق، نشر الصحفيان بيدرو ساليناس وباولا أوغاز كتابًا يسلط الضوء على الشكاوى، مما أثار صدمة في المواطنون البيروفي وجلب الانتباه العالمي للقضية.
الكتاب، المعروف بـ”نصف رهبان نصف جنود”، استعرض أكثر من 30 حالة اعتداء، بما في ذلك الاعتداء النفسي والإجبار على اللواط وأعمال أذى أخرى.
قالت أوغاز للجزيرة إن البابا ليو كان داعمًا لجهودها في التحقيق.
أطفال من كورال يرفعون صور البابا ليو الرابع عشر المنتخب حديثًا (أسوشيتد برس)
تذكر أن دعم الأساقفة استمر حتى النهاية، بما في ذلك روبرت بريفوست، الذي كان متفهمًا ويُدرك أن هذه القضية مهمة لبابويته.
لكن فيغاري نفى باستمرار ارتكاب أي مخالفات. أخيرًا، أرسل البابا السابق فرانسيسكو مبعوثين إلى بيرو، بما في ذلك رئيس أساقفة، للتحقيق في المجموعة.
في عام 2024، أصدرت سلطات الكنيسة في بيرو بيانًا يؤكد العثور على “اعتداء جسدي يشمل السادية والعنف”، بالإضافة إلى إجراءات هدفت إلى “كسر إرادة المرؤوسين”.
في النهاية، تم طرد فيغاري وأعضاء بارزين آخرين من المنظمة. ولاحقًا، اتخذ البابا فرانسيس قرارًا نادرًا بحل المجموعة بالكامل، حيث دخل مرسوم الحل حيز التنفيذ قبل أسبوع من وفاة فرانسيس في أبريل الماضي، مما ألغى المجموعة فعليًا.
ومع ذلك، واجه البابا ليو تدقيقًا حول ما إذا كان قد فشل في التصرف على الشكاوى التي وردت لأبرشية تشيكلايو أثناء مقلة منصبه كأسقف.
في مارس الماضي، على سبيل المثال، أصدرت مجموعة تُدعى “شبكة الناجين” من الاعتداءات “إس إن إيه بي” (SNAP) بيانًا زعمت فيه أن ثلاث نساء أبلغن الأبرشية في 2022 عن تعرضهن للاعتداء الجنسي، ولكن وُوجهن بالصمت المؤسسي.
مصلٍّ أمام لافتة للبابا ليو الرابع عشر خلال قداس في كاتدرائية سانتا ماريا في شيكلايو، بيرو (أسوشيتد برس)
كتبت “إس إن إيه بي”: هناك سبب خطير للاعتقاد بأن الكاردينال بريفوست لم يتبع الإجراءات المقررة من قبل الكرسي الرسولي في التحقيقات بعد ورود بلاغات الاعتداء.
ومع ذلك، صرح ليو الرابع عشر لصحيفة “لا ريبوبليكا” البيروفية أنه يرفض “التستر والسرية”. وفي الإسبوع الماضي، نفى الأب جوردي برتوميو فارنوس، وهو محقق بالفاتيكان، هذه التصريحات.
قال برتوميو فارنوس لوسائل الإعلام البيروفية في روما: “روبرت بريفوست لم يتستر على شيء.. لقد قام بكل شيء وفقًا للبروتوكولات المعمول بها لدينا في الفاتيكان”.
تصر أوغاز على أنها لا تزال تؤمن بقدرة ليو الرابع عشر على تحقيق الإصلاحات.
ولفتت إلى أنه في بداياته كبابا، اجتمع ليو الرابع عشر مع الكاردينال شون أومالي، الذي يرأس لجنة بالفاتيكان لحماية الأطفال من الاعتداء. كما ذكرت تشجيعه لها ولشريكها الصحفي مؤخرًا.
قالت: “طلب منا متابعة عملنا، وأن نتوقع أخبارًا إيجابية عن بيرو قريبًا”.
