في الآونة الأخيرة، تمت المقارنة بين الحرب الأوكرانية والحرب الكورية، التي انتهت بهدنة في 1953 دون معاهدة سلام، مما أدى لاستمرار المواجهة. الوضع الحالي في أوكرانيا يعكس بعض ديناميكيات الحرب الكورية، إذ تدعم روسيا بالصين وأوكرانيا تدعمها دول غربية. رغم الحديث عن الهدنة، لا تبدو احتمالات تحقيقها قريبة. الهجمات الأخيرة من كلا الجانبين تشير إلى عدم الاستعداد للتسوية. يواجه القائد زيلينسكي ضغوطًا شعبية داخلية، بينما يتلقى القوات المسلحة الأوكراني دعمًا غربيًا. يبدو أن المستقبل يحمل صراعًا طويل الأجل، مع تفاقم المعاناة الإنسانية دون أفق للحل.
في الفترة الأخيرة، زادت المقارنات بين المواجهة الحالي في أوكرانيا وحرب كوريا التي نشبت في أوائل الخمسينيات.
تجدر الإشارة إلى أن الحرب الكورية انتهت دون وجود منتصر واضح، حيث توقفت الأعمال القتالية بتوقيع هدنة في عام 1953، من دون أي معاهدة سلام رسمية، مما ترك شبه الجزيرة الكورية في حالة حرب تقنية، معلّقة في وضع هدنة غير مستقرة، ومقسّمة على طول خط العرض 38.
فهل يمكن أن تسير أوكرانيا نحو نتيجة مماثلة؟
في العديد من الجوانب، يعكس الجمود الحالي ديناميكيات حرب كوريا. فبينما كانت كوريا الشمالية تعتمد على دعم الصين والاتحاد السوفياتي، كانت الولايات المتحدة تدعم كوريا الجنوبية. بعد سلسلة من الهجمات المتبادلة، تقلصت وتيرة المواجهة إلى حرب استنزاف، مما أدى إلى مفاوضات هدنة استمرت عامين.
اليوم، تقاتل روسيا، بدعم من الصين، في أوكرانيا، التي يدعمها حلفاؤها الغربيون. على مدار السنة الماضي، تباطأت وتيرة المواجهة، ولم يعد هناك تغييرات دراماتيكية على خريطة الخطوط الأمامية.
ومع ذلك، وعلى عكس الحرب الكورية، تبدو فرص التوصل إلى هدنة هنا ضئيلة بعد ثلاث سنوات من القتال. الهجوم الدبلوماسي والسياسي الذي قاده القائد الأميركي السابق دونالد ترامب لإقناع الطرفين بوضع أسلحتهم لم يحقق نتائج ملموسة.
على كلا الجانبين، يتحدثون عن احتمال الهدنة، لكنهم يتصرفون وكأنهم يرغبون في استمرار النزاع.
في يوم الأحد، تم إضافة شرارة جديدة للنيران.
نفذت أوكرانيا سلسلة من الضربات الدقيقة والمميتة التي تستهدف المطارات العسكرية الروسية، ويقال إن الأضرار الناتجة تصل إلى 7 مليارات دولار. استهدفت 41 طائرة، أي حوالي ثلث أسطول القاذفات الاستراتيجية الروسية. في ذات الوقت، منهار جسران في منطقتين روسيتين قرب أوكرانيا، مما أدى لخروج القطارات عن مسارها؛ وأفادت السلطات المحلية بأنها تشتبه في حدوث تخريب.
قبل أسبوع، أرسلت روسيا سربًا من أكثر من 900 طائرة مسيرة وعشرات الصواريخ، مما أدى إلى مقتل 16 مدنيًا على الأقل، بينهم ثلاثة أطفال، في أوكرانيا. وفي يوم الاثنين، أطلق القوات المسلحة الروسي وابلًا من الصواريخ نحو عمق الأراضي الأوكرانية، مستهدفًا معسكر تدريب للجنود، حيث قُتل فيه 12 شخصًا.
يبدو أن توقيت هذه الهجمات كان مقصودًا، حيث جاءت قبل المرحلة النهائية من محادثات السلام، مما يثير التساؤلات حول ما إذا كانت هذه الإيماءات تهدف إلى تعزيز موقف كل طرف في المفاوضات، أو عرقلة العملية بأسرها.
ليست هذه هي المرة الأولى التي يعزز فيها كل طرف هجماته مع اقتراب المحادثات. السنة الماضي، قبل أن تبدأ موسكو وكييف التفاوض حول هدنة جزئية، شنت أوكرانيا توغلًا في كورسك. باءت مساعي جلب الجانبين إلى طاولة المفاوضات بالفشل.
في هذه المرة، اختارت روسيا التقليل من شأن الانفجارات التي وقعت يوم الأحد الأول من يونيو الجاري في عمق أراضيها. اعترفت وزارة الدفاع الروسية بأن “عدة وحدات من الطائرات قد اشتعلت فيها النيران”، لكنها لم تهدد بالانتقام بشكل صريح. وبدلاً من ذلك، اتجه أعضاء الوفد الروسي إلى إسطنبول لإجراء مفاوضات مع نظرائهم الأوكرانيين.
في يوم الاثنين، اجتمع الطرفان وتمكنا من التوصل إلى اتفاق بشأن مسألتين: تبادل الأسرى بما لا يقل عن 1000 جندي من كل جانب، والعودة المحتملة لعدد 10 أطفال أوكرانيين تم اختطافهم من قبل السلطات الروسية.
لكن لم يكن هناك تقدم بشأن اتفاق لوقف إطلاق النار. كان من الواضح أن موسكو وكييف غير مستعدتين للمحادثات الجادة. تمتلك القيادات في كلا العاصمتين أسبابها الخاصة لتجنب إصدار أمر بوقف إطلاق النار.
لقد أظهر القائد الروسي فلاديمير بوتين، مرارًا وتكرارًا، أنه لن يسمح للآخرين بفرض شروط عليه؛ بل يفضل أن يحددها بنفسه. بوصفه المهندس القائدي لهذه الحرب، يحصل على كل ما يسعى إليه: توسيع النفوذ السياسي، مكاسب إقليمية، وصراع طويل الأمد يعزز صورته في الداخل. يبدو أنه مستعد لتعذيب أوكرانيا طالما أنها تبقى على قيد الحياة.
من ناحيته، ليس القائد الأوكراني فولوديمير زيلينسكي من النوع الذي يستسلم أو يتراجع. وبغض النظر عن شجاعته وعزيمته، من الواضح أن الحرب قد منحت له ما لم يقدّمه له السلام: الشعبية المستمرة، التدفق المتواصل للمساعدات الدولية، والسلطة القوية.
إذا اعتبر الأوكرانيون أن الهدنة مع روسيا تُعد شكلًا من أشكال الاستسلام، فقد لا تدوم رئاسة زيلينسكي لفترة أطول من عدة أشهر، وقد تكون حتى أسابيع. هذا التهديد يثقل كاهله.
وفي الأثناء، يبدو أن الغرب مستعد لتقديم الموارد اللازمة لمواصلة الجهد الحربي، مما يمنح كييف مزيدًا من الثقة. في 3 يونيو، هاجم القوات المسلحة الأوكراني جسر كيرتش في شبه جزيرة القرم، والذي تم بناؤه من قبل روسيا بعد ضمها غير الشرعي للجزيرة الأوكرانية. إنه يُعتبر رمزًا لطموح بوتين الإمبراطوري وطريقًا استراتيجيًا يربط روسيا بالقرم المحتلة. بالتأكيد، ستستدعي الهجمات عليه ردًا.
ما شكل هذا الرد؟ سنعرفه على الأرجح قريبًا.
لقد زادت أوكرانيا من رهاناتها على الدعم الغربي، وقد تدخل الحرب مرحلة جديدة وأكثر خطورة: مرحلة لا تحددها الخطوط الأمامية، بل الهجمات الرمزية والانتقام القاسي.
بالنسبة للعديد من الأوكرانيين العاديين، تحول الأمل الهش في إمكانية التوصل إلى وقف القتال إلى شعور قاتم بأن الحرب ستستمر لعدة أشهر، إن لم يكن لسنوات.
بيننا من يظل متفائلًا على اعتقاد بأن أوكرانيا ستنتصر في النهاية. ومن جهة أخرى، هناك الآخرون الذين يرون أن هزيمة عدو ذو حجم وقوة عسكرية ضخمة وإيرادات هائلة من مبيعات الهيدروكربونات، أمر غير ممكن.
الإستراتيجية والحرب ليستا مرتبطتين بالعدالة أو الأخلاق. فالحرب تتغذى على الأرواح البشرية وتستمر بفضل تجاهل القادة لمعاناة شعوبهم.
في الوقت الراهن، لا توجد أي إشارة على أن القيادات الأوكرانية والروسية مستعدة للتوصل إلى تسوية. وهذا يحمل في طياته علامات سيئة للأوكرانيين العاديين الذين يعانون من وطأة هذه الحرب.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.
ارتفعت أسعار الذهب اليوم نتيجة التصعيد في الحرب بين روسيا وأوكرانيا وتهديد ترامب بزيادة الرسوم الجمركية على الصلب والألمنيوم، مما دفع المستثمرين لشراء المعدن النفيس كملاذ آمن. سجل الذهب ارتفاعاً بنسبة 1.83% ليصل إلى 3349.6 دولاراً للأونصة، فيما ارتفعت العقود الأميركية الآجلة بنسبة 1.73% إلى 3373 دولاراً. في جانب آخر، زادت أسعار النفط عقب قرار أوبك بلس بزيادة الإنتاج بمقدار 411 ألف برميل يومياً. ارتفعت العقود الآجلة لخام برنت بنسبة 3.04%، في حين واصل المحللون ترقب تأثيرات الوضع الجيوسياسي والأسواق العالمية على الأسعار.
شهدت أسعار الذهب -اليوم الاثنين- ارتفاعًا ملحوظًا مع تصاعد النزاع بين روسيا وأوكرانيا، وتلويح القائد الأميركي دونالد ترامب بزيادة الرسوم الجمركية على واردات الصلب والألمنيوم. هذا الأمر دفع المستثمرين إلى الإقبال على شراء الذهب، الذي يُعتبر ملاذًا آمنًا.
وارتفعت الأسعار الفورية للذهب بنسبة 1.83% لتصل إلى 3349.6 دولارًا للأوقية، بينما زادت العقود الأميركية الآجلة بنسبة 1.73% لتسجل 3373 دولارًا.
وأفصح ترامب -الجمعة الماضية- عن نيته رفع الرسوم الجمركية على واردات الصلب والألمنيوم من 25% إلى 50%، مما أدى إلى تحذير المفوضية الأوروبية من أن أوروبا تستعد للرد.
وأوضح تيم واترر، كبير محللي القطاع التجاري لدى “كيه سي إم تريد”، أنه في ظل تجدد المخاوف التجارية والجيوسياسية، ليس من المستغرب أن نرى الذهب يرتفع في بداية الإسبوع.
كما تصاعدت العمليات القتالية بين أوكرانيا وروسيا قبل الجولة الثانية من محادثات السلام في إسطنبول، مع تنفيذ موجة من الهجمات، متضمنة واحدة من أبرز الضربات الأوكرانية وهجوم بالطائرات المسيرة من روسيا مساء الأمس.
ولفت واترر إلى أن الأصول ذات المخاطر العالية تشهد تراجعًا في بداية الإسبوع، بينما يساهم انخفاض الدولار أيضًا في الحفاظ على مستوى الذهب.
وقد هبط مؤشر الدولار بنسبة 0.63%، مما يجعل الذهب أقل كلفة لحائزي العملات الأخرى.
وتترقب الأسواق تصريحات عدد من مسؤولي مجلس الاحتياطي الفيدرالي (المؤسسة المالية المركزي الأميركي) خلال هذا الإسبوع للحصول على مؤشرات حول الإستراتيجية النقدية، ومن المقرر أن يتحدث رئيس المجلس، جيروم باول، في وقت لاحق اليوم.
يميل الذهب، كأحد أصول الملاذ الآمن خلال الفترات الضبابية جيوسياسيًا واقتصاديًا، إلى الازدهار عند انخفاض سعر الفائدة.
وقال وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت -أمس- إن من المتوقع أن يتحدث القائد ونظيره الصيني شي جين بينغ قريبًا لحل القضايا التجارية، بما في ذلك النزاع حول المعادن المهمة.
أما بالنسبة للمعادن النفيسة الأخرى، فقد جاء أداؤها كالتالي:
ارتفعت الفضة في المعاملات الفورية بنسبة 1.06% لتصل إلى 33.35 دولارًا للأوقية.
هبط البلاتين بنسبة 0.91% ليصل إلى 1049.97 دولارًا.
ارتفع البلاديوم بنسبة 0.5% ليصل إلى 979.08 دولارًا.
النفط
ارتفعت أسعار النفط اليوم بعد أن قررت مجموعة أوبك بلس زيادة الإنتاج في يوليو/تموز المقبل بنفس الكمية التي تم زيادتها في الفترة الحاليةين الماضيين، مما أعطى بعض الاطمئنان لمن توقعوا زيادة أكبر.
وارتفعت العقود الآجلة لخام برنت بمقدار 1.91 دولار، أو 3.04%، لتصل إلى 64.69 دولارًا للبرميل في أحدث تعاملات، وذلك بعد إغلاقها على انخفاض بنسبة 0.9% يوم الجمعة.
وصل سعر خام غرب تكساس الوسيط الأميركي إلى 62.86 دولارًا للبرميل بارتفاع 2.08 دولار، أو 3.42%، بعد انخفاضه بنسبة 0.3% في الجلسة السابقة.
شهد كلا الخامين انخفاضًا أسبوعيًا فاق 1% الإسبوع الماضي.
وقررت منظمة أوبك وحلفاؤها -أول أمس- زيادة الإنتاج بمقدار 411 ألف برميل يوميًا في يوليو/تموز المقبل، وهي الزيادة الثالثة على التوالي، في وقت تسعى فيه مجموعة أوبك بلس لاستعادة حصتها القطاع التجاريية ومعاقبة من تجاوزوا حصص الإنتاج المحددة.
كان من المتوقع أن يناقش هذا الاجتماع زيادة أكبر في الإنتاج.
قال المحلل هاري تشيلينجيريان، من أونيكس كابيتال غروب، إنهم لو اتخذوا قرارًا بزيادة الإنتاج بشكل مفاجئ “لكان سعر الفتح اليوم سيئًا للغاية”.
أوبك بلس تسعى لاستعادة حصتها القطاع التجاريية ومعاقبة من تجاوزوا حصص الإنتاج المقررة (أسوشيتد برس)
قال متداولو النفط إن قرار زيادة الإنتاج، البالغ 411 ألف برميل يوميًا، قد تم احتسابه بالفعل في العقود الآجلة لخامي برنت وغرب تكساس.
وأوضح بنك الكومنولث الأسترالي في مذكرة اليوم أن التركيز القائدي يتجه نحو معاقبة أعضاء أوبك بلس مثل العراق وكازاخستان، الذين استمروا في الإنتاج بما يتجاوز الحصص المتعهد بها.
وورد في تقرير صدر الخميس الماضي -عن وكالة إنترفاكس الروسية للأنباء نقلاً عن نائب وزير الطاقة الكازاخي- أن بلاده أبلغت منظمة أوبك بأنها لا تنوي خفض إنتاجها من النفط.
