الوسم: الثانية.

  • للمرة الثانية، مهمة “ريزيلينس” اليابانية تفشل في الوصول إلى سطح القمر.

    للمرة الثانية، مهمة “ريزيلينس” اليابانية تفشل في الوصول إلى سطح القمر.


    صرحت شركة “آي سبيس” اليابانية عن فشل هبوط مركبتها “ريزيلينس” على القمر بسبب عطل في أداة توجيه بالليزر. الحادث جاء بعد تحطم مركبتها السابقة عام 2023 بسبب خطأ برمجي. “ريزيلينس”، التي كانت تحمل أدوات علمية لمشاريع يابانية، فقدت الاتصال قبل 5 ثوانٍ من التصادم. حتى الآن، نجحت شركة واحدة فقط في هبوط مركبتها بنجاح. تنوي “آي سبيس” القيام بمحاولة هبوط ثالثة عام 2027 بالتعاون مع NASA، مع إدخال تحسينات بتكلفة 10 ملايين دولار. تلعب الشركات الخاصة دوراً متزايداً في استكشاف الفضاء، مما يزيد من دفع الابتكار والكفاءة.

    صرحت شركة “آي سبيس” اليابانية، المتخصصة في استكشاف القمر، عن عدم نجاح هبوط مركبتها “ريزيلينس” على سطح القمر، نتيجة لعطل في أداة التوجيه بالليزر.

    هذه ليست المرة الأولى التي تواجه فيها الشركة خللاً، فقد تحطمت مركبتها الأولى عام 2023 بسبب خطأ برمجي.

    This photo provided by ispace in January 2025 shows the company’s Micro Rover. (ispace via AP, File)
    مركبة متحركة صغيرة من شركة “آي سبيس” (أسوشيتد برس)

    خطأ ليزري

    كانت المركبة تحاول الهبوط في منطقة “بحر البرودة” على سطح القمر، ولكن أثناء عملية الهبوط، استخدمت أداة ملاحة بالليزر تُعرف بـ”محدد المدى بالليزر” لقياس المسافة بينها وبين سطح القمر.

    وفقاً لـبيان رسمي من الشركة، حدث خلل في أداء هذه الأداة، حيث كانت بطيئة في العمل ولم تتمكن من قياس المسافة بدقة، مما أدى إلى هبوط المركبة بسرعة عالية بلغت حوالي 42 مترًا في الثانية، واصطدمت بسطح القمر مع فقدان الاتصال قبل 5 ثوانٍ من التصادم.

    تم تأكيد التحطم من خلال صور التقطتها مركبة ناسا المدارية، حيث أظهرت المركبة وقد تحطمت وتبعثرت على سطح القمر.

    حمل “ريزيلينس” خمس أدوات علمية تخص عملاء متنوعين، منها معدات للتحليل الكهربائي للماء من شركة تاكاساغو للهندسة الحرارية، وتجربة لإنتاج الغذاء من شركة يوجلينا، وكلاهما ياباني.

    بالإضافة لذلك، حملت المهمة مسبار إشعاع الفضاء العميق من تطوير قسم علوم وهندسة الفضاء في الجامعة الوطنية المركزية بتايوان، ولوحة تذكارية من تطوير معهد بانداي نامكو للأبحاث اليابانية، مستوحاة من “ميثاق القرن العالمي” للرسوم المتحركة “موبايل سوت جاندام يو سي”.

    علاوة على ذلك، كانت “ريزيلينس” تحمل مركبة “تيناسيوس” الجوالة الصغيرة، المطورة من قبل شركة “آي سبيس-أوروبا”، والتي كانت ستستكشف موقع الهبوط وتجمع تربة القمر، مع نقل المعلومات إلى المركبة، ومزودة بجرافة وكاميرا عالية الدقة في الأمام.

    تصميم يوضح شكل مركبة بلو جوست (فايرفلاي)
    تصميم يوضح شكل مركبة بلو جوست (فايرفلاي)

    شركات خاصة

    من بين 7 محاولات هبوط على القمر من قبل الشركات الخاصة في السنوات الأخيرة، نجحت محاولة واحدة فقط بالكامل، وهي شركة “فايرفلاي إيروسبيس”، التي نجحت في هبوط مركبتها بلوجوست في مارس/آذار 2025.

