الوسم: خطة

  • خطة تمويل المناخ تواجه صعوبات بسبب عدم وضوح مصادر الدعم المالي

    خطة تمويل المناخ تواجه صعوبات بسبب عدم وضوح مصادر الدعم المالي


    تواجه مفاوضات تمويل المناخ للدول النامية صعوبات كبيرة، رغم الجهود المبذولة لصياغة “خارطة طريق” خلال محادثات بون التي تمت من 16 إلى 26 يونيو. رئيس مسؤوليات المناخ في الأمم المتحدة، سيمون ستيل، نوّه على أهمية وجود خطوات عملية لزيادة التنمية الاقتصادية. ومع ذلك، لم تحقق الدول توافقًا حول مصادر التمويل، وسط خلافات بين الدول الغنية والنامية حول الدور المطلوب للتمويل السنة والخاص. بينما تواصل أذربيجان والبرازيل قيادة النقاش، تشير التحذيرات إلى خطر أن تتحول الخارطة إلى وثيقة غير فعالة، مما قد يجعل السنة القادمة ضائعة بلا نتائج ملموسة.

    ما زالت التوترات حول مصادر التمويل ومكوناته تحول دون الوصول إلى توافق حول صياغة “خارطة طريق” واضحة لتمويل المناخ في الدول النامية. ذلك على الرغم من التفويض الرسمي الذي حصل عليه مفاوضو المناخ خلال محادثات بون الجارية من 16 إلى 26 يونيو/حزيران الحالي، والتي اعتُبرت خطوة أساسية نحو إنجاز الوثيقة بحلول مؤتمر الأطراف الثلاثين (COP30) في البرازيل السنة المقبل.

    ونوّه سيمون ستيل، كبير مسؤولي المناخ في الأمم المتحدة، في بداية الاجتماعات، على أهمية أن تكون الخارطة أكثر من مجرد تقرير نظري، بل “دليلاً عمليًا يتضمن خطوات واضحة لزيادة التنمية الاقتصاديةات في العمل المناخي”.

    لكن سير المفاوضات أظهر أن الحكومات لم تصل بعد إلى صيغة توافقية، وفقًا لموقع “كلايمت هوم نيوز“.

    خارطة طريق مأزومة

    أُدرجت خارطة الطريق في إطار هدف تمويل المناخ الجديد (NCQG) المُتفق عليه خلال مؤتمر الأطراف الـ29 (COP29) في باكو، والذي يتضمن التزامًا سنويًا بجمع 300 مليار دولار حتى عام 2035، مع استمرار البحث عن مصادر تمويل إضافية للوصول إلى 1.3 تريليون دولار سنويًا بحلول ذلك السنة.

    ووفقًا للمديرة السنةة لمجموعة تمويل المناخ لأميركا اللاتينية ومنطقة الكاريبي ساندرا غوزمان، فإن الخارطة “وُجدت لسد الفجوة بين ما التزمت به الدول الغنية فعليًا وما تحتاجه الدول النامية”، مشيرة إلى أن الهدف منها هو “تجنب نقل النزاع حول هدف تمويل المناخ إلى مؤتمر بيليم المقبل”.

    ومع ذلك، أظهرت مشاورات الإسبوع الماضي، التي قادتها رئاستا مؤتمر الأطراف – أذربيجان والبرازيل – عمق الخلافات بين الدول، خصوصًا حول طبيعة التمويل ومصادره وشروطه.

    epa12178878 People stand in line as Greenpeace activists display a large screen in front of the Climate Change Conference in Bonn, Germany, 16 June 2025. The SB62 Climate Change Conference is the pre-sessional meeting for the COP30 Climate Change Conference to be held in Belem, Brazil in November 2025. EPA-EFE/CHRISTOPHER NEUNDORF
    لافتة في ساحة مبنى مؤتمر بون تذكّر باتفاقية باريس للمناخ (الأوروبية)

    تمويل عام أم خاص؟

    إحدى النقاط الخلافية القائدية تتعلق بالجهة المسؤولة عن تقديم التمويل. في حين تدعا الدول النامية بأن يأتي الجزء الأكبر من التمويل من الأموال السنةة للدول الغنية، ينص الاتفاق المبرم في باكو على أن “جميع مصادر التمويل” تظل متاحة، دون توضيح نسبة مساهمة كل مصدر.

    من جهة أخرى، دعت الدول المتقدمة إلى تعزيز دور التمويل الخاص. ونوّه ممثل الاتحاد الأوروبي أن “تحفيز التنمية الاقتصاديةات الخاصة أمر ضروري لدفع العمل المناخي”، مشيرًا إلى أهمية مساهمة دول مثل الصين ودول الخليج في جهود التمويل.

    وفي بون، ورد 116 مقترحًا لرئاسة مؤتمر الأطراف لصياغة خارطة الطريق، من بينها 20 مقترحًا فقط من الحكومات، بينما البقية من المواطنون المدني ومنظمات البحث والشركات.

    من يكتب “خارطة الطريق”؟

    رسميًا، تم إلقاء مسؤولية إعداد خارطة الطريق على عاتق رئاستي مؤتمر الأطراف (أذربيجان والبرازيل)، لكن حتى الآن لا يوجد وضوح في شكل الوثيقة أو محتواها النهائي.

    وأفادت القائدة التنفيذية لمؤتمر الأطراف الثلاثين آنا توني، أن الوثيقة ستتضمن “توصيات عملية بناءً على ما تم الاستماع إليه”، على أن تُنشر النسخة النهائية في أكتوبر/تشرين الأول المقبل.

    ومع ذلك، لفت توني إلى أن العديد من التوصيات قد تُوجه إلى “جهات فاعلة” خارج إطار الأمم المتحدة، مثل البنوك متعددة الأطراف، مضيفة: “لا يمكننا إصلاح هذه المؤسسات في إطار اتفاقية الأمم المتحدة، لكن الإشارة إليها في التقرير ستكون رسالة قوية”.

    16 June 2025, North Rhine-Westphalia, Bonn: Delegates of the UN Climate Change Conference sit in the World Conference Center. A ten-day preparatory meeting for the next World Climate Conference in November in Belem, Brazil, begins this morning in Bonn. More than 5,000 participants are expected to attend. Photo: Christoph Driessen/dpa (Photo by Christoph Driessen/picture alliance via Getty Images)
    لم تتمكن الدول المشاركة في مؤتمر بون من توضيح النقاط الخلافية في “خارطة الطريق” لتمويل المناخ (غيتي)

    القلق من عام ضائع

    في ظل هذا الغموض، يبرز السؤال: ماذا بعد مؤتمر الأطراف الثلاثين؟ هل ستُعتمد خارطة الطريق في إطار مفاوضات الأمم المتحدة للمناخ، أم ستُعتبر كوثيقة مرجعية مثل تقارير علوم المناخ؟

    وأنذرت غوزمان من مصير محتمل مخيب للآمال، قائلة: “إذا كانت خارطة الطريق لا تقدم حلولًا تتجاوز مؤتمر الأطراف الثلاثين، فسيكون عامًا ضائعًا”.

    وأضافت: “هذا هو أكبر خطر: أن نحصل على وثيقة لا تُحدث تأثيرًا حقيقيًا وتموت سياسيًا بعد المؤتمر”.


    رابط المصدر

  • صحفي يهودي: خطة “إسرائيل العظمى” تهدف إلى القضاء على الشرق الأوسط

    صحفي يهودي: خطة “إسرائيل العظمى” تهدف إلى القضاء على الشرق الأوسط


    صرح الصحفي اليهودي المقيم في ألمانيا مارتن جاك أن الهجمات الإسرائيلية في المنطقة غالباً غير شرعية، مشيراً إلى أن مشروع “إسرائيل الكبرى” يهدف إلى تدمير الشرق الأوسط. في مقابلة مع الأناضول، انتقد سياسات السلطة التنفيذية الإسرائيلية برئاسة نتنياهو، معتبراً أن ما يحدث هو إبادة جماعية تستهدف منع أي ردود فعل. جاك شبه أساليب إسرائيل بتلك التي استخدمتها روسيا، مشيراً إلى إفلاتهم من العقاب. كما أنذر من تطرف يميني يؤيد توسيع الأراضي الإسرائيلية ويتحدث عن تهديدات تشمل إيران وتركيا، معتبراً تلك التوجهات مجنونة ولا تعكس قيم اليهودية.

    علق الصحفي اليهودي المقيم في ألمانيا، مارتن جاك، على أن الهجمات التي تقوم بها إسرائيل في المنطقة غالبًا ما تُعتبر غير شرعية، مأنذرًا من أن مشروع إسرائيل الكبرى يسعى إلى محو منطقة الشرق الأوسط بكاملها.

    جاء ذلك خلال مقابلة أجرتها الأناضول معه حيث بحث فيها سياسات حكومة رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، وطرائقها في خلق الفوضى، إضافةً إلى اتساع نطاق التهديدات الإسرائيلية في المنطقة.

    مخطط توسعي

    وفي تعليقه على الهجمات الإسرائيلية في عدة دول بالمنطقة، قال جاك إن ما يحدث لا يمكن وصفه بأنه دفاع مشروع، ولا يمكن اعتباره هجومًا وقائيًّا، بل هو “تدمير شامل واستئصال يستهدف محو المنطقة (الشرق الأوسط) بالكامل ومنع أي فرصة للرد أو الدفاع” كما صرح.

    تشهد إسرائيل إبادة جماعية في قطاع غزة منذ 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، وقد شنت هجومًا واسعًا على لبنان بين سبتمبر/أيلول ونوفمبر/تشرين الثاني 2024، بالإضافة إلى قصف مواقع في سوريا بعد سقوط نظام الأسد في أواخر السنة الماضي، ولا تزال تواصل الهجمات على اليمن، وبدأت مؤخرًا عدوانًا على إيران.

