ذكرت صحيفة “معاريف” الإسرائيلية أن وقف إطلاق النار بين إسرائيل وإيران، برعاية أميركية، لم ينهي المواجهة بل أطلق مرحلة جديدة أكثر خطورة. التقييمات الإسرائيلية تشير إلى أن القتال قد يستأنف في أي وقت. رغم الهدوء النسبي، تركز إسرائيل على رصد البرنامج النووي الإيراني، بينما ترفض إيران التخلي عنه. الاتفاق يفتقر لضوابط واضحة وقد يؤدي لتصعيد جديد. كما تنتقد المراسلة السياسية تعامل ترامب مع الأزمة، حيث تعتبر استراتيجيته عشوائية وتعيد تشكيل المواجهة كدراما تنافسية. نوّهت المراسلة أن الوضع الحالي غير مستقر وقد ينفجر في أي لحظة، مما يستدعي تدخلاً أميركياً أكبر.
28/6/2025–|آخر تحديث: 16:28 (توقيت مكة)
أبرزت صحيفة “معاريف” الإسرائيلية آراء سياسية وأمنية تفيد أن وقف إطلاق النار الأخير بين إسرائيل وإيران -بوساطة أميركية- لم يُنه المعركة بين الطرفين، بل يُعتبر بداية مرحلة جديدة أكثر تعقيدًا.
ونقلت آنا براسكي، المراسلة السياسية للصحيفة، تقييمات سياسية إسرائيلية تعكس أن السؤال تحول من “هل سيستأنف القتال؟” إلى “متى وعلى أي جبهة ستكون الجولة القادمة؟”.
وبالرغم من الهدوء النسبي، لا تزال إسرائيل تعتبر وقف البرنامج النووي الإيراني “هدفا وطنيا ساميًا”، بينما ترفض إيران التخلي عن مشروعها النووي. وتؤكد المراسلة أن اللاعبين لم يتغيروا، وأن المواجهة مستمر دون أي أوهام حول نهايته.
وتستند هذه الرؤية إلى تصريح لرئيس الموساد ديفيد برنيع، بعد يوم ونصف من سريان وقف إطلاق النار، حيث قال: “سنستمر في مراقبة جميع المشاريع في إيران، التي نعرفها بعمق، وسنكون موجودين كما كنا دائمًا”، وهو ما اعتبره محللون إسرائيليون إشارة إلى أن الهدوء مؤقت.
يعتبر التقرير أن وقف إطلاق النار لم يكن نتيجة لتسوية إستراتيجية، بل هو توازن مؤقت للمصالح، حيث سعت إسرائيل إلى تحقيق إنجاز تكتيكي من خلال تدمير منشآت نووية وقواعد عسكرية إيرانية، بينما تجنبت إيران الدخول في مواجهة مفتوحة مع القوات الجوية الأميركية التي استهدفت مفاعلات نووية في فوردو وأصفهان ونطنز.
رئيس الموساد ديفيد برنياع نوّه أنهم سيواصلون مراقبة جميع المشاريع في إيران (رويترز)
وتضيف المراسلة السياسية أن اتفاق وقف إطلاق النار الذي تم بوساطة أميركية يفتقر إلى آليات رقابة أو قنوات اتصال دائمة، ولا يتضمن أي التزامات واضحة لوقف البرنامج النووي الإيراني أو برنامج الصواريخ بعيدة المدى.
وترى براسكي أن هذا الوضع يمكن أن ينفجر في أي لحظة، سواء عبر صاروخ من لبنان أو طائرة مسيرة من اليمن أو حتى تقرير إعلامي عن هجوم في سوريا.
تأنذر التقديرات الإسرائيلية من نمط جديد للصراع يتمثل في جولات قصيرة ومركزّة لكنها مدمّرة، تتكرر كل بضعة أشهر في ساحات متعددة مثل لبنان وسوريا والخليج، مما يهدد استقرار المنطقة ويستدعي تدخلًا أميركيًا متزايدًا لمنع التصعيد من الوصول إلى مواجهة شاملة.
ونوّهت المراسلة أن “التوتر المستمر وانعدام الثقة والمواجهة غير المحسوم، بشأن مستقبل البرنامج النووي الإيراني، لن يزول تلقائيًا حتى لو شاركت أطراف دولية مثل روسيا أو الاتحاد الأوروبي أو دول الخليج في المساعي الدبلوماسية”.
ترامب وتعقيدات الأزمة
في الجانب الأميركي، ترى إسرائيل أن واشنطن ستبقى موجودة وفقًا للمصالح، خاصة مع وجود القائد دونالد ترامب الذي يُظهر مواقف متضاربة تجاه إيران. فقد صرح عن انتهاء الهجمات، ثم عاد ليؤكد استعداده لشن ضربات جديدة. إلا أن دعم الكونغرس لأي تحركات عسكرية واسعة غير مضمون، والمواطنون الأميركي متوتر بشأن أي تورط عسكري جديد في المنطقة، مما يمثل “ضعفًا استراتيجيًا” قد يعرض إسرائيل لمعضلة إذا قررت توجيه ضربة استباقية أخرى.
تشير المراسلة السياسية للصحيفة إلى احتمال تعمق المواقف الرسمية الإيرانية الرافضة للاتفاق النووي، مما يعقد أي تسوية دبلوماسية طويلة الأمد.
تنتقد الطريقة التي تعامل بها ترامب مع الأزمة، واصفة إياها بعقلية “صناعة الترفيه”، حيث أدار التدخل الأميركي وكأنه موسم درامي لمسلسل تلفزيوني مليء بالمفاجآت. وقد أطلق على هذه الجولة اسم “حرب الـ12 يوماً”.
المراسلة تلاحظ أن القائد الأميركي تعامل مع الأزمة بعقلية “صناعة الترفيه” (الفرنسية)
لكن الواقع أظهر أن القصف المتبادل استمر بعد إعلان الهدنة رغم الضغوط الأميركية، مما يثير تساؤلات حول ما إذا كان هذا التطور يمثل نقطة تحول نحو مصالحة إقليمية أو مجرد توقف مؤقت قبل جولة جديدة من العنف.
كما تشير المراسلة إلى أن تفاصيل وقف النار لا تزال غير واضحة، خاصة فيما يتعلق بحجم الأضرار التي لحقت بالبرنامج النووي الإيراني، وسط تضارب في التقديرات بين البيت الأبيض الذي صرح أن البرنامج النووي الإيراني دُمر بالكامل، بينما أفادت التقارير الاستخباراتية -التي سربتها شبكة “سي إن إن”- أن الأضرار كانت مجرد تأخير لبضعة أشهر.
تتناول المراسلة الخطوة التي اتخذها ترامب بعد إعلان وقف إطلاق النار، حيث طلب من إسرائيل إلغاء محاكمة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، رابطًا ذلك بالتحالف بين الولايات المتحدة وإسرائيل.
وترى أن ما وراء هذا التصريح رسالة أكثر وضوحًا تتمثل في أن “الدفاع الأمريكي عن إسرائيل يتطلب ثمنًا. وهذا الثمن، وفقًا للمنطق الذي يقوده ترامب، قد يكون التعاون العلني مع القيادة الأميركية والحفاظ على الولاء السياسي الكامل حتى في القضايا المتأزمة مثل القضية الفلسطينية أو الاتفاق النووي”.