فيلم “ذيل الكلب” (Wag the Dog) يظهر تعاون خبير تعديل الحقائق مع منتج هوليودي لصنع حرب وهمية لتشتيت انتباه الجمهور عن فضيحة القائد الأميركي. يتناول الفيلم مفهوم “المقامرة من أجل البقاء” حيث يلجأ القادة السياسيون لإشعال الحروب في أوقات الأزمات لتفادي فقدان السلطة. ويتجلى هذا المفهوم في سياسات بنيامين نتنياهو، الذي استمر في حرب غزة رغم فشله في تحقيق أهدافها، محاولًا استخدام الحرب كدرع سياسي ضد الانتقادات. هذا السلوك يعكس كيف يمكن للقادة أن يتصرفوا بصورة محفوفة بالمخاطر من أجل البقاء، وهو ما يُثبت بفشل تجارب سابقة مثل غزو الأرجنتين لجزر فوكلاند.
في الفيلم الأمريكي المعروف “ذيل الكلب” (Wag the Dog-1997)، يتعاون خبير تعديل الحقائق السياسية كونراد بريان (الذي يلعب دوره الممثل روبرت دي نيرو) مع المنتج الهوليودي ستانلي موتس (داستن هوفمان) لابتكار حرب وهمية في ألبانيا، وذلك لصرف انتباه الجمهور عن فضيحة أخلاقية تتعلق بالقائد الأمريكي قبل أيام من الاستحقاق الديمقراطي.
يمثل الفيلم محاولة معدلة لتجسيد رواية الكاتب الأمريكي لاري بينهارت بعنوان “البطل الأمريكي” الصادرة عام 1993، التي افترضت أن عملية عاصفة الصحراء (التي دشنتها الولايات المتحدة بعد غزو صدام حسين للكويت) عام 1991 كانت مصممة في الأساس لضمان إعادة انتخاب القائد الأمريكي آنذاك جورج بوش الأب. يجسد الفيلم والرواية مفهومًا في العلوم السياسية يُعرف بـ “المقامرة من أجل البقاء” (Gambling for resurrection)، والذي يصف لجوء القادة السياسيين إلى تصرفات “غير تقليدية” لضمان بقائهم في أوقات الأزمات، بما في ذلك إشعال الحروب أو إطالة زمنها.
تخيّل مشهدًا سياسيًا مأزومًا: قائد يتراجع حضوره الشعبي، تتوالى فضائحه، وتظهر أزماته دون أفق واضح للحل في ظل ضغط خصومه الذين يستعدون لاستغلال الفرصة للإجهاز عليه.
تَعِدُ الأرقام والمؤشرات بنهاية وشيكة لحياته السياسية، وتبدو الأدوات السياسية التقليدية للتهدئة أو محاولاته لكسب الوقت غير مجدية. حينها، وعندما يشعر القائد بأن خسارته الشخصية مؤكدة إذا استمرت الأوضاع كما هي، يُغري نفسه بالذهاب نحو تصعيد غير محسوب، من خلال فتح جبهة صراع جديدة أو توسيع نطاق صراع قائم بشكل يتجاوز المعقول سياسيًا أو استراتيجيًا.
تظهر هذه السمات بوضوح في حالتين على أرض الواقع في الوقت الحالي، وهي قرار بنيامين نتنياهو، رئيس الوزراء الإسرائيلي، بالاستمرار في حرب الإبادة ضد قطاع غزة التي استمرت لنحو 20 شهرًا. على الرغم من اعتراف الإسرائيليين بأن الحرب لم تحقق أهدافها السياسية، تستمر نتنياهو في تغذية المواجهة لتفادي الخسارة الشخصية، ويقوم بتوسيع نطاق المواجهة بطرق لا تتماشى مع الأهداف العسكرية والاستراتيجية الممكنة.
المقامرة من أجل البقاء
ظهر مصطلح “المقامرة من أجل البقاء”، المعروف أيضًا بـ”المقامرة من أجل البعث”، رسميًا لأول مرة في تسعينيات القرن الماضي بفضل الباحثين في العلوم السياسية جورج دبليو داونز وديفيد م. روك، اللذان لاحظا كيف يسعى القادة الذين يواجهون خسارة وشيكة لمناصبهم إلى اتخاذ تدابير راديكالية ويائسة على أمل تحقيق نجاح ينقذ مسيرتهم المهنية، وقدما هذه الرؤية في كتابهما “النقص الأمثل؟.. عدم اليقين الداخلي والمؤسسات في العلاقات الدولية” (Optimal Imperfection? Domestic Uncertainty and Institutions in International Relations) الصادر عام 1995.