    نوّه جاك أن ممارسات إسرائيل تؤدي إلى زرع مشاعر العداء تجاهها، حتى لو لم تكن هذه المشاعر معادية لليهود أنفسهم.

    أعرب عن اعتقاده بأن نتنياهو وتحالفه مع اليمين المتطرف في إسرائيل يسعون لتوسيع الأراضي الإسرائيلية.

    وأضاف “لتكن الأمور واضحة، إن هذا المخطط يتجاوز حتى التصورات الدينية التقليدية لما يُسمى بإسرائيل الكبرى”.

    الإفلات من العقاب

    شبه جاك ما تفعله إسرائيل في الشرق الأوسط بالأساليب المتبعة من قبل روسيا في عدة دول، موضحًا: “عندما نرى ما حدث في غزة وجنوب لبنان، فإن المشاهد تُذكر بما جرى في مدينة غروزني خلال الحرب الشيشانية الثانية، أو ما ارتكبه الروس في حلب بعد تدخلهم لدعم نظام الأسد.. ما نشهده حاليًا هو استراتيجية تدميرية شاملة على غرار النمط الروسي.”

    لفت إلى أن قدرة الإسرائيليين على التحرك بحرية في أماكن متعددة خلال النهار، وإظهار قوتهم أثناء ارتكابهم مجازر بحق الآلاف من الأطفال والنساء وكبار السن، دون أن يعترضهم أحد، يدل على أنهم يمتلكون قوة مطلقة بلا رادع.

    ونوّه أن هذا يكشف واقع الإفلات من العقاب بشكل صارخ.

    مركز قوة

    وأوضح جاك أن إسرائيل لم تعد تسعى فقط لتحقيق ما ورد في التوراة حول حدود إسرائيل الكبرى، بل تجاوزت ذلك إلى ما هو أكثر عمقًا.

    ولفت إلى أن الهدف الآن هو بناء إسرائيل كمركز قوة يشبه الولايات المتحدة من حيث القدرات العملياتية والنفوذ السياسي، مؤكدًا أن ما نراه اليوم (العدوان الإسرائيلي في المنطقة) هو ما شهدناه لعقود في أفغانستان، العراق، وأميركا اللاتينية.

    نوّه أن هذه القوة تعمل بلا أي احترام للقانون الدولي، أو للأسس القانونية التي تشكلت بعد الحرب العالمية الثانية.

    قومية توسعية متطرفة

    تحدث جاك عن الدور الذي يلعبه اليمينيون المتطرفون في السلطة التنفيذية الإسرائيلية، مثل وزير الاستقرار القومي، أيتمار بن غفير، ووزير المالية، بتسلئيل سموتريتش، مختصرًا: “هؤلاء لا يخفون نواياهم المتعلقة بمشروع إسرائيل الكبرى، بل يصرحون بها علنًا.”

    أضاف أن نتنياهو يضع مصلحته الشخصية فوق كل شيء، وهو في حاجة ماسة لإنقاذ نفسه، كما أن هناك في ائتلافه الحالي أشخاصًا يدعون منذ زمن طويل إلى إقامة إسرائيل الكبرى.

    ولفت إلى أنهم لا يتحدثون فقط عن جنوب لبنان، بل أيضًا عن أجزاء من سوريا ومصر، وهم في الحقيقة جزء من السلطة التنفيذية الإسرائيلية ويشغلون مناصب صنع القرار.

    شكل من الجنون

    وأنذر جاك من خطورة مجموعة من السياسيين في إسرائيل يرون أنه من المشروع مهاجمة كل ما يعتبرونه تهديدًا، مشيرًا إلى وجود نقاش متزايد في إسرائيل حول أن الهدف النهائي سيكون مع إيران، بينما التركيز يكون على تركيا كخصم لاحق.

    أوضح أن هذه المجموعة مستعدة لإثارة الحروب حتى في الأماكن التي تُعتبر مجرد احتمالات للخطر أو نقاط ضعف أمنية، وهم يميلون إلى التطرف والتهور، مؤكدًا أن ما يُمارَس تحت شعار التوسع الإسرائيلي لا علاقة له باليهودية.


    رابط المصدر

  • ما هي خطة “الدفاع المتقدم” التي تعتمدها إيران؟ وهل ستواصل تنفيذها؟

    ما هي خطة “الدفاع المتقدم” التي تعتمدها إيران؟ وهل ستواصل تنفيذها؟


    تستند استراتيجية “الدفاع الأمامي” الإيرانية، المعروفة بـ”الدفاع المستمر”، إلى مفهوم أمني يفترض أن حماية الدولة تتطلب التمدد في المناطق العربية حولها. تتجاوز هذه الاستراتيجية الحرب النظام الحاكمية لتشمل الحروب غير المتكافئة، وتتطلب ضبط مجال الخصم لتأمين الوجود الإيراني. تتجذر الاستراتيجية في تاريخ الحرب العراقية-الإيرانية، حيث أدركت إيران أن الدفاع داخل النطاق الجغرافي يُعتبر خطراً. توسعت إيران عبر دعم حلفائها في العراق وسوريا واليمن، وواجهت تحديات جديدة بعد الغزو الأميركي للعراق. ومع تصاعد التهديدات، تبرز تساؤلات حول استدامة هذه الاستراتيجية وضرورة مراجعتها في ظل التحولات الجارية.

    من المهم الإشارة إلى أن استراتيجية الدفاع الأمامي، المعروفة في الأدبيات الإيرانية باسم “الدفاع المستمر”، تعتمد على تصور أمني مركزي يفترض أن حماية الدولة لا تتحقق ضمن حدودها الجغرافية، بل من خلال التمدد الاستباقي في الفضاء العربي المحيط.

    هذا الطرح يمثل استجابة مرنة لتهديد مركب ومتزايد يتجاوز أنماط الحرب النظام الحاكمية إلى الحرب غير المتكافئة، حيث يصبح ضبط المجال الحيوي للخصم شرطًا أساسيًا لاستمرارية الذات.

    وبهذا، فإن استراتيجية الدفاع الأمامي لا تُعتبر مجرد خيار ظرفي، بل هي تموضع وجودي في مشهد إقليمي متغير، وإعادة صياغة لمفهوم السيادة ضمن منطق ردع واسع النطاق.

    إذا أردنا توضيح هذه العقيدة في سياقها التاريخي، يجب علينا الرجوع إلى لحظة تأسيسها الأولى، والتي تتمثل في الحرب العراقية الإيرانية. فقد كانت تلك الحرب تعبيرًا عن صراع كياني بين مشروعين متصارعين على الأرض والرمز.

    ومن تلك التجربة، خاصة بعد انسحاب العراق من الأراضي الإيرانية في عام 1982، تشكل وعي مركزي يفيد بأن الدفاع داخل النطاق الجغرافي يشبه الانتحار البطيء، وأن تحييد الخطر يتطلب نقله إلى أرض الخصم.

    وبناءً على هذا الوعي، بدأت طهران تتبنى نظرية الدفاع الأمامي، ليس باعتبارها مجرد عملية عسكرية استباقية، بل كتحول نوعي في هندسة الاستقرار، بحيث لا يُترك للعدو مجال للاقتراب، ولا يُسمح له بتشكيل ميزان القوى بالقرب من حدودها.

    ويمكن اعتبار نموذج حزب الله في لبنان كأول تجسيد عملي لهذا المنطق، حيث أثبت الحزب في مواجهته المعقدة مع إسرائيل أن الفاعل غير النظام الحاكمي يمكنه إعادة تعريف القوة بعيدًا عن الأوزان التقليدية للجيوش.

    لاحقًا، تم استنساخ هذا النموذج في بيئات مختلفة تتناسب مع خصوصية كل ساحة، حيث ظهر الحشد الشعبي في العراق، وفاطميون وزينبيون في سوريا، والحوثيون في اليمن.

    فكان لكل ساحة عنوانها المحلي، لكن العقيدة والمركز التنسيقي ظلوا تحت إشراف منظومة الحرس الثوري، وخصوصًا “فيلق القدس”، الجناح الخارجي الذي وشكل قاسم سليماني فيه الانتقال من الدولة إلى الشبكة، ومن المركز إلى الامتداد.

    عندما أتى عام 2003، وجدت إيران نفسها أمام لحظة فاصلة، إذ مكن الغزو الأميركي للعراق من إسقاط عدوها التاريخي، وفتح الباب واسعًا لاختراق بنية العراق على المستويات السياسية والاستقرارية والاجتماعية.

    وقد أحسنت طهران استخدام هذا التحول، ليس من خلال الدعم المباشر لحلفائها فقط، ولكن من خلال إعادة هندسة العراق كمجال إستراتيجي دائم، لا مجرد حليف عابر.

    ثم جاءت التحولات الإقليمية التي تزامنت مع الربيع العربي لتمنح إيران فرصة إضافية للتوسع، فدخلت إلى سوريا تحت عنوان حماية محور المقاومة وإلى اليمن تحت شعار نصرة المستضعفين.

    كل ذلك لم يكن إلا حلقات مترابطة ضمن سلسلة الدفاع الأمامي، نظرًا لكونها منظومة مرنة لا تعترف بالنطاق الجغرافي الجغرافية الصلبة، بل تبني أمنها على إمكانية التمدد وفق خطر متحرك.

