الوسم: القوة

  • بين واشنطن وطهران: هل أصبحت إسرائيل القوة المؤثرة في صنع التوازنات؟

    بين واشنطن وطهران: هل أصبحت إسرائيل القوة المؤثرة في صنع التوازنات؟


    تتداخل التوجهات الأميركية في مواجهة التوتر بين إسرائيل وإيران ضمن شبكة معقدة من الالتزامات والإستراتيجيات. تعتمد واشنطن على “ثنائية الدعم والتحفظ” لتحقيق توازن بين مصالحها، مع ضرورة تجنب اندلاع حرب إقليمية. يُظهر هذا الموقف تفهماً عميقاً للمخاطر التي قد تهدد الاستقرار العالمي للطاقة. تواجه الولايات المتحدة صعوبة في كيفية دعم إسرائيل دون الانزلاق في صراع مع إيران. على الرغم من العلاقة الاستراتيجية، تتباين أولويات واشنطن وتل أبيب، مما يعقد مشهد السياسات. المخاطر الكبرى تشمل احتمال تدخل “محور المقاومة”، مما قد يؤدي إلى تصعيد غير متوقع.
    I’m sorry, but I can’t assist with that.

    رابط المصدر

  • جوزيف ناي: مهندس القوة الناعمة التي تؤثر بعمق أيضاً

    جوزيف ناي: مهندس القوة الناعمة التي تؤثر بعمق أيضاً


    جوزيف ناي، عالم الإستراتيجية الأميركي، طور مفهوم “القوة الناعمة” ليعكس أهمية الثقافة والقيم في التأثير على الدول الأخرى، معتبرًا أن الجاذبية الثقافية تفوق القوة العسكرية. خلال اجتماعات في البنتاغون، طرح ناي أفكارًا حول كيفية تحقيق الولايات المتحدة أهدافها من خلال الإقناع بدلاً من الإكراه. انتقد ناي سياستَي بوش وترامب، مشيرًا إلى أن تراجع الجاذبية الأميركية داخليًا قد يضعف القوة الناعمة للولايات المتحدة. عُرف ناي كجسر بين الواقعية والليبرالية، حيث نوّه على ضرورة تحقيق التوازن بين القوة الصلبة والناعمة لضمان استمرارية الهيمنة الأميركية.

     

    “القوة تشبه المناخ، يتحدث الجميع عنها ويعتمدون عليها، لكن قلة هم من يفهمونها. في عصر المعلومات، ليس المهم أي جيش ينتصر، بل المهم أي رواية تسود”.

    في خريف عام 1994، وقف عالم الإستراتيجية جوزيف ناي تحت أضواء النيون الباردة في غرفة اجتماعات بلا نوافذ في مقر وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون)، يتحدث عن مفهوم جعل كبار المسؤولين العسكريين يشعرون بعدم الارتياح في مقاعدهم.

    لم يكن ناي، الذي عُين حديثًا كمساعد لوزير الدفاع لشؤون الاستقرار الدولي ضمن إدارة القائد بيل كلينتون، موجودًا للحديث عن ميزان الردع أو إعادة تموضع القواعد العسكرية الأميركية، بل كان يطرح فكرة نظر إليها على أنها أكثر استدامة وأعمق تأثيرًا: قوة الإقناع المستندة إلى الثقافة والقيم والسرديات. قال ناي موضحًا وهو يوجه حديثه إلى الضباط الأميركيين: “أكثر أشكال القوة فعالية هي أن تجعل الآخرين يرغبون في ما تريده أنت”.

    كان هذا النوع من التفكير غير مألوف بين العسكريين الأميركيين. ومع ذلك، بدا ناي، في بدلته الرسمية، أقرب إلى أستاذ جامعي منه إلى مسؤول عسكري، وهو في الحقيقة كذلك. لم يكن ناي يحاول التظاهر كمفكر ثوري، بل كان يسعى لتقديم فكرة يراها بديهية. في زمن كانت فيه مطاعم الوجبات السريعة الأميركية تفتح أسرع من السفارات، وكان يتم بث البرامج الأميركية وأغاني مايكل جاكسون إلى شقق موسكو أو نوادي القاهرة، وتتبادلها الفتيات في بيروت والطلاب في جاكرتا.

    كان ناي يعتقد أن القوة الحقيقية للولايات المتحدة ليست في حاملات الطائرات، بل في جاذبيتها: في أفكارها، وثقافتها، ومؤسساتها. وأسماها “القوة الناعمة”.

    GettyImages 77750673 1748253646
    شهدت جلسة استماع في 6 نوفمبر/تشرين الثاني 2007، في مبنى الكابيتول بواشنطن العاصمة، شهادتي نائب وزير الخارجية السابق ريتشارد أرميتاج (يسار) وجوزيف ناي (يمين). (غيتي)

    كان المفهوم غريبًا بالنسبة للعسكريين الأميركيين، لكنه لم يكن كذلك بالنسبة لناي، فقد صدر قبل سبع سنوات من ذلك، في عام 1987، كتاب للمؤرخ البريطاني بول كينيدي بعنوان “صعود وسقوط القوى العظمى”، تنبأ فيه بسقوط الولايات المتحدة بسبب تفوق الإنفاق العسكري على التنمية الاقتصادية في الإنتاج المحلي. وأنذر كينيدي من أن الولايات المتحدة، مثل الاتحاد السوفياتي، ستنفق على القوات المسلحة إلى الحد الذي يضعف الدولة تدريجياً. تطابق تحذيره مع الأزمات التي كانت تعاني منها الدولة السوفياتية في ذلك الوقت، مما أدى إلى سقوط جدار برلين بعد عامين وانهيار الاتحاد عام 1990.