بحسب رؤية داونز وروك، يمكن لمغامرة عسكرية أن تحشد الناس من خلال توحيدهم ضد عدو خارجي وتشتيت الانتباه عن إخفاقات القائد في الداخل. في حالة نشوب حرب بالفعل، قد يرفض القائد تقليل الخسائر أو صنع السلام، لأن ذلك يعني سقوطه الشخصي، وبدلاً من ذلك، يُواصل القتال بهدف حشد الناس حول قضية ما، آملاً في تغير الموازين.
يُعرف ذلك الاحتشاد الجماهيري بـ”تأثير الالتفاف حول الراية” (Rally ’round the flag)، والذي يعني زيادة (عادة ما تكون قصيرة الأمد) في الدعم الشعبي لقادة أو حكومة بلد ما خلال أوقات الأزمات الوطنية أو الحروب، ويتجلى هذا التأثير بشكل خاص خلال التهديدات الخارجية، مثل المواجهةات العسكرية والهجمات التطرفية والكوارث الطبيعية واسعة النطاق.
في أوقات الأزمات، يشعر المواطنون بشعور أقوى بالهوية والوحدة، مما يؤدي غالبًا إلى دعم القيادة الحالية، بغض النظر عن كفاءتها ونزاهتها. في هذا السياق، يُنظر إلى انتقاد القيادة خلال هذه الأوقات على أنه عمل غير وطني، مما يعزز بشكل عام كتم الأصوات المعارضة. كما أن وسائل الإعلام تُركز كثيرًا على تصرفات السلطة التنفيذية الإيجابية، مما يمنح القادة إطارًا جذابًا يصرف الانتباه عن الإخفاقات والأزمات الداخلية.
اليوم، يُعتبر “تأثير الالتفاف حول الراية” من المسلمات في علم الاجتماع السياسي، وقد أثبتت العديد من الدراسات ذلك في بيئات ومجتمعات وسياقات مختلفة. على سبيل المثال، بعد هجمات 11 سبتمبر، ارتفعت نسبة تأييد جورج بوش الابن من 51% إلى قرابة 90% خلال أيام فقط، وحرصت على البقاء فوق الـ 80% خلال الأشهر التالية، وفقًا لدراسة بعنوان “11 سبتمبر وتأثير الراية” صدرت عام 2002.
قبل ذلك، خلال أزمة الصواريخ الكوبية، ارتفعت نسبة تأييد القائد جون كينيدي إلى 74%، وبلغت ذروتها في ديسمبر 1962 عند 76%، قبل أن تتراجع تدريجيًا إلى 61% في يونيو 1963. وبالمثل، حقق القائد فرانكلين روزفلت زيادة قدرها 12 نقطة مئوية في نسبة التأييد من 72% إلى 84% بعد الهجوم على بيرل هاربر في ديسمبر 1941.
مقتطفات من الخطاب التلفزيوني الذي ألقاه القائد الأمريكي جون ف. كينيدي في 22 أكتوبر 1962 حول أزمة الصواريخ الكوبية (رويترز)
دعونا ننوّه هنا، أن كل ما سبق قد حصل مع قادة لم يواجهوا تحديات شخصية غير تقليدية لمستقبلهم السياسي، لكنهم استفادوا من الأزمات لتعزيز فرصهم، فكيف حال قائد يواجه بالفعل مشكلات سياسية، لا تقل عن ذلك الفساد وسهام المحاكمات الموجهة إليه من كل جانب؟ هنا يصبح التصعيد أكثر جذابية من السلام، حيث يتعاظم لدى القائد الشعور بأنه ليس ثمة ما يخسره، إذا انسحب الآن، فقد انتهى أمره حتمًا، بينما إذا استمر في مسيرته وانتصار بطريقة ما، فقد ينجو سياسيًا.
يشبه الأمر لاعب بوكر يراهن بكل شيء بعد خسارته لجولات عدة، لأن الانسحاب يعني هزيمة مؤكدة. وبالمثل، بمجرد أن يُدرك القائد أن رحيله أو عزله شبه مؤكد، لا يبقى هناك أي خطر شخصي في المقامرة على نصر أخير.