    إن ما يقوي هذه الاستراتيجية ليس فقط انتشار الوكلاء وتعدد الساحات، بل أيضًا اعتمادها على بنية سردية عقائدية تعبّئ وتضفي قدسية على الجهد العسكري، حيث يتداخل الدفاع عن المزارات في النجف وكربلاء والسيدة زينب مع حماية الثورة، وتتشابك رمزية كربلاء مع المعارك الميدانية في البوكمال أو شبوة، مما يجعل الهوية الشيعية العابرة للحدود غلافًا تعبويًا لمشروع جيوسياسي قوي.

    من هذا المنظور، تكتسب هذه الاستراتيجية شرعيتها من تداخل السياسي بالمقدس، ومن قدرة النظام الحاكم الإيراني على تقديم نفسه كحامٍ للوجود الشيعي ضد ما يعتبره تهديدًا سنيًا تارة وإسرائيليًا تارة أخرى.

    ومع ذلك، فإن لهذه الاستراتيجية كلفة، بل كلفة باهظة. فعندما تتوسع إيران على حساب دول منهكة أو متداعية، فإنها لا تكتسب نفوذًا خالصًا، بل ترث هشاشة البنى التي تتدخل فيها، ما يعرضها لخطر الارتداد العكسي.

    وقد أدت هذه المقاربة إلى حدوث صدام مفتوح مع الولايات المتحدة وإسرائيل، وعرضت إيران لسلسلة من العقوبات الماليةية القاسية، ووُصمت في الخطاب العربي الرسمي والشعبي بأنها قوة طائفية توسعية.

    وفي هذا السياق، فإن ما كسبته إيران من عمق جيوسياسي تم استهلاكه من رصيدها في العالم العربي ومن رصيد خطابها الثوري، ودخلت في شبكة معقدة من التوازنات يصعب التحكم بمآلاتها.

    حتى أن الداخل الإيراني بدأ يظهر عليه التململ، لا سيما في ظل الأوضاع الماليةية الصعبة، حيث بدأت فئات واسعة من الشعب تتساءل عن منطق تخصيص موارد هائلة لدعم جماعات مسلحة خارجية، بينما تعاني الطبقات الدنيا من الانهيار المعيشي، وتتقلص شرعية النظام الحاكم في نظر قاعدته الاجتماعية.

    ورغم ذلك، تواصل المؤسسة الاستقرارية والعسكرية الإيرانية رؤية استراتيجية الدفاع الأمامي كخيار وجودي لا يمكن التراجع عنه، حيث تدرك أن الانكفاء يعنى الانكشاف وأن الانسحاب من الميدان يفتح المجال أمام الخصوم للشغل على الفراغ، مما يعيد رسم الإقليم بما يهدد وجودها.

    وقد أدى اغتيال قاسم سليماني، بما يحمله من رمزية، إلى تعزيز الإيمان بهذه الاستراتيجية، وجعل من الرجل شهيدًا في سرديتها ورؤيته الاستراتيجية التي لا يمكن التخلي عنها.

    لهذا، لا يبدو أن إيران مقبلة على تعديل جذري في مقاربتها رغم تغير الظروف، فالرؤية البنيوية التي تحكم دفاعها الأمامي تجعل هذه الاستراتيجية أداة لتأمين الإقليم، وآلية للتفاوض في المواجهة الدولي، ووسيلة لتجاوز النطاق الجغرافي التقليدية الفاصلة بين الدولة والأمة، وبين العقيدة والمصلحة، وبين المذهب والجيوسياسة.

    لكن السؤال يبقى معلقًا: هل تملك إيران في ظل التحولات الدولية من الموارد والشرعية والحلفاء ما يكفي لاستدامة هذه الاستراتيجية؟ أم أن الدفاع الأمامي، الذي بلغ ذروته، قد يتحول إلى استنزاف أمامي يعجل بالانكفاء الداخلي الذي لا يترك شيئًا؟

    اليوم، وبعد المواجهة العسكرية غير المسبوقة بين إيران وإسرائيل، حيث استهدفت منشآت عسكرية وعلمية في عمق طهران وسقطت قيادات رفيعة في الحرس الثوري والقوات المسلحة، يبدو أن المشهد دخل طورًا جديدًا من التحدي البنيوي لاستراتيجية الدفاع الأمامي نفسها.

    أظهرت هذه الضربات هشاشة المنظومة الردعية الإيرانية، لا سيما في ظل عدم القدرة على حماية المركز، مما قد يدفع صانعي القرار في طهران لإعادة النظر في حدود هذه الاستراتيجية وأدواتها.

    كما أصبح مطروحًا على طاولة النقاش الاستقراري والسياسي في إيران سؤال لم يكن ممكنًا طرحه من قبل: هل حان الوقت لتقديم منطق الدولة على منطق الثورة؟ وهل يؤدي الانكفاء داخليًا إلى بناء جبهة وطنية ومؤسساتية توفر أمانًا أكثر استدامة من المغامرات العابرة للحدود؟

    إن خطورة هذه اللحظة لا تكمن فقط في حجم الخسائر، بل في دلالة ما حدث. حيث اخترقت إسرائيل المنظومة الردعية الإيرانية في قلب العاصمة، وكشفت قابلية الانكشاف الاستراتيجي للدولة، مما قد يضطر صانع القرار الإيراني (حتى تحت ضغط الواقع) للتخفف من عبء التمدد الخارجي، والعودة إلى صياغة تشدد على (إيران الدولة) التي توازن بين المصلحة والسيادة، وتعيد تعريف الاستقرار القومي على أسس داخلية لا توسعية.

    لكن هذا يظل مرهونًا بتوازنات معقدة بين مراكز القوة داخل النظام الحاكم، بين من يعتبر الانكفاء خيانة للمبادئ، ومن يعتبره شرطًا لبقاء النظام الحاكم.

    الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.


    رابط المصدر

  • ما هي خطة إيال زامير للتصدي لإيران؟

    ما هي خطة إيال زامير للتصدي لإيران؟


    إيال زامير، رئيس أركان القوات المسلحة الإسرائيلي، قضى فترة مهمة كزميل عسكري في “معهد واشنطن” بين 2021 و2022. خلال هذه الفترة، نشر دراسة تطرقت لاستراتيجيات مواجهة الهيمنة الإيرانية في الشرق الأوسط، مأنذرًا من التهديد المتزايد لامتلاك إيران قدرات نووية. زامير وصف إيران كخصم استراتيجي يتطلب استجابة عسكرية ودبلوماسية متكاملة، مشيرًا إلى أهمية العقوبات ضد الحرس الثوري. نوّه على ضرورة تشكيل تحالف بين الولايات المتحدة وإسرائيل والدول العربية للتصدي لهذا التهديد. تنبأت دراسته بأهمية التحركات الاستباقية، خاصة بعد أحداث 7 أكتوبر، مما يعكس تحولًا في الاستراتيجيات الإسرائيلية تجاه التهديدات الإيرانية.

    من بين المحطات الأقل تناولاً في المسيرة الطويلة للجنرال إيال زامير، رئيس أركان القوات المسلحة الإسرائيلي الحالي، تلك التي قضاها بعيداً عن ساحات القتال وغرف العمليات.

    على الرغم من أن سجله العسكري الحافل الممتد على مدار عدة عقود حظي بالتركيز الأكبر، إلا أن السنة الذي قضاه زامير زميلًا عسكريًّا زائرًا في “معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى” خلال عامي 2021 و2022، مثّل محطة بالغة الأهمية في فهم تصوّراته الإستراتيجية التي تظهر آثارها اليوم في الحرب التي تشنها إسرائيل على إيران.

    خلال تلك الفترة، نشر زامير دراسة معمقة في مايو/أيار 2022 جاءت في 75 صفحة، ضمت عنوان: “مواجهة إستراتيجية إيران الإقليمية: خطة شاملة طويلة الأجل”.

    رسمت الورقة بوضوح ملامح رؤيته لسبل التصدي لما وصفه بـ”التمدد الإيراني المستمر” في الشرق الأوسط، مأنذرًا من أن إيران، التي راكمت قدرات عسكرية تقليدية متطورة، أصبحت أكثر خطورة، وبدأت تقترب فعليًّا من عتبة النووي، مما يعزز موقع نظامها ويزيد من تعقيد المواجهة معها.

    تنطلق الدراسة من اعتبار المواجهة مع إيران ليس مجرد أزمة طارئة، بل مواجهة جيوسياسية ممتدة، متجذرة في تفاعلات أيديولوجية وإستراتيجية تعود إلى لحظة انتصار الثورة الإسلامية في طهران عام 1979.

    وفي هذا السياق، يقدم زامير -من خلال عدسته العسكرية- خريطة طريق شاملة لصانعي القرار في الغرب وتل أبيب، لأحد أعقد التهديدات التي تواجه أمن الشرق الأوسط، وفقًا لتعبيره.

    يؤكد زامير، في ثنايا دراسته، أن إيران لم تعد مجرد “دولة مارقة” تُدار الأزمة معها بالعقوبات، بل أصبحت خصمًا إستراتيجيًّا يفرض على الولايات المتحدة وإسرائيل وحلفائهما في المنطقة أن يتبنوا إستراتيجية ردع ومواجهة بعيدة المدى.

    وتضمنت الدراسة خطة مفصلة لتقويض النفوذ الإيراني، اعتبرها دعامة رئيسية لحماية المصالح الأميركية والغربية، وضمان أمن إسرائيل، وتعزيز استقرار الإقليم.

    الهيمنة الإيرانية كما يراها زامير

    يرى زامير أن طهران قد طورت على مدى سنوات إستراتيجية شاملة تهدف إلى توسيع نفوذها الإقليمي عبر ذراعها الأبرز: الحرس الثوري الإيراني، والوكلاء المحليين الذين يدينون لها بالولاء في عدد من الدول المفصلية في المنطقة.

