الوسم: الجغرافيا

  • تجاوز الجغرافيا وتغيير الهوية: علماء حديثون أسسوا في صنعاء وتألّقوا في دمشق

    تجاوز الجغرافيا وتغيير الهوية: علماء حديثون أسسوا في صنعاء وتألّقوا في دمشق


    تتناول دراسة “صنعانيون، ولكن من دمشق” للباحث عبد العزيز الصغير دخان ظاهرة علماء ينسبون إلى “صنعاء” رغم اقامتهم في دمشق. تعكس هذه الظاهرة نظام النسبة في الثقافة الإسلامية، حيث كانت الهويات العلمية تعتمد على العلم والسند وليس فقط على المكان الجغرافي أو الميلاد. يتضح من الدراسة أن هذه النسب كانت شائعة، وتبرز العلاقة العميقة بين الشام واليمن في تداخل هوياتهما الثقافية والعلمية. تشير الدراسة إلى أهمية الفهم العابر للجغرافيا في الهوية الإسلامية، مما يعكس شبكة علمية مترابطة بين الأقاليم تحقق الوحدة الحضارية.

    تتسم الهويات في التاريخ الإسلامي بالتعقيد، إذ لا تسير وفق خطوط مستقيمة ولا تُحدد الانتماءات بالجغرافيا أو الأماكن التي ولد فيها الأفراد كما هو الحال في الجنسيات الحديثة. فقد نرى عالماً كبيراً يُنسب لمدينة ليست مكان مولده، أو يُعرف باسم بلد لم يقض فيه سوى فترة قصيرة من حياته. هذه الظاهرة تعكس علاقة الإنسان بالمكان في الحضارة الإسلامية، حيث كانت العلاقة تتجاوز مجرد النشأة أو الإقامة لتُعبّر عن علم ومرجعية ومدرسة معينة.

    كان نظام النسبة في الإسلام أحد أبرز الملامح الثقافية والعلمية، إذ لم تقتصر الأنساب على الدم وإنما كانت تعكُس ارتباطات علمية ومناهج ودروس. فالعالم قد يُنسب إلى بلده الأصلي أو موطن آبائه أو حتى المكان الذي عُرف فيه، مما يضعه ضمن سلسلة علمية مُعتمدة.

    تأتي دراسة بعنوان “صنعانيون، ولكن من دمشق” للأستاذ الدكتور عبد العزيز الصغير دخان، المنشورة في مجلة جامعة أم القرى لعلوم الشريعة والدراسات الإسلامية عام 1431هـ/2010م، لتلقي الضوء على ظاهرة ثقافية علمية مدهشة؛ تتعلق بعلماء يُنسبون إلى صنعاء بينما عاشوا في دمشق، مستفيدين من علمها ومجالسها.

    هذا التوجه لا يعكس أي خطأ في كتب التراجم، بل يمثل امتداداً لنظام النسبة في الثقافة الإسلامية، حيث يُنظر إلى المكان كرمز لهوية علمية وتراثية، وليس كموقع ميلاد فقط.

    Sunrise over Damascus, Syria with one of the fortified walls of the Old City. This image was taken on a winter morning.
    حي البرامكة في دمشق شهد وفود علماء من صنعاء قديما (غيتي)

    “صنعاء دمشق” هجرة الأسماء وإقامة الذاكرة

    تكشف الدراسة عن مفارقة تاريخية نادرة تتعلق بموضعين يحملان الاسم نفسه “صنعاء”، أحدهما في اليمن والآخر في غوطة دمشق. هذه المفارقة تمتد إلى الالتباسات الثقافية والعلمية في كتب التراجم، حيث قد تُخطئ النسبة بين صنعاء اليمن وصنعاء الشام، مما يؤدي إلى إسناد بعض العلماء إلى صنعاء اليمن رغم أنهم في الأصل من بلاد الشام، خصوصًا من قرية “صنعاء دمشق” التي اندثرت لاحقاً.

    صنعاء اليمن كانت ولا تزال العاصمة التاريخية، المرتبطة بكبار العلماء، مثل الإمام عبد الرزاق بن همام الصنعاني (ت 211هـ)، الذي يُعد من أعلام المحدثين في القرون الأولى. وقد سجلت هذه النسبة المعرفية استمرارًا لنظام النسبة القائم على مسألة السند والمرجعية الفكرية.