تصف ورقة بحثية بعنوان “صراعات الإلهاء: شيطنة الأعداء أم إظهار الكفاءة؟” نُشرت في مجلة “إدارة المواجهةات وعلوم السلام” (Conflict Management and Peace Science) هذا الأمر بأنه اقتراح منخفض المخاطر وعالي المكافأة من وجهة نظر القائد؛ فعندما تكون على وشك فقدان السلطة، فإن “الجانب السلبي” لمغامرة فاشلة يكون ضئيلاً، ولكن الجانب الإيجابي للنجاح قد يكون الاحتفاظ بالمنصب رغم كل الصعاب. باختصار، اليأس يولد الجرأة، وضعف موقف القائد يدفعه أكثر لتبني حلول متطرفة قد يتجنبها قائد واثق.
علم نفس المخاطرة تحت الضغط
تشير الأبحاث النفسية إلى أن البشر يتصرفون بطرق مختلفة عندما تكون المخاطر مرتفعة والنتائج المتوقعة تبدو قاتمة. يحدث ذلك لأن الضغط والأزمات يُضعفان القدرة على اتخاذ القرارات السليمة ويشجعان على اتخاذ مخاطر أكبر. بعبارة أخرى، عندما نشعر بالتهديد، قد تؤدي عقولنا إلى اتخاذ إجراءات جريئة وغير محسوبة بدلاً من التصرف بأنذر. ولا شك أن القائد الذي يتعرض للفشل يتعرض لضغط كبير، مما يُركّز على فكرة البقاء على المدى القصير ويجعل خيار “النجاة الشخصية” يبدو جذابًا.
تساعد فكرة أساسية من علم المالية السلوكي تُعرف بـ”نظرية التوقعات” (Prospect theory) في توضيح هذا الأمر، وهي واحدة من أهم النظريات التي شرحت كيفية اتخاذ الناس لقراراتهم في مواقف تتضمن المخاطر أو عدم اليقين في حياتهم اليومية. وتتلخص الفكرة الأساسية للنظرية في أن الناس لا يتخذون قراراتهم بشكل منطقي بنسبة 100%، بل يتأثرون بالعديد من العوامل، بما في ذلك مشاعر الخسارة والربح.
على سبيل المثال، توضّح النظرية أن الناس يكرهون الخسارة أكثر من حبهم للربح، بمعنى أن خسارة مبلغ معين من المال “توجع” أكثر بكثير من فرحة ربح المبلغ نفسه، وهذا يُعرف بـ”النفور من الخسارة”.
عندما يشعر الفرد أنه يخسر (أو فقد شيئًا مهمًا)، فإنه لا يتصرف بعقلانية، بل يدخل في ما يُسمى “منطقة الخسارة” بحسب النظرية، حيث يصبح الخوف من الخسارة أكبر من الرغبة في الكسب، مما يجعل الشخص مستعدًا للمخاطرة بشكل أكبر لتجنب الخسارة؛ بغض النظر عن أي ربح ممكن.
في الواقع، هذا التأثير واسع الانتشار، ولا يقتصر على الإستراتيجية. ففكرة “المقامرة من أجل البقاء” ليست مقصرّة على الحروب أو الإستراتيجية فقط، لكنها تمتد إلى كل مجالات الحياة. لأنها تعتمد في الأساس على عاملين، الأول هو طبيعتنا النفسية والثاني هو نظرية الألعاب، التي تفسر كيفية اتخاذنا للقرارات المتعلقة بالربح والخسارة.
تخيل مثلاً مدرب كرة قدم يعلم أنه سيُفصل إذا خسر الفريق المباراة التالية (احتمال خسارة 100%)، هنا يمكن أن يختار تكتيكاً جريئاً، حتى لو لم يكن مرجحاً أن ينجح. على سبيل المثال، إذا كانت فرص نجاح هذا التكتيك 0.001%، فستظل أفضل من احتمالية خسارة منصبه بنسبة 100%.
استخدم الماليةيون مفهومًا مشابها لوصف سلوك الأفراد والكيانات خلال الأزمات المالية. على سبيل المثال، خلال فشل البنوك أو شركات التأمين في الأزمات الماليةية الكبرى، قد تقدم الشركات التي تمر بأوقات صعبة على اتخاذ مخاطر مالية كبيرة على أمل تحسين أوضاعها.