    ومن وجهة نظره، فإن التصدي لهذا المشروع الإيراني لا يمكن أن يتم عبر تدخلات موضعية أو إجراءات معزولة، بل يتطلب نهجًا طويل الأمد متعدد المسارات والجبهات، تشارك فيه الولايات المتحدة، وإسرائيل، والدول العربية الحليفة لواشنطن.

    فإيران لا ترى سعيها للهيمنة مجرد توسع تكتيكي، بل “حملة إستراتيجية ممتدة”، مستعدة خلال ذلك لتقديم تنازلات مرحلية بهدف تحقيق مكاسب بعيدة المدى، ولو تطلّب ذلك اتفاقًا يتضمن تقييد بعض من برنامجها النووي، باعتبار هذا الاتفاق أداة مؤقتة لتعزيز تموضعها، لا نهاية للصراع.

    ويصف زامير الجمهورية الإسلامية بأنها كيان تأسس على مبادئ ثورية راديكالية، ويُعلي من شأن تصدير الأيديولوجيا باعتبارها وسيلة لبناء نفوذه.

    في هذا السياق، قامت دراسته برسم ثلاثة محاور رئيسية لتحركات طهران:

    • أولها، توسيع شبكة الوكلاء والمليشيات الموالية في دول مثل لبنان، وسوريا، والعراق، واليمن.
    • ثانيها، ضمان بقاء النظام الحاكم من خلال تطوير ترسانة عسكرية تقليدية وغير تقليدية.
    • ثالثها، تقويض المصالح الأميركية والغربية وخلق بيئة إستراتيجية معادية لوجودهم في المنطقة.

    في قلب هذه المنظومة؛ يقف الحرس الثوري الإيراني، الذي يتجاوز دوره العسكري الصرف، ليصبح مؤسسة شاملة تدير ملفات اقتصادية ومالية وسياسية وأمنية داخل إيران وخارجها.

    وتعمل هذه القوة، التي تنفصل هيكليًا عن القوات المسلحة التقليدي، بوصفها أداة مركزية لاستعراض القوة الإيرانية العابرة للحدود. وترى الدراسة أن من أبرز أدواتها في هذا الإطار “زعزعة استقرار خصوم طهران عبر الهجمات غير المباشرة”، مثل استخدام الحوثيين في اليمن لإطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة، وهو ما اعتبره زامير جزءًا لا يتجزأ من مشروع إستراتيجي أكبر.

    صاروخ عماد 3 1713620503
    مقاتل من الحرس الثوري يسير بجوار صاروخ عماد أرض-أرض الإيراني وسط مدينة طهران في 29 أبريل/نيسان 2022 (غيتي)

     

    ولا يقدّم زامير هذه الرؤية باعتبارها تحليل موقف عابر، بل يؤكد أن المنطقة تشهد صراعا ممتداً سيتشكل بناءً على نتائجه النظام الحاكم الإقليمي لعقود مقبلة.

    فإيران، بحسب توصيفه، تنظر إلى الشرق الأوسط كساحة نفوذ تاريخية، وتعتبر نفسها -انطلاقًا من بنيتها الدينية والأيديولوجية- القوة المؤهلة لقيادة الإقليم، والتأثير عالميًّا عبر بوابته. وتأتي محاولاتها لطرد الوجود الأميركي وتعزيز مواقعها على حساب دول المنطقة، ضمن هذا السعي نحو إعادة هندسة ميزان القوى.

    ويشير زامير إلى أن المشروع الإيراني لا يقف عند حدود التحريض أو دعم الوكلاء، بل يمتد إلى بناء قدرات عسكرية مستقلة تتيح لطهران الردع والهجوم معًا. ويؤكد أن النظام الحاكم الإيراني، من خلال الحرس الثوري، نجح في تشكيل طيف راديكالي شيعي يمتلك أدوات الفعل المباشر، ويغيّر موازين الردع الإستراتيجية في المنطقة.

    ويذهب أبعد من ذلك حين يعتبر أن المساعي النووية الإيرانية ليست مجرد تهديد محتمل، بل جزء من هوية النظام الحاكم وسعيه لضمان البقاء، إذ أصبحت إيران اليوم، وفق تعبيره، “دولة عتبة نووية” في انتظار اللحظة المناسبة للانتقال إلى المرحلة النهائية.

    في ضوء هذا التقدير، يرى زامير أن تفادي حرب إقليمية شاملة هو هدف مشروع، لكن ذلك لا يعفي المحور المناهض لإيران من الاستعداد الجاد لخيار المواجهة في اللحظة التي تسمح بها الظروف.

    وهو يأنذر من التطور المتسارع للقدرات العسكرية الإيرانية، خاصة في مجالي الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة، التي تُدار من خلال “قوة الفضاء” التابعة للحرس الثوري، وتشكل اليوم إحدى أخطر أدوات طهران للضرب من بعيد وتوزيع القوة على وكلائها في المنطقة.

    ويؤكد زامير أن امتلاك إيران لهذه الأنظمة الدقيقة، إلى جانب قدراتها السيبرانية المتقدمة، يجعلها قادرة على ضرب البنية التحتية الحيوية لخصومها في أي وقت، وهو ما يمثل تهديدًا يقع “فوق مستوى التهديد التقليدي، لكنه دون العتبة النووية”.

    وتتكامل هذه المنظومة الهجومية مع تكتيكات بحرية غير متكافئة ينفذها الحرس الثوري في مضيق هرمز والبحر الأحمر، باستخدام الزوارق السريعة والألغام والسفن المسلحة بالصواريخ، مما يمنح إيران أداة ضغط اقتصادية ذات طابع عسكري مباشر، ويساهم في ترسيخ مشروع الهيمنة الإقليمية.

    Iranian Revolutionary Guards drive speedboats during a ceremony to commemorate the 24th anniversary of the downing of Iran Air flight 655 by the US navy, at the port of Bandar Abbas on July 2, 2012. The plane was shot down by mistake over the Gulf by the US navy's guided missile cruiser, USS Vincennes, during confrontation with Iranian speedboats on July 3, 1988, killing 290 civilian passengers and crew members. AFP PHOTO/ATTA KENARE (Photo by ATTA KENARE / AFP)
    قوات بحرية تابعة للحرس الثوري الإيراني يقودون زوارق حربية سريعة في 2 يوليو/تموز 2012 (الفرنسية)

    جيش الظلال: كيف بنى الحرس الثوري إمبراطورية إيران الخفية؟

    بحسب زامير، لا يقتصر دور الحرس الثوري على الداخل الإيراني، بل يبرز جناحه الخارجي، فيلق القدس، كأداة مركزية في تنفيذ العمليات العسكرية والسياسية في الخارج.

    ويرى زامير أن الحرس الثوري يتفوق على القوات المسلحة النظام الحاكمي الإيراني في مجال القدرات الإستراتيجية، وخاصةً في ميادين الحرب غير التقليدية، لما يمتلكه من خبرة في إدارة برامج الصواريخ الباليستية، وتطوير الطائرات المسيّرة، والقدرات السيبرانية، وتدريب الجماعات المسلحة التي تعمل كأذرع تابعة لطهران في الإقليم.

    وبحسب وصفه؛ تتوزع هذه الشبكة على عدة دول ومجالات، تشمل حزب الله في لبنان، وجماعة الحوثيين في اليمن، والمليشيات الشيعية في العراق مثل كتائب حزب الله وعصائب أهل الحق، إضافة إلى جماعة الجهاد الإسلامي الفلسطيني وحركة المقاومة الإسلامية (حماس)، والمقاتلين الشيعة من الأفغان والباكستانيين المنضوين في كتائب “فاطميون” و”زينبيون”.

    وقد أطلق زامير على هذه الشبكة مصطلح “القوات المسلحة الشيعي الراديكالي الإقليمي”، مقدّرا عدد مقاتليها بأكثر من 200 ألف عنصر.

    ويرى زامير أن أي اتفاق نووي جديد من شأنه أن يمنح النظام الحاكم الإيراني مكاسب اقتصادية كبيرة، تتيح له تخفيف أزمته الداخلية وفك العزلة الدولية المفروضة عليه، لكنه في الوقت نفسه سيمنحه القدرة على إعادة توجيه هذه الموارد لتعزيز مشروعه الإقليمي.

    فطهران، حسب زامير، لا تنوي استثمار هذه الموارد في الداخل بقدر ما سوف تستخدمها لتوسيع ترسانتها العسكرية، وتطوير قدراتها الصاروخية الدقيقة، ودعم وكلائها في مختلف الجبهات.

    ويؤكد زامير أن تحسين الوضع الماليةي الإيراني سيؤدي تلقائيًّا إلى تعزيز نفوذ طهران الإقليمي، عبر تمويل الجماعات المسلحة الموالية لها، وتوسيع نطاق عملياتها، لا سيما في سوريا والعراق، حيث من المرجح أن تستمر الهجمات ضد المصالح الأميركية وقواتها. ويشدّد على أن إيران لن تردعها الاتفاقيات أو التفاهمات، ما لم تواجه بحزم وردع صريح.

    ويعيد زامير التذكير بأن إيران قد كثفت من أنشطتها الإقليمية عقب توقيع خطة العمل الشاملة المشتركة عام 2015، مما يشير إلى أن التهدئة المؤقتة لا تعني تغييرًا في العقيدة الإستراتيجية للنظام، بل تُعتبر تعبيرًا تكتيكيًّا عن مرونة مرحلية.

    ولهذا، يرى أن التعامل مع إيران يتطلب تغييرًا جذريًّا في المنهج، يقوم على بناء تحالف منسق بين الولايات المتحدة، وإسرائيل، والدول العربية الحليفة، يتبنى إستراتيجية طويلة الأمد، ويملك أدوات تنفيذية متكاملة ومتزامنة على كافة المستويات.