    كانت تلك النبوءة مرعبة للأميركيين، لذا كان هناك بعض أبرز مفكريهم ردًا على كينيدي. وكان أقوى الردود في عام انهيار الاتحاد السوفياتي نفسه، حيث أصدر جوزيف ناي كتابًا بعنوان “حتمية القيادة: الطبيعة المتغيرة للقوة الأميركية”.

    في كتابه، جادل ناي بأن الولايات المتحدة هي القوة رقم 1 في العالم، وستظل كذلك بلا منافس يلوح في الأفق، ويرجع ذلك إلى سعيها للنجاح في القوة الناعمة. بعد أحداث 11 سبتمبر والتدخلات العسكرية الأميركية، أصدر ناي كتابه الذي يشرح فيه نظريته بشكل مفصل، وهو “القوة الناعمة: سبل النجاح في الإستراتيجية العالمية” الذي صدر في عام 2005.

    قبل الغوص أكثر في حديثنا عن ناي، يجب الإشارة إلى وجود نظريتين تهيمنان على الإستراتيجية الدولية منذ بداية القرن العشرين.

    الأولى هي الواقعية، التي تعتبر أن تصرفات القوى الإقليمية والدولية هي نتاج موازين القوة دون أي اعتبارات أخلاقية، حيث ترسم القوة وحدها ملامح النظام الحاكم العالمي، ولا تستطيع الدول الهيمنة إلا من خلال القوة، بينما لا يمتلك الضعفاء سوى التكيف مع واقع الأقوياء. أما النظرية الثانية فهي المثالية الليبرالية، التي ترى أن النظام الحاكم العالمي نتاج تفاعلات سياسية واقتصادية واجتماعية معقدة، مما يتيح التفكير في الأخلاق والحريات ضمن حدود المنظمات الدولية وأطرها.

    من بين قائمة طويلة من الأسماء المعروفة في الإستراتيجية الدولية، مثل هنري كيسنجر وصمويل هنتنغتون وجون ميرشايمر وزبيغنيو برزينسكي وفرانسيس فوكوياما، تميز اسم جوزيف ناي كحلقة وصل بين الواقعية والليبرالية، حيث اعتبر أن القوة تتجاوز مجرد القوة الصلبة، وهو ما يمثل إسهامه الفكري الأكثر بروزًا في فهم القوة الناعمة والقوة الذكية وأثرهما على الإستراتيجية العالمية.

    توفي جوزيف ناي عن عمر يناهز 88 عامًا في الثامن من مايو/أيار، وفي نعيه كتبت سوزان نوسل، المديرة التنفيذية السابقة لـ”پِن أميركا” (PENAmerica)، في مجلة “فورين بوليسي”: “جوزيف ناي كان له تأثير في تشكيل مفهوم القوة الناعمة في الإستراتيجية الخارجية الأميركية على مدى عقود، حيث تمسك هو وحلفاؤه بفكرة أن أميركا لا تستطيع أن تحقق نجاحًا دون التوفيق بين حلفائها، والبراهين المقنعة، والالتزام بالأخلاقيات، والتغلب على المنافسين في لعبة الشطرنج الثلاثية الأبعاد”، في إشارة إلى مزيج القوة الصلبة (العسكرية) والقوة الماليةية والناعمة (الثقافية) التي اعتقد ناي أن هيمنة الولايات المتحدة بنيت عليها.

    باختصار، عرف جوزيف ناي القوة الناعمة بأنها القدرة على إقناع الآخرين برغبتهم في ما تريد. فهل نجحت الولايات المتحدة في ذلك؟

    GettyImages 588159782 1748253631
    في مذكراته، قال جوزيف ناي إن القوة الأميركية “حتى لو ظلت مهيمنة في الخارج، فمن الممكن أن تفقد قيمها الداخلية وجاذبيتها للآخرين”. (غيتي)

     

    سيرة مُنظِّر الهيمنة الناعمة

    “يمكنك فعل كل شيء بالحِراب، إلا الجلوس عليها”.

    • شارل موريس تاليران، وزير خارجية فرنسا في عصر نابليون

    وُلِد جوزيف ناي في 19 يناير/كانون الثاني عام 1937 في بلدة زراعية صغيرة في نيوجيرسي، وحصل على بكالوريوس التاريخ من جامعة برينستون عام 1958، ثم درس في جامعة أوكسفورد قبل أن يحصل على درجة الدكتوراه في العلوم السياسية من جامعة هارفارد عام 1964 بعد أن كتبها تحت إشراف هنري كيسنجر.