    أما صنعاء دمشق، فهي قرية صغيرة في غوطة دمشق، استوطنتها قبائل يمنية قديمة كتعويض عن فقدان موطنهم، وكانت تعبيرًا عن الحنين والانتماء. وقد لفت الباحثون إلى أنها كانت معروفة بعنايتها بعلم الحديث.

    كما أفاد المحقق محمد أحمد دهمان أن القرية انقلبت إلى مزرعة في القرن السادس الهجري، ولم يبق من آثارها سوى بساتين.

    لفت ياقوت الحموي في معجم بلاده إلى أن غوطة دمشق كانت تضم العديد من القرى التي اندثرت أسماؤها، بما في ذلك “صنعاء” التي لم يحدد موقعها بدقة.

    وذكر الحافظ برهان الدين سبط ابن العجمي في كتابه أن “صنعاء” ليست حكراً على اليمن، بل تُطلق أيضًا على من سكن القرية الشامية، مما يشير لنمط عميق من الانتماءات الثقافية والاجتماعية.

    عند التخوم الغربية لدمشق، يقف حي البرامكة اليوم كحي نابض، إذ يحتفظ في ذاكرتنا باسم “صنعاء دمشق”. مرت القرون ولم يُعرف هذا الاسم إلا كقرية صغيرة، استعادها القادمون من اليمن، محاولين تثبيت هويتهم في ميدان غريب.

    ومع مرور الوقت، تغير الاسم إلى “تل الثعالب”، لكن ذاكرته لا تزال حاضرة في المصادر التاريخية.

    تدون كتب التاريخ أن هذه المنطقة كانت تُعرف باسم “صنعاء دمشق” نتيجة استيطان اليمانيين، ومع مرور الزمن، تشتت الاسم القديم لكن أثره لا يزال موجودًا في الكتابات التاريخية.

    فمن الناحية الجغرافية، تعرف المنطقة اليوم بحي البرامكة، بينما كانت تاريخياً تُعرف بـ”صنعاء دمشق”. ومعنى ذلك أن النسبة إلى “صنعاء” تتجاوز النطاق الجغرافي السياسية وتبقى شاهداً على الحضور الثقافي.

    هذه الرحلة ليست مجرد انتقال اسم، بل تعبّر عن ذاكرة حية تخرج من الجغرافيا لتلامس عمق الفهم الثقافي.

    Historical oriental architecture in alley of old city of Damascus
    دراسة “صنعانيون، ولكن من دمشق” تكشف حالة “صنعاء الدمشقية”، حيث تعبر الأسماء النطاق الجغرافي وتعيد تشكيل الذاكرة (غيتي)

    علماء “صنعانيون” في الشام.. شواهد من التاريخ

    تشير الدراسة إلى مجموعة من العلماء الذين يحملون نسبة “صنعاء” رغم أن نشأتهم كانت في بلاد الشام، وهذا يعكس فكرة “النسبة العابرة للجغرافيا”.

    • حفص بن عمر بن ميمون العدني: المعروف بالفرخ، أصله من عدن، واستقر في دمشق، وبرز فيها كراوي ومحدث.
    • أبو عبد الله محمد بن عبد الرحمن الصنعاني الدمشقي: المعروف بأنه أخذ عن الإمام الدارقطني في بيئة علمية دمشقية رغم النسبة “الصنعانية”.
    • أبو القاسم عبد الرحمن بن محمد الصنعاني: محدث معروف ترتبط نسبته بأسرة يمنية الأصل.
    • أبو العباس أحمد بن عبد الله الصنعاني: من مشايخ دمشق المعروفين في مواضيع الحديث.
    • أبو بكر محمد بن إسماعيل الصنعاني: مُعزز لحضور الفقه في مجتمع الشام، مما يعزز امتصاص الثقافات المختلفة.

    كذلك أوردت الدراسة مجموعة من الرواة الذين يحملون النسبة إلى “صنعاء”، ومنهم:

    • إبراهيم بن عمرو الصنعاني.
    • حجاج بن شداد الصنعاني.
    • حفص بن ميسرة الصنعاني.
    • حنش بن عبد الله الصنعاني.
    • راشد بن داود الصنعاني.
    • سعيد بن يوسف الرحبي الصنعاني.
    • شراحيل بن مرثد الصنعاني.
    • عبد الملك بن محمد الصنعاني.
    • يحيى بن مبارك الصنعاني.
    • يزيد بن يوسف الرحبي الصنعاني.