خلال الأزمة المالية العالمية عام 2008، على سبيل المثال، لاحظ الباحثون أن بعض البنوك التي كانت على وشك الانهيار فعلت ذلك عن طريق التخلص من شبكات الأمان (التحوطات) لتعظيم أرباحها على المدى القصير، متحملة بذلك مخاطر أكبر. إذا نجحت تلك المقامرة، سيستفيد المساهمون، وإذا فشلت، ستتحمل السلطة التنفيذية أو دائنوها الخسائر، لكن الانهيار كان قادمًا لا محالة في كل السيناريوهات.
من راهنوا على النجاة
لكن المشكلة الأساسية في مبدأ “المقامرة من أجل البقاء” هي أنها كثيرًا ما تأتي بنتائج مأساوية تتجاوز تأثيراتها القائد المأزوم نفسه. من الأمثلة الكلاسيكية التي يستشهد بها الباحثون على ذلك غزو الأرجنتين لجزر فوكلاند عام 1982. في ذلك الوقت، كان المجلس العسكري الأرجنتيني، بقيادة الجنرال ليوبولدو غاليتييري، يواجه استياء داخليًا شديدًا، حيث كان المالية في حالة يرثى لها، وشعبية النظام الحاكم متدنية. في أبريل/نيسان 1982، شن غاليتييري غزواً لجزر فوكلاند الخاضعة للسيطرة البريطانية، بدعوى تأكيد مدعاة الأرجنتين الإقليمية القديمة بالجزر.
نجحت الخطة لفترة وجيزة، إذ احتشد الأرجنتينيون في البداية لدعم الحرب، لكن هذه المغامرة فشلت، حيث شنت رئيسة الوزراء البريطانية مارغريت تاتشر هجومًا مضادًا وانتصرت في الحرب، وهُزمت القوات الأرجنتينية، وأُزيح غاليتييري من السلطة على الفور. تُظهر حرب فوكلاند كيف يمكن أن تأتي المقامرة من أجل البقاء بنتائج عكسية، مُسرعة من تحقيق النتيجة التي كان يخشاها القائد (فقدان السلطة) ومُسببة تكاليف إضافية على طول الطريق.
على غرار حرب فوكلاند، هناك العديد من الأمثلة التاريخية التي يُصنفها الباحثون ضمن إطار “المقامرة من أجل البقاء”، منها الضربات العسكرية الثلاثة التي وجهتها إدارة بيل كلينتون الأمريكية ضد العراق (العملية ثعلب الصحراء في يناير 1998) وضد أهداف في السودان وأفغانستان (العملية إنفينيت ريتش في أغسطس 1998) وأخيرًا عملية بلغراد التي قادها الناتو ضد يوغوسلافيا عام 1999، والتي اعتبرها معارضو كلينتون وخبراء مستقلون محاولة للفرار من تداعيات الفضيحة الجنسية المعروفة باسم “مونيكا غيت”.
مقامرة نتنياهو بحرب غزة 2023
لنفهم كيف تتجلى المقامرة من أجل البقاء في السياسية المعاصرة، دعونا نلقي نظرة على حالة بنيامين نتنياهو خلال حرب غزة 2023. قبل اندلاع الحرب، كان نتنياهو، أطول رؤساء الوزراء الإسرائيليين خدمة، يعاني من أزمة حادة في حياته السياسية، فخلال عام 2023، تراجعت مكانته محليًا بشكل ملموس بسبب تورطه في عدة قضايا فساد تتداولها المحاكم، في الوقت الذي أثارت فيه محاولات حكومته إضعاف القضاء احتجاجات جماهيرية غير مسبوقة، ولفتت استطلاعات الرأي إلى أن حزبه الحاكم، الليكود، كان يواجه مأزقًا خطيرًا.
نتنياهو ووزير الدفاع يسرائيل كاتس بإحاطة حول سير تقدم العلميات العسكرية بغزة بعد استئناف الحرب على القطاع. (مكتب الصحافة الحكومي الإسرائيلي).
بحلول أواخر صيف 2023، كان عشرات الآلاف من الإسرائيليين يتظاهرون بانتظام احتجاجًا على قيادة نتنياهو؛ وبدت سلطته أكثر هشاشة مما كانت عليه منذ سنوات. ثم في 7 أكتوبر 2023، شنت حماس هجومًا مباغتًا، وفيما كان ذلك يُعتبر فشلاً أمنيًا ألقى العديد من اللوم فيه على حكومة نتنياهو، خلق أيضًا لحظة من الاحتشاد حوله، تتماشى مع “تأثير الالتفاف حول الراية”.