    كما هبطت شركة “إنتويتيف ماشينز” بمركبتها “أوديسيوس” على سطح القمر، لكن الهبوط واجه بعض التحديات مما جعله نجاحاً جزئياً.

    انطلقت بلوجوست وريزيلينس معًا في 15 يناير/كانون الثاني على متن صاروخ من شركة سبيس إكس، الذي قطع مسافة شاسعة تجاوزت 3.5 مليون كيلومتر قبل دخول المركبتين مدار القمر في 13 فبراير/شباط.

    تخطط “آي سبيس” لإجراء محاولة هبوط ثالثة في عام 2027 بالتعاون مع وكالة ناسا، بالإضافة إلى مهمة رابعة مخطط لها.

    خلال تلك الفترة، ستقوم الشركة بإضافة اختبارات وتحسينات إضافية بتكلفة تزيد عن 10 ملايين دولار لتحسين أداء المركبة،

    كما سيساهم خبراء خارجيون في مراجعة الحادث، وستتعاون الشركة بشكل أوثق مع وكالة الفضاء اليابانية في الجوانب التقنية.

    مستقبل السفر للفضاء

    تتزايد أهمية الشركات الخاصة في استكشاف الفضاء، وهو القطاع الذي تقوده تقليديًا الوكالات الحكومية.

    غالبًا ما تقدم الشركات الخاصة مقاربة مبتكرة وحلولاً ذات كفاءة عالية لمهام الفضاء المعقدة، بسبب طبيعتها التنافسية التي تعزز التقدم التكنولوجي والفعالية التشغيلية.

    أيضاً، يتوسع سوق المهام الفضائية بشكل كبير، بدءًا من إطلاق الأقمار الصناعية – وهو نشاط تُركّز عليه جميع الدول حاليًا – وصولاً إلى السياحة الفضائية، وهو قطاع واعد مستقبلًا.

    علاوة على ذلك، تُسهم الشراكات بين الشركات الخاصة والوكالات الحكومية – مثل برنامج “كليبس” التابع لوكالة ناسا – في تبادل الموارد والخبرات، مما يسرع جداول المهام ويوسع نطاق البحث العلمي.


    رابط المصدر

  • بتاح تكفا: المدينة الصناعية الثانية في إسرائيل

    بتاح تكفا: المدينة الصناعية الثانية في إسرائيل


    بتاح تكفا، خامس أكبر مدينة في إسرائيل، تُعرف بـ”أم المستوطنات” كونها كانت رائدة في الاستيطان اليهودي بفلسطين منذ 1878. تقع شرق تل أبيب وتعتبر مركزًا صناعيًا هامًا. تعرضت المدينة في يونيو 2025 لهجوم صاروخي إيراني، أسفر عن مقتل 4 إسرائيليين. تأسست بتاح تكفا في أراضي قرية ملبس الفلسطينية، وتحولت من مستوطنة زراعية إلى مدينة ذات نشاط صناعي وزراعي متزايد. شهدت المدينة توترات مع الفلسطينيين وتاريخًا طويلًا من الاشتباكات. اليوم، تحتضن بتاح تكفا مناطق صناعية متطورة وشركات تكنولوجيا، مع معالم تاريخية بارزة.

    تُعتبر بتاح تكفا واحدة من أبرز المراكز الحضرية في إسرائيل، وهي جزء من تجمع المدن المعروف باسم “غوش دان” المحيط بتل أبيب، إذ تعد خامس أكبر مدينة وثاني أكبر مركز صناعي في البلاد.

    تلقب بتاح تكفا بـ”أم المستوطنات”، كونها كانت النواة الأولى للاستيطان اليهودي في فلسطين، فقد تأسست كمستوطن زراعي يُعرف بالموشاف في عام 1878.

    في منتصف يونيو/حزيران 2025، تعرضت المدينة لهجوم صاروخي إيراني مباشر خلال عملية الوعد الصادق-3 رداً على الهجمات الإسرائيلية، مما أسفر عن أضرار جسيمة ومقتل 4 إسرائيليين.