    هؤلاء كانوا رواة حديث معروفين وردت أسماؤهم في مصادر أهل السنة، مما يدل على وجودهم الفعلي في البيئة الشامية رغم النسبة “الصنعانية”.

    تكمن أهمية هذه الادلة في أنها تبرهن أن النسبة في التاريخ الإسلامي لا تقتصر على مكان الميلاد، بل تعكس أبعادًا أعمق تتعلق بالسند والمذهب والمعرفة العلمية، وتظهر الحركة الثقافية النشطة بين الأقاليم الإسلامية.

    the city centre of Damaskus before the war in Syria in the middle east
    أن ينسب عالم إلى صنعاء وهو يروي في دمشق، أو يلقب بالبغدادي وهو يتصدر حلقات الأندلس، لم يكن خللا في التراجم، بل علامة على ديناميكية الهوية الإسلامية (غيتي)

    دلالات النماذج.. ما الذي تكشفه؟

    تكشف النماذج التي رصدتها دراسة “صنعانيون، ولكن من دمشق” عن أبعاد عميقة تتجاوز توثيق أسماء العلماء إلى التفاعل بين المكان والعلم في الحضارة الإسلامية.

    لم تكن النسبة في الثقافة الإسلامية مقيدة بمفهوم “الهوية الجغرافية” أو “الجنسية”. إذ لم تعني النسبة إلى مدينة معينة أن الإنسان وُلِد فيها، بل كانت تشير إلى الانتماء العلمي أو القبلي. لذا، سهل على العلماء أن يحملوا نسبًا تعبّر عن مراحل حياتهم المنظومة التعليميةية.

    لقد أثبتت النماذج كيف كانت دمشق مركزًا علميًا مهمًا في القرون الثلاثة الهجرية الأولى، حيث استقطبت طلاب الحديث من مختلف المناطق.

    صنعاء ودمشق وتداخل الحواضر العلمية

    أدى نظام الإسناد والرحلة إلى تشكيل هويات علمية تتجاوز النطاق الجغرافي. فكان لكل مسجد ومدرسة دور في بناء الفهم والمعرفة، ما يكشف أن هويات العلماء تُحدد من خلال “سلسلة الرواية” وليس مكان الميلاد فقط.

    تظهر دراسة “صنعانيون، ولكن من دمشق” مفارقة تاريخية، حيث أن العلماء الذين يُنسبون إلى “صنعاء” توفوا قبل دخول الإمام يحيى إلى اليمن، ما يعكس أن النسبة في تلك الفترة لم تحمل أي دلالات مذهبية، بل كانت تعبر عن بيئة علمية سنية خالصة.

    ظلَّت صنعاء مركزًا علميًا حتى ظهور التحولات المذهبية مع قدوم الإمام الهادي، مما أدى إلى تغيير سياقات المعرفة. لذا، تعكس هذه النسبة مرحلة تاريخية لا علاقة لها بالمذهب الزيدي، وإنما بمراحل سابقة متميزة علمياً.

    shutterstock 2262819975 1750510839
    حي البرامكة نسبة إلى الأسرة السياسية البارزة في العصر العباسي  (غيتي)

    شامنا ويمننا… توأمة الذاكرة والهوية

    في عمق دمشق عاش “صنعانيون”، وفي قلب صنعاء كانت الشام حاضرة. الهوية الإسلامية لم تكن يومًا محصورة في الجغرافيا، بل امتدت عبر طرق العلم والسند، مُشكِّلة جسور من الانتماء تتجاوز الحواجز. لم يُعرَف العالم المسلم عبر مكان ميلاده فحسب، بل من خلال رحلته في طلب المعرفة.

    أن يُنسب عالم لصنعاء بينما يروي في دمشق، أو يعرف بالبغدادي رغم كونه في الأندلس، لم يكن دليلاً على غموض في التراجم، بل يعكس ديناميكية الهوية الإسلامية التي تعتبر العلم موطناً.

    لقد كانت عواصم الإسلام، مثل دمشق، بمثابة ملتقى للعلم، وصنعاء لم تكن مجرد عاصمة يمانية، بل كانت أيضاً مركزًا للمعرفة.

    علماء “صنعاء دمشق” هم تجسيد هذا الانصهار الثقافي بين الشام واليمن، وهو ما يمكن تسميته “توأمة الذاكرة والهوية”. هنا تتداخل الأنساب وتزدهر الهويات المعرفية من دون حدود.