توقع محللون من غولدمان ساكس أن تنفذ أوبك بلس زيادة نهائية للإنتاج بمقدار 410 آلاف برميل في أغسطس/آب المقبل.
لفت المحللون إلى أن المستويات المنخفضة من مخزونات الوقود في الولايات المتحدة قد زادت من المخاوف بشأن الإمدادات، قبل توقعات بأن يكون موسم الأعاصير الذي يؤثر على إنتاج النفط الأميركي أقوى من المعدل الطبيعي.
قال المحللون من بنك (إيه إن زد) في مذكرة “الأمر الأكثر تشجيعًا هو الارتفاع الكبير في الطلب على البنزين مع بداية موسم القيادة في الولايات المتحدة”. وأضافوا أن الزيادة البالغة حوالي مليون برميل يوميًا كانت ثالث أكبر زيادة أسبوعية خلال السنوات الثلاث الماضية.
يراقب المتداولون -عن كثب- تأثير انخفاض الأسعار على إنتاج النفط الخام الأميركي الذي بلغ ذروته عند 13.49 مليون برميل يوميًا في مارس/آذار.
تظهر استطلاعات حديثة أن دول أميركا اللاتينية تتجه اقتصاديًا نحو الصين في ظل تصاعد التوتر التجاري مع الولايات المتحدة. كشف استطلاع “نبض أميركا اللاتينية” أن حوالي 66% من المكسيكيين يؤيدون توسيع العلاقات التجارية مع الصين، بينما يفضل أكثر من نصف البرازيليين تعزيز العلاقات أيضًا. في دول أخرى مثل الأرجنتين وتشيلي وكولومبيا وبيرو، تتزايد مشاعر الدعم للتجارة مع بكين. يعود هذا التوجه لتأثير الرسوم الجمركية التي فرضها ترامب، مما زاد من عدم الثقة تجاه واشنطن وأبرزت الصين كشريك تجاري موثوق.
بينما يستمر التصعيد التجاري بين الولايات المتحدة والصين، تظهر استطلاعات جديدة أن دول أميركا اللاتينية بدأت تميل اقتصاديًا نحو بكين، مما يدل على تحول ملحوظ في المزاج الشعبي والإقليمي تجاه القوى الماليةية العالمية.
ووفقًا لاستطلاع “نبض أميركا اللاتينية” الذي أجرته شركة أطلس إنتل لصالح وكالة بلومبيرغ نيوز ونُشر يوم الجمعة، فإن هناك دعوات متزايدة لتعزيز العلاقات الماليةية مع الصين في مختلف أنحاء المنطقة، وخاصة في المكسيك، الشريك التجاري الأول للولايات المتحدة.
تفوق واضح لتأييد الصين في المكسيك
وأوضح الاستطلاع أن حوالي ثلثي المشاركين المكسيكيين في مسح مايو/أيار يفضلون توسيع العلاقات التجارية مع العملاق الآسيوي، وهذه النسبة تفوق بكثير أولئك الذين يدعمون تعميق العلاقات الماليةية مع الولايات المتحدة، في ظل عدم الاستقرار الناتج عن الرسوم الجمركية المتقطعة التي فرضها القائد الأميركي دونالد ترامب.
وفي البرازيل، أعرب أكثر من نصف المشاركين عن تأييدهم لتقوية العلاقات الماليةية مع الصين، وهو ما يعكس انقسامًا نسبيًا في الرأي السنة البرازيلي.
الرسوم الجمركية الأميركية قد تسببت في تراجع ثقة الشعوب اللاتينية بواشنطن (رويترز)
الصين شريك مفضل
وفي دول مثل الأرجنتين، وتشيلي، وكولومبيا، وبيرو، أبدى غالبية المشاركين دعمهم لتوسيع التجارة مع بكين. كما تعتبر الصين لدى معظم المستطلعين – باستثناء الأرجنتين – مصدرًا أفضل للفرص التنمية الاقتصاديةية والتمويل مقارنة بالولايات المتحدة.
لفتت بلومبيرغ إلى أن هذا التحول في الموقف يعكس تأثير الرسوم الجمركية التي فرضها ترامب وسياسته القائمة على الضغوط الماليةية، مما دفع العديد من القادة في دول أميركا اللاتينية إلى محاولة موازنة علاقاتهم مع واشنطن وتجنب المواجهات المباشرة. فيما أصبحت شرائح واسعة من شعوبهم ترى في الصين شريكًا تجاريًا أكثر موثوقية.
نتائج الاستطلاع بالأرقام
تم إجراء الاستطلاع بهامش خطأ (±2 نقطة مئوية) في الأرجنتين وتشيلي وكولومبيا والمكسيك، و±1 نقطة مئوية في البرازيل، مما يعكس دقة إحصائية عالية.
أظهرت النتائج أن المكسيك هي الأكثر ميلًا نحو تقوية العلاقات مع الصين، حيث أفاد حوالي 66% من المشاركين بأن بلادهم يجب أن تزيد من التعاون الماليةي مع بكين، في مقابل نسبة أقل كثيرًا تؤيد التقارب مع الولايات المتحدة. يرى المراقبون أن هذا التحول يعود إلى الرسوم الجمركية غير المتوقعة التي فرضها ترامب، والتي أثرت على ثقة الشركاء التجاريين.
بينما أعرب البرازيليون عن رغبة أكثر من 50% في تقوية الروابط التجارية مع الصين، كانت الغالبية في كل من تشيلي وكولومبيا وبيرو تميل لصالح توسيع التعاون مع بكين.
باستثناء الأرجنتين، التي تأمل حكومتها برئاسة خافيير ميلي في توقيع اتفاق تجارة حرة مع إدارة ترامب، أظهرت الدول الأخرى تفضيلًا واضحًا للاستثمارات والتمويلات من بكين على حساب واشنطن.
في ظل هذه النتائج، يتضح أن الصين أصبحت تمثل بوابة اقتصادية واعدة للعديد من دول أميركا اللاتينية، في وقت تتراجع فيه الثقة الماليةية تجاه الولايات المتحدة، خاصة مع السياسات الحمائية التي تعتمدها إدارة ترامب، والتي تؤثر بشكل مباشر على توجهات الشعوب نحو الشراكات الاستراتيجية المستقبلية.
تنظر نظريات العلاقات الدولية في التغيرات بموازين القوى، ومنها “نظرية الألعاب” التي تحلل سلوك الدول كأطراف عقلانية تسعى لتعظيم مكاسبها. نموذج “المثلث الإستراتيجي” يبرز التنافس بين ثلاث دول وكيف يمكن لأحدها الاستفادة من صراعات الاثنين الآخرين. في السياق الحالي، تراجعت مكانة إسرائيل وإيران، بينما حققت تركيا والسعودية مكاسب إقليمية. الاستراتيجية الأمريكية تظهر استبعاد إسرائيل من المفاوضات وتحجيم نفوذها. في المقابل، استثمرت تركيا والسعودية في الفراغ الناجم عن تراجع خصومهما، مما يعزز دورهما الإقليمي. إلا أن هذا التقدم قد يكون غير مستقر على المدى الطويل.
تقدم نظريات العلاقات الدولية أدوات لتفسير التغير في موازين القوى والتحالفات بين الدول، ومن بين هذه النظريات “نظرية الألعاب” التي تحاكي سلوك الدول كأطراف عقلانية تسعى إلى تعظيم مكتسباتها وتقليل المخاطر.
تندرج تحت هذه النظرية نماذج متعددة تتباين بحسب محور تحليلها وعدد اللاعبين في أي صراع أو تصادم سياسي.
من النماذج المفيدة في تفسير الوضع الراهن في المنطقة هو نموذج “المثلث الإستراتيجي”، الذي يوضح التنافس بين ثلاثة أطراف، وكيف يمكن لكل طرف الاستفادة من صراع الطرفين الآخرين.
يمكن أن يساهم هذا النموذج في تفسير تراجع مكانة إسرائيل الإقليمية رغم إنجازاتها العسكرية، مقابل مكاسب كل من تركيا والسعودية رغم قلة انخراطهما في المواجهات الجارية، بالإضافة إلى تراجع الدور الإيراني بفعل استنزافه في المنطقة.
تراجع المكانة الإقليمية لإسرائيل وإيران مقابل تحقيق كل من تركيا والسعودية مكاسب إقليمية (شترستوك)
تراجع مكانة إسرائيل
أظهرت التداعيات الإستراتيجية للعدوان الإسرائيلي على قطاع غزة تراجع المكانة الإقليمية لدولة الاحتلال، وهذا ما تجلى في ممارسات الولايات المتحدة مثل استثناء إسرائيل من اتفاق وقف إطلاق النار مع الحوثيين وتهميشها في المفاوضات النووية مع إيران.
إعلان
هذا الأمر ظهر أيضا في رفع إدارة القائد الأميركي دونالد ترامب العقوبات عن سوريا وبدء انسحابها العسكري منها، وهو ما لم يكن على هوا حكومة بنيامين نتنياهو. إضافة إلى تأخير أولويات ملف التطبيع مع السعودية، وعقد الاتفاقات السياسية والاستقرارية والماليةية دون ربطها كما كان في السنوات السابقة.
كما تراجع النفوذ الإيراني بسبب سقوط نظام بشار الأسد، والتحديات التي يواجهها حزب الله اللبناني، وتدهور مكانة حلفاء طهران في العراق.
وفي المقابل، نمت أدوار تركيا والسعودية، مستفيدتين من الفراغ الناتج عن تراجع إيران وإسرائيل. إذ توسع النفوذ التركي في سوريا، وتمكنت، بالتعاون مع الرياض، من تعزيز شرعية النظام الحاكم الجديد في دمشق، والتوافق مع الولايات المتحدة بشأن سحب قواتها من مناطق الأكراد، مع توجه نحو توحيد سوريا بدلاً من تقسيمها كما تروج إسرائيل.
شطرنج ثلاثي
يمكن تفسير هذا التغير في توازن القوى الإقليمي بلعبة الشطرنج الثلاثية، حيث يكسب أحد الأطراف عندما يتصادم الطرفان الآخران في مواجهة طويلة الأمد.
في المشهد الحالي، أدى استنزاف الطرفين القائدين -إسرائيل من جهة وإيران وحلفائها من جهة أخرى- إلى تعزيز مكانة الأطراف الإقليمية التي تفادت التورط المباشر في المواجهة وحافظت على علاقة مع الطرفين.
لكن هذه الاستفادة قد لا تكون مستدامة على المدى الطويل، لسببين رئيسيين:
1- إن ما أتاح هذا التقدم كان تباينًا مهمًا بين سياسة الإدارة الأميركية وحكومة الاحتلال، وهذا قد يتغير في الأشهر القادمة.
2- تباين موقف هذه الأطراف عن مشاعر شعوبها التي تعتبر التضامن مع الشعب الفلسطيني أولوية دينية وقومية، مما يشكل ضغوطًا خفية على استمرارية المسار الذي تسلكه هذه الدول.
ينتمي مفهوم “لعبة الشطرنج الثلاثية” إلى “نظرية الألعاب” التي تستخدم على نطاق واسع لفهم وتحليل العلاقات الدولية. يدرس هذا المفهوم التفاعل بين أطراف عقلانية تسعى لتعظيم مكاسبها مع الأخذ بعين الاعتبار سلوك الآخرين.
تتضمن البرنامجات العملية لهذا المفهوم “الألعاب متعددة الأطراف” والتي تُستخدم لتحليل التحالفات مثل حلف الناتو، وكذلك التوازنات الإقليمية كما هو الحال في الشرق الأوسط، بالإضافة إلى ديناميكية “المثلث الإستراتيجي” التي حكمت العلاقة بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي والصين خلال جزء من الحرب الباردة.
يشرح أستاذ الدراسات الصينية ويل ديتمر في دراسته المنشورة على موقع جامعة كامبردج، هذا المفهوم كممارسة تفاعلية بين ثلاثة أطراف دولية، حيث تؤثر تصرفات كل طرف مباشرة على العلاقات بين الآخرين.
تشير الدراسة إلى أن هذا المفهوم نشأ في سياق الحرب الباردة لتحليل العلاقات بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي والصين، ويمكن تعميمه على حالات إقليمية أو دولية أخرى.
وفقًا لديتمر، هناك 3 نماذج محتملة لعلاقات بين الأطراف الثلاثة؛ وهي:
زواج مستقر: تحالف قوي بين طرفين ضد الثالث.
مثلث رومانسي: حيث يوجد طرف “محوري” يقيم علاقات إيجابية مع الطرفين الآخرين المتصارعين.
الثلاثي المتناغم: علاقات ودية ومتوازنة بين جميع الأطراف، وهو النمط الأكثر توازنًا لكنه نادر التحقق بسبب غياب الثقة.
بينما كانت علاقة إسرائيل مع الدول العربية الأكثر تأثيرًا قبل الحرب في غزة تتحرك نحو التقارب والتحالف ضد إيران عبر اتفاقات التطبيع، فإن العلاقت الحالية تشير إلى رغبتها في أخذ مسافة أكبر عن السياسات الإسرائيلية.
يحدث هذا خاصة في ظل تراجع الشعور بالخطر الإيراني، وزيادة خطر التوجه التوسعي والعدواني لإسرائيل، مما يجعل هذه الدول مع تركيا أقرب لوضع “الطرف المحوري” في “مثلث رومانسي” لاستغلال صراع إيران وإسرائيل.
(شترستوك)
استنزاف طرفين
يلخص تقرير للباحث كلايتون توماس -منشور في “خدمة الأبحاث التابعة للكونغرس” بتاريخ 30 ديسمبر/كانون الأول 2024- أزمة إيران بسبب الحرب كالتالي:
إعلان
تراجع النفوذ الإيراني في سوريا ولبنان وفلسطين والعراق، مما أدى إلى ضعف فعالية استراتيجيتها القتالية عبر “الوكلاء”.
تصاعد الخطاب العلني داخل إيران تجاه الخيار النووي، رغم أن الاستخبارات الأميركية ترى أن طهران لم تبدأ تصنيعه فعليًا.
زيادة العقوبات الماليةية الأميركية على إيران منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023، مع إدراج 700 جهة جديدة ضمن العقوبات.
فرض واشنطن قانون “مهسا” لمعاقبة منتهكي حقوق الإنسان وإجراءات للحد من صادرات النفط الإيرانية ومشاريع الصواريخ.
وفي هذا السياق، لفت تقرير للبنك الدولي في أبريل/نيسان 2025 إلى تباطؤ النمو الماليةي الإيراني إلى 3% في عام 2024/2025، منخفضاً من 4.7% في عام 2023، بسبب العقوبات الصارمة وتراجع الطلب على النفط، خاصة من الصين.
وبلغ معدل ارتفاع الأسعار 35.4%، فيما يعيش نحو 20% من السكان تحت خط الفقر، ونسبة الدين السنة من الناتج المحلي الإجمالي 32.6%.
خسائر إسرائيل
على الرغم من التدمير والبطش العسكري الذي تمارسه إسرائيل في فلسطين وخارجها، لم ينعكس ذلك إيجابًا على مكانتها الإستراتيجية في الإقليم، بل تشير المؤشرات إلى تراجع مكانتها لصالح لاعبين آخرين كتركيا والسعودية.
كما يظهر تراجع الشرعية الدولية لإسرائيل بشكل ملحوظ، وذلك في ردود الفعل الشعبية والرسمية على جرائمها في غزة. فعلى الصعيد الرسمي، تظهر العلاقات الأميركية الإسرائيلية حالة من التوتر غير المسبوق منذ عقود.