شكل نتنياهو على الفور حكومة وحدة وطنية طارئة، وبدأ حربًا ضد غزة، وللحظة، هدأت الانتقادات الموجهة إلى أخطاء السلطة التنفيذية السابقة، حيث ركز الإسرائيليون على القتال الحالي. توقفت الاحتجاجات الضخمة ضد نتنياهو؛ وانضم إليه قادة المعارضة في حكومة حرب. في البداية، حظي نتنياهو بدعم قوي، حيث اتحد الإسرائيليون ضد عدو مشترك، لكن مع استمرار الحرب وازدياد الخسائر، بدأت الآراء السنةة في الانقسام.
بحلول عام 2024، عادت العديد من الاحتجاجات إلى الشوارع، وهذه المرة كان المدعاون بوقف إطلاق النار وعودة الأسرى المحتجزين في غزة. عادت الضغوط المحلية على نتنياهو للظهور: بحلول سبتمبر 2024، اعتقد حوالي 70% من الإسرائيليين أنه يجب على نتنياهو الاستقالة بسبب تعامله مع الحرب.
ومع ذلك، رفض نتنياهو الحديث عن الاستقالة أو حتى وقف القتال لفترة طويلة. بل صعّد من مدعاه، مُصرًا على شروط لوقف إطلاق النار كانت معروفة بأنها سترفض، مما أدى إلى إطالة أمد الحرب فعليًا، وهو ما حدث في إطار دعم أمريكي كامل للعملية العسكرية في غزة.
يجادل المحللون بأن تعنت نتنياهو خلال حرب غزة يمثل مثالًا واضحًا على “مقامرة البقاء” من خلال رفع الرهانات. في مواجهة انتقادات داخلية شديدة وإمكانية انتهاء مسيرته السياسية إذا ظهر ضعيفًا أو إذا انتهت الحرب بشكل سيء، استمر نتنياهو في رفع الرهانات. كتب غوتام موكوندا، باحث في مركز القيادة السنةة بكلية كينيدي بجامعة هارفارد، أن “السبب الوحيد لعدم وجود نتنياهو في السجن هو أنه رئيس وزراء حاليًا والبلاد في حالة حرب”، مشيرًا صراحة إلى أن الحرب تمثل درعًا لنتنياهو ضد المساءلة الشخصية.
بالفعل، طالما بقيت إسرائيل في حالة حرب، يمكن لنتنياهو الدعوة إلى الوحدة الوطنية وتأجيل “يوم الحساب” حول إخفاقاته السابقة. بصفته رئيس وزراء Israel حالي، يستطيع نتنياهو تعطيل أو إبطاء الإجراءات القانونية المتعلقة بتهم الفساد الموجهة إليه. ولكن إذا اضطر لتسليم منصبه، فإن تلك المحاكمات (والإدانة المحتملة) ستلوح في الأفق. من هذه الزاوية، يمكن اعتبار الحفاظ على منصبه كما وصفه موكوندا “بطاقة خروج قريبة من السجن” لنتنياهو.
تحركات ترامب بالشرق الأوسط تربك إسرائيل سياسيا وعسكريا، في الصورة رئيس الأركان إيال زامير برفقة رئيس الوزراء نتنياهو ووزير الدفاع يسرائيل كاتسن في غرفة العمليات خلال تعقب الهجمات الإسرائيلية الأخيرة على مواقع للحوثيين في اليمن. (مكتب الصحافة الحكومي الإسرائيلي)
طبيعة الحرب
يمكن تفسير قرار نتنياهو باستمرار الحرب أيضًا من خلال الكتاب المعروف “الحرب والعقاب: أسباب انتهاء الحروب والحرب العالمية الأولى” (War and Punishment: The Causes of War Termination and the First World War) للباحث هاين غومانز، الذي يُعرف بتطبيقه نظرية الألعاب على المواجهةات الدولية.
يوضح غومانز أن قرارات القادة بمواصلة الحروب أو إنهائها لا تتأثر فقط بالنتائج العسكرية، بل بالعواقب السياسية للخسارة أيضًا، وخاصة الخوف من فقدان السلطة أو العقاب. بكلمات أخرى، لا تنتهي الحروب بالضرورة عند “هزيمتها” عسكريًا، بل تنتهي عندما يرى القادة نتائج سياسية مقبولة لأنفسهم، وهذا يتحدى الفرضية العقلانية القائلة بأن الدول تتوقف عن القتال عندما تفوق تكاليف الحرب فوائدها.