وأضافت “ربما سنكتشف قريبًا أن الأميركيين لديهم مسودة اتفاق لوقف إطلاق النار في قطاع غزة، وأن السلطة التنفيذية الإسرائيلية يجب أن تنضم إليه”.
اختتمت براسكي تقريرها بالتأكيد على أن المواجهة بين إسرائيل وإيران قد يبقى مرشحًا للانفجار في أي لحظة، ما لم تحسم واشنطن أمرها وتقرر ما إذا كانت ستواصل إمساك زمام المبادرة أو تكتفي بالمراقبة.
تنظر نظريات العلاقات الدولية في التغيرات بموازين القوى، ومنها “نظرية الألعاب” التي تحلل سلوك الدول كأطراف عقلانية تسعى لتعظيم مكاسبها. نموذج “المثلث الإستراتيجي” يبرز التنافس بين ثلاث دول وكيف يمكن لأحدها الاستفادة من صراعات الاثنين الآخرين. في السياق الحالي، تراجعت مكانة إسرائيل وإيران، بينما حققت تركيا والسعودية مكاسب إقليمية. الاستراتيجية الأمريكية تظهر استبعاد إسرائيل من المفاوضات وتحجيم نفوذها. في المقابل، استثمرت تركيا والسعودية في الفراغ الناجم عن تراجع خصومهما، مما يعزز دورهما الإقليمي. إلا أن هذا التقدم قد يكون غير مستقر على المدى الطويل.
تقدم نظريات العلاقات الدولية أدوات لتفسير التغير في موازين القوى والتحالفات بين الدول، ومن بين هذه النظريات “نظرية الألعاب” التي تحاكي سلوك الدول كأطراف عقلانية تسعى إلى تعظيم مكتسباتها وتقليل المخاطر.
تندرج تحت هذه النظرية نماذج متعددة تتباين بحسب محور تحليلها وعدد اللاعبين في أي صراع أو تصادم سياسي.
من النماذج المفيدة في تفسير الوضع الراهن في المنطقة هو نموذج “المثلث الإستراتيجي”، الذي يوضح التنافس بين ثلاثة أطراف، وكيف يمكن لكل طرف الاستفادة من صراع الطرفين الآخرين.
يمكن أن يساهم هذا النموذج في تفسير تراجع مكانة إسرائيل الإقليمية رغم إنجازاتها العسكرية، مقابل مكاسب كل من تركيا والسعودية رغم قلة انخراطهما في المواجهات الجارية، بالإضافة إلى تراجع الدور الإيراني بفعل استنزافه في المنطقة.
تراجع المكانة الإقليمية لإسرائيل وإيران مقابل تحقيق كل من تركيا والسعودية مكاسب إقليمية (شترستوك)
تراجع مكانة إسرائيل
أظهرت التداعيات الإستراتيجية للعدوان الإسرائيلي على قطاع غزة تراجع المكانة الإقليمية لدولة الاحتلال، وهذا ما تجلى في ممارسات الولايات المتحدة مثل استثناء إسرائيل من اتفاق وقف إطلاق النار مع الحوثيين وتهميشها في المفاوضات النووية مع إيران.
إعلان
هذا الأمر ظهر أيضا في رفع إدارة القائد الأميركي دونالد ترامب العقوبات عن سوريا وبدء انسحابها العسكري منها، وهو ما لم يكن على هوا حكومة بنيامين نتنياهو. إضافة إلى تأخير أولويات ملف التطبيع مع السعودية، وعقد الاتفاقات السياسية والاستقرارية والماليةية دون ربطها كما كان في السنوات السابقة.
كما تراجع النفوذ الإيراني بسبب سقوط نظام بشار الأسد، والتحديات التي يواجهها حزب الله اللبناني، وتدهور مكانة حلفاء طهران في العراق.
وفي المقابل، نمت أدوار تركيا والسعودية، مستفيدتين من الفراغ الناتج عن تراجع إيران وإسرائيل. إذ توسع النفوذ التركي في سوريا، وتمكنت، بالتعاون مع الرياض، من تعزيز شرعية النظام الحاكم الجديد في دمشق، والتوافق مع الولايات المتحدة بشأن سحب قواتها من مناطق الأكراد، مع توجه نحو توحيد سوريا بدلاً من تقسيمها كما تروج إسرائيل.
شطرنج ثلاثي
يمكن تفسير هذا التغير في توازن القوى الإقليمي بلعبة الشطرنج الثلاثية، حيث يكسب أحد الأطراف عندما يتصادم الطرفان الآخران في مواجهة طويلة الأمد.
في المشهد الحالي، أدى استنزاف الطرفين القائدين -إسرائيل من جهة وإيران وحلفائها من جهة أخرى- إلى تعزيز مكانة الأطراف الإقليمية التي تفادت التورط المباشر في المواجهة وحافظت على علاقة مع الطرفين.
لكن هذه الاستفادة قد لا تكون مستدامة على المدى الطويل، لسببين رئيسيين:
1- إن ما أتاح هذا التقدم كان تباينًا مهمًا بين سياسة الإدارة الأميركية وحكومة الاحتلال، وهذا قد يتغير في الأشهر القادمة.
2- تباين موقف هذه الأطراف عن مشاعر شعوبها التي تعتبر التضامن مع الشعب الفلسطيني أولوية دينية وقومية، مما يشكل ضغوطًا خفية على استمرارية المسار الذي تسلكه هذه الدول.
ينتمي مفهوم “لعبة الشطرنج الثلاثية” إلى “نظرية الألعاب” التي تستخدم على نطاق واسع لفهم وتحليل العلاقات الدولية. يدرس هذا المفهوم التفاعل بين أطراف عقلانية تسعى لتعظيم مكاسبها مع الأخذ بعين الاعتبار سلوك الآخرين.
تتضمن البرنامجات العملية لهذا المفهوم “الألعاب متعددة الأطراف” والتي تُستخدم لتحليل التحالفات مثل حلف الناتو، وكذلك التوازنات الإقليمية كما هو الحال في الشرق الأوسط، بالإضافة إلى ديناميكية “المثلث الإستراتيجي” التي حكمت العلاقة بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي والصين خلال جزء من الحرب الباردة.
يشرح أستاذ الدراسات الصينية ويل ديتمر في دراسته المنشورة على موقع جامعة كامبردج، هذا المفهوم كممارسة تفاعلية بين ثلاثة أطراف دولية، حيث تؤثر تصرفات كل طرف مباشرة على العلاقات بين الآخرين.
تشير الدراسة إلى أن هذا المفهوم نشأ في سياق الحرب الباردة لتحليل العلاقات بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي والصين، ويمكن تعميمه على حالات إقليمية أو دولية أخرى.
وفقًا لديتمر، هناك 3 نماذج محتملة لعلاقات بين الأطراف الثلاثة؛ وهي:
زواج مستقر: تحالف قوي بين طرفين ضد الثالث.
مثلث رومانسي: حيث يوجد طرف “محوري” يقيم علاقات إيجابية مع الطرفين الآخرين المتصارعين.
الثلاثي المتناغم: علاقات ودية ومتوازنة بين جميع الأطراف، وهو النمط الأكثر توازنًا لكنه نادر التحقق بسبب غياب الثقة.
بينما كانت علاقة إسرائيل مع الدول العربية الأكثر تأثيرًا قبل الحرب في غزة تتحرك نحو التقارب والتحالف ضد إيران عبر اتفاقات التطبيع، فإن العلاقت الحالية تشير إلى رغبتها في أخذ مسافة أكبر عن السياسات الإسرائيلية.