تشير التقارير إلى أن العديد من الدول الأوروبية قد تتجه نحو اتخاذ إجراءات عقابية ضد إسرائيل، مثل الاعتراف بدولة فلسطينية دون الحاجة إلى موافقة إسرائيل. كما هدد زعماء في بريطانيا وكندا وفرنسا باتخاذ “إجراءات ملموسة” إذا لم توقف إسرائيل هجومها على غزة وترفع القيود على المساعدات.
إعلان
في تصريحات كايا كالاس، دبلوماسية الاتحاد الأوروبي، نوّهت أن الاتحاد سيراجع اتفاقه مع إسرائيل بسبب الوضع “الكارثي” في غزة.
وقال كالاس إن “أغلبية كبيرة” من الوزراء في بروكسل أيدت مراجعة الاتفاق المعروف باسم اتفاقية الشراكة استنادًا إلى الأحداث في غزة.
كما ذكرت صحيفة غارديان أن السلطة التنفيذية الهولندية تعد قانونًا لحظر الواردات من مستوطنات الاحتلال في الضفة الغربية.
أظهرت استطلاعات حديثة تراجع الدعم الشعبي لإسرائيل في الولايات المتحدة، حيث أظهر استطلاع لمركز بيو أن 53% من الأميركيين يحملون نظرة غير إيجابية تجاه إسرائيل، مقارنة بـ42% في عام 2022. و69% من الديمقراطيين يحملون مواقف سلبية تجاه إسرائيل.
في المجال الماليةي، أظهر مسح صادر عن منظمة التعاون الماليةي والتنمية “أو إي سي دي” أن الحرب تسببت بفجوة في الناتج القومي الإسرائيلي تقدر بسنة وربع السنة، حيث تأخر الانتعاش الماليةي حتى نهاية عام 2024.
على الرغم من انتعاش النشاط الماليةي الكلي جزئيًا بعد 7 أكتوبر 2023، إلا أنه ظل ضعيفًا للغاية في عام 2024. وشهدت تركيبة النشاط الماليةي تغيرًا كبيرًا.
إعلان
تراجع التنمية الاقتصادية بنسبة 15% بنهاية عام 2024 عن مستوياته قبل الحرب، متأثرًا بنقص العمالة، خصوصًا في قطاع البناء بعد توقف تصاريح العمل للفلسطينيين، فيما لا تزال الصادرات ضعيفة.
مكاسب تركية وسعودية
أدى عجز إسرائيل وإيران عن حسم المواجهة أو إيقاف الاستنزاف العسكري والسياسي والماليةي إلى إضعاف الطرفين، مع توسع دور أطراف أخرى مثل تركيا والسعودية.
تمدد النفوذ التركي في سوريا والعراق ولبنان بفعل الفراغ الناتج عن سقوط نظام الأسد، ونجحت السعودية وتركيا في تسويق النظام الحاكم الجديد دولياً واستصدار قرار من القائد الأميركي برفع العقوبات عن سوريا، بالرغم من رغبة إسرائيل.
وفيما يخص الاتفاقات الماليةية والدفاعية الأميركية مع السعودية، فقد تقدمت بعيدًا عن شرط التطبيع مع إسرائيل.
إذا استمر التباين في مواقف القائد الأميركي وحكومة الاحتلال، فمن المحتمل أن تعزز مكاسب الأطراف الصاعدة وتتشكل بنية إقليمية أقل ملاءمة لإسرائيل.
في ذكرى مرور 600 يوم على الحرب الإسرائيلية ضد حماس، تعكس مقالات الصحف الإسرائيلية تشاؤمًا حيال الأداء الحكومي برئاسة نتنياهو. تنتقد المقالات فشل السلطة التنفيذية في تحقيق الأهداف القائدية، مثل القضاء على حماس واستعادة الرهائن. يُشار إلى أن الوضع الاستقراري ما زال هشًا، والصواريخ مستمرة في الهطول. يعاني القوات المسلحة من عجز سياسي، مع انقسامات داخلية تعرقل اتخاذ القرار. بينما تُظهر الضفة الغربية تحسنًا في العمليات العسكرية، تُعتبر غزة اختبارًا فاشلاً للقيادة الإسرائيلية. يبدو أن إسرائيل غير قادرة على تحقيق نتائج حاسمة، مما يزيد من الإحباط بين المواطنين.
في الذكرى 600 لبدء الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة، غطّت الصحف الإسرائيلية بالتحليلات النقدية حول وضع إسرائيل، حيث ركز الكثير منها على إخفاق السلطة التنفيذية الإسرائيلية برئاسة بنيامين نتنياهو في تحقيق الأهداف المعلنة للعملية العسكرية. وكان من أبرز هذه الأهداف القضاء على حركة حماس، تحرير الرهائن، واستعادة الاستقرار على المدى البعيد.
وهيمنت على هذه المقالات أجواء من التشاؤم وانعدام الرؤية للخروج من الأزمة، نظراً لتعدد الساحات التي يتواجد فيها جيش الاحتلال الإسرائيلي، بما في ذلك غزة والضفة ولبنان وسوريا واليمن وحتى إيران، بالإضافة إلى الاضطرابات الداخلية في ضوء الخلافات الحادة بشأن أهداف الحرب.
مأزق إستراتيجي
في مقال قوي نُشر في صحيفة “يديعوت أحرونوت”، قال المحلل السياسي ومراسل شؤون المستوطنات أليشع بن كيمون إن “الواقع في غزة لم يتغير، والقيادة الإسرائيلية فشلت في كل اختبار، وعلى رأسها رئيس السلطة التنفيذية الذي يتجنب اتخاذ القرارات ويقود البلاد إلى مأزق إستراتيجي عميق”.
وأضاف المحلل أن القوات المسلحة الإسرائيلي، على الرغم من العمليات المكثفة التي أدت إلى تدمير مناطق واسعة من غزة ومقتل حوالي 20 ألفًا من عناصر حماس – حسب التقديرات الإسرائيلية – إلا أنه لا يزال مضطراً للعودة بنفس المناطق لمواجهة ما تبقى من خلايا المقاومة، وقال “بالفعل أُصيبت البنية التحتية لحماس، لكن الحركة لا تزال موجودة وتعمل وتتنفس”.
كما لفت إلى أن جهود السلطة التنفيذية لإضعاف الحركة عبر تقديم مساعدات إنسانية مباشرة للسكان لم تحقق أهدافها حتى الآن، رغم الترويج لها كنقطة تحول.
واستشهد المحلل بفشل المبادرات السابقة في مناطق مثل مستشفى الشفاء، ورفح، وطريق فيلادلفيا، مشيرًا إلى أن “الزمن يتغير فقط، لكن الواقع يبقى كما هو”.
وفيما يتعلق بملف الرهائن، أوضح بن كيمون أن إسرائيل استردت حتى الآن 145 من أصل 251 رهينة أسروا في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، بينما لا يزال 58 منهم محتجزين في غزة “بعضهم لم يعد على قيد الحياة”.
واعتبر أن حكومة نتنياهو فشلت في خلق أي نفوذ فعال على حماس للضغط من أجل الإفراج عنهم، قائلاً “لا أتوقع من منظمة إرهابية أن تظهر رحمة، لكنني كنت أتوقع من حكومتي أن تتخذ خطوات تجعل الخاطف يندم على فعله”.
أمن مفقود وقيادة مترددة
ويعتقد المحلل السياسي أن الاستقرار الذي وعدت به السلطة التنفيذية لا يزال بعيد المنال، فالصواريخ ما زالت تنطلق من غزة وإن كانت بوتيرة أقل، والحوثيون في اليمن يستمرون في استهداف الممرات البحرية، كما أن النطاق الجغرافي الشمالية مع سوريا تشهد تصعيداً متزايداً، بينما لم يعد جميع سكان غلاف غزة إلى منازلهم حتى الآن.
ويقول بن كيمون إن سبب هذا التعثر هو “عجز نتنياهو عن الحسم”، واصفاً إياه بأنه “شخص يفضل إبقاء جميع الخيارات مفتوحة، ويتجنب اتخاذ القرارات اللازمة”.
استناداً إلى فشله العسكري، يرى بن كيمون أن الانقسامات الداخلية داخل السلطة التنفيذية تلعب دوراً أيضاً، حيث تتنافس تيارات من أقصى اليمين مثل إيتمار بن غفير وبتسلئيل سموتريتش، مع تيارات أكثر براغماتية، مما يؤدي إلى تعطيل اتخاذ القرار.
ويضيف أن نتنياهو غالباً ما يعيق صفقات وقف إطلاق النار، سواء كان ذلك بسبب ضغط سياسي أو نزاعات مع القوات المسلحة أو جهاز الاستقرار السنة (الشاباك)، مما أدى إلى “شلل إستراتيجي يفتقر إلى انتصار ملموس أو تراجع”.
ورغم انتقاده أداء السلطة التنفيذية في غزة، يقدم بن كيمون الضفة الغربية كنموذج متناقض، حيث يدّعي أن إسرائيل تحقق “نجاحاً في تغيير الواقع” من خلال عمليات أمنية مكثفة داخل المخيمات والمدن وتوسيع المستوطنات بشكل غير مسبوق.
ويشير إلى أن رؤساء المجالس الاستيطانية يتحدثون بصراحة عن السيطرة على المزيد من الأراضي وفرض الوقائع، مؤكداً أن “إسرائيل هناك تمتلك رؤية واضحة وتنفيذ متسق، بينما تسود الفوضى والتردد في غزة”.
ويختتم المحلل مقاله بالتأكيد على أن غزة لم تعد مجرد ساحة حرب، بل أصبحت “اختباراً للقيادة الإسرائيلية”، وهو اختبار فشلت فيه السلطة التنفيذية، على حد قوله.
ويضيف أن “600 يوم من القتال لم تؤد إلى نتائج حاسمة، وكل ما تحقق حتى الآن هو مزيد من الدماء والجمود”.
لا خطة للخروج
من ناحية أخرى، قال آفي أشكنازي المراسل العسكري لصحيفة معاريف إن إسرائيل تعيش حالة من الضياع الاستراتيجي في حربها المستمرة منذ 600 يوم ضد حركة حماس.
ولفت أشكنازي إلى أن الفشل ليس عسكريًا بقدر ما هو سياسي، وكتب في مقال نشر الأربعاء في الذكرى 58 لحرب يونيو/حزيران 1967 أن “إسرائيل، التي احتلت الشرق الأوسط في 6 أيام، لا تستطيع منذ ما يقارب السنةين هزيمة منظمة مسلحة ببنادق كلاشينكوف”.
ورأى أشكنازي أن السلطة التنفيذية الإسرائيلية لا تعرف ماذا تريد من هذه الحرب، ولا تمتلك خطة خروج أو حتى مؤشرات حقيقية للنجاح، بل تسير في حرب بلا نهاية واضحة. ولفت إلى أن القوات المسلحة وأجهزة الاستقرار تمكنت من التعافي بعد صدمة 7 أكتوبر، لكنها تفتقر إلى التوجيه السياسي الواضح.
وقال إن المأزق يتجلى في عجز القيادة السياسية عن تحديد ما إذا كانت إسرائيل تريد إنهاء حكم حماس في غزة، أو إعادة الاحتلال والاستيطان، أو الاكتفاء بردع مؤقت.
في هذا السياق، أضاف أشكنازي أن “اليمين المتطرف يريد التمسك بالقطاع وتجديد الاستيطان فيه، بينما لا يوجد توافق على أهداف العملية، أو حتى اسم موحد لها”، حيث استُخدمت حتى الآن عشرات الأسماء المتناقضة لوصف الحملة.
في مقارنة لافتة، لفت الكاتب إلى أن إسرائيل تقيم اليوم ذكرى انتصارها الساحق في حرب 1967، بينما تغوص في “مستنقع غزة” منذ ما يقارب عامين، دون أن تتمكن من تحرير 58 رهينة أو حتى تحديد موعد لإنهاء الحملة.
وأضاف أن ما بدأ كحرب عادلة ضد ما وصفه بالاعتداء الدموي تحول إلى “مستنقع بلا أفق”، متوقعاً أن يستمر هذا الوضع حتى اليوم 700 وربما الألف، بلا اسم، وبلا نهاية، وبلا أفق سياسي.
ضربة تاريخية وإسرائيل تعود للهزيمة مجددا
يعرض الكاتب الإسرائيلي بن كسبيت في مقاله بصحيفة معاريف سرداً مفصلاً لما يعتبره إحدى أحلك الفصول في تاريخ إسرائيل، بدءًا من الهجوم المفاجئ لحماس في 7 أكتوبر، وصولاً إلى تعافي القوات المسلحة ومن ثم تعثر الدولة مجددًا بسبب قيادة نتنياهو، الذي ركز منذ البداية على البقاء السياسي بدلاً من استخلاص الدروس أو تصحيح المسار.
ويصف بن كسبيت هجوم حماس بأنه “أسوأ هزيمة في تاريخنا”، مشيرًا إلى أن خطة “طوفان الأقصى” نجحت في تجاوز الدفاعات الإسرائيلية على النطاق الجغرافي مع غزة، واحتلال مواقع عسكرية، وقتل المئات من المدنيين والجنود، مما أثار حالة من الرعب الوجودي بين الإسرائيليين لم تشهدها البلاد منذ حرب الاستقلال.
ويؤكد أن الخطر لم يكن في حجم الدمار أو عدد القتلى، بل في إدراك الإسرائيليين أن دولتهم ليست بمأمن، وأصبحت هشة أمام أعدائها.
ورغم ذلك، يشير بن كسبيت إلى أن القوات المسلحة الإسرائيلي فاز بالسيطرة بعد ثلاثة أيام من الهجوم، واستعاد المناطق التي احتلها مقاتلو حماس، وبدأ مرحلة الرد والهجوم.
بحسب الكاتب، حققت إسرائيل “انتصاراً حقيقياً” في الأسابيع التي تلت الهجوم، حيث تم القضاء على قادة حماس وتدمير جزء كبير من بنيتها التحتية، وخاصة الأنفاق، مع استمرار التفوق الجوي والعمليات داخل غزة.
لكن هذا الزخم العسكري – بحسب بن كسبيت الذي يعرف بنقده اللاذع لنتنياهو – لم يتحول إلى إنجاز سياسي أو استراتيجي بسبب فشل القيادة السياسية، وتحديداً نتنياهو الذي استخدم الكارثة كفرصة لتعزيز بقائه في السلطة.
ويرى الكاتب أن نتنياهو اجتمع في اليوم التالي للهجوم مع المقربين منه، ليس لمناقشة الرد أو إدارة الأزمة، بل لوضع “خطة البقاء السياسي”، وكيفية تحميل المسؤولية للآخرين وتجنب المحاسبة.
يستهزئ بن كسبيت بمحاولات نتنياهو تحميل رئيس حزب الديمقراطيين يائير غولان أو مسؤولين آخرين المسؤولية، بينما تتحمل السلطة التنفيذية والاستخبارات والعسكر المسؤولية بسبب سياساته الطويلة الأمد. كما ينتقد استغلاله لانضمام رئيس حزب معسكر الدولة بيني غانتس وغادي آيزنكوت إلى السلطة التنفيذية بعد الهجوم، لتعزيز موقعه دون إحداث تغيير حقيقي في إدارة الدولة أو الحرب.
ويعتبر الكاتب أن إسرائيل فقدت فرصة استراتيجية بعد نجاحها العسكري، حيث تراجعت على الأصعدة السياسية والدولية، في الوقت الذي كان فيه العالم العربي والدولي مستعداً للتقارب مع إسرائيل تحت زخم جديد تقوده الولايات المتحدة.