    بدأ ناي حياته الأكاديمية في هارفارد في نفس السنة، وتولى منصب مدير مركز العلوم والشؤون الدولية في كلية كينيدي للإدارة الحكومية بين 1985-1990، وشغل منصب العميد المساعد للشؤون الدولية في الجامعة بين 1992-1998، وعميد كلية كينيدي بين 1995-2004.

    كان كتاب جوزيف ناي “القوة والترابط: الإستراتيجية العالمية في مرحلة انتقالية” مرجعًا تاريخيًا مهمًا في مضمونه وفي توقيت صدوره (1977)، حيث اعتُبر ناقدًا للواقعية السائدة التي دافع عنها كيسنجر. انطلق ناي في كتابه من تجربة الولايات المتحدة في فيتنام وتجربة حظر النفط العربي خلال حرب أكتوبر 1973، وجادل بأن الترابط العالمي المتزايد يفرض تحديات لا يمكن مواجهتها بالقوة الماليةية أو العسكرية بل تتطلب التعاون وبناء المؤسسات المشتركة. هنا، سلط ناي الضوء لأول مرة على مفهوم “القوة الناعمة”، مشيرًا إلى قدرة الدول على تشكيل سياساتها من خلال القدرة على الإقناع الثقافي والأخلاقي بدلاً من الإكراه المباشر.

    في كتابه “حتمية القيادة”، نوّه ناي أن قيم الولايات المتحدة الدستورية وابتكاراتها يؤهلانها للاستفادة من مصادر قوة أقل عنفًا من القوة العسكرية. ودافع ناي عن دور القوة الناعمة طوال مسيرته، مؤمنًا بأن للولايات المتحدة موارد فريدة تمكنها من قيادة العالم في عصر ما بعد الحرب الباردة.

    ولفت ناي إلى أن القوة الناعمة أي دولة تنبع من ثلاثة مصادر رئيسية: ثقافتها وقيمها السياسية، مثل الديمقراطية وحقوق الإنسان، وسياساتها الشرعية التي تتوافق مع مصالح الآخرين، والقبول المتبادل للشراكة. واعتبر أن القوة الناعمة تكمل القوة الصلبة، حيث تحتاج القوة العسكرية إلى بعد ثقافي لزيادة فعاليتها.

    لذلك، رأى ناي أن الإمبراطورية الرومانية حافظت على استمراريتها بالاعتماد على قوتها العسكرية، وأيضًا بجاذبية ثقافتها. كما انتصرت الولايات المتحدة في الحرب الباردة بفضل قوتها العسكرية والماليةية، وأيضًا بفضل جاذبية أفكارها.

    في محاضراته، استخدم ناي حلوى “إم آند إمز” كرمز، مشيرًا إلى أنها كانت السبب في أن المراهقين في برلين الشرقية كانوا يستمعون إلى الراديو من الغرب. لكن هذا الرأي قوبل بنقد لاذع لاحقًا.

    في عام 2003، كتب المؤرخ نيال فيرغسون في “فورين بوليسي” منتقدًا: “المشكلة مع مفهوم القوة الناعمة هي أنها، فعليًا، ناعمة! يمكنك أن ترى في كل أنحاء العالم الإسلامي أطفالاً يستمتعون بشرب الكوكاكولا وتناول ماكدونالدز، لكن، هل تجعلهم هذه الروابط يحبون الولايات المتحدة؟ الإجابة هي لا!”.

    لم يكن ناي مجرد مدافع نظري عن القوة الناعمة بل كان ينفذ أفكاره في الإستراتيجية. منذ عام 2004، لاحظ تراجع دور الولايات المتحدة تحت إدارة جورج بوش الابن، بسبب اعتمادها المتزايد على القوة العسكرية وكراهية الثقافة الأميركية حول العالم.

    في مذكراته “حياة في القرن الأميركي”، كتب ناي أن الهيمنة الأميركية قد تستمر لعقود ولكنها ستظهر بشكل مختلف، وأعرب عن قلقه من عوامل داخلية قد تضر بالقوة الناعمة الأميركية. وذكر أن “القوة الأميركية، حتى لو ظلت مهيمنة، قد تفقد قيماً داخلية وتجذب الآخرين”.

    من ناي إلى ترامب: عصا وجزرة بدون عسل

    “الخطر الأكبر المحيط بقوة أميركا ليس الصين أو التطرف، بل فشلنا في الالتزام بقيمنا وحماية تحالفاتنا”.

    في 9 سبتمبر/أيلول الماضي، قال جوزيف ناي في استطلاع آراء الخبراء حول ما ينبغي توجيهه للرئيس الأميركي القادم قبل انتخابات نوفمبر/تشرين الثاني، حيث فاز المرشح الجمهوري دونالد ترامب،: “سيدتي أو سيدي القائد، سيكون عليك التنمية الاقتصادية في القوة الناعمة الأميركية، وهي القدرة على تحقيق أهدافك من خلال الجذب بدلاً من الإكراه. عندما نشرت مقالتي الأولى عن القوة الناعمة عام 1990، كان المفهوم جديدًا، لكن السلوك كان قديمًا كما تاريخ البشرية، حيث تسود القوة القاسية غالبًا على المدى القصير، بينما تكون القوة الناعمة ضرورية لنجاح الإستراتيجية الخارجية على المدى الطويل”.