يحدث هذا خاصة في ظل تراجع الشعور بالخطر الإيراني، وزيادة خطر التوجه التوسعي والعدواني لإسرائيل، مما يجعل هذه الدول مع تركيا أقرب لوضع “الطرف المحوري” في “مثلث رومانسي” لاستغلال صراع إيران وإسرائيل.
(شترستوك)
استنزاف طرفين
يلخص تقرير للباحث كلايتون توماس -منشور في “خدمة الأبحاث التابعة للكونغرس” بتاريخ 30 ديسمبر/كانون الأول 2024- أزمة إيران بسبب الحرب كالتالي:
إعلان
تراجع النفوذ الإيراني في سوريا ولبنان وفلسطين والعراق، مما أدى إلى ضعف فعالية استراتيجيتها القتالية عبر “الوكلاء”.
تصاعد الخطاب العلني داخل إيران تجاه الخيار النووي، رغم أن الاستخبارات الأميركية ترى أن طهران لم تبدأ تصنيعه فعليًا.
زيادة العقوبات الماليةية الأميركية على إيران منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023، مع إدراج 700 جهة جديدة ضمن العقوبات.
فرض واشنطن قانون “مهسا” لمعاقبة منتهكي حقوق الإنسان وإجراءات للحد من صادرات النفط الإيرانية ومشاريع الصواريخ.
وفي هذا السياق، لفت تقرير للبنك الدولي في أبريل/نيسان 2025 إلى تباطؤ النمو الماليةي الإيراني إلى 3% في عام 2024/2025، منخفضاً من 4.7% في عام 2023، بسبب العقوبات الصارمة وتراجع الطلب على النفط، خاصة من الصين.
وبلغ معدل ارتفاع الأسعار 35.4%، فيما يعيش نحو 20% من السكان تحت خط الفقر، ونسبة الدين السنة من الناتج المحلي الإجمالي 32.6%.
خسائر إسرائيل
على الرغم من التدمير والبطش العسكري الذي تمارسه إسرائيل في فلسطين وخارجها، لم ينعكس ذلك إيجابًا على مكانتها الإستراتيجية في الإقليم، بل تشير المؤشرات إلى تراجع مكانتها لصالح لاعبين آخرين كتركيا والسعودية.
كما يظهر تراجع الشرعية الدولية لإسرائيل بشكل ملحوظ، وذلك في ردود الفعل الشعبية والرسمية على جرائمها في غزة. فعلى الصعيد الرسمي، تظهر العلاقات الأميركية الإسرائيلية حالة من التوتر غير المسبوق منذ عقود.
تشير التقارير إلى أن العديد من الدول الأوروبية قد تتجه نحو اتخاذ إجراءات عقابية ضد إسرائيل، مثل الاعتراف بدولة فلسطينية دون الحاجة إلى موافقة إسرائيل. كما هدد زعماء في بريطانيا وكندا وفرنسا باتخاذ “إجراءات ملموسة” إذا لم توقف إسرائيل هجومها على غزة وترفع القيود على المساعدات.
إعلان
في تصريحات كايا كالاس، دبلوماسية الاتحاد الأوروبي، نوّهت أن الاتحاد سيراجع اتفاقه مع إسرائيل بسبب الوضع “الكارثي” في غزة.
وقال كالاس إن “أغلبية كبيرة” من الوزراء في بروكسل أيدت مراجعة الاتفاق المعروف باسم اتفاقية الشراكة استنادًا إلى الأحداث في غزة.
كما ذكرت صحيفة غارديان أن السلطة التنفيذية الهولندية تعد قانونًا لحظر الواردات من مستوطنات الاحتلال في الضفة الغربية.
أظهرت استطلاعات حديثة تراجع الدعم الشعبي لإسرائيل في الولايات المتحدة، حيث أظهر استطلاع لمركز بيو أن 53% من الأميركيين يحملون نظرة غير إيجابية تجاه إسرائيل، مقارنة بـ42% في عام 2022. و69% من الديمقراطيين يحملون مواقف سلبية تجاه إسرائيل.
في المجال الماليةي، أظهر مسح صادر عن منظمة التعاون الماليةي والتنمية “أو إي سي دي” أن الحرب تسببت بفجوة في الناتج القومي الإسرائيلي تقدر بسنة وربع السنة، حيث تأخر الانتعاش الماليةي حتى نهاية عام 2024.
على الرغم من انتعاش النشاط الماليةي الكلي جزئيًا بعد 7 أكتوبر 2023، إلا أنه ظل ضعيفًا للغاية في عام 2024. وشهدت تركيبة النشاط الماليةي تغيرًا كبيرًا.
إعلان
تراجع التنمية الاقتصادية بنسبة 15% بنهاية عام 2024 عن مستوياته قبل الحرب، متأثرًا بنقص العمالة، خصوصًا في قطاع البناء بعد توقف تصاريح العمل للفلسطينيين، فيما لا تزال الصادرات ضعيفة.
مكاسب تركية وسعودية
أدى عجز إسرائيل وإيران عن حسم المواجهة أو إيقاف الاستنزاف العسكري والسياسي والماليةي إلى إضعاف الطرفين، مع توسع دور أطراف أخرى مثل تركيا والسعودية.
تمدد النفوذ التركي في سوريا والعراق ولبنان بفعل الفراغ الناتج عن سقوط نظام الأسد، ونجحت السعودية وتركيا في تسويق النظام الحاكم الجديد دولياً واستصدار قرار من القائد الأميركي برفع العقوبات عن سوريا، بالرغم من رغبة إسرائيل.
وفيما يخص الاتفاقات الماليةية والدفاعية الأميركية مع السعودية، فقد تقدمت بعيدًا عن شرط التطبيع مع إسرائيل.
إذا استمر التباين في مواقف القائد الأميركي وحكومة الاحتلال، فمن المحتمل أن تعزز مكاسب الأطراف الصاعدة وتتشكل بنية إقليمية أقل ملاءمة لإسرائيل.
تُحوّل عدسة الكاميرا أماكن إسطنبول إلى وجهات شهيرة، حيث تتجدد حياة المعالم بعد ظهورها في أفلام ومسلسلات. مدينة تاركة بصمة في الذاكرة الجماعية، تثير شغف الزوار لاستكشاف شوارعها وأحيائها مثل بلاط وقصور البوسفور. من فيلا “العشق الممنوع” إلى “قصر نور ومهند” وحي “الحفرة”، تحوّلت مواقع التصوير إلى معالم سياحية رئيسية. كما أثرّت مشاهد أفلام مثل “سكاي فول” على شهرة البازار الكبير، الذي أصبح لاحقاً رمزاً للهويات الثقافية والتجارية، وتمزج جوانبه بين التاريخ وإثارة السينما. إسطنبول تحتفظ بسحرها في أذهان الزوار من خلال تلك الذكريات السينمائية.
تغير عدسة الكاميرا مفهوم الأماكن، حيث تتحول الزوايا المنسية إلى وجهات يتوجه إليها عشاق السينما والتلفزيون. كم من معلم في إسطنبول استعاد حياته بعد أن تألق على الشاشة، وكم من شارع عادياً أصبح مزاراً مشهوراً بفضل مشهد مؤثر أو لقطة خاطفة!