ومع ذلك، فإن سياسات نتنياهو وتحالفه مع أقصى اليمين أفشلا هذه الفرصة، وجعلت من إسرائيل “دولة منبوذة” على حافة فرض العقوبات والاعتراف بالدولة الفلسطينية.
ويختتم بن كسبيت مقاله بأن إسرائيل هزمت ثم انتصرت، لكنها تعود للهزيمة مرة أخرى بسبب قيادتها؛ أما نتنياهو فقد حقق هدفه الشخصي بالبقاء في الحكم، لكن على حساب الدولة ومؤسساتها ومستقبلها.
الإرهاق يلف المواطنون
في مقال يعبر عن إحباط متزايد داخل قطاعات من الرأي السنة الإسرائيلي – خاصة من استمرار الحرب دون نتائج حاسمة – تناولت الكاتبة كارني ألداد في صحيفة “يسرائيل هيوم” مرور 600 يوم على الحرب الجارية، معبرة عن الإرهاق العميق الذي يلف الجنود والمختطفين وعائلاتهم والداخل الإسرائيلي، بل والمواطنون الدولي بأسره، بينما تستمر المعارك دون أفق واضح لنهايتها، ودعات بما تسميه “صورة النصر” التي ترى أن الشعب الإسرائيلي يستحقها بعد هذه المعاناة الطويلة.
وتصف ألداد الواقع الميداني والنفسي قائلة “الإرهاق يترك بصماته على جنودنا بشكل لا مثيل له، وعلى المختطفين وعائلاتهم، وعلى العائلات والجبهة الداخلية”، وهذا الإرهاق – برأيها – يعكس حجم الأزمة المستمرة، وسط غياب أي حسم واضح للحرب.
وتنتقد الكاتبة التأخر في حسم المعركة، مستشهدة بأمثلة من التاريخ لتوضح ما يمكن تحقيقه خلال 600 يوم من الحرب، قائلة إن نابليون خلال فترة مماثلة “غزا النمسا وبروسيا وبولندا وأجزاء من ألمانيا، وغيّر خريطة أوروبا، وأسس إمبراطوريات ودول جديدة”.
كما تشير إلى إنجازات يوليوس قيصر في بلاد الغال، حيث بسط النفوذ الروماني على مساحات واسعة خلال أقل من عامين.
ثم تقارن ذلك بالحرب الحالية قائلة “صحيح أن العالم ليس هو نفسه، وليس لدينا الترتيب العسكري لتلك الجيوش، لكننا أيضاً لا نسعى إلى إقامة إمبراطورية، بل إلى أهداف واضحة وبسيطة: هزيمة حماس وإعادة الرهائن”.
ورغم ذلك، فإن الكاتبة تتساءل بلهجة مشككة في القيادة الإسرائيلية “فكيف لم نحقق هذه الأهداف بعد؟ هل نسينا كيف ننتصر؟ هل تفتقر القيادة التي اعتادت على الجولات المحدودة إلى الخيال والقدرة على تصور نصر كامل؟”.
وتتحدث الكاتبة عن رؤيتين داخل المؤسسة الاستقرارية: الأولى يتمثل في رئيس الأركان إيال زامير الذي يعتقد أن الحرب اقتربت من نهايتها بهزيمة العدو، والثانية عبر عنها القائد الجديد لجهاز الشاباك ديفيد زيني الذي يعتبر أن إسرائيل تخوض “حرباً أبدية”.
وتشدد ألداد على أن “هذا الفصل من الحرب يجب أن ينتهي، وينتهي بشكل جيد”.
وفي نهاية مقالها، توجه ألداد نداءً إلى السلطة التنفيذية الإسرائيلية “هذه الأمة تستحق صورة النصر، وتستحق أن تستريح قليلاً وتلعق جراحها، وأن تعيش في بلد سيكون هادئاً لمدة 40 عاماً، على الأقل حتى الجولة التالية”.
صرح حذيفة أبو نوبة، رئيس المجلس الاستشاري لقوات الدعم السريع، انتهاء المعركة التقليدية ضد القوات المسلحة السوداني والتحول إلى مرحلة جديدة لبناء “الدولة السودانية الجديدة”. رغم تأكيدات مسؤولين عسكريين أن هذا الإعلان يهدف لتشتيت الانتباه عن هزائم قواته، اعتبر مستشار أبو نوبة أن القوات المسلحة السوداني لم يعد يمثل تهديدًا. يأتي هذا في ظل ضغط متزايد على قوات الدعم السريع، مما يشير إلى تحول نحو حرب استنزاف، وسط مخاوف من تأثيرات خطيرة على وحدة الدولة السودانية واستقرارها الإقليمي. الاحتياجات الحالية تحتم توافقًا بين العسكرية والقوى المدنية لتحقيق مشروع وطني جامع.
الخرطوم- أثار رئيس المجلس الاستشاري لقوات الدعم السريع، حذيفة أبو نوبة، دهشة الأوساط السودانية بإعلانه انتهاء المعركة العسكرية بشكلها التقليدي ضد القوات المسلحة السوداني، والتحول إلى مرحلة جديدة تهدف لتأسيس “الدولة السودانية الجديدة”.
ونقل قادة عسكريون تصريحاتهم للجزيرة نت، مشيرين إلى أن إعلان أبو نوبة نهاية الحرب بالتزامن مع اكتمال سيطرة القوات المسلحة السوداني على جميع مناطق الخرطوم، بتاريخ أمس الأربعاء، يبدو محاولة لتشتيت الانتباه عن الإخفاقات المتكررة لـ”المليشيا”.
وفي المقابل، قال عمران عبد الله، مستشار قائد قوات الدعم السريع محمد حمدان دقلو “حميدتي” للجزيرة نت، إن هدف أبو نوبة هو التأكيد على انتهاء الحرب بانتصار قوات الدعم السريع وتقدمها في جميع الساحات.
لا تراجع
وأوضح عمران أن “حديث أبو نوبة يدل على أن المعركة الحالية هي معركة وعي وبناء دولة حديثة على نمط الدول المتقدمة، تقوم على المساواة واعتبار الكفاءة معياراً في التوظيف، وليس الجنس أو اللون كما كان سابقاً”.
كما لفت إلى الالتفاف الواسع من الشعب السوداني حول قوات الدعم السريع، واعتبر أن التحالفات السياسية والعسكرية، التي تضم الحركة الشعبية بقيادة عبد العزيز الحلو، و所有 الحركات النضالية الأخرى تعتبر انتصاراً لطموحات الشعب في بناء دولة مدنية ديمقراطية تشمل الجميع.
وشدد عمران على أن الادعاء بإنهاء المعركة العسكرية بشكلها التقليدي ضد القوات المسلحة والانتقال إلى مرحلة جديدة لا يعني نهائياً وجود أي تراجع لقوات الدعم السريع.
وقد أثار حديث أبو نوبة ردود أفعال متعددة في هذا التوقيت، حيث اعتبره بعض المراقبين دليلاً على وجود أبعاد سياسية وعسكرية خطيرة.
إعلان الدعم السريع عن انتهاء المعركة يُعتبر تشتيتاً للانتباه عن انتصارات القوات المسلحة السوداني حسب قول بعض المسؤولين (الصحافة السودانية)
مخاطر الإعلان
قال الخبير العسكري والاستراتيجي العميد جمال الشهيد للجزيرة نت، إن الحديث عن انتهاء المعركة التقليدية يلمح إلى اعتقاد قوات الدعم السريع بأنها لم تعد تعتمد على الحسم العسكري المباشر.
كما لم يستبعد أن تكون هذه الخطوة مؤشرًا على تغيير في الاستراتيجية نحو حرب استنزاف طويلة الأمد، تعتمد على السيطرة الإدارية والتشابك السياسي، وتهدف لزعزعة استقرار المؤسسة العسكرية عبر ضربات غير تقليدية، كما حدث في بورتسودان ومروي وعطبرة وكوستي.
ونوّه العميد الشهيد أن هذا التحول يأتي في ظل ضغط عسكري متزايد يعاني منه الدعم السريع في مناطق عدة، مثل دارفور وشمال كردفان، مع تزايد قدرة القوات المسلحة واستعادة زمام المبادرة في بعض النقاط الحيوية.
وأوضح العميد الشهيد أن ما يثير القلق في كلام أبو نوبة هو أنه يمثل تحولًا من خطاب “المظلومية وإعادة الديمقراطية” إلى مشروع سياسي بديل يتجاوز مفهوم الشراكة في الحكم، مما يشير إلى محاولة خلق سلطة موازية خارج إطار الدولة السودانية الموحدة.
كما أضاف أن هذا قد يؤدي إلى خطورة تفكك البلاد إلى سيناريوهات مشابهة لما جرى في ليبيا أو اليمن، حيث أن المليشيات استخدمت أدوات القتال كوسيلة للشرعية الموازية، وسعت لفرض أمر واقع إداري وسياسي على الأرض.
الصادق آدم القيادي بالمقاومة الشعبية قال إن التأثيرات السياسية للدعم السريع محدودة (الجزيرة)
نتاج الهزيمة
في هذا السياق، أوضح الصادق آدم عمر، رئيس لجنة الإعلام للمقاومة الشعبية بالإنابة في ولاية الجزيرة وسط السودان، أن تصريح أبو نوبة يسعى إلى “تغيير الانتباه وصرف النظر عن الهزائم المتتالية للمليشيا المتمردة”.
ولفت إلى أن الهزائم انتقلت إلى الأراضي التي يدعمهم فيها أهاليهم، حيث كانوا يزعمون التحكم بالأمور، لكن تكشفت الحقائق عندما امتدت المعارك إلى داخل أحيائهم وقراهم، وضللوا أبنائهم الذين خذلوا وطنهم.
وأكّد آدم عمر محدودية تأثيرات الدعم السريع سياسياً، حيث نوّه أنهم لا يمثلون وجوداً فاعلاً في الساحة، ولا يمكنهم العيش بين المواطنين، فكيف يسمح لهم بالمشاركة في حكم البلاد على أي مستوى.
وأوضح أن القرار النهائي في هذا الأمر يعود للشعب، وليس للقيادة، فالحرب هي بين “المليشيا” والمواطن، وبالتالي، فإن المواطن هو من يتخذ القرار بشأن دخول المليشيا في المجال السياسي.
فرض واقع جديد
وقد جاء حديث أبو نوبة في وقت يشهد فيه المواجهة تغييرات ميدانية غير معلنة، مع تصاعد المبادرات الدولية والإقليمية لإعادة إحياء مسار التسوية، ما ينعكس على ميزان القوى لمصلحة القوات المسلحة السوداني بحسب ما يراه المراقبون.
وأوضح العميد جمال الشهيد أن حديث أبو نوبة عن انتهاء المعركة العسكرية يظهر كمحاولة استباقية لخلق واقع تفاوضي جديد، أو كتعبير عن نوايا انفصالية مقننة تهدف لإقحام الأطراف في التعامل مع الدعم السريع كسلطة قائمة، وليس كمليشيا متمردة.
ورأى أن تصريحات أبو نوبة تعكس تطورًا ملحوظًا في الخطاب السياسي هذه القوة، مما يفتح الأبواب أمام احتمالات مثيرة للقلق بشأن وحدة الدولة السودانية واستقرارها الإقليمي، وهو بمثابة إعلان عن انتقال المعركة من ساحات القتال إلى ميدان المواجهة على الشرعية.
ولفت إلى أن هذا التطور يتطلب مستوى عالٍ من اليقظة الوطنية، وتوافق واضح بين القوات المسلحة والقوى المدنية على مشروع وطني شامل للمضي قدمًا ومنع أي مغامرات انفصالية أو تدخلات خارجية.
تثير هجمات جماعة الحوثي على إسرائيل قلقًا بشأن تأثيرها على المواجهة الإقليمي. تضاربت الآراء حول آثارها؛ فبعض الخبراء يرون أنها تضع ضغطًا على السلطة التنفيذية الإسرائيلية، بينما يعتبر آخرون أنها تمنح إسرائيل مبررًا لمواصلة هجماتها على غزة. يرى أسامة الروحاني أن الهجمات الحوثية لا تمثل تكلفة كبيرة لإسرائيل، بل تعزز خطاب الدفاع ضد خطر إقليمي. من جهة أخرى، يعتقد إيهاب جبارين أن هذه الهجمات تترك أثرًا نفسيًا عميقًا في المواطنون الإسرائيلي. ورغم اعتبرها مسألة هامشية مقارنة بغزة، إلا أن تجاهلها قد يؤدي لاستنزاف طويل الأمد لإسرائيل.
تدور تساؤلات متزايدة حول تأثير هجمات جماعة أنصار الله الحوثي على إسرائيل، خصوصاً مع استمرار إطلاق الطائرات المسيّرة من اليمن نحو العمق الإسرائيلي، في ظل تصعيد مستمر على عدة جبهات.
تظهر في هذا السياق فرضيتان متضاربتان، الأولى تفيد بأن هذه الهجمات تسبب عدم استقرار وضغوط حقيقية على حكومة بنيامين نتنياهو، بينما الثانية تعتبرها مبرراً لإسرائيل لاستمرار هجومها على غزة بدعوى مواجهة محور إقليمي أوسع.
من وجهة نظر أسامة الروحاني، المدير التنفيذي لمركز صنعاء للدراسات الإستراتيجية، فإن هجمات الحوثيين لا تشكل عبئاً ثقيلاً على إسرائيل، بل تمنحها فرصة لتسويغ عملياتها العسكرية وتعزيز خطابها عن الدفاع ضد تهديد إقليمي متزايد.
ولفت الروحاني، خلال حديث له في برنامج “ما وراء الخبر”، إلى أن إسرائيل والولايات المتحدة تحاولان استغلال الهجمات الحوثية سياسياً، لزيادة تهويل التهديد الإيراني، وبالتالي شرعنة التصعيد على مختلف الجبهات، بما في ذلك اليمن.
آثار نفسية عميقة
في المقابل، اعتبر الكاتب المتخصص في الشؤون الإسرائيلية إيهاب جبارين أن الصواريخ الحوثية، رغم عدم تسببها في أضرار خطيرة، تُخلف وراءها أثراً نفسياً عميقاً في إسرائيل، وتجبر السلطة التنفيذية على التعامل مع جبهات جديدة في أوقات حساسة للغاية.
وأوضح جبارين أن إسرائيل، التي كانت قد وعدت منذ سنوات بالتحكم تماماً في المجال الجوي والإلكتروني على الصعيد الإقليمي، تواجه اليوم طائرات مسيّرة تخترق أجواءها من مسافات بعيدة وتصل إلى مناطق حساسة.
تعزز هذه التطورات -حسب المتحدث- شعوراً بالضعف في المواطنون الإسرائيلي، حيث تبدو السلطة التنفيذية غير قادرة على احتواء توسع المواجهات، مما قد يضعف ثقة الجمهور في قدرة الدولة على حمايتهم أثناء حرب استنزاف غير عادية.
ورغم ذلك، يؤكد الروحاني على أن الحوثيين لا يستهدفون إسرائيل وحسب، بل يخوضون معركتهم الخاصة المدفوعة بمزيج من الدوافع الأيديولوجية والمصالح السياسية في الداخل اليمني، وليس بالضرورة بما يتماشى كلياً مع الأجندة الإيرانية.