    الموقع والجغرافيا

    تقع بتاح تكفا في وسط إسرائيل، على بعد حوالي 11 كيلومترا شرق تل أبيب، قرب منبع نهر العوجا (اليركون)، ويتميز موقعها الاستراتيجي بأنها تقاطع طرق رئيسية تربط بين شمال وجنوب إسرائيل، كما أنها قريبة من الطريق القائدي الذي يربط يافا بالقدس.

    تمتد مساحة بلدية بتاح تكفا حوالي 35.9 كيلومترًا مربعًا، وتعتبر جزءًا من التجمع الحضري ليافا ـ تل أبيب، ويزيد عدد سكانها عن 250 ألف نسمة.

    يتميز هذا الإقليم بجغرافيتين مختلفتين: فهو يتضمن منطقة غنية بالمياه الزراعية في الجزء الشرقي من حوض نهر اليركون، بينما المنطقة الثانية شمال وجنوب الحوض تتسم بالتلال الرملية المغطاة بالغابات والتي لا تصلح للزراعة.

    أما المناخ في المدينة فهو يمتاز بصيف طويل حار ورطب، وشتاء بارد وصافٍ عادةً، حيث تتراوح درجات الحرارة بين 9 و31 درجة مئوية، ونادراً ما تنخفض إلى أقل من 5 درجات أو تتجاوز 33 درجة.

    التسمية

    اسم “بتاح تكفا” له جذور عبرية، حيث يُعني “باب الرجاء”، ويعود أصله لنص في سفر يوشع من العهد القديم، والذي يشير إلى “وادي عَخُور باب للرجاء”.

    في البداية، كان من المقرر إقامة مستوطنة زراعية في وادي عخور بأريحا، لكن السلطة التنفيذية العثمانية لم توافق على البيع، مما أدى لتغيير الموقع إلى أراضٍ في قرية ملبس.

    على الرغم من هذا التغيير، احتفظوا بالاسم “بتاح تكفا” إشارةً لوادي عخور في الكتاب المقدس، دلالةً على آمالهم وأهدافهم المستوطنة.

    التاريخ

    تأسست بتاح تكفا على أراضي قرية ملبس وتوسعت لاحقًا لتشمل أراضٍ من قرى قريبة، وهي منطقة تاريخية سُكِنت منذ العصور القديمة حيث أظهرت حفريات آثار مستوطنات تعود للعصر الحجري الحديث.

    تشير الأدلة إلى أن هذه المنطقة تحولت لاحقًا إلى مجتمع زراعي صغير، واستمر النشاط البشري فيها طوال العصر الحديدي الثاني وعصر الحكم الفارسي (586-332 قبل الميلاد) حيث توسعت مساحتها.

    شهدت المنطقة ازدهارها خلال العصور الرومانية والبيزنطية والإسلامية المبكرة، وغزاها الصليبيون في القرن الثاني عشر وأنشأوا قلعة هناك، وبعد دحرهم، انتقلت المنطقة تحت الحكم المملوكي، وفي القرن الخامس عشر أصبحت تابعة إداريًا لمدينة الرملة، مما أسهم في نشوء حياة اجتماعية واقتصادية مترابطة.

    توفر الدراسات المتاحة حول الفترة العثمانية معلومات محدودة، ولكن بعض الآثار تدل على أن المنطقة كانت مأهولة بالسكان.

    رجح بعض المؤرخين أن المنطقة هجرت لفترات بسبب انتشار الملاريا والنزاعات مع القبائل البدوية الجوارية.

    وفي القرن التاسع عشر، استقرت عائلة عبد الحميد المصري في قرية ملبس بعد قدومهم من مصر مع حملة إبراهيم باشا في عام 1831، حيث أعجب بالأراضي وأسس مجتمعا محليًا، لاحقًا باع معظم أراضيه للتجار المحليين.