في إسطنبول، لا يستدعي الحاضر وحده خطوات الزوار، بل تستدعيهم حكايات متأصلة في الذاكرة، رصيف يُسمع فيه صدى مطاردة بجنباته، قصر أضاءته قصة حب عبر القارات، ومئذنة شامخة خلدتها لقطة سريعة.
حولت الأفلام والمسلسلات إسطنبول إلى أكثر من مدينة تُزار؛ فقد أوجدت ذاكرة جماعية يطمح ملايين العشاق لاجتيازها، مشياً على خطى أبطالهم المفضلين. أحياء مثل بلاط، وقصور على البوسفور، وأسواق نابضة بالحياة، باتت تحمل بين جدرانها ظلال المشاهد وأصداء القصص.
صنعت الأفلام والمسلسلات من بعض مناطق إسطنبول أكثر من مجرد أماكن تُزار وفي الصورة جانب من البازار الكبير (غيتي)
ومع أن السينما والتلفزيون قد رسخا ملامح هذه المدينة في وجدان الناس، أصبحت مواقع التصوير معالم يقصدها الزوار، ليس فقط لجمالها، بل لاستعادة مشهد، أو لالتقاط صورة في المكان الذي أحبوه للمرة الأولى عبر الشاشة.
فيلا “العشق الممنوع”
على ضفاف البوسفور الهادئة، بالقرب من حي بيبك الراقي، تقع فيلا بيضاء محاط بسياج من الأشجار الكثيفة. لسنوات، كانت هذه الفيلا منزلاً عائلياً عادياً، يحتضن بين جدرانه صمت البحر وهدوء الإطلالة. ولكن بعد أن استحوذت عليها عدسة مسلسل “العشق الممنوع”، تغير مصير المكان وأصبح واحداً من أشهر معالم الدراما التركية.
تغير مصير هذه الفيلا في حي بيبك بإسطنبول بعدما صور فيها مسلسل “العشق الممنوع” (وزارة الثقافة التركية)
داخل جدران هذه الفيلا دارت قصة حب مثيرة ومأساة عائلية هزت قلوب المشاهدين. أصبحت الفيلا مرتبطة بعائلة زياجيل، التي أحبها جمهور المسلسل وتابع تفاصيل حياتها بشغف. مع النجاح الهائل للعمل، لم يعد هذا المكان مجرد موقع تصوير بل بات محطة يزورها الزوار لاستعادة لحظات الدراما العاطفية التي خُلدت بين أروقته.
الآن، تمر العبارات السياحية ببطء أمام الفيلا، ويحرص الزوار على التقاط الصور، وتنتشر الهمسات بين الركاب وهم يتذكرون مشاهد مهند وسمر.
لاستغلال الفترة الحاليةة التي حصدها المكان، قامت عائلة كوتش المالكة بتحويل الفيلا في عام 2018 إلى متحف صغير للسجاد التقليدي التركي، فجمعت بين أصالة التراث وسحر الدراما تحت سقف واحد.
تقع الفيلا في منطقة ساريير شمالي إسطنبول، ويمكن الوصول إليها بالسيارة عبر الطريق الساحلي المتعرج على الضفة الأوروبية، أو عبر رحلة بحرية إلى ميناء ساريير، تليها نزهة قصيرة سيراً على الأقدام.
قصر “نور ومهند”
على ضفاف البوسفور في الجانب الآسيوي من المدينة، يقف قصر تاريخي فاخر في حي قنديلي، وتظهر شرفاته البيضاء كأنها تعانق المياه. هذا الصرح الجميل أصبح معروفاً لدى الجمهور باسم “قصر نور ومهند”، نسبة للمسلسل الرومانسي الذي صُور بين جدرانه ويحمل اسم بطليه نور ومهند.
كان مسلسل “نور” (بث في القنوات العربية عام 2008) هو العمل الأول الذي رسخ حب الجمهور العربي للدراما التركية، وكان الشرارة التي دفعت الكثيرين من العرب لاكتشاف إسطنبول عن كثب.
قصر “عبود أفندي” الذي شهد تصوير أحداث مسلسل “نور” (التواصل الاجتماعي)
احتضن القصر مشاهد قصة الحب الحالمة بين نور ومهند وسط أجواء من الفخامة البوسفورية، لترسخ في ذاكرة كل من تابع تلك الحلقات.
يحمل القصر في الأصل اسم “عبود أفندي”، وبُني في منتصف القرن التاسع عشر، بتوقيع المهندس العثماني الشهير جارابت باليان، الذي جلب إلى هذا المكان روح الفخامة العثمانية المميزة. رغم أن القصر هو ملكية خاصة ولا يستقبل الزوار، فإن رؤيته من عرض البحر تترك أثراً لا يقل عن زياراته، خصوصاً لمن عرفوه أولاً عبر مشاهد المسلسل.
التقاط الصور
عقب عرض المسلسل، أصبح هذا القصر محطة أساسية على جدول السياح القادمين من الشرق الأوسط. صار الزوار يستفسرون عن موقعه ويحرصون على رؤيته، لدرجة أن بواخر مضيق البوسفور السياحية باتت تتوقف في مياه قنديلي، ليشير المرشد إلى القصر ويتيح للركاب التقاط الصور واستعادة ذكريات المسلسل.
بواخر البوسفور السياحية تتوقف بمياه قنديلي لتتيح للركاب التقاط الصور واستعادة ذكريات مسلسل نور ومهند (شترستوك)
تتعدد الطرق للوصول إلى قنديلي، ومع ذلك تبقى الرحلة عبر مياه البوسفور الأجمل. من حي أُسكودار على الطرف الآسيوي لإسطنبول، يمتد الطريق الساحلي متعرجاً بمحاذاة المضيق، حتى يكشف عن القصر في هدوئه الفريد، حيث يقف بين الماء والسماء، حامياً لحكاية ما تزال حية في الذاكرة.
حي “الحفرة”
في قلب إسطنبول التاريخية، وعلى ضفاف القرن الذهبي، يقع حي بلاط العريق بزقاقه المتعرجة وبيوته الملونة المتراصة.
لطالما كان هذا الحي معروفاً بطابعه الشعبي الأصيل وأجوائه التي تمزج عبق الماضي بالحياة اليومية البسيطة، لكن في السنوات الأخيرة، ارتبط اسمه بلقب جديد هو “حي الحفرة”. بعد تصوير مسلسل الإثارة والجريمة التركي “الحفرة” (Çukur) في زقاقه، اكتسبت شوارع بلاط الضيقة شهرة خاصة، وأصبحت مزاراً سياحياً لعشاق الدراما.
تحولت أرجاء حي بلاط إلى ما يشبه متحفا مفتوحا لاستحضار بعض تفاصيل مسلسل “الحفرة” التركي(شترستوك)
تحولت أرجاء الحي إلى ما يشبه متحفا مفتوحا لاستحضار تفاصيل المسلسل: على الجدران كتابات وشعارات العصابة التي ظهرت في المشاهد، والمقهى الشعبي الذي كان ملتقى شخصيات “الحفرة” بات يستقبل الزوار الفضوليين الراغبين في احتساء الشاي على ذات المقاعد التي جلس عليها أبطال القصة.
وبفضل النجاح الكبير الذي حققه المسلسل في تركيا والعالم العربي، بات حي بلاط يعج بالزائرين الباحثين عن تجربة أجواء “الحفرة” على أرض الواقع.