تعزيز الشرعية الثورية
ويُعتقد أن الحوثيين يستغلون المواجهة في غزة لتعزيز شرعيتهم الثورية، وزيادة وجودهم الإقليمي ضمن محور المقاومة، مستفيدين من الصدى الإعلامي والسياسي الذي يترتب على ضرباتهم نحو إسرائيل.
ويضيف أنه بينما حاولت واشنطن تحييد الحوثيين عسكرياً من خلال ضربات مركزة، لم تنجح في السيطرة عليهم، بل أدى ذلك إلى تصعيد متجدد وتوسيع نطاق الهجمات، مما يضيف تحديات جديدة للاستراتيجية الأميركية في البحر الأحمر.
في الداخل الإسرائيلي، يرى جبارين أن حكومة نتنياهو تعتبر التصعيد الحوثي فرصة لإعادة صياغة الحرب على غزة، لتظهرها وكأنها جزء من مواجهة إقليمية أوسع، مما يطيل أمد العمليات العسكرية ويمنحها غطاء سياسياً.
يوضح أن المؤسسة الاستقرارية الإسرائيلية تدرك أن الانشغال بجبهات متعددة، من اليمن إلى لبنان وسوريا، قد يضعف تركيز القوات المسلحة ويستنزف قدراته، مما يعزز الجدل الداخلي حول كفاءة إدارة الحرب وسبل الخروج منها.
يرى جبارين أن تل أبيب تستند في ردها على هجمات “جبهة اليمن” إلى الولايات المتحدة، التي تمثلها في تنفيذ الضربات ضد الحوثيين، مما يعكس ضعف القدرة الإسرائيلية على مواجهة هذا التهديد بشكل منفرد.
معادلة ردع جديدة
يخلص جبارين إلى أن الضربات الحوثية، رغم كونها محدودة التأثير العسكري، تفرض معادلة ردع جديدة تشير إلى أن إسرائيل لم تعد تملك السيطرة المطلقة في الإقليم، وأن خصومها أصبحوا قادرين على تهديد عمقها من مسافات بعيدة.
في هذا السياق، أنذر الروحاني من تداعيات اتساع رقعة المواجهة، مشيراً إلى أن تطور المواجهة قد يؤدي إلى تغيير الديناميكيات بين اللاعبين الدوليين في البحر الأحمر، وجذب قوى جديدة إلى صراع قد يكون غير محسوب العواقب.
كما لفت إلى أن الولايات المتحدة تسعى حالياً لبناء تحالفات بحرية لتأمين ممرات التجارة العالمية، إلا أن الحوثيين أثبتوا قدرتهم على المساس بهذه المنظومة دون تكبد خسائر كبيرة، مما يعقد حسابات الاستقرار البحري الدولي.
على المدى المتوسط، يرى الروحاني أن استمرار الحوثيين في الهجمات سيزيد من هشاشة التحالف الأمريكي، وقد يدفع الشركات العالمية إلى تقليص نشاطها في البحر الأحمر، مما يؤثر سلباً على إسرائيل اقتصادياً وأمنياً.
مسألة هامشية
ومع ذلك، تبقى المفارقة -بحسب جبارين- أن إسرائيل تعتبر التوتر مع الحوثيين مسألة هامشية مقارنة بجبهة قطاع غزة، لكنها تدرك أيضاً أن تجاهل هذه الجبهة قد يؤدي إلى استنزاف تدريجي لا يمكن التغاضي عنه على المدى البعيد.
يشير إلى أن الهجمات المنطلقة من اليمن باتت تحمل دلالة أكبر من حجمها العسكري، حيث توصل رسالة للإسرائيليين أن أمنهم لم يعد مضموناً، وأن سياسات حكومتهم تُكلفهم ثمناً يتجاوز حدود قطاع غزة.
رغم الضبابية في الصورة، يتفق الضيفان على أن الهجمات الحوثية أوجدت معادلة جديدة، تضع إسرائيل أمام واقع إقليمي متغير، في ظل تآكل هيمنتها، واضطرارها للتعامل مع خصوم غير تقليديين يملكون أدوات تهديد لم تكن معهودة في الحروب السابقة.
بدعم أمريكي مطلق، تُنفذ إسرائيل منذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023 إبادة جماعية في غزة، أسفرت عن نحو 174 ألف شهيد وجريح من الفلسطينيين، معظمهم من الأطفال والنساء، وأكثر من 11 ألف مفقود.
خلال الاشتباك العسكري الأخير الذي دار بين الهند وباكستان، صرح وزير الخارجية الباكستاني محمد إسحاق دار، أن سلاح الجو الباكستاني أسقط عدة طائرات حربية هندية، من بينها ثلاث طائرات رافال فرنسية الصنع، باستخدام مقاتلات صينية من طراز “تشنغدو جيه 10” مزودة بصواريخ من طراز “بي إل 15”.
وفي تقرير نشره “المركز الروسي الإستراتيجي للثقافات” يقول فلاديمير ماليشيف إن نيودلهي تجاهلت تصريحات إسلام آباد ولم تؤكد تسجيلها أي خسائر.
وينقل الكاتب عن مصادر غربية موثوقة أن طائرة واحدة على الأقل من طراز “رافال” قد أُسقطت بالفعل. وبحسب ما أوردته المجلة الأميركية المتخصصة في الشؤون العسكرية “ميليتاري واتش”، فقد صرح مسؤول رفيع في جهاز الاستخبارات الفرنسية خلال مقابلة مع شبكة سي إن إن بأن “رافال” أُسقطت بنيران القوات الباكستانية، مشيرا إلى احتمال سقوط أكثر من طائرة واحدة.
والجدير بالذكر أن الطائرة الفرنسية أسقطت بواسطة مقاتلة صينية من طراز “تشنغدو جيه 10″، تابعة لسلاح الجو الباكستاني، تكلفتها أقل 3 مرات من تكلفة “رافال”، ما يسلط الضوء على التفاوت في الكفاءة الماليةية والتكتيكية بين الطرازين.
وفي تصريح له لشبكة تلفزيون الصين الدولية قال المحلل السياسي والإعلامي ومعد البرامج التلفزيونية مالك أيوب سومبال: “اشترت الهند مؤخرا مقاتلات رافال من فرنسا، وبهذا خول لها أنها قادرة على التفوق على القوات المسلحة الباكستاني” واستدرك “لكن الدفاع الجوي الباكستاني أثبت عكس ذلك، ما تسبب في حالة من الارتباك في باريس”.
ولفت إلى أن هناك “فضيحة كبرى” تلوح في الأفق بين الهند وفرنسا بسبب صفقة مقاتلات رافال، “فتدمير 5 طائرات قتالية تابعة للجيش الهندي بضربة مضادة من القوات الجوية الباكستانية يعد فشلا ذريعا للعملية العسكرية الهندية”.
رافال تفقد بريقها في الهند
ومنذ أواخر العقد الأول من الألفية الثانية، روج شراء العديد من الدول لمقاتلة رافال. وقد ساهم نجاحها في زيادة العقود الدفاعية الفرنسية، لا سيما في عام 2022، حيث شكلت هذه المقاتلات جزءا كبيرا من صفقات التصدير الفرنسية.
لكن بعد التطورات الأخيرة يرجح المحللون تزعزع الثقة في رافال. في هذا السياق لفتت مجلة ميليتاري واتش إلى أن “اهتمام الزبائن الأجانب بمقاتلات رافال والطائرات الأوروبية المقاتلة بشكل عام قد يتراجع بسبب انخفاض أداء هذه المقاتلة”، وقد انطلقت دعوات في الهند لإلغاء صفقة بخصوص شراء 26 مقاتلة رافال إضافية لصالح البحرية الهندية.
وتضيف المجلة أن الكلفة الهائلة للطائرة، التي تتجاوز 240 مليون دولار للمقاتلة الواحدة، أحدثت جدلا داخل الهند، ومن المتوقع أن تواجه أي صفقات مستقبلية لشراء مقاتلات فرنسية مقاومة أشد، مما قد يلحق أضرارا كارثية بقطاع الطيران الحربي في الدولة الأوروبية، الذي يعتمد بشكل كبير على التصدير.
وتابعت ميليتاري واتش القول بأن قطاع الصناعات العسكرية يعد أحد أعمدة المالية الفرنسي، ويعمل فيه نحو 300 ألف شخص. ويعد قطاع صناعة الطيران من أكثر المجالات تطورا، إلى جانب تصنيع الصواريخ الباليستية.
القائد الفرنسي السابق فرانسوا هولاند (يسار) إلى جانب رئيس الوزراء الهندي السابق مانموهان سينغ بعد توقيع عدة اتفاقيات من بينها صفقة شراء طائرات رافال عام 2013 (الفرنسية)
آمال الصناعة الدفاعية تتبدد
ومؤخرا، صرحت باريس عن دخولها مجال تطوير الأسلحة فرط الصوتية. ووفقا لأحدث بيانات صادرة عن معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام، تحتل فرنسا حاليا المرتبة الثانية عالميا بين أكبر مصدري الأسلحة في العالم.
وزادت صادرات الأسلحة الفرنسية بنسبة 47 بالمئة خلال الفترتين من 2014 إلى 2018 ومن 2019 إلى 2023، لتصبح فرنسا ولأول مرة ثاني أكبر مصدر للأسلحة في العالم، متجاوزة روسيا. ووجه الجزء الأكبر من هذه الصادرات إلى دول آسيا وأوقيانوسيا، فيما استحوذت دول الشرق الأوسط على 34 بالمئة.
وكانت الهند أكبر مستورد للأسلحة الفرنسية، حيث استحوذت على نحو 30% من إجمالي الصادرات. ويعزى ذلك بالدرجة الأولى إلى صفقات توريد الطائرات المقاتلة إلى الهند وقطر ومصر.
كما شهدت صادرات فرنسا إلى أوروبا ارتفاعا بنسبة 187% خلال السنوات الخمس الماضية مقارنة بالفترة من 2015 إلى 2019، ويرجع ذلك أساسا إلى مبيعات الطائرات المقاتلة لليونان وكرواتيا، وتوريد مختلف أنواع الأسلحة – من مدفعية وصواريخ وسفن – لأوكرانيا.
ونقل الكاتب عن الباحثة في معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام كاتارينا دجوكيتش، قولها إن فرنسا”تستغل ارتفاع الطلب العالمي على الأسلحة لتعزيز صناعتها الدفاعية من خلال التصدير، وقد نجحت بشكل خاص في بيع طائراتها المقاتلة خارج القارة الأوروبية”.
فشل صامت في أوكرانيا
وفي مقال بعنوان: “الهزيمة الصامتة للصناعة العسكرية الفرنسية” ذكرت الصحيفة الإيطالية “أنتي ديبلوماتيكو” أن مكانة مجمع الصناعات العسكرية الفرنسية تراجعت مؤخرا على الساحة الدولية، مرجعة ذلك ليس فقط إلى الإخفاق في المواجهة الأخير بين الهند وباكستان، بل أيضا إلى التقييمات السلبية للأداء الميداني للمعدات العسكرية الفرنسية التي تم توريدها إلى أوكرانيا.
وأضافت الصحيفة أن “منتجات الصناعة العسكرية الفرنسية لا تقدم أداء جيدا في هذه السنوات التي تشهد نزاعات مدمرة في العديد من مناطق العالم”.
فقد ظهرت أولى علامات هذا الفشل في ساحة المعركة الأوكرانية، “حيث لم تحقق مدافع قيصر هاوتزر ذاتية الدفع – التي تعد فخر سلاح المدفعية الفرنسي – نتائج مقنعة، بل تفوقت عليها المدفعيات الروسية والكورية الشمالية، فضلا عن العديد من الأنظمة المماثلة التابعة لدول أخرى من حلف الناتو”، وفق الصحيفة.
ومع ذلك، تروج بعض الأطراف في فرنسا لأطروحة مغايرة مفادها أن أداء مدافع الدول الأوروبية الأخرى أسوأ من نظيرتها الفرنسية.
فبعد ورود أنباء عن استيلاء القوات الروسية على بعض المدافع قال السياسي الفرنسي جوفري بوليه في تغريدة له على حسابه التويتر : “لم تكتف قواتنا المسلحة بالتجريد، بل إن تقنياتنا البرية المتقدمة أصبحت في الوقت الراهن في أيدي الروس. ماكرون هو المسؤول الوحيد عن هذا الإخفاق المهين”.
ولم تثبت الدبابات الفرنسية من طراز “إي أم اكس 10 آر سي”، التي زودت القوات الأوكرانية بها، فعالية تذكر في أرض المعركة. ففي تصريحات لوكالة الأنباء الفرنسية، أعرب قائد كتيبة في اللواء 37 مشاة البحرية الأوكراني عن عدم رضاه عنها، مشيرا إلى أن هذه المركبات غير عملية في ظروف القتال. وأوضح أن انفجار قذيفة عيار 100 ملم أو أكثر على مقربة منها كفيل بإحداث أضرار جسيمة أو حتى تدمير المركبة بالكامل.
كما لفت إلى أن المدفع عيار 105 ملم المثبّت على العربة يستخدم ذخائر غير متوافقة مع معايير حلف شمال الأطلسي، ما تسبب في تعقيدات لوجستية كبيرة. وأضاف أن الإطارات المستخدمة غير مناسبه، حيث تبدو مصممة للسير على الطرقات الأوروبية المعبدة أو الصحارى الأفريقية، وليس للعمليات القتالية في الأراضي الوعرة، ما يحد من فعاليتها في ساحة القتال.
وفي ختام التقرير نوه الكاتب إلى أن هذه الإخفاقات في منتجات صناعة الدفاع الفرنسية تشكل ضربة لهيبة القائد الفرنسي إيمانويل ماكرون، الذي يسعى حالياً لتقلد دور اللاعب القائدي في الشؤون العسكرية الأوروبية لا سيما في ظل دعوته لتزويد كييف بالأسلحة وإرسال جنود “تحالف الراغبين” إلى أوكرانيا.
يتيه هنتنغتون بعيدًا في التواريخ القديمة فيتّبع خط سير الشعوب والحضارات والإمبراطوريات في كرّها وفرّها. ثم يرتد كموجة في بحر هائج إلى الأزمنة المعاصرة المثقلة بالمواجهةات والمعبّأة بتناقضات لا تلتئم.
ومن خلال كل ذلك تراه يلهث وراء البحث عن القوانين الحاكمة لصدام الحضارات. وحين يرسو على “جُودي” التناقضات الثقافية، يؤسس قواعد صارمة لحالة الاشتباك الدائم، خاصة في عمق دوائر الصدع التي ترشح بأسباب الحروب والتوترات الشديدة والعلاقات المعقدة.
واليوم بعد أكثر من ثلاثة عقود تفصلنا عن أول ظهور للكتاب (1993)، ها هو “صدام الحضارات” يستعيد راهنيته من خلال إطلاق المقاومة الفلسطينية جولة جديدة من المواجهة سمّتها “طوفان الأقصى”. وهي تطورات تطرح السؤال حول القدرة التفسيرية لتلك النظرية لمجريات المواجهة الدولي، انطلاقًا من مفاهيمها الأساسية في الصدام الحضاري.
والحقيقة أننا لم نشأ التوسع في تفكيك الصورة المجملة للصدام مثلما حواها الكتاب. فالمجال لا يتسع لذلك. فآثرنا الاقتصار على المواجهة في فلسطين باعتبارها المنطقة الأنموذج لذلك الصدام.