    إن دعاء النبي ﷺ بين الشام واليمن هو دعوة حضارية تتجاوز الجغرافيا، تمثل وحدة الأمة العلمية والإنسانية.

    لقد بارك النبي ﷺ في الشام واليمن لأنهما ليسا فقط موطنين، بل هما رئتان للحضارة الإسلامية، تحويان أنوار العلم ومجالس المنظومة التعليمية.

    في الشام وُضعت أسس كبرى لعلوم الحديث، وفي اليمن ازدهرت حلقات السند. وعندما يُنسب علماء لصنعاء في دمشق، فإن ذلك لا يعبر عن التباس، ولكنه يعني تلاقي ثقافات كانت تتجاوز الهويات التقليدية.

    هذا التداخل هو مثال حيوي على امتداد العقل المسلم الذي لا يتوقف عند حدود، بل يتجاوزها عبر المعرفة والرحلة في طلب الحكمة.

    دعاء النبي ﷺ يمثل مشروعاً حضارياً يحتاج إلى استعادة تلك الروح الواحدة، لنرى المشرق والمغرب كأجزاء من كيان واحد بدلاً من مناطق متنازعة.

    فمتى ندرك أن الأمة التي وحدها الحديث والسند لا تفرقها اختلاف ولهجات أو تغير حدود؟

    ومتى نعيد الاعتبار لسندنا الممتد بين الشام واليمن لنحيي ذاكرة الأمة الحية؟

    —————————————————————————————————-

    • مدير مكتب الجزيرة في اليمن


    رابط المصدر

  • مثلث النطاق الجغرافي بين ليبيا والسودان ومصر: تقاطع الجغرافيا وسط أجواء النزاع

    مثلث النطاق الجغرافي بين ليبيا والسودان ومصر: تقاطع الجغرافيا وسط أجواء النزاع


    في صباح يونيو 2025، شهد المثلث النطاق الجغرافيي بين السودان ومصر وليبيا اشتباكات بين كتيبة سلفية تابعة لخليفة حفتر وعناصر سودانية، مما يعكس التوتر المتزايد في المنطقة. تحتفظ النطاق الجغرافي بمسارات تهريب وسلاح ومرتزقة. القوات المسلحة السوداني اتهم قوات حفتر بالتدخل العسكري، مما يدل على تحول في موقفه من التحذير إلى التهديد المباشر. المواجهة يشمل مصالح اقتصادية وأمنية مع توسيع نفوذ حفتر في الجنوب الليبي مع دعم لحركات محلية، مما يستدعي اهتمامًا مصريًا يأنذر من الانفلات الاستقراري على حدودها الجنوبية.

    في صباح حار من يونيو/حزيران 2025، كان المثلث النطاق الجغرافيي الذي يجمع السودان ومصر وليبيا يبدو هادئًا كالمعتاد، لكن تحت هذا الهدوء كانت هناك توترات صامتة تستعد للاشتعال.

    في ذلك اليوم، نشبت اشتباكات بين وحدة من كتيبة سبل السلام السلفية التابعة للواء المتقاعد خليفة حفتر ومقاتلين سودانيين من “القوة المشتركة” مدعومين بقوات القوات المسلحة السوداني، تلاها انتشار تسجيل مصوَّر لأحد قادة الدعم السريع وهو يأمر مقاتليه بالانسحاب من الأراضي المصرية، مؤكدًا أن “هذه ليست أرضنا”.

    لم يكن الاشتباك حادثة عابرة أو خطأ ميدانيًا، بل كان مؤشرًا واضحًا على تداخل خطوط التماس الجغرافي والعسكري بين السودان ومصر وليبيا، مما أدى إلى توسيع نطاق المواجهة إلى رقعة إقليمية أوسع.

    لقد تحولت حدود السودان، التي كانت يومًا ما خطوطًا مرسومة على الخرائط، إلى فضاء مفتوح تنشط فيه الجماعات المسلحة، وشبكات التهريب، والمليشيات المتحالفة مع أطراف خارجية.

    وفي رد على الاشتباك، أصدر القوات المسلحة السوداني بيانًا اتهم فيه قوات حفتر بالمشاركة المباشرة في هجوم شنته قوات الدعم السريع على نقاط عسكرية سودانية، مؤكدًا إخلاءه للمثلث النطاق الجغرافيي ضمن ما وصفه بترتيبات صد العدوان.