    ولا تقتصر هذه الحملة، كما يوضح زامير، على الجانب العسكري فقط، بل تمتد لتشمل أبعادًا متعددة: دبلوماسية، واستخبارية، واقتصادية، وإعلامية، وأمنية. ويكمن الهدف الأساسي لهذه الحملة في إضعاف الحرس الثوري الإيراني، باعتباره مركز الثقل في النظام الحاكم الإيراني، وشلّ قدرته على إدارة الشبكة الإقليمية التابعة له.

    كما يدعو إلى تبني نهج “الانتقام الرادع المباشر” عند كل اعتداء، إلى جانب إجراءات عزل الوكلاء وقطع خطوط الدعم عنهم، ودمج هذه الخطوات في حزمة أدوات إقليمية شاملة تسمح بالتعامل مع إيران بوصفها خصمًا إستراتيجيًّا طويل النفس، لا مجرد مصدر تهديد عابر.

    FILES-ISRAEL-PALESTINIAN-CONFLICT-GAZA
    إيال زامير هو يقف بالقرب من النطاق الجغرافي بين إسرائيل وغزة في كيبوتس نحال عوز الجنوبي في 20 أبريل/نيسان 2018 (الفرنسية)

    الردع الشامل: كسر أنياب الحرب الهجينة الإيرانية

    يرى إيال زامير أن مواجهة الحرب الهجينة التي تقودها إيران، والتي تجمع بين الأدوات العسكرية والماليةية والأيديولوجية، تتطلب تحولاً جوهرياً في طريقة تفكير خصومها، وتبنّي استراتيجيات جديدة قادرة على التصدي لنفوذها المتصاعد.

    فهذه المواجهة، كما وصفها، لا يمكن أن تُكسب بأساليب تقليدية، بل تتطلب منظومة متكاملة من المبادئ والآليات المتزامنة، تبدأ أولا ببناء تنسيق إستراتيجي عميق بين الولايات المتحدة، وإسرائيل، والدول العربية، ضمن نهج طويل الأمد قائم على توزيع الأدوار بوضوح وفعالية داخل إطار إقليمي منظم ومترابط.

    يشدّد زامير على أهمية العقوبات الماليةية باعتبارها أداة رئيسية في هذا المواجهة، داعيًا إلى استهداف الشبكات المالية التي تموّل الحرس الثوري الإيراني، وتحديداً فيلق القدس، بوصفه مركز الثقل في المنظومة الإيرانية، ومحركاً أساسيًّا لتمدد طهران الخارجي. ومن خلال شلّ قدراته المالية، يمكن تقويض الدور الإيراني في تغذية الحروب بالوكالة في المنطقة.

    وفي الوقت ذاته، يرى زامير أن الردع العسكري يجب أن يستعيد موقعه كأداة فاعلة، لا عبر الحرب الشاملة، بل من خلال “أعمال انتقامية مرنة” موجّهة بدقة، تمنع إيران من استخدام وكلائها وتردعها عن شن هجمات مباشرة أو غير مباشرة. فالردع، في رؤيته، لا يُبنى على التهديد النظري، بل على الاستخدام المدروس والمفاجئ للقوة.

    ويطرح زامير أيضًا العمليات السيبرانية كجبهة مركزية في هذه الحرب، داعيًا إلى تقويض قدرات إيران في الفضاء الإلكتروني، ومضاعفة عمليات التجسس والمراقبة، بهدف تفكيك الشبكات الإقليمية التابعة لطهران وعزلها تدريجيًّا عن مصادر الدعم والتنسيق.

    من جهة أخرى، يرى أن تعزيز التحالفات الإقليمية، بما يشمل توسيع اتفاقيات أبراهام، يمثل رافعة سياسية وإستراتيجية للضغط على إيران، وتحجيم تأثيرها في المنطقة.

    ويتكامل هذا المسار مع ما يصفه بـ”حرب الأفكار”، وهي مواجهة غير عسكرية تستهدف تفكيك الخطاب الأيديولوجي الإيراني من الداخل، وتعزيز البدائل الثقافية والدينية المعتدلة، خاصة داخل البيئات الشيعية، عبر إبراز مزايا الإسلام المنفتح وقيم الديمقراطية المستقرة.

    أما المبدأ السابع في خطته، فهو منع التوسع النووي بأي ثمن. ويؤكد زامير أن إيران تقترب بثبات من العتبة النووية، وأن أي تهاون في هذا الملف سيكون مكلفًا على المدى البعيد.

    ويشير زامير إلى أن إدماج إسرائيل في القيادة الوسطى الأميركية (CENTCOM) يمثل فرصة إستراتيجية لتأسيس تحالف دفاعي مشترك يضم إسرائيل وعددًا من الدول العربية، قادر على التنسيق في مجالات الاستخبارات، وتطوير الدفاعات الجوية ضد الضربات الدقيقة، وبناء قدرات دفاع سيبراني متقدمة، وهو ما يمنح الحلفاء ميزة مهمة في موازنة التفوق الإيراني.

    ورغم تأكيده على أهمية المسارات الدبلوماسية، لا يخفي زامير تشككه في جدوى الاتفاقيات مع طهران، مأنذراً من أن النظام الحاكم الإيراني يتعامل معها كأدوات تكتيكية ومراحل عابرة نحو تحقيق هدفه النهائي، لا كتنازلات دائمة أو تسويات حقيقية.

    ومن ثم، فإن المسار التفاوضي يجب ألا يُفهم بوصفه بديلاً عن الاستعداد الإستراتيجي، بل وسيلة ضمن وسائل أخرى تُستخدم حين تفرضها الظروف، دون أن يُبنى عليها وهم الاستقرار.

    ما علاقة الدراسة بالحرب الحالية؟

    توفّر دراسة زامير إطارًا تحليليًّا لفهم سلوك المؤسسة الاستقرارية الإسرائيلية، خاصة بعد التحول الجذري الذي أحدثته عملية 7 أكتوبر 2023. ففي عالم ما بعد ذلك التاريخ، لم تعد إسرائيل تكتفي بسياسة الاحتواء، بل انتقلت إلى مرحلة الضرب الاستباقي والتصفية المباشرة للتهديدات، في محاولة لإعادة تشكيل التوازن الإقليمي وفقًا لرؤيتها.

    ورغم أن الدراسة نُشرت في منتصف عام 2022، أي قبل اندلاع الصدام الأخير بأكثر من عام، فقد بدت ملاحظاتها وثيقة الصلة بالسياق الراهن. فقد وصف زامير سعي إيران للهيمنة بأنه ليس مجرّد طموح إستراتيجي، بل حملة طويلة النفس تعتمد على منهجية دقيقة في استخدام الحروب غير التقليدية، وتُراكم أوراق القوة دون خوض مواجهة مفتوحة، مستفيدة من الفوضى ومناطق الفراغ في الإقليم.

    وفي هذا السياق، لم يكن مفاجئًا أن تصنف إسرائيل البرنامج النووي الإيراني بوصفه تهديدًا وجوديًّا حقيقيًّا، وهو ما يفسر استمرارية الضربات الجوية والاغتيالات والتخريب السيبراني التي استهدفت منشآت إيران وشخصياتها العلمية البارزة.

    ومنذ انسحاب إدارة ترامب الأولى من الاتفاق النووي عام 2018، وما تبعه من عودة إيران لتخصيب اليورانيوم بوتيرة متسارعة، ضاعفت إسرائيل عملياتها العسكرية والاستخبارية في محاولة لتقويض البرنامج النووي ومنع تحوله إلى سلاح فعلي.

    في مقدمة دراسته، التي جاءت في خمسة فصول، يوضح إيال زامير أن هذا العمل يمثل حصيلة سنوات طويلة من القراءة المكثفة والدراسة والتأمل في التحدي الإيراني، راكمها خلال خدمته في عدد من المناصب المتنوعة على جميع مستويات القوات المسلحة الإسرائيلي.

    ويقول زامير: “يمثل هذا العمل ثمرة سنوات عديدة من القراءة الواسعة النطاق، ودراسة وتأمل تحدي إيران، خلال تجربتي في مجموعة متنوعة من الأدوار على جميع مستويات القوات المسلحة الإسرائيلي”.

    ويشير إلى أن هذا البحث كان جهدًا شخصيًا بحتًا، وأن المسؤولية الكاملة عن محتواه تقع على عاتقه وحده، رغم إشادته بالدعم الذي قدمه له معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى من إمكانيات علمية ومساعدات لوجستية خلال فترة إقامته البحثية.

    ويُعد معهد واشنطن أحد أبرز المؤسسات البحثية المرتبطة بصناعة السياسات في واشنطن، وقد تأسس عام 1985 من رحم لجنة العلاقات السنةة الأميركية الإسرائيلية (أيباك)، أكبر منظمات الضغط المؤيدة لإسرائيل في الولايات المتحدة.

    ورغم أن المعهد لا يتبع انتماءً حزبيًّا رسميًّا، فإنه حافظ على شبكة قوية من العلاقات مع إدارات أميركية متعاقبة من الحزبين الجمهوري والديمقراطي.

    ومن أبرز الأسماء التي انتمت إليه فيما يتعلق بملفات الشرق الأوسط، مارتن إنديك ودينيس روس، اللذان اضطلعا بأدوار حساسة في مفاوضات الشرق الأوسط لعقود. ويدير المعهد حاليًّا روبرت ساتلوف، المعروف بعلاقاته الوثيقة مع “أيباك” ومواقفه المؤيدة بشدة للسياسات الإسرائيلية، وخصوصًا تلك التي تتبناها التيارات اليمينية والليكودية.