مطاردات ومعارك
هنا يمكن للزائر التجول في الأزقة التي شهدت مطاردات ومعارك درامية، ويمر تحت حبال الغسيل المعلقة بين الشرفات، والتي أضفت على المشاهد طابعها الواقعي المميز.
ورغم لقب “الحفرة” المستجد، فإن هذا المكان هو في الحقيقة جزء من حي بلاط في منطقة الفاتح داخل أسوار إسطنبول القديمة، بالقرب من جامع أيوب سلطان.
حي بلاط يشعر المرء وكأنه جزء من المشهد فيما تمضي الحياة الحقيقية من حوله في تمازج بين الدراما والواقع (الأناضول)
يعد الوصول إلى حي بلاط سهلاً نسبياً؛ إذ يمكن للزائر ركوب حافلة من منطقة أمينونو باتجاه أيوب والنزول عند بلاط، ثم المشي باتجاه شارع السبيل متتبعاً الكتابات الملونة على الجدران، حتى يجد نفسه وسط أجواء “الحفرة”. هناك، بين الأزقة العتيقة، سيشعر المرء وكأنه جزء من المشهد فيما تمضي الحياة الحقيقية من حوله في تمازج فريد بين الدراما والواقع.
“قيامة أرطغرل”
عند مشارف إسطنبول الشمالية، تمتد أرض هادئة تحتضن واحدة من أكثر الحكايات التلفزيونية حضوراً في الذاكرة. قرب قرية ريفا شُيدت مدينة متكاملة لتكون مسرحاً لملحمة “قيامة أرطغرل”، المسلسل الذي أعاد رسم ملامح التاريخ وأسر قلوب الملايين.
لم يفقد الموقع وهجه بانتهاء تصوير “أرطغرل” بل ازدادت نبضاته مع تصوير “المؤسس عثمان” (موقع الشركة المنتجة)
بين المروج الواسعة والخيام المنصوبة والأسواق الخشبية، ينتاب الزائر شعور غريب، كأنما يعبُر بوابة خفية إلى القرن الثالث عشر.
ساحات التدريب، أبراج المراقبة، ميادين القتال، كل زاوية تحمل آثار أقدام شخصيات ألفها المشاهد وتابعها بشغف. لا يبدو المكان مجرد استوديو تصوير، بل أشبه بمدينة حية تنبض بحياة قبائل الكايي، وأحلام المحاربين الأوائل.
لم يفقد الموقع وهجه بانتهاء تصوير مسلسل “أرطغرل”، بل ازدادت نبضاته مع استكمال مشاهد مسلسل “المؤسس عثمان”، فبدت روح البطل القديم تتردد بين الخيام والميادين.
أصبح هذا الموقع وجهة يقصدها الزوار، ليس فقط لمشاهدة التفاصيل بل لخوض تجربة شاملة؛ من التجوال بين أسواق الخشب والحدادة، إلى تذوق أطباق مستوحاة من وصفات عثمانية جذورها متأصلة في الزمن.
يعتبر هذا الموقع في قرية ريفا من أضخم مواقع الإنتاج التلفزيوني في أوروبا، ويُفتح أمام الزائرين ضمن جولات منظمة يومية. تبعد القرية عن وسط إسطنبول نحو ساعة بالسيارة، لكن المسافة تتلاشى أمام متعة التجول بين تفاصيل صنعت بعناية لتشبه الحياة كما كانت قبل قرون.
البازار الكبير
تحت قباب حجرية تعاقبت عليها القرون، ووسط أزقة تتعرج بين دكاكين الذهب والتوابل، ينبض البازار الكبير في إسطنبول بحياة لا تخبو. هذا القطاع التجاري العتيق، الذي يعود تاريخه للقرن الخامس عشر، يحمل في طياته تاريخ المدينة وروائحها وأصواتها المتداخلة. كل ممر يحمل آثار أقدام تجار وعابرين، وكل زاوية تخبئ قصة من زمن بعيد.
لكن التاريخ وحده لم يعد كافياً لتحديد هوية هذا المكان. ذات يوم، اجتاحت الكاميرات القطاع التجاري وجعلت من أسطحه الضيقة والقباب العتيقة مسرحاً لمغامرة لا تُنسى.
اجتاحت الكاميرات البازار الكبير في إسطنبول وجعلت من أسطحه الضيقة والقباب العتيقة مسرحا لمغامرة لا تُنسى (غيتي)
“سكاي فول”
في بدايات فيلم “سكاي فول”، اندفع جيمس بوند بدراجته النارية فوق بلاط البازار وأقواسه المرتفعة، مقفزاً من قبة إلى أخرى، متجاوزاً الزمن والحشود بروح المغامرة. قد امتزجت حينها إثارة هوليوود بروح إسطنبول الشرقية، ليغدو القطاع التجاري مشهداً سينمائياً لا يُنسى.
لم تكن تلك المطاردة المشهورة الظهور الوحيد للبازار الكبير ومحيطه، ففي فيلم الأكشن “تيكن 2” للممثل ليام نيسون، جابت السيارات شوارع حي أمينونو المجاورة، متجاوزة الزوايا الضيقة بجوار مسجد يني جامع، وشقت طريقها وسط الزحام في مشهد حبست فيه الأنفاس.
بعد تلك المشاهد، لم تعد أزقة البازار الكبير مجرد معبر للمتسوقين، بل تحولت إلى مساحة تختلط فيها تجارة الشرق مع إثارة السينما.
بعد مشاهد فيلم “سكاي فول” لجيمس بوند و”تيكن2″ لليام نيسون، لم تعد أزقة البازار الكبير مجرد معبر للمتسوقين، بل تحولت إلى مساحة تختلط فيها تجارة الشرق بإثارة السينما.
اليوم، يقف الزائر وسط البازار الكبير وقد رفع رأسه نحو القباب القديمة، متخيلاً ظل جيمس بوند يحلق فوقه بدراجته، أو يسير بخطوات هادئة بين الحشود وهو يتذكر الهروب المحموم الذي تصورته الكاميرات منذ سنوات.
يقع البازار في قلب منطقة السلطان أحمد، متاحاً لكل من يصل إلى المدينة القديمة، سواء عبر الترام الذي يتوقف عند محطة بايزيد، أو سيراً على الأقدام من مسجد آيا صوفيا والقطاع التجاري المصري.
زرت فاس، المدينة الإسلامية القديمة في المغرب، وتتسم بسحرها وتاريخها. انطلقت في رحلة استمرت أكثر من خمس ساعات، حيث وجدت في فاس أجواء مشابهة لتلك التي في القاهرة، مثل الأسواق الضيقة والمساجد الأثرية كجامع القرويين. اكتشفت المعمار المغربي الأصيل وزرت المعالم التاريخية، مثل المدرسة البوعنانية. بعد ذلك، انتقلت إلى مراكش، المدينة الحية والمليئة بالتفاصيل، حيث جربت الحمام المغربي واستمتعت بأجواء ساحة جامع الفنا. في النهاية، ختمت زيارتي في الدار البيضاء بجوار جامع الحسن الثاني. كانت رحلة غنية بالمشاعر والتجارب، لتعكس جمال وتنوع المغرب.
قبل أن أزور المغرب، كنت قد سمعت الكثير عن فاس. فهي ليست مجرد مدينة قديمة، بل تُعتبر من أبرز الحواضر الإسلامية على مر العصور وثاني أكبر مدينة في المملكة المغربية من حيث عدد السكان. تحتضن أقدم جامعٍ ينشر عبق العلم والعبادة منذ مئات السنين، جامع القرويين. الأسواق الضيقة والمتعرجة فيها، كما تخيلتها، تذكرني بأسواق القاهرة القديمة، بكثافتها، وصخبها، وروائحها التي تضفي حياة على المكان.