    لا يُمكن فهم دلالات هذا التصعيد الأخير دون الإشارة إلى المسارات المعقدة بين ليبيا والسودان، خاصة منذ بدء الحرب بين القوات المسلحة وقوات الدعم السريع في أبريل/نيسان 2023، إذ لطالما كانت النطاق الجغرافي بين البلدين، خاصة في الكفرة الليبية، معبرًا غير رسمي للسلاح والمقاتلين.

    ومع تصاعد النزاع، أصبحت المناطق الجنوبية من ليبيا مركزًا لوجستيًا تُطلق منه عمليات تهريب السلاح وتجنيد المرتزقة.

    فزان عقدة مواصلات إستراتيجية

    يمثل الجنوب الليبي عقدة استراتيجية تربط شمال أفريقيا بجنوب الصحراء الكبرى، وتُعتبر منطقة فزان واحدة من أقل مناطق شمال أفريقيا أمانًا، حيث تتقاطع فيها شبكات التهريب مع الجماعات المسلحة العابرة للحدود. ويعتمد تجار الذهب والسلاح والمهاجرين على هذا المثلث الذي يغذي هذه الشبكات.

    بعد تفكك نظام القذافي في عام 2011، أصبحت هذه المنطقة بؤرة للفوضى، وتمحور النزاع حول السيطرة على طرق التهريب والمراكز الحضرية، بالإضافة إلى موارد النفط وتوزيع وتهريب الوقود، وقد ساهم اكتشاف كميات كبيرة من الذهب في شريط يمتد من شمال دارفور إلى موريتانيا مرورا بليبيا والنيجر بين عامي 2011 و2014 في تأجيج المواجهة.

    كما تمثل المنطقة نقطة مهمة خاصة لتهريب المخدرات دوليًا، حيث يُنقل الكوكايين من أمريكا الجنوبية إلى غرب أفريقيا، ثم إلى جنوب ليبيا وتشاد والنيجر، ثم تتابع المسارات إلى الجزائر أو مصر، ثم إلى أوروبا والشرق الأوسط.

    قائد كتيبة سبل السلام التابعة لقوات حفتر
    عبد الرحمن هاشم قائد كتيبة سبل السلام التابعة لقوات حفتر (مواقع التواصل)

    النموذج السائد في جنوب ليبيا هو السيطرة بالأمر الواقع، وفي هذه الأجواء، تأسست كتيبة سبل السلام في الكفرة عام 2015 على يد مقاتلين محليين من قبيلة الزوية بقيادة عبد الرحمن هاشم بعد عودته من رحلة علاج في مصر. وقد تبنت الكتيبة الفكر السلفي المدخلي المعروف بولائه التام للحاكم ورفضه للثورات.

    منحت هذه العقيدة الكتيبة شرعية دينية للتحرك باسم ضبط الاستقرار وكبح الفوضى، وسرعان ما بدأت الكتيبة بالتنسيق مع قوات المشير حفتر لتأمين المعابر وحماية عمليات التنقيب عن الذهب وتهريب الوقود، بالإضافة إلى التصدي لمجموعات المعارضة السودانية والتشادية المناهضة لحفتر، المتمركزة في جنوب ليبيا.

    عقب إخفاق حفتر في السيطرة على العاصمة طرابلس إثر هجومه الكبير في عام 2019، أدرك أنه يجب عليه ترسيخ وجوده في الجنوب كوسيلة لمناورة المنافسين، فتوجه بخطوات ثابتة نحو سبها وأوباري والكفرة، ساعيًا إلى تأمين ممر خلفي يربطه بتشاد والنيجر والسودان.

    اعتمد حفتر في بسط نفوذه في الجنوب على مزيج من التحالفات القبلية والاتفاقات مع الجماعات المسلحة المحلية.

    وبهذا، لم يعد الجنوب هامشًا جغرافيًا، بل أصبح منصة استراتيجية لإعادة تدوير الفوضى لدعم مشروع حفتر في قيادة ليبيا أو البقاء كفاعل إقليمي في معادلات الاستقرار عبر الصحراء الكبرى.