تحولات المواجهة الدولي
لقد جاء مؤتمر مالطا 1989 ليعلن عن نهاية الحرب الباردة. نهاية سيلد من خاصرتها نظام عالمي جديد من أهمّ ملامحه انتصار الليبرالية على المالية الموجّه، والديمقراطية على الشمولية. تمامًا مثلما انتصر الرهان الهيغلي على وعود الماركسية. وهو ما جرّأ فوكوياما سنة 1992 على التبشير “بنهاية التاريخ”.
ولم يشذّ هنتنغتون عن تلك القاعدة في تتبّع وقائع المواجهة الدولي. فقد رأى أنّ العالم قد تحوّل لأول مرة من “صراع أيديولوجي” بين معسكرين، إلى صراع حضاري “بين جماعات من حضارات مختلفة”.
ومن ثم فقد أصبحت الحضارة هي المحور الجديد للسياسة الدولية. فخلف المواجهةات والمواجهات وكل مظاهر التنافي الحدّي بين القوى تكمن قوة ثاوية: اسمها الهوية الثقافية للشعوب. فلم يعد المالية هو المحرك الأساسي للعلاقات الدولية مثلما ادعت الماركسية، ولا هي الأيديولوجيات مثلما عبرت عنها الحرب الباردة، بل هي الحضارة التي لا تفتأ تسلط أضواءها الكاشفة على التناقضات العميقة بين الأنساق. وقد وجدت تلك القاعدة ترجمتها في التوازنات الدولية الناشئة.
إن إعادة ترتيب النظام الحاكم العالمي على أساس حضاري تعني انقلابًا تامًا في التراتبية الدولية. فتكون دول المركز في الحضارات هي مرجعية ذلك النظام الحاكم من خلال الثقافة التي تشترك فيها مع الدول الأعضاء في نفس الحضارة. فـ “العوامل الثقافية المشتركة تعطي شرعية للقيادة ولدور دولة المركز في فرض النظام الحاكم، بالنسبة لكل من الدول الأعضاء والقوى والمؤسسات الخارجية”.
ومن ثمّ فإن المقومات الأساسية للنظام العالمي الجديد القائم على الحضارات تختزل في تصوّرات دولة المركز وعمقها الثقافي. وعلى قاعدة ذلك السنةل الثقافي تبنى التراتبية الجديدة في العلاقات الدولية. فنخرج من توازنات الحرب الباردة التي قامت على وجود قوتين عظميين زائد كتلتهما الدولية، زائد مناطق نفوذهما في العالم الثالث، إلى توازنات جديدة نقطة ارتكازها الدولة المركز في القطب الحضاري زائد الدولة الإقليمية التي تشترك معها في الأساس الثقافي، زائد منطقة النفوذ.
وهو ما يعكس أهمية دولة المركز في الفرز الإستراتيجي الجديد الذي أفضى إلى مجموعة من الكتل الحضارية تتزعم كل كتلة فيها دولة مركز.
فالولايات المتحدة دولة مركز في الغرب الحضاري، وروسيا دولة مركز في الكتلة الأرثوذكسية، والصين دولة مركز في القطب الكنوفيشيوسي. في حين أنّ “حضارات الإسلام وأميركا اللاتينية وأفريقيا، ليس لها دول مركز”. وهو غياب يعود بالأساس إلى مفاعيل الاستعمار الغربي في تفتيت تلك الكيانات الحضارية. وهو التفتيت الذي يحمل الكثير من نذر الصدام.
صدام الحضارات
إن الكتاب أشبه ما يكون بنبوءة استشرف هنتنغتون من خلالها محركات المواجهة في الأزمنة القادمة. فلم يكن المواجهة المقصود “الآن وهنا” ولكنه كان قراءة في “كفّ” المستقبل. وهو ينظر إلى ذلك المستقبل بعين “الحتمية التاريخية”. فيكون “صدام الحضارات” بمثابة “الطور الأخير في عملية تطور النزاعات في العالم الحديث” مثلما يقول.
فالحضارة في تعريف هنتنغتون “مزيج معقد من الأخلاق والدين والمنظومة التعليمية والفن والفلسفة والتقنية والرخاء المادي”. وحين ربطها بالصدام فقد تحولت إلى “براديغم” يستهدي به في تفسير التناقضات بين شعوب تعرّف نفسها دائمًا انطلاقًا من هُويّتها الحضارية ومخزونها الثقافي. فـ”نحن الحضارية، وهم الذين خارج تلك الحضارية، من الثوابت في التاريخ الإنساني”. فالحروب بين دول من حضارات مختلفة تكون أكثر ضراوة ودموية عند استشعار تهديد الهُوية.
وفي هذا السياق، يؤكد هنتنغتون أن العلاقات بين الحضارات ستكون أكثر عدوانية، خاصة بين الإسلام وجيرانه. وأن أخطر المواجهةات في المستقبل ستكون “نتيجة تفاعل الغطرسة الغربية والتعصب الإسلامي والتوكيد الصيني”. ويتوقف كثيرًا عند تفاصيل الغطرسة الغربية فنراه يتتبع تفاصيل تشكلها بين الخط التاريخي والخط الثقافي.
خط تارخي يفصل بين الشعوب الغربية المسيحية والشعوب الإسلامية والأرثوذكسية. وقد ارتبط تاريخيًا بالإمبراطورية الرومانية في القرن العاشر.
وخط ثقافي يرتبط بالتقسيم التاريخي بين الإمبراطورية النمساوية المجرية والإمبراطورية العثمانية، فهو الحد الثقافي لأوروبا، أي أنّ “أوروبا تنتهي حيث تنتهي المسيحية الغربية ويبدأ الإسلام والأرثوذكسية.
وبعد زوال “الخطر الأحمر” أصبح ذلك الخط الفاصل هو الحد السياسي والماليةي لأوروبا والغرب. وقد كيّف سقوط الشيوعية نظرة الغرب إلى نفسه وإلى العالم. فرأى أن أيديولوجيته الليبرالية يمكن أن تحكم العالم. فكانت العولمة صدى لتلك الأطروحة الظافرة. وهو ما زاد من احتمالات الصدام. فما يراه الغرب قيمًا نبيلة يراه الآخرون محض استعمار.
خطوط الصدع
يجري الصدام حسب هنتنغتون عند خطوط التقسيم الحضاري، خطوط الصدع أو دول الصدع. وهي الدول التي “تركب النطاق الجغرافي على مناطق التماس بين الحضارات”. فتندلع صراعات لا حد لها عند خطوط التقسيم بين الدول أو الجماعات المنتمية إلى حضارات مختلفة.
وقد يجري المواجهة داخل الدولة نفسها. وهو يرى أن المعنيّين أكثر بصراعات خطوط التقسيم هم أساسًا المسلمون. وأحيانًا أخرى “تكون القضية قضية صراع للسيطرة على أراضٍ. وقد يكون هدف أحد المشاركين فيها على الأقل هو انتزاع أرض وتحريرها من آخرين بطردهم أو قتلهم أو القيام بالعملين معًا، وغالبًا ما تكون الأرض المتنازع عليها رمزًا لهوية وتاريخ طرف من طرفي المواجهة أو لهما معًا، قد تكون أرضًا مقدسة لهما فيها حق لا يجوز المساس به”.
وهذا الكلام فيه بعض وجاهة. فقد كان المسلمون غالبًا موضوعًا للإخضاع والاحتلال عند خطوط التماس، أو في عمق الدول التي لا تدين بالإسلام مثل الصين، أو الهند، أو ميانمار.. ولعل فلسطين هي خلاصة ذلك المواجهة.
المواجهة الحضاري في فلسطين
مع نهاية الدولة العثمانية أصبح الإسلام -عكس الحضارات الغربية والأرثوذكسية والصينية- “يفتقر إلى دولة مركز”. وقد أجّج ذلك الفراغ مطامع الاستعمار والصهيونية. ولكن ما لم يدركه هنتنغتون أن الفراغ السياسي الناتج عن غياب دولة الأمة، قد عبّأه العمق الحضاري الذي تمتاز به القضية الفلسطينية.
لذلك لا عجب أن تتبوأ القضية الفلسطينية منذ منتصف القرن العشرين موقع القضية المركزية للأمة. والمشكلة الأساسية في أطروحة هنتنغتون أنه لم ينظر إلى المواجهة في فلسطين على أنه صراع مركزي ذو طبيعة استثنائية، بل تعامل معه بوصفه أحد المواجهةات الإثنية أو العرقية التي تشق العالم المعاصر. فهو ينتمي لحروب خطوط الصدع، مثله مثل حرب الهند، وباكستان أو بين المسلمين والمسيحيين في السودان وغيرها، لذلك فقد حضر في كتابه كمثال للاستدلال به كلما اقتضت حاجته النظرية.
يرى هنتنغتون أن “رعاية الغرب في قمة قوته في مواجهة الإسلام، لوطن يهودي في الشرق الأوسط، وضعت الأساس لعداء عربي إسرائيلي مستمر”.
وفي الخلفية الحضارية للصراع ينظر هنتنغتون إلى فلسطين من خلال انتمائها للإسلام، في حين يضع إسرائيل ضمن الدائرة المسيحية اليهودية. ملاحظًا أن الغرب قد أضفى على ذلك المشروع طابعًا دينيًا، وجعله “ضمن مكونات البُعد الديني في الحضارة الغربية”.
وقد دلت صفحات التاريخ على صراع عميق ومستمر بين الإسلام والمسيحية. فـ”كلاهما كان الآخر بالنسبة للآخر”. والاحتكاك بين الجانبين كان يثير دائمًا قضايا الهوية والانتماء.
وخلال معظم جولات المواجهة كان “الإسلام هو الحضارة الوحيدة التي جعلت بقاء الغرب موضع شك”. وعلى الرغم من محاولة هنتنغتون البحث في حقيقة الإسلام، فإن تصوره لم يستطع النفاذ إلى العمق الفلسفي والوجودي لذلك الدين. فتردّت قراءته في مفاهيم مختزلة عن العنف والدم ونبذ الآخر. فسار على تخوم “العمق الحضاري” للصراع دون أن يلجه. فجاء صورة باهتة، بالكاد تنطق بأحكام الجغرافيا الخرائطية منزوعة السلاح الحضاري. ليصبح المواجهة في فلسطين صراعًا محكومًا بنظرية “خطوط الصدع”، أو خطوط “التقسيم الحضاري”.
وهي مقاربة متهافتة إذا نظرنا إليها من زاوية الجغرافيا الفلسطينية بحد ذاتها. ففلسطين لا تقع ضمن خطوط الصدع مثلما يسميها هنتنغتون، أي الدول الواقعة على التماس بين حضارتَين، بل إنها – بمنطق التاريخ والجغرافيا- جزء من أرض الشام. وتقع في عمق الخريطة العربية. فهي الخط الفاصل بين الجناح الشرقي والجناح الغربي للأمة.
ولم يكن استقدام يهود الشتات من أصقاع الأرض إلا لضرورة السيطرة على “سُرّة” العالم. ومن ثم تأبيد واقعة التجزئة والتخلف والإلحاق الحضاري. فتقاطع الاستعمار مع الصهيونية لإنتاج تلك الحالة الطارئة.
لقد رأى هنتنعتون وهو يبحث عن منطقة التناقض بين الإسلام والغرب أن المواجهة في عمقه هو صراع بين القيم الدينية والقيم العلمانية. وهو الاستنتاج الذي حرم الرجل النفاذ إلى عمق المواجهة فظل معلقًا في سطحه.
فتلك المعايير النسبية لا تصلح لأن تكون حاملًا موضوعيًا لصراع من أعقد المواجهةات في التاريخ. إضافة إلى ما يكتنفها من صعوبة حين الفرز بين القوى.
ففي سنة 1968 مثلًا، صرحت حركة فتح وهي التي قادت النضال الفلسطيني في ستينيات القرن الماضي أن مشروعها السياسي يهدف إلى بناء “الدولة الفلسطينية العلمانية الديمقراطية”. فأين تتمايز القوى المتقابلة؟ إضافة إلى أنه قد جرى مع دولة الاستقلال التبني الواسع للأنموذج الغربي في الإستراتيجية في العالم العربي، والعالم الثالث.
لذلك ينتقل هنتنغتون إلى التركيز على أهمية الأرض والمقدسات وقيمة القدس في المواجهة الفلسطينية الإسرائيلية. فيقر بأنّ “المكان له مغزى تاريخي وثقافي وعاطفي عميق لدى كل طرف”، ولكنه يعجز عن استنطاق النصوص المؤسسة لعظمة المكان كي ينفذ إلى عمق المواجهة.
صحيح أنه أدرك أن المواجهة صراع جذري لا يقبل الحلول الوسطى. ولكنه لم يدرك أنه صراع بين وجهتي نظر تجاه الكون والحياة والإنسان، تصدران عن قاعدتين فلسفيتين متمايزتين. وحين يهرب من كل ذلك إلى تحديد طبيعة العدو، فإنه يرى في مفرد الصهيونية جمْع الغرب الحضاري.
يرى هنتنغتون أن الكيان المحتل ليس إلا جزءًا من الغرب الحضاري. فإسرائيل ليست قوة قائمة بذاتها بل هي قوة قائمة بغيرها. زرعها الغرب في قلب الأمة لأسباب حضارية وإستراتيجية. وقد ارتبطت بذلك الغرب برابط “القربى الثقافية”. وهي الصلة التي تجعل من الدول الأعضاء في الحضارة الواحدة أسرة واحدة.
وتأخذ الدولة المركز دائمًا على عاتقها “توفير الدعم والنظام الحاكم للأقارب”، فهي علاقة تبادلية. إذ كثيرًا ما قدم الإسرائيليون أنفسهم على أنهم خط الدفاع الأساسي عن الغرب، بالأمس ضد خطر الشيوعية والاتحاد السوفياتي، واليوم ضد “خطر الأصولية الإسلامية على نطاق منطقة الشرق الأوسط كلها”.
ومن ثم يمكن أن نفهم كيف تداعت الدول الغربية إلى إسناد دولة الاحتلال بعد إطلاق عملية طوفان الأقصى. وكيف فتحت خطوط الإمداد لتوفير احتياجاتها من العتاد والسلاح بل والمشاركة الميدانية في العدوان على غزة. وهي صلة القربى التي بررت لألمانيا المتورطة في “المحرقة النازية”، أن تتورط في محرقة غزة؛ فتصرّح وزيرة خارجيتها أنالينا بيربوك “كلنا صهاينة على نحو ما”.
لقد دافع هنتنغتون عن فكرة “صدام الحضارات”. ورغم فقدان النظرية للاتساق العلمي، فإنها تمثل إسهامًا في عقل المواجهة الحضاري في فلسطين. فهذه المنازلة التاريخية في غزة تعكس تصادمًا بين مشروعين حضاريين: واحد قام على مركزية الله في الوجود، وآخر نهض على مركزية الإنسان في الوجود. فخلف الرؤية الحضارية يكمن جوهر المواجهة.
ومما لا شك فيه أنّ المواجهة مع الصهيونية هو استمرار للصراع مع الغرب نفسه، فقد ورثت الحركة الصهيونية عن الغرب إمبرياليته وقاعدته الفلسفية التي كان يجري في ضوئها الفرز النشيط بين فسطاط المتمدّنين وفسطاط البرابرة، وتسويغ نهج العنف والعسف من منطلق تحضير وتمدين أولئك الذين لا حضارة لهم. الإسطوانة المشروخة نفسها يرددها نتنياهو ببلاهة لتبرير حرب التطهير العرقي على غزة.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.