ولا عجب في هذا التشابه، فالقاهرة كانت في فترة ما عاصمة الخلافة الفاطمية، بينما كانت فاس عاصمة المغرب.
أقلعت الحافلة المتجهة إلى فاس، تشق طريقها عبر مضيق جبلي يتطلب أكثر من 5 ساعات من السفر. شعرت بأن الطبيعة ترافق المسافر في رحلته. لم أستطع منع نفسي من التعجب مرة أخرى حين اضطررت لدفع تذكرة إضافية لنقل الحقائب، تماماً كما حدث في رحلتي السابقة إلى شفشاون. بدا لي أن للحقائب في المغرب مكانتها الخاصة.
وصلت إلى فاس مع غروب الشمس، واخترت أن أقيم هذه المرة في المدينة الجديدة، آملاً أن أستكشف جانبًا آخر لا تكشفه الصور القديمة أو الحكايات المتداولة.
مدينة فاس هي الوجهة المثالية لمن يريد التعرف على تاريخ المغرب ومهارة صناعه التقليديين (الجزيرة)
تجربة غريبة
بعد قليل من الراحة، خرجت ليلا لأتجول في شوارع المدينة الواسعة، وكانت هذه أول مرة أزور فيها مركز تسوق (مول) في المغرب، تجربة بدت غريبة بعد كل ما عشته في الأزقة القديمة والمدن العتيقة.
بعد جولة سريعة، جلست لأحتسي برادًا من الشاي المغربي بالنعناع، وكأنني أختتم يومي الطويل بطقوس مغربية هادئة، تُعيدني مرة أخرى إلى روح فاس القديمة.
في الصباح، استيقظت مليئة بالطاقة والحماسة ليومي الأول في فاس. بناءً على نصيحة صاحب النزل الذي أقمت فيه، ركبت واحدة من وسائل النقل المحلية وتوجهت إلى قلب فاس القديمة. كنت متنوّهة أن ما ينتظرني هناك مختلف عن أي تجربة سابقة في المغرب، ففاس ليست مدينة عادية بل هي متاهة من التاريخ وسحر خاص أعددت نفسي لرؤيته.
تحتوي فاس على معالم أثرية تُظهر حضارتها عبر العصور الإسلامية، ولعل أهم ما يشهد على هذا التاريخ الحي هو سور المدينة وبواباته الثمانية. منها ما بقي قائمًا، ومنها ما لم يتبق منه سوى باب واحد، كأنه يُحافظ على ذكريات مضت.
باب بوجلود يعتبر من أشهر أبواب المدينة العتيقة لفاس (الجزيرة)
تلك الأبواب والأسوار، بزخارفها الأندلسية ونقوشها العربية وخطوطها الدقيقة المنحوتة في الحجر، أعادتني على الفور إلى أسوار القاهرة الفاطمية، لكن مع طابع مغربي خالص، يدمج بين الفن المغربي والأندلسي والروح الإسلامية.
بين فاس والقاهرة
لم أكن أعلم أن التشابه بين القاهرة وفاس يمتد إلى هذا الحد. العمائر القديمة، وإن اختلفت تفاصيل زخارفها، تتحدث نفس اللغة البصرية: طُرز معمارية إسلامية، وسمات مشتركة في بناء المساجد والمدارس والأسواق. الشوارع المزدحمة بالبضائع المحلية والهدايا التذكارية، والمقاهي القديمة التي ينساب منها صوت القرآن الكريم، كل ذلك جعل من فاس تجربة مبهجة، هادئة، ودافئة بشكل لم أتوقعه.
أهم ما زرته من المعالم في فاس كان المدرسة البوعنانية، التي أدهشتني بزخارفها الدقيقة وروعة فنها الإسلامي. كل ركن فيها يصلح ليكون مشهداً من بطاقة بريدية، أو خلفية لصورة لاتنسى، بدءًا من النقوش الخشبية المتقنة، إلى الفسيفساء التي تزين الجدران، وانتهاءً بالفناء الداخلي الذي يمتلئ بالجمال والسكينة في آن.
الزائر للمدرسة البوعنانية في فاس يتمتع بتفاصيل هندسة المكان (الجزيرة)
قمت بزيارة جوهرة فاس المعمارية، جامع القرويين، أقدم جامعة في العالم الإسلامي. في وقت صلاة الظهر، لم يكن مسموحًا لي بالتجول داخل المسجد، فاكتفيت بالتأمل من مصلى النساء. لفت نظري جمال الخط المغربي المستخدم في المصاحف هناك، وهو خط مائل ذو طابع فني خاص، مما زاد تجربة زيارتي في المغرب بُعدًا من الدهشة.
دار الدبغ
خرجت من المسجد وأكملت طريقي عبر الأزقة التي تعج بالزوار، حتى وصلت إلى منطقة دباغة الجلود، أو ما يُعرف بدار الدبغ، وهي واحدة من أبرز معالم فاس وأكثرها شهرة. هذه المدينة العريقة ما زالت تحتفظ حتى اليوم بطرقها التقليدية في صباغة ودباغة الجلود كما كانت منذ قرون.
كانت لحظة دخولي لذلك العالم بمثابة قفزة زمنية إلى العصور الوسطى، بكل ما تحمله من صخب وروائح ونشاط بشري حقيقي.
زرت دار الدبغ، حيث تستمر الحرف التقليدية كما كانت في العصور الوسطى. الرائحة النفاذة استقبلتني بقوة، لكن أوراق النعناع خففتها، ووقفت أراقب من شرفة مرتفعة مراحل دباغة الجلود. كان المشهد حيًا بكل تفاصيله، لا يشبه ما قد نراه في الصور.
بعد ذلك، كانت الجولة بين محال المنتجات الجلدية من الحقائب والأحذية إلى الكراسي والسترات، وكل شيء تقريبًا مصنوع يدويًا من الجلد الطبيعي. تختلف الأسعار حسب جودة الجلد وتفاصيل التصنيع، لكن ما تعلمته هناك هو أن التفاوض فن لا بد من إتقانه. وبعد شد وجذب، اقتنصت حقيبة جلدية مميزة، لا تزال رائحتها، بكل ما تحمله من ذكريات، ترافقني حتى بعد عودتي إلى مصر بشهور طويلة.
طعام الشارع
بعد الانتهاء من تلك الرحلة الطويلة في معالم المدينة القديمة لفاس، لم يكن هناك ما أحتاجه أكثر من قضمة دافئة في أمسيات ديسمبر الباردة. اتجهت إلى منطقة تنتشر فيها عربات الطعام الشعبية، حيث يصطف الباعة في شارع يعج بأهل المدينة، يتبادلون الأحاديث إلى جانب أطباقهم المفضلة.
الحريرة من أشهر وجبات الطعام المغربي التي ذاع صيتها في العالم (شترستوك)
هذا هو تمامًا ما أحبّه في السفر، أن استكشف نكهات البلد من قلب شوارعه، وأسأل الناس أنفسهم عن طعامهم اليومي، بعيدًا عن مطاعم المعالم السياحية. وهناك، التقيت بإلهام، سيدة مغربية ذات طلة ودودة، اقترحت علي أن أبدأ بشوربة “الحريرة” الساخنة، وشرحت لي مكوناتها بشغف، مرقة بلحم، وخضروات مطبوخة، وتوابل تفوح رائحتها قبل وصولها إلى الفم.