    السودان هشاشة تُغري بالتدخل

    يعتبر حفتر السودان مساحة ضعيفة لا ينبغي تفويتها. فمنذ بداية الحرب بين القوات المسلحة السوداني وقوات الدعم السريع، رأى حفتر فرصة لتعميق تدخله، مستغلًا الوضع الهش لصالحه، مقدمًا الدعم اللوجستي لقوات الدعم السريع ومستخدمًا كتيبة “سبل السلام” السلفية في ذلك.

    واستخدمت قوات الدعم السريع الخط الرابط بين العوينات والكفرة كخط إمداد عسكري وتهريب وقود وسلاح، مما جعل لكتيبة سبل السلام دورًا إقليميًا يتجاوز النطاق الجغرافي الليبية.

    كما يُعتبر طريق الكفرة – دارفور شريانًا حيويًا لنقل الذهب من دارفور وكردفان إلى الخارج، مما ربط المصالح الماليةية للدعم السريع والمشير حفتر بالمصالح الاستقرارية، وجعل الان involvement ليبي في السودان ليس عسكريًا فقط، بل تجاريًا أيضًا.

    في الخلفية، لا يُمكن تجاهل البعد الأوروبي في المعادلة الخاصة بالجنوب الليبي، فقد دعمت بروكسل، أثناء حكم البشير، عبر “عملية الخرطوم” ترتيبات أمنية تهدف للحد من الهجرة غير النظام الحاكمية من القرن الأفريقي وقدمت عشرات الملايين من اليوروهات للخرطوم.

    لكن هذه السياسات زادت من الاعتماد على المليشيات، ومنحت العناصر المحلية مجالًا للتحرك تحت ذريعة مكافحة الهجرة، بينما استخدمت الأموال لتعزيز سيطرتها الاستقرارية وتحالفاتها عبر النطاق الجغرافي.

    ومن المثير للاهتمام أنه في الربع الأول من عام 2025، أطلقت قوات حفتر قاعدة معطن السارة الجوية، الواقعة في أقصى الجنوب الشرقي الليبي، مستفيدة من موقعها الاستراتيجي قرب المثلث النطاق الجغرافيي مع السودان وتشاد.

    تشير صور الأقمار الاصطناعية إلى انتقال معدات ثقيلة وطائرات شحن روسية إلى القاعدة، بالإضافة إلى أعمال ترميم نفذتها فرق روسية فنية.

    تشير تقارير لموقع “مينا ديفانس” و”ذا أفريكا ريبورت” إلى أن القاعدة تحولت إلى مركز لوجستي متقدم يصل بين الكفرة والنطاق الجغرافي السودانية، وأنها تُستخدم لدعم عمليات غير معلنة لقوات الدعم السريع، من خلال تزويدهم بالذخيرة والوقود.

    بينما تضطلع كتيبة “سبل السلام” بتأمين محيط القاعدة وتنظيم دوريات مراقبة على الطرق الصحراوية، مما يجعلها جزءًا أساسيًا من شبكة النفوذ التي يديرها حفتر في الجنوب. وهكذا، تحولت القاعدة من منشأة مهجورة إلى نقطة دعم جوية تساند تحركات الدعم السريع في السودان.

    خريطة المثلث النطاق الجغرافيي مع مصر وليبيا والسودان
    خريطة المثلث النطاق الجغرافيي بين مصر وليبيا والسودان (الجزيرة)

    بيان القوات المسلحة السوداني

    في بيانها الصادر في يونيو/حزيران 2025، استخدم القوات المسلحة السوداني لهجة شديدة، متحدثًا عن “تدخل مباشر لقوات خليفة حفتر”، واصفًا الهجوم بأنه “انتهاك صارخ للقانون الدولي” وامتداد “للمؤامرة الدولية والإقليمية ضد السودان”.

    لم يكن هذا التصريح مجرد اتهام عابر، بل كان بمثابة إعلان ضمني أن ساحة المعركة لم تعد محصورة داخل حدود السودان، ومن الجدير بالذكر أن هذا التصعيد تزامن مع هزائم ميدانية مُنيت بها قوات الدعم السريع مؤخرًا في الخرطوم وكردفان.

    يشير استخدام اللغة الحادة من قبل القوات المسلحة السوداني واتهاماته المباشرة لحفتر بالتدخل العسكري إلى تغير في نهجه تجاه الساحة الليبية؛ فبدلاً من الاكتفاء بالإشارات أو التحذيرات، صار يتحدث بصراحة عن “تدخل مباشر” و”مؤامرة دولية”. ويعكس هذا التحول شعورًا بالتهديد الكبير في لحظة حساسة من المواجهة.