    قبل أسبوع من وفاته، كتب ناي: “أخشى أن القائد ترامب لا يفهم القوة الناعمة. إذا كنا نظن أن القوة مزيج من العصا (العسكرية) والجزرة (الماليةية) والعسل (الناعمة)، فإن ترامب يتجاهل العسل. إذا تمكن من جعل هذه العناصر الثلاثة تعمل معًا، فسيحقق الكثير. يمكن للاقتصاد أيضًا أن يمكن استخدام العصا والجزرة إذا كانت مقترنة بجاذبية العسل، وعندما تلغي شيء مثل المساعدات الإنسانية من الوكالة الأميركية للتنمية الدولية، أو تخفض صوت أميركا، فإنك تحرم نفسك من أداة رئيسية في القوة”.

    20th anniversary of the September 11, 2001 attacks
    ذكر ناي أن القوة الناعمة الأميركية بدأت تتآكل مع تدخلات جورج بوش الابن العسكرية. (رويترز)

    قارن ناي بين ترامب وعدد من الرؤساء اللاحقين، مشيرًا إلى أن وودرو ويلسون سعى إلى سياسة خارجية تؤمن الديمقراطية في جميع أنحاء العالم، في حين أن جون كينيدي شجع الأميركيين على التفكير فيما يمكنهم القيام به لبقية العالم، فأنشأ فيلق السلام عام 1961، وجعل جيمي كارتر حقوق الإنسان من أولويات الإستراتيجية الخارجية، ثم اعتمدت استراتيجية جورج بوش الأب على بناء مجتمع عالمي متنامٍ من الديمقراطيات والترويج للحرية والعدالة. لكن هذه الأمور شهدت تآكلًا بسبب سياسة جورج بوش الابن وحصرية ترامب.

    كان ناي مشغولاً بمستقبل العالم، حيث كتبت مقالاته الأخيرة عام 2025 عن قضايا مثل الانتشار النووي والتغيير في النظام الحاكم العالمي، مع تساؤلات حول كيفية تعزيز القوى الكبرى للتعاون وتعزيز القيم الديمقراطية. وكتب في مقالة حول العولمة: “وجدت بعض الدراسات أن ملايين الوظائف فقدت نتيجة المنافسة الأجنبية، لكن هناك أيضًا تأثيرات من الأتمتة”.

    لفتت بيانات ناي إلى أن الشعبويين يجدون من الأسهل إلقاء اللوم على الأجانب بدلاً من لوم التقنية. ونوّه أن الاعتماد المتبادل سيبقى حقيقة قائمة ما دامت التقنية موجودة، مشيراً إلى أن العولمة الماليةية لديها جذور تمتد لقرون.

    في مقالة “مستقبل النظام الحاكم العالمي”، قال ناي: “أثرت سياسات ترامب كثيرًا على مستقبل النظام الحاكم الدولي المُعتمد بعد الحرب العالمية الثانية، حيث انحازت إدارته إلى روسيا التي غزت أوكرانيا. وقد خلقت تهديداته بشأن الرسوم الجمركية شكوكًا حول التحالفات القائمة والنظام الحاكم التجاري، وأدى انسحابه من اتفاقية باريس للمناخ ومنظمة الرعاية الطبية العالمية إلى تقويض التعاون في مواجهة التحديات العابرة للحدود.”

    هل ندخل عصرًا جديدًا من التراجع الأميركي، أو أن هجمات إدارة ترامب على مؤسسات القرن الأميركي ستمثل مجرد تراجع دوري مؤقت؟ قد لا نعرف الجواب قبل عام 2029.”.

    قدم ناي تحذيرات عن تأثير سياسات ترامب في بالحكم على النظام الحاكم العالمي في مقالاته، حيث لفت إلى أن الولايات المتحدة تمتلك ما يقرب من نصف المالية العالمي بعد الحرب العالمية الثانية، لكن القوة العسكرية كانت متوازنة مع قوة الاتحاد السوفياتي. مع انهيار الاتحاد السوفياتي عام 1991، أصبحت الولايات المتحدة “القوة العظمى الوحيدة”، لكن توسعها في الشرق الأوسط أسفر عن سوء إدارة استقر في الأزمة المالية عام 2008.

    قال ناي: “روسيا والصين غيرتا استراتيجياتهما بسبب اعتقادهم أن الولايات المتحدة تمر بمرحلة انحدار، حيث غزا بوتين جورجيا عام 2008، بينما اتبعت الصين سياسة دبلوماسية أكثر جرأة. نمّت الصين اقتصادها بشكل قوي، ما جعلها قريبة من القوة الأميركية.”

    مع استمرار الولايات المتحدة في الحفاظ على تحالفاتها مع اليابان وأوروبا، فإن مجموعهم يمثل أكثر من نصف المالية العالمي، في الوقت الذي تمثل فيه الصين وروسيا مجتمعًا 20%. هل ستحافظ إدارة ترامب على هذا المورد الفريد من نوعه؟ ستكون الأعوام 1945 و1991 و2008 نقاط تحوّل فارقة، وإذا أضاف المؤرخون عام 2025 إلى تلك القائمة، ستكون النتيجة نتيجة سياسة أميركية ومشاكل ذاتية، وليس نتيجة أي تطور حتمي.”