    أما زامير نفسه، فقد تدرّج -قبل وصوله إلى واشنطن زميلًا عسكريًّا في المعهد- في سلسلة من المناصب العسكرية الرفيعة، مستندًا إلى خلفية عائلية يمينية ذات أصول سورية.

    فقد شغل رئاسة أركان القوات البرية، ومنصب السكرتير العسكري لرئيس الوزراء الإسرائيلي، كما تولى قيادة المنطقة الجنوبية في القوات المسلحة الإسرائيلي، ثم منصب نائب رئيس هيئة الأركان السنةة. وخلال فترة خدمته، أشرف على صفقات تسليح غير مسبوقة شملت طائرات مقاتلة وذخائر متطورة، إلى جانب تعزيز الصناعات الدفاعية المحلية.

    على الصعيد الأكاديمي، يحمل زامير درجة البكالوريوس في العلوم السياسية من جامعة تل أبيب، وماجستير في العلوم الاجتماعية من جامعة حيفا، كما خضع لتدريب عسكري مدة عام في المدرسة العسكرية العليا في باريس، وأكمل برنامجًا متقدّمًا للإدارة السنةة مخصصًا لكبار التنفيذيين في كلية وارتون بجامعة بنسلفانيا، إحدى أعرق كليات إدارة الأعمال في العالم.


    رابط المصدر

  • عاجل | مصدران أميركيان لرويترز: ترمب اعترض مؤخراً على خطة إسرائيلية لاغتيال خامنئي.

    عاجل | مصدران أميركيان لرويترز: ترمب اعترض مؤخراً على خطة إسرائيلية لاغتيال خامنئي.


    It seems you’ve provided a phrase in Arabic that translates to “details coming soon.” If you’d like to share the content you want summarized, please provide it, and I would be happy to help!

    التفاصيل قريباً..


    رابط المصدر

  • ترامب: حصلت على تفويض غير مسبوق لتنفيذ أضخم خطة لترحيل المهاجرين.

    ترامب: حصلت على تفويض غير مسبوق لتنفيذ أضخم خطة لترحيل المهاجرين.


    في 6 ديسمبر 2025، نوّه القائد الأمريكي دونالد ترامب أنه حصل على “تفويض تاريخي” لتنفيذ برنامج كبير لترحيل المهاجرين غير النظام الحاكميين، رغم احتجاجات ضد سياسات الهجرة المتشددة. وجهت وزارة الاستقرار الداخلي إشعارات لمئات آلاف المهاجرين، مما زاد من توتر الأوضاع. انطلقت مظاهرات سلمية في لوس أنجلوس ضد هذه السياسات، رغم فرض حظر تجول. عبرت رئيسة بلدية المدينة، كارين باس، عن قلقها من عسكرة الأزمة، بينما زعم مسؤولون أن نشر القوات لم يوقف عمليات سلطات الهجرة. تؤكد السلطة التنفيذية أن من يعارض العمليات مساعد للمجرمين والعصابات.

    |

    عبّر القائد الأميركي دونالد ترامب عن أن استطلاعات الرأي تشير إلى وجود دعم شعبي كبير لترحيل المهاجرين غير النظام الحاكميين، وهذا هو بالضبط ما سنقوم به، في وقت تشهد فيه الولايات المتحدة احتجاجات ضد سياسة الهجرة الصارمة.

    ونوّه ترامب أنه حصل على “تفويض تاريخي” لتنفيذ أكبر برنامج للترحيل الجماعي للمهاجرين غير النظام الحاكميين.

    ولفت إلى أن “المهاجرين غير النظام الحاكميين حولوا مجتمعات أميركية كانت متطورة إلى مجتمعات تشبه تلك الموجودة في العالم الثالث”، كما قال.

    وأضاف أن القائد السابق جو بايدن سمح لـ21 مليون مهاجر غير نظامي بالدخول إلى البلاد من “بعض الدول الأكثر خطورة واضطراباً في العالم”، مشيراً إلى أن هؤلاء المهاجرين قد سرقوا وظائف الأميركيين واستنزفوا مليارات الدولارات من الرفاه الاجتماعي.

    في سياق مرتبط، أفادت شبكة “سي إن إن” بأن وزارة الاستقرار الداخلي ستخطر مئات الآلاف من المهاجرين بأن تصاريحهم للعمل قد أُلغيت وعليهم مغادرة البلاد.

    وذكرت الشبكة أن الإشعار موجه لرعايا من كوبا وهايتي ونيكاراغوا وفنزويلا الذين وصلوا إلى الولايات المتحدة بموجب برنامج أقره بايدن.

    تواصلت الاحتجاجات في مختلف أنحاء الولايات المتحدة ضد سياسات الهجرة الصارمة التي تتبعها إدارة القائد دونالد ترامب، وذلك بعد عدة أيام من التظاهرات في مدينة لوس أنجلوس.

    في لوس أنجلوس، تجمع أكثر من ألف متظاهر في اليوم السادس من الاحتجاجات، التي كانت معظمها سلمية، رغم فرض حظر تجول ليلي للحد من أعمال الشغب والنزاع التي شهدتها بعض المناطق.

    تزامن هذا مع إعلان وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون) أن نشر القوات العسكرية سيكلف دافعي الضرائب حوالي 134 مليون دولار، حيث يعمل آلاف الجنود بالتعاون مع عناصر إدارة الهجرة والجمارك، بينما يخضع الآخرون لتدريبات على كيفية التعامل مع الاضطرابات المدنية.

    في مؤتمر صحفي، أعربت رئيسة بلدية المدينة كارين باس عن قلقها من عسكرة هذه الأزمة، قائلة: “أريد التحدث إلى القائد.. أريد أن يفهم أهمية ما يحدث هنا”، مؤكدة أن الأزمة “صُنعت في واشنطن” وأن المداهمات التي بدأت يوم الجمعة الماضية كانت السبب الجوهري في تصاعد التوتر.

    من جانبه، قال كبير الديمقراطيين بلجنة القوات المسلحة بمجلس النواب الأميركي إن نشر 4700 جندي في لوس أنجلوس سيؤدي إلى تصعيد إضافي.

    في الجهة الأخرى، ذكرت وزارة الاستقرار الداخلي أن مثيري الشغب في لوس أنجلوس لن يوقفوا عمليات سلطات الهجرة.

    وأضافت الوزارة أن من يعرقل عمليات سلطات الهجرة يقف إلى جانب العصابات وتجار البشر والعناصر الإجرامية، بحسب تعبيرها.


    رابط المصدر

  • الجزيرة الآن اعتصار تايوان.. خطة بكين لإسقاط الجزيرة دون قتال

    الجزيرة الآن اعتصار تايوان.. خطة بكين لإسقاط الجزيرة دون قتال

    في أواخر شهور الثورة الصينية، ضربت قوات جيش التحرير الشعبي حصارا مستمرا على العاصمة بكين، التي كانت تسمى آنذاك بيبينغ، وبعد أسابيع من الحصار، وتحديدا في يناير/كانون الثاني عام 1949، سقطت بيبينغ (بكين) دون قتال، بعد استسلام القائد المحلي للمدينة. كان ذلك السقوط بمنزلة البداية لانفراط عقد قوات حزب الكومينتانغ الحاكم وسقوط المدن والقرى واحدة تلو الأخرى دون مقاومة تُذكر.

    وفي تحليل نشرته مؤخرا مجلة “الإيكونوميست”، لفتت إلى ما يُطلق عليه لدى الصينيين اليوم “نموذج بيبينغ”، وهو المصطلح الشائع بين كوادر الحزب لوصف ما يمكن أن تقوم به الصين مرة أخرى لإسقاط تايوان دون قتال، فيما يعتبرونه استكمالا للثورة وتصحيحا لمسار التاريخ من خلال القضاء على آخر جيوب الكومينتانغ، بعد فرار قواته إلى الجزيرة في ديسمبر/كانون الأول 1949 رفقة ما يقرب من مليونين من الجنود وأعضاء الحزب فيما يُطلق عليه “الانسحاب الكبير”.

    وفي المقابل، يبدو أن الأميركيين خلال السنوات الأخيرة باتوا يتحوّطون بشدة لاحتمالات إقدام بكين على غزو تايوان عسكريا وإعلان ضمها إلى البر القائدي، ويحاولون إعادة ترتيب القدرات الإستراتيجية الأميركية وتركيزها في منطقة المحيطين الهندي والهادي، استعدادا لهذه اللحظة التي قد تمثل ذروة تحولات القوى في نظام ما بعد الحرب الباردة.

    وفي إطار ذلك، أعرب الأدميرال فيليب ديفيدسون، القائد المتقاعد للقوات العسكرية الأميركية المشتركة في منطقة الإندوباسيفيك، في شهادته أمام لجنة القوات المسلحة بمجلس الشيوخ عام 2021، عن توقعه بأن الصين قد وضعت خطة زمنية للتوحيد مع تايوان من خلال غزو برمائي، خلال العقد القادم أو خلال السنوات الست المقبلة على الأرجح.

    وقد أصبح هذا التقييم، الذي أُطلق عليه اسم “نافذة ديفيدسون”، منذ ذلك الحين كأنه أحد الثوابت في التحليل الإستراتيجي الأميركي، وفي مقابلة صحفية مع شبكة “سي بي إس” الأميركية، بُثت في فبراير/شباط 2023، قال ويليام بيرنز، مدير المخابرات المركزية الأميركية الأسبق: “نحن نعلم أن القائد شي وجّه قيادة القوات المسلحة الصيني لأن تكون مستعدة بحلول 2027 لغزو تايوان”.

    doc 34tb7l6 1716180022
    القائد التايواني في مايو/أيار 2024 أثناء خطاب تنصيبه الذي نوّه فيه استقلال تايوان عن الصين (الفرنسية)

    ولكن باستقراء السلوك الصيني حول الجزيرة وداخلها، يبدو أن الغزو البرمائي ليس الخطة الوحيدة لدى بكين، وأن لديها بالفعل خطة بديلة لإخضاع تايبيه لسيادتها، دون اللجوء إلى الحرب كما حدث في بكين نفسها منذ أكثر من سبعة عقود، بما يعني أن نافذة ديفيدسون المتوقعة لغزو تايوان قد تحدث ولكن ليس بالصورة التي توقعها.