كانت تلك أول مرة أتذوق فيها الحريرة، لكنها تركت في ذاكرتي دفئا أعتز به كلما تذكرت تلك الليلة، وتلك المحادثة العفوية التي أنقذتني من السفر إلى مكناس التي أخبرتني أحلام أنها تحت الترميم!.
حل المساء وبدأت أشعر بالتعب يتسلل إلى قدمي بعد يوم طويل مليء بالاكتشافات. اشتريت مجموعة متنوعة من الحلويات المغربية بناءً على توصية رفيقتي الجديدة في فاس، أحلام، وقررت العودة إلى مقر إقامتي. لكن في الطريق، اشتدّ البرد فجأة واستوقفني مشهد مألوف لم أره إلا من خلال الصور من قبل، عربة شوربة الحلزون، أو كما تُسمى في المغرب “الببوش”.
كان الناس يجتمعون حول العربة، يتناولون الحلزون المطبوخ ويتفننون في إخراجه من قوقعته، بينما اكتفى آخرون بتناول المرق الساخن المحمّل بالأعشاب والبهارات. غلبني الفضول، حاولت أن أتشجع وأجربه… لكن في اللحظة الأخيرة، تراجعت واكتفيت بتذوق المرق. كان كافيًا ليختصر يومًا كاملاً من عجائب المغرب في كوب صغير.
مراكش أرض العجائب
في مساء ذلك اليوم، قررت التوجه فجراً إلى مراكش، الوجهة البعيدة التي تستدعي المرور أولا بالدار البيضاء، ثم استقلال قطار آخر منها. خرجت مع أول ضوء للنهار نحو محطة المسافرين، وبدأت رحلتي عبر الطريق إلى الدار البيضاء، حيث مكثت فيها عدة ساعات لأول مرة بسبب تأخر موعد القطار المغادر إلى مراكش.
لم أجد الكثير لأفعله سوى زيارة مركز تعريفي بتراث وتاريخ الدار البيضاء، ثم جلست أراقب الشوارع وهي تمتلئ شيئًا فشيئًا بالمصلين الذين افترشوا المساجد والساحات استعدادًا لصلاة الجمعة، فتذكرت مشهد مصر في ذلك الصباح المبارك.
بعد الصلاة، تناولت وجبة شهية تُناسب مسافرة تائهة: طاجين دجاج مغربي مع الزيتون، في مطعم أنيق يطل على الميناء. كانت الأسعار مرتفعة لكن الأجواء وجودة الطعام جعلت التجربة تستحق.
تحرك القطار أخيرًا في منتصف النهار، ووصل إلى مراكش بعد غروب الشمس؛ محطتي حيث قررت أن أودع عامًا مضى وأستقبل عامًا جديدًا. لم تخذلني هذه المدينة، واخترت مرة أخرى الإقامة في رياض مغربي تقليدي، يقع في قلب المدينة القديمة وفي أزقتها الضيقة التي تشبه المتاهة.
بوابة محطة القطار في مراكش وتظهر فيها لمسة العمارة المغربية واللون الأحمر الغامق المميز لمباني المدينة (الجزيرة)
عندما وصلت إلى هناك، وجدت المكان وكأنه قطعة من “ألف ليلة وليلة”، يعج بالسائحين الأجانب. عند خروجي لنزهة ليلية وصلت إلى الساحة القائدية للمدينة، لاحظت أن أغلب النزل والفنادق علّقت لافتات مكتوبة عليها “عامر”، أي “ممتلئ” باللهجة المغربية. وبالفعل، بدا واضحًا أن كثيرًا من الزوار اختاروا، مثلي، إنهاء عامهم في مراكش، المدينة التي لا تخفت أضواؤها.
تجربة الحمام المغربي
أنهيت جولتي الليلية السريعة لاكتشاف شوارع مراكش، وقررت أن أستيقظ مبكرا ليوم جديد مليء بالحركة في هذه المدينة الساحرة. ومنذ وصولي إلى المغرب، كان في ذهني حلم صغير مؤجل: أن أجرب “الحمام المغربي” الذي كنت أتطلع إليه كثيرًا، وكنت أنوي أن أعيشه في موطنه الأصلي، مراكش.
رغم بعض التردد، قررت أن أخوض هذه التجربة في صباح اليوم التالي داخل حمام تقليدي قريب من مقر إقامتي في قلب المدينة القديمة. الحمامات المغربية عادة ما تُقسم إلى قسمين: واحد للرجال وآخر للنساء، وتكون التكلفة بسيطة، تشمل باستخدام الحمام وخزانة لحفظ الأغراض وخدمة المدلكة، مع ضرورة إحضار الزائرة لأدواتها الخاصة: الصابون البلدي الأسود، والليفة المغربية، ومنشفة، وملابس للحمام.
فكرت في عدم وجود يوم أفضل من نهاية السنة لأخوض تجربة قد لا تتكرر مرة أخرى في حياتي.
الحمام المغربي له طقوسه الخاصة والتي تساعد المرء على الاسترخاء بدنيا ونفسيا (الجزيرة)
كانت تجربة الحمام المغربي غامرة حقًا، وجديدة على جسدي وروحي معًا. ما إن دخلت حتى أحاط بي بخار كثيف، كأنني دخلت عالماً آخر، بعيدًا عن ضوضاء الشوارع وعن صخب السنة بأسره.
في الزاوية جلست سيدة مسنّة، كانت المدلكة، وعلى وجهها ارتسمت ملامح الطيبة والخبرة. تحدثت معي بلطف ولهجة مغربية دافئة، وبعد أن انتهت من عملها قدمت لي كوبًا من القهوة الدافئة المنكهة بالهيل والقرفة، مما أعطاني شعورًا بالنشاط الداخلي والخارجي.
في تلك اللحظات، شعرت وكأني أتحرر فعليًا، ليس فقط من الإرهاق الجسدي، بل من تراكم عام كامل من الضغط والتفكير والترحال. كان الحمام المغربي بمثابة طقس جديد للجسد الذي ودع عامًا واستعد لآخر أكثر تفاؤلًا وخفة.
ساحة جامع الفنا
كانت مراكش بحق خيارًا مثالياً مع اقتراب نهاية رحلتي في المغرب، وخاصة ساحة جامع الفنا، قلب المدينة النابض ومركز ترفيهها القائدي، يقصدها السكان المحليون والسياح على حد سواء، وتمثل خلاصة التجربة المراكشية الأصيلة. هناك، وسط الزحام والصخب، تتداخل العروض لمروضي القرود والأفاعي ورواة القصص والموسيقيين، مع الأسواق المليئة بأشهى المأكولات الشعبية والفواكه الطازجة.
عالم مكتمل من التفاصيل، لا يعرف السكون سواءً خلال النهار أو الليل، وكأن الساحة لا تنام.
تجولت بين من يعرضون التقاط الصور التذكارية، ومن يسيرون ببضائعهم بحثًا عن مشترٍ، ومن يجلسون في مدخل الساحة لنقش الحناء على أيدي النساء. كان كل شيء ينبض بالحياة، ولم تعكر صفوه سوى برودة الجو الشديدة.