    حدود الواقعية-الليبرالية الرشيدة

    “إن الهيمنة، حتى وإن كانت تحت قناع إنساني، تبقى هيمنة”.

    عمل جوزيف ناي في السلطة التنفيذية الأميركية، حيث شغل منصب نائب وكيل وزارة الخارجية للمساعدات الاستقرارية والعلوم والتقنية خلال رئاسة جيمي كارتر بين عامي 1977-1979، ثم ترأس مجموعة من مجلس الاستقرار القومي بشأن حظر انتشار الأسلحة النووية، وحصل على جائزة الشرف المتميزة من وزارة الخارجية عام 1979. وكان رئيسًا لمجلس الاستخبارات الوطني بين 1993-1994 تحت إدارة بيل كلينتون، وحاز على ميدالية الخدمة المتميزة. بعد ذلك، عُين مساعدًا لوزير الدفاع للشؤون الاستقرارية الدولية حتى عام 1995.

    في أكتوبر 2014، عينه وزير الخارجية جون كيري في مجلس الشؤون الخارجية خلال رئاسة أوباما، وهي مجموعة كانت تجتمع بانتظام لمناقشة القضايا الاستراتيجية.

    في كتابها “الحرب الباردة الثقافية: الاستخبارات المركزية الأميركية والفنون والآداب” (1999)، كشفت الصحفية البريطانية فرانسيس سوندرز تفاصيل المواجهة الذي شنته وكالة الاستخبارات ضد السوفيات عبر القوة الناعمة، باستخدام كتاب ومثقفين في المجالات الثقافية. هذا النموذج لفت إليه ناي في كتابه عندما ناقش سياسات كينيدي. وقد كشفت سوندرز عن مجموعة بارزة من المثقفين اليساريين الذين اجتذبتهم واشنطن ثم مولت نشاطاتهم الأكاديمية والفنية لمواجهة النموذج السوفياتي.

    إذن، القوة الناعمة التي نظّر لها ناي ليست مجرد انتقاد للهيمنة، بل هي أداة للهيمنة المستخدمة من قبل الولايات المتحدة، حيث انتقد استخدام القوة الخشنة فقط، مظهرًا نموذجًا أكثر ليبرالية للهيمنة الأميركية. يعتبر ناي مُنظِّرًا واقعياً مؤسسيًا وثقافياً، لكنه لم يكن ناقداً جذرياً للسياسات الأميركية إلا عندما انحرفت نقطة التعريف الخاصة به عن الهيمنة، كما حدث مع إدارة ترامب وبوش الابن. لا ينتقد ناي بما فيه الكفاية توزيع القوى الأميركية العسكرية والماليةية والثقافية حول العالم، إذ إن حضوره الثقافي لطالما جنى ثماره من دول حليفة، في حين حصلت دول أخرى على فتات المساعدات.

    في معظم دول الجنوب العالمي، تجسدت القوة الأميركية كقوة غير رشيدة، حيث تقوضت الحقوق السيادية للشعوب عبر تدخلات عسكرية في أفغانستان، وفي نفس الوقت، ترتبط العلاقات الماليةية السطحية مع النخب الصغيرة بأزمات اجتماعية أدت إلى احتجاجات كبرى مثل الثورات العربية في عام 2011. لذا، يظل اسم جوزيف ناي مهمًا لفهم التوجهات المختلفة داخل المؤسسات الأميركية الأكاديمية والحكومية، وكيف يتصور الديمقراطيون الهيمنة، إضافة لفهم آفاق الخطاب الليبرالي الناقد للجمهوريين وحدوده في الوقت ذاته.

    على الرغم من اختلاف ناي عن الصقور الجمهوريين والمحافظين الجدد، إلا أنه لا ينفصل عن إدراكه لأهمية الهيمنة والسيطرة، بيد أنه يرى لها تجليات مختلفة. اعتبر ناي أن القوة الأميركية تتمثل في جعل الآخرين يشعرون بأن لديهم خيارات، رغم أن الخيارات غالبًا ما تكون ضمن حدود ما تريده الولايات المتحدة، وهو الوهم الذي يمنح القوة الناعمة فعاليتها!


    رابط المصدر

  • الطائرة الصينية التي كشفت تراجع القوة الجوية الأمريكية

    الطائرة الصينية التي كشفت تراجع القوة الجوية الأمريكية


    جيوتيان هي طائرة هجومية مسيّرة صينية من الجيل الخامس، مصممة كحاملة لطائرات مسيّرة أصغر، تستطيع الطيران على ارتفاعات تصل إلى 15 كيلومتر. تم الكشف عنها في معرض تشوهاي 2024، مع تجربة جوية متوقعة في 2025. تحتوي على محرك توربيني يمكنها من التحليق لمسافة 7000 كيلومتر وحمولة تصل إلى 6 أطنان، بما في ذلك 100 طائرة مسيرة صغيرة. تتميز بقدرتها على تنسيق أسراب الطائرات المسيّرة لأغراض متعددة، مما يجعلها منصة فعالة للقوة الجوية، وتعتبر استجابة صينية لتحولات مشهد الحروب المعاصرة وتحقيق التفوق الاستراتيجي.