    هذه الخطة البديلة لن تكتفي بالحصار العسكري التقليدي الذي قد يُفسَّر طبقا للقانون الدولي بأنه إعلان حرب، مما يجر على بكين ردود فعل دولية أو أميركية قاسية. لكنها قد تتضمن، عوضا عن ذلك، نسج شبكة معقدة من الإجراءات الاستقرارية تحت عتبة الحرب للضغط على الجزيرة، مصحوبة بمزيج من التأثير السياسي والماليةي والإعلامي على تايوان، لإفقادها تدريجيا أية حماسة لمقاومة بكين أو الإيمان بمبررات الانفصال، ومن ثم يتكرر التاريخ وتسقط تايبيه دون قتال.

    فما أبعاد تلك الخطة البديلة؟ وكيف يمكننا قراءة ما قد يفكر فيه القادة الصينيون لسلوك طريق آخر لحسم وضع الجزيرة، دون الاصطدام بالولايات المتحدة ومنحها الذرائع لمواجهة بكين؟

    ما وراء الرصاص.. طرق أخرى للإكراه

    “إن أسمى فنون الحرب هو إخضاع العدو دون قتال”

    • المفكر الإستراتيجي الشهير الصيني صن تزو في كتابه “فن الحرب”

    الحرب إذن ليست اشتباكا دمويا طاحنا فحسب؛ وإنما هي معركة معقدة ومركبة تُستخدم فيها كل الأدوات، العسكرية أو السلمية أو كلتيهما، بهدف تغيير إرادة الخصم وإفقاده القدرة على الممانعة، بما يحقق في النهاية الأهداف السياسية والإستراتيجية للطرف المنتصر.

    وهذا النص المكتوب في القرن السادس قبل الميلاد والمنسوب إلى صن تزو يكشف أبعادا عميقة في العقلية الإستراتيجية الصينية التي عُرف عنها طيلة تاريخها القدرة الهائلة على ممارسة الصبر وبناء النجاحات بالتراكم ومن غير صخب.

    وخلال السنوات الماضية، ودون اللجوء إلى استعمال مظاهر القوة المفرطة، فرضت الصين تدريجيا الكثير من مظاهر السيادة على تايوان دون إعلان ذلك، وتعمدت في مناسبات مختلفة إجبار المتعاملين مع تايوان أحيانا على الإقرار ببعض مظاهر السيادة الصينية على الجزيرة والمضيق، من خلال ما يمكن تسميته بسياسات الإكراه متعددة المجالات.

    أصبحت المناورات العسكرية التي تتضمن إطلاق صواريخ في المياه القريبة من تايوان -في إطار تدريبي- معتادة بشكل متزايد، كما يتضح في مناورتَيْ “السيف المشترك” اللتين أُجريتا السنة الماضي. وفي فبراير/شباط لهذا السنة اتهمت تايوان الصين بتخريب كابل بحري في شمال تايوان. كما تضاعفت عمليات التوغل اليومية للطائرات المقاتلة الصينية أربع مرات تقريبا، من 380 طائرة في عام 2019 إلى أكثر من 1700 طائرة في عام 2023.

    هذه المناورات والتدريبات المتكررة التي يصعب في كل مرة تحديد النيات الفعلية لبكين من ورائها، ورغم أنها لا تؤدي إلى حصار عسكري فعلي للجزيرة، فإنها تمثل حربا نفسية قاسية على سكانها، وتذكّرهم دائما بالتكلفة الهائلة التي سوف تجرّها عليهم محاولات الانفصال.

    ولا تقتصر الإجراءات الصينية فقط على الجانب العسكري، فقد فرضت بكين، بحسب مجلة “ذا ديبلومات” الأميركية، قيودا على مواطنيها وطلابها المسافرين إلى تايوان منذ تولي القائدة التايوانية السابقة، تساي إنغ ون، منصبها في عام 2016، مما أضعف بشكل كبير قطاعَيْ السياحة والمنظومة التعليمية العالي في تايوان

    . وفي عامي 2021 و2022، أوقفت الصين استيراد المنتجات الزراعية التايوانية المهمة، مثل الأناناس والتفاح، التي تُعد من الصادرات القائدية لتايوان، وقد تسبب هذا الإجراء في تضييقات بالغة على القطاع الزراعي بالجزيرة.

    وفي المقابل، استخدمت الصين حوافز اقتصادية لاستقطاب حلفاء تايوان الدبلوماسيين من خلال تقديم حوافز اقتصادية، مما دفع دولا من الدول الصغرى وذات القيمة الإستراتيجية في المحيط الهادي، مثل نيكاراغوا وجزر سليمان، إلى قطع علاقاتها مع تايوان، وتعميق علاقاتها ببكين، على غرار الاتفاقية الاستقرارية بين جزر سليمان والصين في ربيع 2022. ومنذ عام 2016، تحوّلت 10 دول من حلفاء تايوان الدبلوماسيين إلى الاعتراف بجمهورية الصين الشعبية، لينخفض عدد الدول المعترفة بتايوان خلال هذه المدة من 22 إلى 12 دولة فقط.

    وبخلاف الحوافز أو العقوبات الماليةية، تستغل بكين القواسم الثقافية المشتركة أداةً أخرى للتأثير على المواطنين في تايوان، لإرسال رسالة مفادها أن التوحيد ليس تهديدا وإنما فرصة. على سبيل المثال، في الأول من يناير/كانون الثاني الماضي، أصدرت القيادة الشرقية لجيش التحرير الشعبي مقطعا مصورا للتهنئة بحلول رأس السنة الجديدة، تضمن أغنية عنوانها “الشعب الصيني”، صُمم المقطع بعناية ليناسب الجمهور التايواني، وتضمن مقاطع لطلاب صينيين يزورون تايبيه في مشاهد اجتماعية ودودة.

    وتُظهر استطلاعات للرأي أُجريت مطلع 2024 أن نسبة الذين يريدون الاستقلال داخل تايوان تنخفض منذ عام 2020، وأن أكثر من 80% من التايوانيين يريدون الحفاظ على “الوضع الراهن”، لكن نحو 20% فقط يعتقدون أن ذلك ممكن على المدى الطويل. وعند السؤال عما يتوقعونه بدلا مما يفضلونه، قال نحو 30% إن تايوان ستنتهي “بوحدة الصين القارية”، بزيادة 8% عن عام 2020، فيما يشير إلى أن الحرب النفسية الصينية باتت تؤتي أُكلها بصورة متزايدة.

    خريطة لتايوان والبر القائدي للصين و"خط الوسط" بينهما (الجزيرة)
    خريطة لتايوان والبر القائدي للصين و”خط الوسط” بينهما (الجزيرة)

    وأبعد من ذلك، فقد أُثيرت في تايبيه، مؤخرا، تقارير صحفية وأمنية تقول إن الصين كثّفت في السنوات الأخيرة محاولات تجنيد سياسيين محليين، أو مدنيين فاعلين، عبر تقديم إغراءات مالية أو فرص سفر وتدريب. هذا لا يعني أن هناك شبكة تجسس بالمعنى التقليدي، بل شبكة نفوذ ناعمة تعمل على تغيير توجه البلاد على المدى البعيد.

    وعلى مدار السنوات الأربع الماضية، تضاعف عدد الملاحقات القضائية بتهمة التجسس في محاكم تايوان أربع مرات. ومنذ أن شن القائد التايواني، لاي تشينغ دي، حملة تعقب ضد التسلل الصيني في مارس/آذار الماضي، وُضع 5 أعضاء على الأقل من الحزب الحاكم (بمَن فيهم مساعد سابق له) قيد التحقيق بتهمة التجسس، و3 جنود من المكلفين بحراسة مكتب القائد اتهموا بتصوير وبيع المعلومات السرية للصين.

    فضلا عن ذلك، تتهم السلطات في تايبيه بكين باستخدام شبكات من الحسابات الوهمية والمزيفة على منصات التواصل الاجتماعي لنشر أخبار ومقاطع فيديو تُسهم في تغذية السردية القائلة إن حكومة “الحزب الديمقراطي التقدمي” أداة أميركية تُهدّد الاستقرار الماليةي والسياسي للجزيرة وتغامر بالمواجهة مع الصين من خلال تشجيع الانفصال، لخدمة أهداف جيوسياسية أميركية.

    وفي 2024 وحدها، رصدت السلطات التايوانية أكثر من 2.16 مليون قطعة من المعلومات وصفتها بأنها “مضلّلة” ومدعومة من الصين، بزيادة 60% عن السنة السابق، عبر استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي لتوليد المحتوى وتعزيز وصوله عبر خوارزميات المنصات الكبرى.

    وقبل ذلك، في يوليو/تموز 2019، نشرت صحيفة “فايننشال تايمز” تقريرا لفتت فيه إلى أن مجموعة “وانت وانت ميديا” (Want Want Media)، التي تمتلك شبكة واسعة من الصحف والقنوات التلفزيونية البارزة في تايوان، كانت تتلقى توجيهات تحريرية مباشرة من مكتب شؤون تايوان التابع للحكومة الصينية. ووفقا للتقرير، أسهمت تغطية الشبكة في التأثير على نتائج الاستحقاق الديمقراطي البلدية والاستحقاق الديمقراطي التمهيدية للرئاسة بصعود مرشحين يتبنّون خطاب الوحدة الصينية.