يقدم المؤرخ العسكري البريطاني أنتوني بيفور نظرية لتفسير المواجهةات الآنية من خلال الحرب العالمية الثانية، التي يرى أن أصداءها تشكل السياسات العالمية إلى اليوم.
ويرى بيفور، في مقاله المنشور بمجلة “فورين أفيرز”، أن جميع القوى/الدول الفاعلة في الحرب تقريبا تقدم روايتها الخاصة حولها، وأن بمقدور تلك الرواية أن تفسر السياسات الراهنة لتلك القوة/الدولة في عالم اليوم. يشمل ذلك الولايات المتحدة وروسيا وأوروبا وحتى الصين التي ورثت مقعد الإمبراطورية اليابانية في أعقاب الحرب.
يركز بيفور بشكل كبير على روسيا، وهو يقرأ أفكار بوتين وسياساته اليوم باعتبارها إرثا وامتدادا لأفكار وسياسات ستالين، خاصة في الفضاء الجيوسياسي. ولا يخف المؤرخ البريطاني بطبيعة الحال تحيزه إلى الرواية الغربية، لدرجة أنه يبرر إلقاء الولايات المتحدة القنبلة الذرية فوق ناغازاكي وهيروشيما على أنه قرار ينطوي على “موازنة أخلاقية صعبة”، زاعما أنه أنقذ أعدادا كبيرة من البشر، أضعاف أولئك الذين قتلتهم القنابل الأميركية.
أدولف هتلر يتفقد قوات جيشه النازي (غيتي)
نص الترجمة
نادرا ما يكون التاريخ مرتبا أو منظما، حيث تتداخل العصور وتستطيل الأعمال غير المكتملة من حقبة إلى أخرى. كانت الحرب العالمية الثانية حربًا لا مثيل لها من حيث حجم تأثيرها على حياة الناس ومصائر الأمم، وكانت في الوقت نفسه مزيجا من المواجهةات التي صنعتها الضغائن العرقية والوطنية التي أعقبت انهيار 4 إمبراطوريات وإعادة رسم النطاق الجغرافي في مؤتمر باريس للسلام بعد الحرب العالمية الأولى.
وقد ذهب العديد من المؤرخين إلى أن الحرب العالمية الثانية (بحدودها الزمنية التي نعرفها اليوم بين عامي 1939 و1945) كانت مجرد جزء من حرب طويلة ممتدة منذ عام 1914 (تاريخ اندلاع الحرب العالمية الأولى) حتى عام 1945، أو ربما حتى انهيار الاتحاد السوفياتي عام 1991.. حرب أهلية عالمية نشبت أولا بين الرأسمالية والشيوعية، ثم بين الديمقراطية والدكتاتورية.
لا شك أن الحرب العالمية الثانية جمعت خيوط تاريخ العالم معا، بفضل نطاقها المتسع جغرافيا والدور الذي لعبته في تسريع نهاية حقبة الاستعمار في أفريقيا وآسيا والشرق الأوسط. ولكن رغم تقاسم معظم الدول لهذه التجربة ودخولها في ذات النظام الحاكم الذي بُني في أعقابها، فإن كل دولة مُشارِكة في النظام الحاكم خلقت روايتها الخاصة لذلك المواجهة الكبير وتمسكت بها حتى النهاية.
وحتى مسألة بسيطة نظريا مثل: متى بدأت الحرب؟ لا تزال موضع جدل، ففي الرواية الأميركية مثلا، بدأت الحرب تأخذ مسارا جديا فقط عندما دخلت الولايات المتحدة على خط المواجهة في أعقاب الهجوم الياباني على بيرل هاربور يوم 7 ديسمبر/كانون الأول 1941، وبعد إعلان “الدكتاتور” الألماني أدولف هتلر الحرب على واشنطن بعد ذلك ببضعة أيام.
من جانبه، يصر القائد الروسي فلاديمير بوتين على أن الحرب بدأت في يونيو/حزيران 1941، عندما غزا هتلر الاتحاد السوفياتي، متجاهلاً الغزو السوفياتي والنازي المشترك لبولندا في سبتمبر/أيلول 1939، والذي يمثل بداية الحرب بالنسبة لمعظم الأوروبيين.
وهناك من يُرجعون بدايات الحرب إلى تواريخ أبعد من ذلك، فبالنسبة للصين، بدأ الأمر عام 1937، مع اندلاع الحرب الصينية اليابانية، أو ربما قبل ذلك مع الاحتلال الياباني لإقليم منشوريا (التابع للصين) في عام 1931. هذا ويعتقد كثيرون من اليساريين في إسبانيا أن الأمر بدأ في عام 1936 مع إطاحة الجنرال فرانكو بالجمهورية، مما أدى إلى اندلاع الحرب الأهلية الإسبانية.
تشكل هذه الرؤى العالمية المتضاربة مصدرا للتوتر وعدم الاستقرار في الإستراتيجية العالمية. ينتقي القائد الروسي بوتين من التاريخ الروسي ما يناسبه، فيجمع بين تكريم التضحيات السوفياتية في “الحرب الوطنية العظمى”، كما تُعرف الحرب العالمية الثانية في روسيا، وبين الأفكار “الرجعية” للروس البيض القيصريين المنفيين بعد هزيمتهم على يد الشيوعيين الحمر في الحرب الأهلية الروسية خلال الفترة 1917- 1922.
هذه الأفكار “القيصرية” تقدم مبررات دينية للهيمنة الروسية على كامل الكتلة الأوراسية، “من فلاديفوستوك (في أقصى الشرق الروسي) إلى دبلن (إيرلندا في أقصى الغرب الأوروبي)”، على حد قول ألكسندر دوغين، المنظر والأيديولوجي الأقرب إلى بوتين، كما تؤصل لكراهية متجذرة لأوروبا الغربية الليبرالية (جدير بالذكر أن هذه الأفكار تنتشر نسبيا وسط الدائرة المقربة من القائد الأميركي دونالد ترامب).
في غضون ذلك، أعاد بوتين تأهيل صورة الزعيم السوفياتي خلال فترة الحرب العالمية الثانية جوزيف ستالين، الذي يُعد، كما اعترف الفيزيائي السوفياتي المنشق أندريه ساخاروف، مسؤولاً مباشرا عن قتلى بالملايين، أكثر من هتلر نفسه.
ويذهب القائد الروسي إلى حد الإصرار على أن الاتحاد السوفياتي كان بوسعه أن يحقق النصر في الحرب ضد ألمانيا النازية بمفرده، بينما يعترف ستالين وغيره من الزعماء السوفيات أن الاتحاد لم يكن ليتمكن من الصمود دون المساعدات الأميركية. ويدرك هؤلاء الزعماء أن الحملة الجوية الاستراتيجية التي شنتها الولايات المتحدة وبريطانيا ضد المدن الألمانية أجبرت الجزء الأكبر من القوات الجوية الألمانية على العودة والانسحاب من الجبهة الشرقية، الأمر الذي منح السوفيات التفوق الجوي.
وعلاوة على كل ذلك، يرفض بوتين الاعتراف بأهوال العصر الستاليني. وكما أخبرتني ماري سوامز ابنة رئيس الوزراء البريطاني الأسبق ونستون تشرشل في حفل عشاء عام 2003، فإن تشرشل سأل ستالين خلال اجتماع غير رسمي في أكتوبر/تشرين الأول 1944 عن الأمر الذي يندم عليه الزعيم السوفياتي أكثر من ندمه على أي شيء آخر في حياته.. أخذ ستالين بعض الوقت للتفكير قبل أن يجيب بهدوء: “قتل الكولاك”- أي الفلاحين أصحاب الأراضي.
بلغت هذه الحملة ذروتها مع المجاعة الكبرى “هولودومور” في عامي 1932 و1933، حيث تسبب ستالين عمداً في المجاعة الأوكرانية، مما أسفر عن مقتل أكثر من 3 ملايين شخص، وغرس الكراهية لموسكو بين العديد من الناجين وذرياتهم.
على صعيد آخر، أنتجت الحرب العالمية الثانية توازنا غير مستقر في كثير من الأحيان داخل المعسكر الغربي بين أوروبا والولايات المتحدة، بعدما أجبرت الحرب وطموحات هتلر للهيمنة؛ المملكةَ المتحدة على التخلي عن الدور الذي عينته لنفسها كشرطي العالم، والتوجه إلى الأميركيين طلبا للمساعدة.
كان البريطانيون فخورين حقا بدورهم في النصر النهائي للحلفاء، ولكنهم حاولوا إخفاء الألم الناجم عن تراجع نفوذهم العالمي من خلال ترديد المقولة المبتذلة القائلة بأن بريطانيا “تحملت فوق طاقتها” في الحرب، وكذا من خلال التمسك “بعلاقتها الخاصة” مع الولايات المتحدة.
كان تشرشل منزعجًا من احتمال عودة القوات الأميركية إلى ديارها بعد انتهاء الحرب في المحيط الهادئ عام 1945، ورغم أن المواقف الأميركية ظلت تتذبذب بين السعي إلى دور عالمي نشط والارتداد إلى الانعزالية، فإن التهديد القادم من موسكو ضمِنَ استمرار انخراط واشنطن بشكل عميق في أوروبا حتى انهيار الاتحاد السوفياتي عام 1991.
واليوم، دخلت أول حرب قارية كبرى في أوروبا منذ الحرب العالمية الثانية عامَها الرابع، ويرجع هذا جزئيا إلى القراءة الانتقائية التي يتبناها بوتين للتاريخ الروسي، في حين تهدد المواجهةات القاتلة في الشرق الأوسط وأماكن أخرى بالانتشار على نطاق أوسع، وفي الوقت نفسه، يبدو أن إدارة ترامب تتخلى عن القيادة العالمية للولايات المتحدة في خضم “حالة مزاجية مرتبكة”.
قبل 80 عامًا، مهدت نهاية الحرب العالمية الثانية الطريق لنظام دولي جديد يرتكز على احترام السيادة الوطنية والنطاق الجغرافي، ولكن الآن، ربما حان الوقت أخيرا لدفع فاتورة باهظة نتيجة التناقض الأميركي، والاستسلام الأوروبي، وشهية “الانتقام” الروسية.
من المؤكد أن القسوة الشديدة التي اتسمت بها الحرب العالمية الثانية ظلت محفورة في ذاكرة أجيال عديدة، حيث كان ذلك أول صراع حديث يفوق ضحاياه المدنيون -بكثير- أعداد قتلاه المحاربين، ولم يكن ذلك ليصبح ممكنا إلا من خلال نزع الصفة الإنسانية عن العدو على أساس أيديولوجي، وإثارة النزعات القومية إلى حدها الأقصى، والترويج للعنصرية باعتبارها أمرا مسلما به، فضلا عن “الحرب الطبقية” اللينينية التي أيدت إبادة جميع المعارضين.
ومن اللافت للنظر أن الدبلوماسيين السوفيات كافحوا بعد الحرب لمنع ذكر الحرب الطبقية -التي شملت عمليات القتل الجماعي التي ارتكبها الاتحاد السوفياتي ضد الأرستقراطيين والبرجوازيين والفلاحين مالكي الأراضي- في اتفاقية الأمم المتحدة لعام 1948 بشأن الإبادة الجماعية.
وإجمالا، لقي قرابة 85 مليون شخص حتفهم خلال الحرب العالمية الثانية، من ضمنهم أولئك الذين قضوا بالمجاعة والمرض. لقد قتلت ألمانيا النازية الملايين، بينما فقدت بولندا خُمس سكانها (نحو 6 ملايين شخص) خلال الحرب.
وبشكل أكثر بشاعة، خسر الصينيون ما يزيد على 20 مليون إنسان، وكان عدد القتلى الصينيين من المجاعة والمرض أكبر من عدد القتلى نتيجة المواجهة في ساحة المعركة، بينما تتراوح أعداد قتلى السوفيات بين 24 و26 مليونا.
كان ستالين يدرك في عام 1945 أن إجمالي الخسائر تجاوز 20 مليون إنسان، ولكنه اعترف بثلث هذه الخسارة فقط (7.5 ملايين قتيل)، محاولا على ما يبدو إخفاء الحجم الحقيقي للرعب الذي أطلقه ضد شعبه.
بيد أنه في هذا المقام لا يكفينا أن نتذكر الموتى الذين أخفى قاتلوهم عمدا هويات العديد منهم، فقد غيّر المواجهة أيضا حياة الناجين وأسرى الحرب والمدنيين المسجونين في المعسكرات بطرق يتعذر الإحاطة بها. في كثير من الأحيان، كان أولئك الذين استسلموا لمصيرهم في قائمة الضحايا الأوائل، بينما كان الناجون من أولئك الذين لديهم تصميم شديد على العودة إلى أسرهم، والتمسك بمعتقداتهم، وتقديم شهاداتهم على جرائم يتعذر الحديث عنها من فرط بشاعتها.
وحتى تكتمل الصورة القاتمة، لم يتمكن العديد من الجنود الأسرى من العودة إلى ديارهم. بادئ ذي بدء، قُبض على أفراد القوات المسلحة الأحمر السوفياتي الذين جُنِّدوا قسرا من قبل القوات المسلحة الألماني أثناء وجودهم في فرنسا بزيهم العسكري الألماني وسُلِّموا إلى الضباط السوفيات الذين أعدموا القادة في الغابات ونقلوا البقية إلى الاتحاد السوفياتي، حيث حُكم عليهم بالعمل بالسخرة في الشمال المتجمد.
وبعد أيام قليلة من استسلام ألمانيا، أمرت القوات البريطانية في النمسا بتسليم أكثر من 20 ألف يوغسلافي مناهض للشيوعية في المنطقة الخاضعة لسلطتها إلى السلطات اليوغسلافية الشيوعية، التي أطلقت النار عليهم ثم دفنتهم في مقابر جماعية.
كما سلّمت القوات البريطانية السلطات السوفياتية بعض أبناء الكزاخ (أحد الأعراض السلافية الشرقية) وهم مواطنون سوفيات لكنهم قاتلوا من أجل ألمانيا. ومن المؤكد أن السلطة التنفيذية البريطانية كانت تعلم أن عقوبة قاسية تنتظر هؤلاء الجنود، لكنها خشيت أن يؤدي السماح لهم بالرحيل إلى احتفاظ السلطات السوفياتية بأسرى الحرب البريطانيين الذين حررهم القوات المسلحة الأحمر في بولندا وشرق ألمانيا.
وبالمثل، جمع القوات المسلحة الأحمر 600 ألف جندي ياباني في شمال الصين ومنشوريا، وأرسلهم جميعًا إلى معسكرات العمل في سيبيريا حيث مارسوا أعمالا شاقة حتى الموت.
لعقود طويلة بعد الحرب، ظلت تلك الذكريات حية في أذهان أولئك الذين عاشوها بأنفسهم وتركت بصماتها القاسية في نفوسهم. وعلى إثر ذلك، جرى تشكيل النظام الحاكم الذي تلا الحرب العالمية الثانية على يد أجيال كان هدفها منع وقوع مثل هذه المأساة مرة أخرى. ولكن بالنسبة لأولئك الذين لم يعيشوا هذا المواجهة، وينظرون إلى الوراء من عالم اليوم، فإن عدد ضحايا الحرب العالمية الثانية ربما يكون مجرد رقم، وهم معذورون في ذلك لأنه يصعب استيعاب حقيقة مقتل عشرات الملايين. غير أن فقدان هذه الصلة المباشرة مع الماضي يعني بالتبعية فقدان العزم المشترك الذي أنتج -على مدار 80 عاما- سلاما متصلا، وإن كان غير كامل، بين القوى العظمى.