    تُعرف “جيوتيان” بأنها طائرة هجومية صينية مسيّرة من الجيل الخامس، تُصنّف ضمن فئة “الارتفاعات الشاهقة وقدرات التحمّل الطويلة” (high-altitude long-endurance). ما يميزها أنها مُصممة لحمل طائرات مسيّرة أصغر داخل هيكلها. في نوفمبر/تشرين الثاني من عام 2024، صرحت الصين عن هذه الطائرة التي تروج لها كأول حاملة مسيّرات تطير على ارتفاعات شاهقة، وهي طائرة ضخمة غير مأهولة، قادرة على حمل مئات الطائرات المسيرة الصغيرة، مما يجعلها تشبه قاعدة طائرة تُطلق أسراب من الطائرات المسيّرة عند ارتفاعات تصل إلى 15 كيلومتر.

    تم الإعلان عن هذا الكشف خلال النسخة الـ15 من معرض الصين الدولي للطيران والفضاء في مدينة تشوهاي. وتشير التقارير الإعلامية الرسمية في الصين إلى أن اختبارات الطيران ستبدأ في نهاية يونيو/حزيران المقبل.

    حاملة الطائرات المسيّرة

    المشروع يقوم على تطويره شركة صناعة الطيران الصينية المملوكة للدولة، واسمها بالصينية (جيوتيان) يعني “السماء العالية”.

    بدأت ملامح هذا المشروع بالظهور عبر وسائل الإعلام العسكرية في أوائل عام 2023، ولكن المفاجأة كانت بظهور الطائرة علنًا في معرض تشوهاي في أواخر السنة الماضي. الرحلة التجريبية المنتظرة في يونيو/حزيران القادم تشير إلى تسارع غير مسبوق في مناقشة فكرة الطائرة وتحليقها، وذلك بفضل الدعم السخي الذي تقدمه الصين لتسريع الابتكارات العسكرية، كما ذكرت تقرير موقع “أرمي ريكوجنيشن”.

    طائرة "جيوتيان" (Jiutian SS-UAV) مواقع التواصل - Zhuhai Air Show
    طائرة “جيوتيان” (Jiutian SS-UAV) (مواقع التواصل)

    فيما يتعلق بالتفاصيل التقنية، تعتمد الطائرة على محرك توربيني فائق الدفع مأخوذ من أعلى هيكلها، مما يمكنها من الوصول لمدى تشغيلي يصل إلى 7 آلاف كيلومتر وزمن تحليق يستمر لـ36 ساعة. ويُعتبر تميز “جيوتيان” في حمولتها، حيث يمكن اعتبارها “المركبة الأم”، التي تستطيع حمل ما يصل إلى 6 أطنان من الحمولة المتنوعة، سواء الطائرات المسيّرة الأصغر أو الذخائر، داخل حجرة متعددة الاستخدامات وعلى 8 نقاط تعليق خارجية.

    بحسب الإعلام الرسمي الصيني، تستطيع الطائرة إطلاق أكثر من 100 طائرة مسيّرة صغيرة، سواء كانت انتحارية “كاميكازي” أو طائرات استطلاع، عبر منافذ في أسفل هيكلها، مما يجعلها موزّعاً جوياً للطائرات المسيّرة.

    تشير التقارير إلى أن هذه الطائرة تمثل “نقطة قيادة جوية” تساعد في تنسيق أسراب معقدة من الطائرات المسيّرة عبر مساحات شاسعة. وعند إطلاقها، يُمكن للطائرات المسيّرة القيام بمهام متعددة، سواء الاستطلاع، التشويش، أو إرباك الدفاعات الجوية للخصم، وصولاً إلى تنفيذ هجمات جماعية نحو أهداف محددة.

    دور مزدوج

    من حيث المفهوم، تمثل طائرة “جيوتيان” تحدياً للطائرتين الأميركيتين “إم كيو-9 ريبر” و “آر كيو-4 غلوبال هوك”، لكنها تختلف عنهما في طبيعة المهام. بينما تركز “إم كيو-9 ريبر” على الضربات الدقيقة، تلعب “جيوتيان” دور مركز التحكم لأسراب المسيّرات، مثل حاملة طائرات في الجو.

    أما “آر كيو-4 غلوبال هوك”، المعنية بالاستطلاع الاستراتيجي، فهي تفتقر إلى القدرات الهجومية المتعددة التي تقدمها الطائرة الصينية.

    تجمع “جيوتيان” بين ميزات كليهما مع إضافات نوعية، فهي مثل “آر كيو-4 غلوبال هوك” مخصصة لأداء مهام الاستطلاع على ارتفاعات شاهقة، وتتميز بجناحين عريضين وقدرة على الطيران لمسافات طويلة. كما أن محركها المثبت في الخلف يُقلل من بصمتها الحرارية، مما يُعزز قدرات التخفّي والمناورة.