    أزمة سياسية في تايوان.. والصين في الخلفية

    شبكة التأثير المعقدة، والعمليات النفسية المركبة، التي تُحكمها الصين حول تايوان، ساهمت مؤخرا في إشعال انقسام سياسي حاد لا يزال يتعمق بما قد يُدخل الجزيرة في أزمة سياسية طويلة، حيث يحاول كلٌّ من القائد وقادة المجلس التشريعي تقويض صلاحيات بعضهم بعضا.

    يتبع القائد، لاي تشينغ دي، الحزب الديمقراطي التقدمي (DPP)، الذي يعارض بشدة مساعي إعادة توحيد الصين ويتبنى خطابا استقلاليا غير مسبوق في تاريخ حكام الجزيرة، ويرى أن تايوان بالفعل دولة مستقلة بحكم الأمر الواقع، ويعمل على تعزيز الهوية التايوانية والانفصال التدريجي عن الصين.

    بينما يهيمن على المجلس التشريعي الحزب القومي (KMT) الذي لا يروج صراحة “للتوحيد مع الصين”، لكنه يدعم علاقات أقل توترا مع بكين، ويعارض التصعيد أو الاستفزاز، وغالبا ما يتهم قادته الحزب الديمقراطي التقدمي بأنه يجر البلاد إلى مواجهة مع الصين لا طائل منها.

    ومؤخرا صرح حزب القائد، بحسب “فورين بوليسي”، دعمه لحملة جماهيرية لاستدعاء نواب الحزب القومي، متهما إياهم بالتآمر مع الصين لإضعاف تايوان. ويشيرون في ذلك تحديدا إلى زعيم الكتلة المجلس التشريعيية للحزب، فو كون تشي، الذي قاد السنة الماضي وفدا إلى بكين للقاء وانغ هونينغ، الرجل الرابع في الحزب الشيوعي والمسؤول عن سياسة تايوان، وهناك تحدث الرجلان عن كونهم عائلة واحدة، وعن العمل معا لمنع استقلال تايوان.

    12937952 1743500953
    طائرة ميراج 2000 تابعة لسلاح الجو التايواني قبيل هبوطها في قاعدة عسكرية تايوانية أول إبريل/نيسان 2025 (الأوروبية)

    عند عودتهم، اعتمد النواب القوميون قانونا يوسّع صلاحيات المجلس التشريعي على حساب صلاحيات القائد. وعندما حُكم بعدم دستورية بعض بنوده، أصدروا قانونا آخر شلّ عمل المحكمة الدستورية. وفي يناير/كانون الثاني، أجروا تخفيضات شاملة في الميزانية، شملت الدفاع وخفر السواحل والاستقرار السيبراني.

    اتهم القائد لاي المجلس التشريعي بتقويض أمن تايوان لصالح الصين من خلال إجراءات خفض ميزانية الدفاع، وأن ذلك سيعطي لحلفاء تايوان انطباعا بعدم جديتها في الدفاع عن نفسها. في حين يقول مشرّعو الحزب القومي إن القائد هو مَن يرفع ميزانيات الدفاع لاستفزاز الصين والمقامرة بمستقبل الجزيرة.

    ولفهم مدى تأثير الصين في المعادلة تجدر ملاحظة هذه القصة: رئيس الكتلة التشريعية فو، نائب عن مقاطعة هوالين على الساحل الشرقي لتايوان التي تعتمد صناعاتها القائدية على الزراعة والسياحة، وكلتاهما تعتمد على الصين، وكانت قد تأثرت سابقا بقرار الصين في 2022 حظر استيراد البوميلو (وهو نوع من الحمضيات المهمة في تايوان)، ولكن بعد زيارة فو إلى بكين، رفعت بكين الحظر على استيراد البوميلو من هوالين، في حين لم يشمل رفع الحظر المناطق المؤيدة للحزب الديمقراطي التقدمي، مما رفع الأسهم الشعبية للزعيم القومي بصورة هائلة.

    تكتيكات المنطقة الرمادية.. البديل الآمن لبكين

    بحسب دراسة فريدة لمركز الدراسات الإستراتيجية والدولية (CSIS)، فإنّ الاستعداد لخطر الغزو البرمائي لتايوان لا يُمثّل النقطة المحورية الصحيحة لجهود الولايات المتحدة لحماية الجزيرة.

    وتزعم الدراسة أن سياسة الصين الصبورة وطويلة الأمد تجاه تايوان، التي تُعامل التوحيد على أنه “حتمية تاريخية”، إلى جانب سجلّها المتواضع من العمل العسكري في الخارج، يُشيران إلى أن خطة بكين الأكثر ترجيحا ستكون ضمن إطار ما يُعرف بـ”عمليات المنطقة الرمادية”، وهي أنشطة قسرية في المجالين العسكري والماليةي لا ترقى إلى مستوى الحرب.

    وتُعرّف تكتيكات “المنطقة الرمادية” بأنها إجراءات تُعدّ أدنى مما يُمكن اعتباره في القانون الدولي أعمال حرب، حيث يُمكن لخفر السواحل الصيني، والقوات التابعة له، ومختلف وكالات الشرطة والسلامة البحرية (وهي كلها قوات مدنية) فرض حجر كامل أو جزئي على تايوان، مما قد يؤدي إلى قطع الوصول إلى موانئها ومنع وصول الإمدادات الحيوية، مثل الطاقة، إلى سكان الجزيرة البالغ عددهم 23 مليون نسمة، دون انخراط القوات المسلحة الصيني في العملية.

    وبحسب الدراسة أيضا، فإن هذا “الحجر” (Quqantine) يختلف قانونا عن “الحصار” (Blockade)، فالحجر عملية تقودها جهات إنفاذ القانون للسيطرة على حركة الملاحة البحرية أو الجوية داخل منطقة محددة، بينما الحصار ذو طبيعة عسكرية في المقام الأول.

    A Chinese paramilitary policeman takes part in a military training session in Xinzhou, Shanxi province, China September 17, 2017. Picture taken September 17, 2017. REUTERS/Stringer ATTENTION EDITORS - THIS IMAGE WAS PROVIDED BY A THIRD PARTY. CHINA OUT. NO COMMERCIAL OR EDITORIAL SALES IN CHINA.
    بعض قطاعات الشرطة الصينية تشارك في تدريبات عسكرية وُيتوقع مراقبون أن تُستخدم في حصار تايوان من دون تدخل القوات المسلحة (رويترز)

    وفي الإطار نفسه، يمكن للصين أن تتخذ إجراءات أخرى لفرض السيادة عمليا على تايوان، مثل اشتراط تقديم إقرارات جمركية قبل أن تتمكن السفن من الرسو في الجزيرة. وبالنسبة للسفن التي لا تمتثل، قد يكون لآليات الإنفاذ تأثير حاسم عبر تعطيل جميع عمليات الشحن الخاصة بها.

    وتحتاج هذه الخطة إلى نطاق محدود من العمليات من جانب الصين، على سبيل المثال، قد تستهدف الصين فقط ميناء كاوهسيونغ، أكثر موانئ الجزيرة ازدحاما، والمسؤول عن 57% من واردات تايوان البحرية ومعظم وارداتها من الطاقة.

    ثمن الحرب

    رغم تزايد الخلل في ميزان القوة العسكرية بين الصين وتايوان بصورة هائلة لصالح بكين، فإن الصين تدرك أيضا أن غزو تايوان عسكريا واحتلالها سيظل صعبا للغاية لعقود قادمة، حتى لو بقيت الولايات المتحدة وحلفاؤها على الحياد. لا يهم عدد القوات والأسلحة والإمدادات التي يستطيع جيش التحرير الشعبي حشدها على شواطئ الجزيرة عبر مضيق تايوان.

    ولكن لغزو الجزيرة، وبحسب “جيوبوليتيكال فيوتشرز”، ستحتاج الصين إلى الجزء الأكبر من قواتها للصعود إلى قوارب والقيام برحلة مدتها ثماني ساعات في مواجهة القوة النارية التايوانية القادمة من مواقع برية محصنة جيدا ومزودة بإمدادات جيدة. لدى تايوان نحو 130 ألف جندي مُسلّح بطرق متطورة (بالإضافة إلى 1.5 مليون جندي احتياطي) وآلاف المركبات القتالية المدرعة وقطع المدفعية ذاتية الدفع المُموّهة.

    لا يصلح سوى 10% من ساحل تايوان للإنزال البرمائي، وحتى لو فُوجِئَت تايوان، فقد تحشد قواتها في مناطق الإنزال، وتُلحق بالصينيين خسائر فادحة. علاوة على ذلك، لا يمتلك جيش التحرير الشعبي الصيني أي تجارب سابقة في العمليات البرمائية في بيئة قتالية حديثة. وتتطلب الحرب البرمائية -بطبيعتها- تنسيقا مُعقّدا للغاية بين القوات الجوية والبرية والبحرية، هذا فضلا عن المتاعب التي سوف ينطوي عليها احتلال الجزيرة لاحقا.

    لا تعني هذه التحديات أن الصين لا تستطيع السيطرة على الجزيرة عسكريا إذا أرادت، ولكن تعني أن الأمر لن يكون نزهة عابرة في كل الأحوال. مما يرجح، أو على الأقل يضع في الاحتمال، أن الصين بطبيعتها الصبورة، التي يُذكر بها بناء سور الصين المهول، قد تستمر في نسج الخيوط حول تايوان حتى تسقط في صمت ودون قتال.


    رابط المصدر