في نهاية ساحة جامع الفنا، كانت مئذنة جامع الكتبية تقف شامخة، كأنها بوصلة ترشد الزوار. هو أكبر مساجد مراكش، وتعود تسميته إلى “الكتبيين”، نسبةً إلى سوق الكتب والمخطوطات الذي كان ملاصقًا للمسجد يومًا. وقفتُ طويلاً أراقب المئذنة بعمارتها البسيطة والمهيبة في آن، وتأملت الآثار المحيطة، والحمام المحلّق في السماء، في مشهد بديع للغاية لالتقاط صور جميلة.
الأسواق ومتعة الحواس
على الجانب الآخر من المدينة القديمة، تنتظرني أسواق وكأنها خرجت من حكايات شعبية قديمة. متاجر التحف التقليدية تصطف إلى جانب المتاجر المخصصة للملابس التراثية، من الجلابيب المطرزة بدقة إلى الجلابيات الملونة التي تجسد أناقة المغرب المتجذرة.
تستحق أسواق مراكش، ومن ضمنها سوق التوابل، الزيارة (الجزيرة)
مررت بسوق الذهب، ثم سوق التوابل الذي بدا كمشهد سينمائي رائع. أكوام التوابل مُرتبة بعناية وكأنها لوحات تتدرج ألوانها، وتملأ المكان برائحة تغمر الحواس. وبين الرائحة واللون، كان هناك صوت الشواء المتعالي من زوايا القطاع التجاري، حيث تتناثر طاولات صغيرة يقدم فيها الباعة المحليون أطباقًا من اللحوم الطازجة بأسعار معقولة.
لكنني كنت أبحث عن كنز من نوع خاص. قهوة مُنكهة تجذبتني منذ تذوقها في شفشاون، وأعادني بها الحمام المغربي. سألت عنها في كل مكان حتى أرشدني أحدهم إلى مطحنة قديمة في زقاق ضيق. اشتريت منها كمية تكفيني لعدة شهور، لأحمل معي نكهة المغرب إلى الإسكندرية. كانت من أجمل التذكارات التي اشتريتها، رائحة وطعمًا وذكرى.
الدار البيضاء.. آخر محطة
بعد يوم حافل بين أسواق مراكش وساحة جامع الفنا، وقبل أن تغيب الشمس تمامًا، بدأت رحلتي نحو وجهتي الأخيرة في المغرب: الدار البيضاء.
كان لابد من أن أكون هناك قبل العودة إلى مصر. اقترب الوقت من التاسعة مساء، وكانت مراكش تنبض بالحياة. كانت الليلة رأس السنة الميلادية، والشوارع مزدحمة بشكل غير عادي، والكل في حركة دائمة. حاولت مرارًا استدعاء سيارة أجرة، بلا جدوى، وكل دقيقة تمر تزيد توتري.
مع قرب موعد القطار، كنت على وشك أن أصدق أنني سأفوت الرحلة. لكن حدثت معجزة صغيرة. توقفت سيارة، وصلت إلى المحطة في اللحظة الأخيرة، وكان لدي الوقت الكافي لشراء بعض المأكولات السريعة. رغم التوتر، كانت الأجواء مبهجة، الأعلام المغربية تهتز، والزينة تُضيء المتاجر، والشوارع مكتظة بالناس.
جانب من الأحياء المجاورة لميناء الدار البيضاء (الجزيرة)
وصلتُ إلى الدار البيضاء قبل دقائق من منتصف الليل، بينما كانت عقارب الساعة تتحضر لاستقبال عام جديد. توقعت أن أجد المدينة تعج بالاحتفالات كما في مراكش، لكن المفاجأة كانت أن كل شيء بدا هادئًا تمامًا، لا أصوات، لا أضواء، لا ازدحام… كان هدوءًا لافتًا بدا لي في تلك اللحظة وكأنه ما كنت أحتاجه تمامًا بعد رحلة طويلة هو الراحة في الفندق الصغير في قلب المدينة القديمة بالدار البيضاء.
في صباح اليوم التالي، علمت أن الوقت ليس في صفي، فموعد الطائرة كان في المساء. كانت خطتي بسيطة وواضحة: أودع المغرب من أحد أبرز معالمه، جامع الحسن الثاني، وأستمتع بالمشي قرب البحر على الممشى المجاور للجامع.
أكبر مساجد المغرب
خرجت من الفندق مبكرًا، وسرت في شوارع المدينة التي بدأت تستيقظ على مهل. وصلت قبل صلاة الظهر إلى جامع الحسن الثاني، تحفة معمارية إسلامية تُجسد الطابع المعماري المغربي الأندلسي، بُني نصفه فوق مياه المحيط الأطلسي على الشاطئ الغربي لمدينة الدار البيضاء، بينما وُضع نصفه الآخر على اليابسة. شعرت أنني أقف أمام معجزة مشيدة من الحجر تواجه المحيط الأطلسي، وهذا كافٍ لسلب الأنفاس، لأنه أكبر مسجد في المغرب ومن بين أكبر المساجد في العالم وأجملها.
جامع الحسن الثاني في الدار البيضاء هو أكبر المساجد في المملكة ويقع على كورنيش المدينة (الجزيرة)
تفاصيله المعمارية تُجسد الحرفية المغربية: الزليج المُلوّن، الأرابيسك، النقوش الدقيقة التي لا تُترك دون تزيين، والمئذنة الشامخة التي ترتفع لأكثر من 200 متر، لكن أكثر ما علق في ذاكرتي، كان صوت القرآن الكريم أثناء صلاة الظهر، مقروءًا برواية “ورش عن نافع” التي كنت أستمع إليها لأول مرة.
للأسف، لم أتمكن من قضاء فترة طويلة داخل المسجد، إذ تُغلق أبوابه مباشرة بعد أداء الصلاة. شعرت بخيبة أمل صغيرة، كنت أود الخروج في الأروقة بهدوء، ولكن رغم قصر الوقت، كنت قد اقتنصت لحظات ثمينة لألتقط بعض الصور التي لا تُنسى.
وداع دافئ من البحر
خرجت من المسجد وكنت أمتلك بعض الوقت قبل التوجه إلى المطار، فقررت قضاءه بجانب كورنيش الدار البيضاء، ذلك الممشى الطويل الذي يمتد بمحاذاة البحر، وكان الجو مشمسًا رغم أنه كان اليوم الأول من يناير. قمت بالمشي ذهابًا وإيابًا، أتنفس نسيم المحيط الأطلسي، وأراقب من حولي… كان هناك من يمارس الرياضة، وآخرون يجلسون في هدوء، أو يتجمعون حول أكشاك تبيع الحلويات والعصائر. بدا الكورنيش كوداع دافئ من البحر بالنيابة عن المغرب.
عدتُ إلى الفندق، ولملمت حقائبي… ومعها كل الذكريات، والوجوه التي قابلتها، والنكهات التي تذوقتها. اتجهت إلى مطار محمد الخامس، وجلست أترقب موعد رحلتي إلى القاهرة التي وصلت في صباح اليوم التالي.
هكذا أنهت رحلتي في المغرب التي بدأت بخيال قديم تشكل من الكتب والصور، وانتهت بواقع وذكريات أغنى وأعمق مما تخيلت. كل مدينة زرتها منحتني شيئًا مختلفًا، وشيئًا مشتركًا أيضًا… كرم أهلها، تنوع طابعها وثقافتها، وتفرد تفاصيلها.