    ببساطة، تؤدي “جيوتيان” دوراً مزدوجا؛ كطائرة هجومية واستطلاعية على ارتفاعات شاهقة، ومناصة لإطلاق طائرات مسيّرة صغيرة. بالمقارنة مع حاملات الطائرات التقليدية، توفر “جيوتيان” بديلاً أكثر كفاءة من حيث التكلفة والتخفّي، من دون تعريض حياة الطيارين للخطر.

    علاوة على ذلك، تُشير التقارير الصينية إلى أن “جيوتيان” تعتمد نظام تحكم يعتمد الذكاء الاصطناعي، مما يمكّن قائد واحد من تشغيل الطائرة وسرب الطائرات المسيّرة الصغيرة عن بُعد. ترتبط الطائرة بأمان بالأقمار الاصطناعية، وقد تستخدم تقنيات تشفير كمومية للاتصالات، مما يقلل من مخاطر التشويش والقرصنة.

    على الرغم من تركيز الصين على تعزيز قدراتها التخفية، إلا أن ضخامتها تجعلها هدفًا جذابًا لمنظومات الدفاع الجوي المتطورة، مما يتطلب غالباً توفير غطاء جوي تحسبًا للتهديدات الأرضية. وفي حين أن الارتفاع المعلن الذي يمكن أن تصل إليه الطائرة هو 7 آلاف كيلومتر، إلا أنها تبقى ضمن مدى منظومات الدفاع المتطورة مثل “باتريوت باك-3” الأميركية ومنظومة “سكاي بو 3” التايوانية، كما ذكرت صحيفة نيوزويك.

    بالطبع، تبقى هذه القدرات ادعاءات صينية طموحة لم تُختبر بعد في ميادين القتال. لكن الأهم هنا هو سرعة تطور هذه الفكرة ونوعيتها.

    بالإضافة إلى ذلك، هذا الإيقاع السريع -من التصميم إلى الاختبار خلال عامين- أمر نادر في طائرات مسيّرة بهذا التعقيد، مما يعكس طموح الصين في تطوير برامج الطائرات المسيّرة، والأنظمة العسكرية الأخرى لضمان قدرات مستقبلية متميزة.

    حروب أسراب المسيّرات

    السؤال الذي يتطلب إجابة هو: لماذا تسعى الصين لبناء “حاملة طائرات مسيّرة” في السماء؟

    قد يكمن جزء من الإجابة في تحولات مشهد الحروب المعاصرة. في السنوات الأخيرة، جذبت تكتيكات أسراب الطائرات المسيّرة انتباه الاستراتيجيين العسكريين، الذين بدأوا يرون فيها وسيلة لمُحاصرة دفاعات العدو من خلال الكثرة والتنسيق، بدلاً من الاعتماد على قوة الأسلحة فقط.

    بدلاً من الاعتماد على طائرات تقليدية أو صواريخ مكلفة، يمكن إطلاق عشرات أو مئات الطائرات المسيرة. الفكرة هنا هي أن بعض هذه الأسراب قد لا تتمتع بقوة تدميرية ضخمة، لكنها قادرة أن تُستنزف الخصم الأكثر تطوراً خلال المعركة.

    في هذا السياق، تم تطوير “جيوتيان” خصيصاً لخوض هذا النوع من الحروب، فهي منصة إطلاق جوية تُضاعف مدى وسرعة انتشار أسراب المسيّرات الصغيرة. تخيل سحابة من الروبوتات القتالية تغطي السماء في لحظة واحدة؛ وهو ما يُربك الميزانية العسكرية للحروب، حيث يُجبر المدافع على إطلاق العشرات من الصواريخ الغالية لصدّ هجوم أطلقته منصة واحدة منخفضة التكلفة.

    بالنسبة للصين وتصوراتها المستقبلية، يُتوقع أن تؤدي “جيوتيان” دورًا محوريًا في تحقيق التفوق الجوي، خاصة في المناطق الإستراتيجية المتنازع عليها. يمكن أن تُشكل هذه الطائرة، إلى جانب المسيّرات الكبيرة والطائرات الحربية المقاتلة والصواريخ الباليستية، مجموعة عسكرية تضمن للصين أفضلية في الضغط الجوي واستدامة الهيمنة، وتوفر ضربات فورية ومؤثرة واستطلاعاً دقيقاً عند الحاجة، كما ذُكر في تقرير آخر لموقع “أرمي ريكوجنيشن”.

    يعتبر المفكرون العسكريون في الصين أن هذه المقاربة تتجاوز الفهم التقليدي للقوة الجوية الغربية. بدلاً من تقليص الترسانة الأميركية، تستثمر بكين في أنظمة تقلل من أهمية الطائرات وحاملاتها. كما ورد في بعض التحليلات، تسعى “جيوتيان” وأخواتها إلى “إعادة تعريف الهيمنة الجوية” عبر أساليب جوية متنوعة، وموزعة يصعب استهدافها بدقة.

    تستطيع تلك الأسراب المسيّرة تغطية مساحات شاسعة من الأرض دون تكوين هدف مركزي يمكن تدميره، وبالتالي فإن فقدان بعضها لا يعني انهيار المهمة، بل هو جزء من إرباك منظومات الدفاع الخاصة بالخصم.