وفقًا لذلك، وضع غومانز 3 شروط لإنهاء أي حرب. الشرط الأول هو تقارب التوقعات (يجب أن يتفق الطرفان على نتيجة استمرار القتال، فإذا توقع كل طرف نتائج مختلفة، سيواصلان القتال)، الثاني هو وجود شروط سلام مقبولة (يجب أن تكون هناك تسوية تفاوضية ممكنة يفضلها الطرفان على استمرار الحرب)، الثالث هو استعداد القادة لقبول شروط السلام، بغض النظر عن بقية الأمور. يشير غومانز إلى أنه حتى عند تحقق الشرطين الأول والثاني، قد يرفض القادة السلام إذا خشوا العقاب المحلي بعد انتهاء الحرب.
طبّق غومانز نظريته على ألمانيا خلال الحرب العالمية الأولى، التي واجهت معارضة داخلية وانهيارًا اقتصاديًا، وفي النهاية ثورة عارمة. كان القادة الألمان يخشون الانتفاضات الثورية وفقدان النظام الحاكم الملكي أكثر من خشيتهم من الهزيمة نفسها، مما أجل الاستسلام حتى في عام 1918 عندما كانت الأوضاع العسكرية ميؤوس منها، وأصبح الخوف من العقاب السياسي بعد الحرب هو المحرك لقرارات القادة الألمان.
إلى جانب ذلك، يشرح غومانز موقف الإمبراطورية النمساوية-المجرية، التي كانت تعاني من ضغوط داخلية، لذا كان القادة يخشون أن يؤدي إنهاء الحرب مبكرًا إلى تسريع الانهيار الداخلي والثورات القومية، وبالتالي استمرت المواجهة رغم الإرهاق العسكري. في المقابل، أجل القيصر نيكولاس الثاني السلام حتى مع انهيار الجبهة الروسية، وأُطيح به في نهاية المطاف في ثورة فبراير 1917.
ومع ذلك، من المهم الإشارة إلى أن ليس كل قائد محاصر سيبدأ حربًا أو يُسبب أزمة، فالكثير من السياسيين يفضلون القبول بالهزيمة أو البحث عن حلول بديلة. تشير الدراسات إلى أن صراعات “الإلهاء” أو رهانات “البقاء” و”البعث” نادرة نسبيًا، رغم حدوثها في ظروف معينة.
لكن، ما هي تلك الظروف المحددة؟ لا توجد إجابة واضحة لهذا السؤال، لكن يعتقد العديد من الباحثين أن الأمر لا يقتصر فقط على نظرية الألعاب ونسبة احتمالات النجاح، بل له جوانب شخصية ونفسية. الحكام الذين يشعرون بشكل مبالغ فيه بأهمية الذات، أو لديهم حاجة مستمرة للإعجاب، يرون في الحرب فرصة لإظهار قوتهم وهيمنتهم، وإثبات أنهم “القائد الذي لا يُقهر”، مما يعوض عن شعورهم بالنقص أو الفشل الداخلي.
بمعنى آخر، يركز الحكام النرجسيون على تحقيق “انتصارات” تخدم صورتهم الذاتية المتضخمة، حتى لو كانت تلك الانتصارات وهمية أو مُكلفة للغاية. خاصة أن القادة النرجسيين في الغالب يكونون شديدي الدفاعية، وأي نقد قد يجبرهم على “القتال” لإثبات تفوقهم وتفاهة منتقديهم.
من الناحية النفسية، تظهر هذه السمات في شخصية بنيامين نتنياهو، حيث أفادت دراسة من جامعة تل أبيب أنه يمتلك درجة عالية من التمحور حول الذات، ولا يتردد في استغلال الآخرين، بما في ذلك زملاؤه، لتحقيق النجاح الشخصي. يرى أن رأيه فقط هو الصواب، ومن يتفق معه هم جهلة بالعمليات التاريخية أو السياسية، كما أنه يعيش في عالمه الخاص، ويجد صعوبة في التمييز بين الأبعاد الشخصية والسياسية في حياته، وفقًا للدراسة.