الحرب العالمية الثانية كانت بمثابة فجر العصر النووي على إثر إلقاء الولايات المتحدة قنبلتين نوويتين على اليابان عام 1945. (رويترز)
معارك غير منتهية
خلّفت الحرب العالم مكانًا مختلفًا تمامًا. وفي الدول المتحاربة، لم يبق سوى عدد قليل من الناس الذين لم يتأثروا مباشرة بويلات الحرب، فالعديد من النساء اللواتي قُتل خُطّابهن في الحرب لم يتزوجن أبدًا ولم ينجبن أطفالًا، بينما لم يتمكن الرجال العائدون من استيعاب حقيقة أن النساء تَولين إدارة كل شيء، مما جعلهم يشعرون أنهم عديمو القيمة.
وكان رد الفعل الأقوى في أوروبا القارية. ففي ألمانيا مثلا، سمع الرجال الذين سُجنوا أثناء الحرب للمرة الأولى عن عمليات الاغتصاب الجماعي التي ارتكبها القوات المسلحة الأحمر، وشعروا بالإهانة لأنهم لم يكونوا متاحين للدفاع عن نسائهم، ولم يتمكنوا أيضا من التكيف مع حقيقة أن النساء تعاملن مع الصدمة بالطريقة الوحيدة الممكنة وهي التحدث عنها إلى بعضهن بعضا.
وفي فرنسا وغيرها من البلدان المحتلة، تساءل الرجال الذين عادوا من السجون ومعسكرات العمل القسري في ألمانيا؛ كيف تمكنت النساء من البقاء على قيد الحياة دون أي وسيلة للدعم، وبدؤوا يشكون في علاقاتهن مع جنود العدو أو تجار القطاع التجاري السوداء. وليس مستغربا أن هذه الاستجابات أدت إلى فترة من ردود الفعل الاجتماعية المدمرة استمرت طيلة أربعينيات وخمسينيات القرن العشرين.
في غضون ذلك، ظل المواجهة السياسي العنيف مستمرا حتى بعد انتهاء الأعمال الحربية العدائية. في أغسطس/آب 1945، وبعد فترة طويلة من انتهاء القتال في المسرح الأوروبي، بدأ الاتحاد السوفياتي إطلاق سراح الجنود الإيطاليين العاديين الذين أسرهم في الجزء الأخير من حملة قوى المحور للسيطرة على ستالينغراد. لكن هؤلاء الجنود أُرسلوا إلى أوطانهم بدون ضباطهم، لأن زعيم الحزب الشيوعي الإيطالي ناشد موسكو تأخير عودة السجناء الأعلى رتبة الذين قد يدينون الاتحاد السوفياتي علناً ويضرون بفرص الحزب في الاستحقاق الديمقراطي المقبلة.
وبينما تجمعت الجماعات الشيوعية في محطات السكك الحديدية بإيطاليا للترحيب بالجنود العائدين، كانوا يتوقعون منهم أن يكونوا أكثر تعاطفا مع قضيتهم. لكنهم فوجئوا برؤية الجنود الذين كتبوا عبارة “تسقط الشيوعية” (Abbasso Comunismo) على عربات القطار، ليندلع الاشتباك في المحطات. وعلى إثر ذلك، اعتبرت الصحافة الشيوعية الجنود العائدين الذين انتقدوا الاتحاد السوفياتي بأي شكل من الأشكال؛ أنهم “فاشيون”.
لقد أزيلت النطاق الجغرافي أو أعيد رسمها خلال الحرب وبعدها، ولم يعد الكثير من النازحين يعرفون جنسياتهم بعدما جرى اقتلاع أعداد كبيرة من السكان، وفي بعض الأحيان مدن بأكملها، أو إخلائها، أو قتل جميع سكانها على يد الجماعات شبه العسكرية والشرطة السرية والقوات المسلحة. ولا أدل على ذلك مما حدث في عام 1939، حين دُفع البولنديون من منطقة لفيف (Lwów) التي أصبحت فجأة ضمن حدود الغرب الأوكراني؛ إلى المناطق المهجورة في كزاخستان أو سيبيريا حيث تُركوا لمواجهة الموت.
خضعت لفيف البولندية للاحتلال السوفياتي مرتين، كما احتلها النازيون الذين أرسلوا اليهود إلى معسكرات الموت. وفي أعقاب الحرب، حصلت المدينة على اسم أوكراني جديد، وهو لفيف “Leviv” (بنطق متقارب تقريبا ولكن باختلاف اللغة والهجاء).
وفي مؤتمر يالطا في فبراير/شباط 1945، حين التقى زعماء بريطانيا والاتحاد السوفياتي والولايات المتحدة لمناقشة شكل أوروبا بعد الحرب، أجبر ستالين قوى الحلفاء على قبول إزاحة بولندا بأكملها إلى الغرب، واستقبال المقاطعات الألمانية السابقة على الجانب الغربي، على أن يستوعب الاتحاد السوفياتي المقاطعات البولندية إلى الشرق. ولإكمال تنفيذ هذه الخطة، نفذ القوات المسلحة الأحمر أكبر عملية تهجير قسري ممنهج للسكان في العصر الحديث، حيث نقل أكثر من 13 مليون ألماني وبولندي وأوكراني من مناطقهم.
ومع استمرار مناقشات يالطا إلى مؤتمر بوتسدام في أغسطس/آب 1945، أصبحت رغبة ستالين في توسيع الأراضي السوفياتية أكثر وضوحا، مبديا اهتمامه بتولي السيطرة على المستعمرات الإيطالية السابقة في أفريقيا، ومقترحا الإطاحة بنظام فرانكو في إسبانيا.
وحين داعبه السفير الأميركي لدى الاتحاد السوفياتي آنذاك، أفريل هاريمان، على هامش المحادثات قائلا “لا بد أنه من دواعي سرورك أن تكون في برلين الآن بعد كل ما عانته بلادك”، أجابه ستالين بجمود قائلا: “لقد وصل القيصر ألكسندر إلى باريس”.
لم تكن تلك الملاحظة من ستالين مجرد مزحة على الإطلاق، ففي السنة السابق، أمرت القيادة السوفياتية بوضع خطط لغزو فرنسا وإيطاليا والاستيلاء على المضائق بين الدنمارك والنرويج. وخلال عام 1945 قال الجنرال السوفياتي سيرغي شتيمينكو، في إحدى محادثاته: “لقد كنا نتوقع أن يتخلى الأميركيون عن أوروبا التي تغط في الفوضى، وأن تصاب بريطانيا وفرنسا بالشلل بسبب مشاكلهما الاستعمارية”.
لقد اعتقد القادة السوفيات أن هذا من شأنه أن يخلق فرصة سانحة لهم، لذا فإنهم لم يتخلوا عن خططهم إلا بعد معرفة أن الولايات المتحدة كانت قريبة من بناء القنبلة الذرية، رغم أن شهيتهم للتوسع ظلت قائمة.
ومن المؤكد أن الحرب العالمية الثانية كانت بمثابة فجر العصر النووي، حيث نظر الكثيرون إلى اختراع القنبلة الذرية برعب، واعتبروا قصف الولايات المتحدة لهيروشيما وناغازاكي جريمة حرب. ورغم ذلك فإن استهداف هاتين المدينتين اليابانيتين في أغسطس/آب 1945 كان ينطوي على خيار “أخلاقي” بالغ الأهمية.
فقبل أن تؤدي عمليات القصف إلى تسريع نهاية الحرب، كان الجنرالات اليابانيون يرغبون في مواصلة القتال بدلاً من قبول شروط الاستسلام التي أصدرتها قوى الحلفاء في إعلان بوتسدام في يوليو/تموز، وكانوا مستعدين للتضحية بملايين المدنيين اليابانيين من خلال إجبارهم على مقاومة غزو الحلفاء باستخدام الرماح المصنوعة من الخيزران والمتفجرات المثبتة على أجسادهم فقط.
وبحلول عام 1944، كان حوالي 400 ألف مدني يموتون شهرياً بسبب المجاعة في مناطق شرق آسيا والمحيط الهادئ وجنوب شرق آسيا التي احتلتها القوات اليابانية. كان الحلفاء يريدون أيضًا إنقاذ أسرى الحرب الأميركيين والأستراليين والبريطانيين الذين كانوا يلقون حتفهم في المعسكرات اليابانية، أو كانوا يتعرضون للذبح على يد خاطفيهم بأوامر من طوكيو.
وهكذا، ورغم أن القنبلة الذرية حصدت أرواح أكثر من 200 ألف ياباني، فإن هذا السلاح الرهيب ربما أنقذ عدداً أكبر بكثير في “مفارقة أخلاقية مقلقة”.
العديد من النساء اللواتي قُتل خُطّابهن في الحرب العالمية الثانية لم يتزوجن أبدًا ولم ينجبن أطفالًا. (شترستوك)
العالم الذي صنعته الحرب
في النهاية، لا شك أن الحرب العالمية الثانية أعادت ضبط مسار الإستراتيجية العالمية، سواء إلى الأفضل أو الأسوأ (على اختلاف موقع الناظر وانتمائه). وفي نهاية المطاف، مهدت هزيمة اليابان الطريق أمام صعود الصين الحديثة، وكان انهيار الإمبراطوريات البريطانية والهولندية والفرنسية في عامي 1941 و1942 بمثابة شهادة وفاة لأوروبا الإمبريالية، كما حفزت تجربة الحرب الاتجاه نحو التكامل الأوروبي، وفي الوقت نفسه، ارتفعت مكانة الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي إلى مصاف القوى العظمى.
كذلك، أدت الحرب العالمية الثانية إلى ظهور الأمم المتحدة، التي كان من أهدافها القائدية حماية سيادة الدول، ومنع العدوان المسلح والاستيلاءِ على الأراضي بالقوة. كانت الأمم المتحدة حلما يراود القائد الأميركي فرانكلين روزفلت، وكان مستعدًا للسماح لستالين بالسيطرة الكاملة على بولندا لتحقيق هذا الحلم. ولكن في فبراير/شباط من السنة الحالي (2025)، أدارت الولايات المتحدة ظهرها للمبادئ التأسيسية للأمم المتحدة، وصوتت إلى جانب موسكو، ورفضت إدانة “العدوان” الروسي على أوكرانيا.
كما أدت الحرب العالمية الثانية إلى نشوب الحرب الباردة، ويقول بعض المؤرخين إن هذا المواجهة الجديد بدأ في عام 1947 باتفاقية كلاي-روبرتسون (نسبة إلى لوسيوس د. كلاي، الحاكم العسكري للولايات المتحدة، والجنرال برايان روبرتسون، نائب الحاكم العسكري البريطاني) التي كانت بداية تخلي الحلفاء الغربيين عن ألمانيا الموحدة و”تخليق” ألمانيا الغربية مما أثار جنون ستالين.
شهد ذلك السنة تصاعد التوترات، حيث أصدر ستالين في سبتمبر/أيلول أمراً للأحزاب الشيوعية الأوروبية بتجهيز أسلحتها استعداداً للحرب المستقبلية، وهو ما وضع الأساس للحصار السوفياتي لبرلين في السنة التالي.
غير أن الأصول الحقيقية لتلك الأحداث تعود إلى ما هو أبعد من ذلك بكثير، وتحديدا إلى يونيو/حزيران 1941 حين أصيب ستالين بصدمة نفسية بسبب عملية بارباروسا، الغزو الذي قادته النازية ضد الاتحاد السوفياتي، والذي بدأ في ذلك الوقت. ومنذ ذلك الحين، بدا ستالين عازما على أن يحيط نفسه بدول تابعة في وسط أوروبا وجنوبها حتى لا يتمكن أي غازٍ من مفاجأة الاتحاد السوفياتي مرة أخرى.
لقرون عديدة، كانت روسيا مهووسة بفكرة السيطرة على جيرانها لمنع تطويقها، وكان اهتمام ستالين منصبًّا بالأساس على بولندا. وفيما يبدو فإن بوتين حافظ على العقلية نفسها، لكن اهتمامه تركز على أوكرانيا، موطن النطاق الجغرافي الأكثر ضعفا لروسيا، والتي يراها بوتين جزءا لا يتجزأ من بلاده.
وعندما تحرك القائد الروسي بناء على هذا “الادعاء” لغزو أوكرانيا في عام 2022، أعاد إلى الأذهان سمة من سمات زمن الحرب العالمية الثانية التي كانت غائبة إلى حد كبير عن الإستراتيجية العالمية منذ ذلك الحين. لقد ساهم الزعماء الأفراد، الذين تمتع العديد منهم بدعم الأنظمة الشمولية التي سيطروا عليها، في تشكيل مسار ذلك المواجهة الواسع. من تشرشل إلى روزفلت إلى ستالين، أعادت مؤامرات الزعماء ومكائدهم إحياء فكرة “الرجل العظيم” الذي يحرك مجرى التاريخ في المخيلة الشعبية.
وفي السنوات الأخيرة، أصبح نفوذ الزعماء السياسيين أقل نسبيا. ويرجع ذلك إلى حقيقة أن النظام الحاكم الماليةي العالمي يقيد -إلى حد كبير- حرية تصرفهم، وهو الأمر الذي يفعله أيضا الفحص المستمر لقراراتهم من قبل وسائل الإعلام، والذي يجعل الكثيرين منهم أكثر أنذرا. ولعقود من الزمن، بدا الأمر كما لو أن شخصيات الزعماء لن تتمكن مرة أخرى من تحديد مسار الأحداث بالطريقة التي فعلتها إبان الحرب العالمية الثانية، لكن بوتين غيّر هذا الوضع، وترامب، الذي يتخذ من بوتين قدوة له، يغيّر هذا الوضع أيضا.
واليوم، بينما احتفلت روسيا بيوم النصر في 9 مايو/أيار، يصر بوتين على استغلال قصة “الحرب الوطنية العظمى” التي تخوضها بلاده إلى أقصى حد. ويلمح بوتين إلى إمكانية إعادة تسمية مدينة فولغوغراد باسمها السابق ستالينغراد -وهو الاسم الذي تغير في عام 1961 كجزء من حملة الزعيم السوفياتي نيكيتا خروشوف لإزالة آثار الستالينية- بغية تسليط الضوء على انتصار القوات المسلحة الأحمر على “غزاة” المحور في معركة ستالينغراد عام 1943، وهي نقطة التحول النفسية العظيمة في الحرب من وجهة نظر بوتين والروس.
في واقع الأمر، لا توجد مجموعة واحدة من الاستنتاجات التي يمكن استخلاصها من الحرب العالمية الثانية، فالحرب بطبعها تتحدى التعميم ولا يمكن إدراجها تحت تصنيفات سهلة أو ثابتة. وتجلب الحرب عددا لا يحصى من القصص حول المأساة، والفساد، والنفاق، والأنانية، والخيانة، والاختيارات المستحيلة، والسادية، لكنها تنطوي أيضًا على حكايات عن التضحية بالنفس، والرحمة، والبشر الذين تمسكوا بإيمانهم بالإنسانية رغم الظروف المروعة والقمع الوحشي. وسيظل المثال الذي يقدمه هؤلاء جديرًا دائمًا بالتذكر والمحاكاة، بغض النظر عن مدى قتامة المواجهةات التي نشهدها في عالم اليوم.
_____________________________ هذا المقال مترجم عن فورين أفيرز ولا يعبر بالضرورة عن الجزيرة نت