    وفي الوقت نفسه جاء الرد سريعًا عبر بيان القيادة السنةة للجيش الوطني الليبي بقيادة حفتر.

    رفض البيان “الزج باسم القوات الليبية” في المواجهة، مشيرًا إلى أن “دورياتنا تعرضت للاعتداءات المتكررة من قوات سودانية أثناء تأمينها للحدود”.

    بينما صرح أحمد سعد أبو نخيلة، آمر كتيبة سبل السلام، بأن قواته التابعة لرئاسة أركان القوات البرية في القوات المسلحة الوطني قد هزمت قوة تابعة لحركتي العدل والمساواة بقيادة وزير المالية السوداني جبريل إبراهيم، وحركة تحرير السودان بقيادة حاكم إقليم دارفور مني مناوي، وهما حركتان تعملان ضمن القوة المشتركة التي تضم الحركات الدارفورية التي كانت متمردة في السابق، لكنها تقاتل في صف القوات المسلحة السوداني حاليًا.

    يعكس رد حفتر إنكارًا محسوبًا، إذ لم يعترف بالتدخل، لكنه برر الاشتباك بـ”الدفاع عن النطاق الجغرافي”، مما يبقي أبواب العمليات مفتوحة عبر وكلاء محليين دون تبني رسمي. وركز تصريح آمر كتيبة “سبل السلام” على استهداف الحركات الدارفورية التي انضمت للجيش السوداني، وتقديم المعركة كحرب ضد معارضة مسلحة عابرة للحدود، وليس صدامًا مباشرًا مع الدولة السودانية.

    بين هواجس مصر وحسابات حفتر

    تكشف هذه التطورات عن طبيعة الحسابات التي تؤثر على تصرفات المشير حفتر تجاه السودان. فمن جهة، يتذرع بضرورة تأمين حدود ليبيا الجنوبية من تهريب السلاح وتسلل الجماعات المسلحة، وهو موقف يُستمع إليه في بعض العواصم الغربية.

    ومن جهة أخرى، يستنفع من هذه الهواجس الاستقرارية كغطاء لتوسيع نفوذه الجيوسياسي، خاصة في المناطق المتاخمة لتشاد والسودان.

    مع الأخذ بعين الاعتبار أن قوات الدعم السريع قد وفرت له في مراحل سابقة مصادر للذهب والسلاح، فإن انهيار هذه القوات دون بديل متواصل يمثل خطرًا على حساباته المحلية.

    يصعب تحليل تدخل القوات المرتبطة به في الساحة السودانية دون النظر إلى شبكة التوازنات الإقليمية المعقدة. بينما تميل القاهرة إلى دعم القوات المسلحة السوداني للحفاظ على استقرار حدودها الجنوبية، تميل قوى إقليمية أخرى إلى دعم أطراف تمنحها النفاذ إلى موارد الذهب والسلاح والتأثير على موارد السودان.

    في الوقت نفسه، تضع مصر استقرار حدودها الجنوبية في مقدمة أولوياتها الاستقرارية. لذا فإن اندلاع اشتباكات بين القوات المسلحة السوداني وقوات الدعم السريع، المدعومة بعناصر ليبية، قرب مثلث العوينات، يجعل القاهرة قلقة من سيناريو انفلات أمني عبر النطاق الجغرافي. فهي تدرك أن أي تعزيز لقوة الدعم السريع على مشارف حدودها يمثل تهديدًا مباشرًا.

    تضع هذه الأحداث مصر في موقف اختبار مزدوج؛ من جهة، لا ترغب في فقد حفتر كذراع استقرار في الشرق الليبي، لكن في الوقت نفسه، لا تستطيع التساهل مع تحركاته إذا ما تمس التوازن النطاق الجغرافيي.

    من المتوقع أن تتبنى مصر خطابًا يركز على “ضبط النفس” و”احترام السيادة السودانية”، دون توجيه اتهامات مباشرة لحفتر، جنبًا إلى جنب مع تكثيف التحركات الاستخباراتية والعسكرية غير المعلنة لضمان عدم تكرار تلك الحادثة، وربما الضغط على حفتر عبر وسطاء لتجميد أي دعم مباشر لقوات الدعم السريع في تلك المنطقة الحساسة.


    رابط المصدر