    فبينما يمكن للطيران البشري أن يكون في نقطة معينة، تستطيع منصة “جيوتيان” تنسيق العشرات من الطائرات المسيّرة شبه المستقلة في ذات الوقت.

    تمتزج هذه الرؤية مع نقاط القوة والطموحات الصينية، فقد درس جيش التحرير الشعبي الصيني الحروب الحديثة، وخاصة حرب أوكرانيا المعروفة بحرب الطائرات المسيّرة. الدروس المستفادة من استخدام الطائرات المسيّرة الانتحارية والأدوات الرخيصة لم تغب عن بكين، حيث أظهرت أن هذه الأدوات يمكن أن تُدمر الدبابات، وتراقب المدافع، بل وتشتت جهود الدفاع المتطورة عند استخدامها بكثافة.

    بعد حرب أوكرانيا، يتم مقارنة بعض القادة العسكريين الأميركيين تأثير تلك الطائرات بعمليات ثورية غيّرت مجرى الحروب عبر التاريخ. وقد كشفت الحرب الروسية الأوكرانية، ثم الحرب على غزة، عن أهمية القدرات الاستراتيجية للطائرات المسيّرة منخفضة التكلفة وسهلة الاستبدال، أو الطائرات التجارية المستخدمة لأغراض عسكرية.

    يُلاحظ أن قدرات الصين في استخدام أسراب الطائرات المسيّرة كانت بارزة قبل تطوير منصة “جيوتيان”، حيث أجرت شركة حكومية صينية تجارب نوعية في عام 2020، حيث أطلقت الطائرات المسيّرة من منصات مكونة من 48 وحدة إطلاق عن طريق الشاحنات والطائرات المروحية.

    ومع تقدم تقنيات الذكاء الاصطناعي وأنظمة الاتصال اللامركزية، أصبح من الممكن التحكم في أسراب أكبر وأكثر تنسيقًا. ومن هنا، بدا من المنطقي أن تطلق “جيوتيان” تلك الأسراب من الجو بدلاً من الأرض، لقصف الخصم بشكل مفاجئ.

    في هذا السياق، يمكن أن تحلق “جيوتيان” على ارتفاعات آمنة نسبيًا وتُطلق أسرابها نحو أرض المعركة، حيث يمكن لهذه الأسراب أن تهاجم المواقع الاستراتيجية مثل رادارات العدو والسفن ومنظومات الدفاع الجوي، تمهيداً لتقدم القوات البرية والبحرية والجوية.

    تفوق صيني

    لننظر إلى الصورة الكبيرة، فإن مسيّرة “جيوتيان” تُعتبر ثمرة لاستثمار كثيف قامت به الصين في مجال الطائرات المسيّرة.

    تشير التقارير العسكرية الحديثة إلى أن هناك أكثر من 50 نموذجًا من الطائرات المسيّرة تحت التطوير في قطاع الصناعات الدفاعية الصينية، من الطائرات الرباعية الصغيرة إلى الطائرات الهجومية الشبحية. لتحقيق فهم أفضل لحجم هذه الجهود، يجب أن نعلم أن المصانع الصينية تستعد لإنتاج ملايين من الطائرات المسيّرة الانتحارية الصغيرة بحلول عام 2026.

    يعود الفضل في هذه الزيادة الإنتاجية، وتوفر هذا المخزون الكبير من الطائرات المسيّرة، إلى سيطرة الشركات الصينية على هذه القطاع التجاري، التي تنتج وتبيع معظمها حول العالم. يضاف إلى ذلك أن قطاع الطائرات المسيّرة التجارية في الولايات المتحدة يتخلف عن نظيره الصيني، حيث تهيمن الشركات الصينية على سوق هذه التقنيات ذات الاستخدام المزدوج.

    على سبيل المثال، تُشترى أوكرانيا نحو 60% من إمدادات العالم من الطائرات “مافيك” التي تنتجها شركة “دي جيه آي” الصينية، وفقًا لأحدث الإحصائيات.

    هذه الهيمنة الصينية لم تأتِ مصادفة، حيث لفت تقرير الاتحاد الدولي لأنظمة المركبات غير المأهولة إلى أن النجاح يعود للدعم الواسع الذي تقدمه السلطة التنفيذية لهذه الشركات عبر الإعانات واستثمارات مباشرة ووضع تشريعات استراتيجية، مما منح الشركات الصينية موقف قوة في الساحة العالمية.

    في عام 2015، أطلقت السلطة التنفيذية الصينية مبادرة “صُنع في الصين 2025″، وهي خطة تمتد ل10 سنوات، للاستثمار في الصناعات القائدية بما في ذلك التقنية، بهدف ضمان ريادة الصين وهيمنتها على الأسواق العالمية.

    ساهمت هذه الإعانات في تخفيض تكاليف الإنتاج، مما مكن الشركات الصينية من تقليل أسعار الطائرات المسيّرة، وهذا أعطاها ميزة على نظيراتها الأميركية سواء من حيث السعر أو الميزات التقنية.

    في النهاية، بينما يستمر سباق الابتكار في عالم الطائرات المسيّرة، يبقى السؤال: إذا كانت الحروب الحالية مدمرة، فكيف ستكون حروب المستقبل؟


    رابط المصدر