    TEL AVIV, ISRAEL - JANUARY 25: The IDF prepares the haddad for the arrival of the four Hostages at Bellinson hospital in Petah Tikvah on January 25, 2025 in Tel Aviv, Israel. Today brings the release of four more Israeli hostages held by Hamas in Gaza, the second such exchange under the current ceasefire agreement that began one week ago. (Photo by Alexi J. Rosenfeld/Getty Images)
    تسجل بتاح تكفا مشاريع إسكان وصناعات مزدهرة (غيتي)

    مستوطنة بتاح تكفا

    في النصف الثاني من القرن الـ19، تأسست بتاح تكفا من خلال جهود مجموعة من اليهود من مستوطني القدس لإنشاء “موشاف” والربح من الإنتاج الزراعي.

    بدأت هذه المجموعة التي ضمت يهوشوا ستامبفر وموشيه شموئيل راب وديفيد غوتمان يقودهم الصحفي يوئيل موشي سالومون، بدعم من قانون العثمانيين عام 1869 الذي أتاح للأجانب شراء أراضٍ في البلاد.

    تمكن سالومون، بصفته نمساوي الجنسية، ورفاقه من شراء 3375 دونما من قرية ملبس في عام 1878، وسجلت الأرض باسمه بحضور قنصل النمسا في القدس.

    أنشأت المجموعة مباني على بعض الأراضي التي اشترتها، مؤسِّسةً بذلك أول موشاف زراعي في فلسطين تحت اسم “بتاح تكفا”، وسرعان ما وسعت مساحتها بشراء نحو 10 آلاف دونم إضافية.

    غير أن محاولتهم الأولى للاستقرار باءت بالفشل بسبب نقص الخبرة الزراعية، والأضرار الناتجة عن الفيضانات والأمراض، مما اضطرهم لترك تلك المنطقة.

    بحلول عام 1881، معظم السكان تركوا المستوطنة، واُعيدت الأراضي لمزارعين فلسطينيين، ليعود البارون إدموند دو روتشيلد ويدعمها مادياً عام 1883.

    بفضل دعمه، استطاع المستوطنون تجفيف المستنقعات، وتحسين البنية التحتية والعودة للاستقرار، وتوافد إليهم مهاجرون يهود جدد من روسيا.

    ركز النشاط الزراعي على المحاصيل مثل العنب والحمضيات، ومع ضغوط السلطات العثمانية على توسع المستوطنة، تدخل القنصل النمساوي لدعم وجود المستوطنين، إلى أن انتقلت الإدارة إلى البارون روتشيلد عام 1900.

    من “أم المستوطنات” إلى مركز حضري

    عرفت بتاح تكفا دورا محوريا كـ”أم المستوطنات” في تشكل المواطنون اليهودي في فلسطين، حيث صارت نقطة عبور رئيسية للمهاجرين اليهود القادمين من روسيا وبولندا خلال الهجرة الثانية (1904-1914).

    تحولت المستوطنة أيضا إلى مركز لنشاط حركة العمال اليهود، إذ انطلقت منها جماعات حزبية مثل “هابوعيل هاتساعار” و”أحدوت هاعفوداه” عام 1905.

    خلال الحرب العالمية الأولى (1914-1918)، أصبحت بتاح تكفا ملجأ لليهود الذين فروا من تل أبيب ويافا، وفي عام 1917، استولى البريطانيون على المنطقة، مما أتاح للعديد من المهاجرين الجدد الوصول إلا المستوطنة.

    اعتبرت سلطات الانتداب البريطاني بتاح تكفا مجلسًا محليًا عام 1921، وأُقيمت أول منطقة صناعية بها في عشرينيات القرن الماضي، مما ساهم في تحول المدينة لمركز صناعي بجانب نشاطها الزراعي.

    تسارعت الأحداث في ثلاثينيات القرن الماضي، حيث اتخذت المنظمات اليهودية المسلحة من بتاح تكفا مقرا، ومع دخول عام 1937 أصبحت المدينة رسمية، حيث زاد عدد سكانها إلى نحو 20,000 نسمة بحلول عام 1938.

    بعد إعلان قيام دولة إسرائيل عام 1948، اتسعت حدود بلدية بتاح تكفا لتشمل عدة قرى محيطة مثل كفر جنيم وعميشاف، وهذا رفع عدد سكانها إلى 45 ألف نسمة بحلول 1953.

    أسهم النشاط الزراعي المتزايد في تحسين الظروف الماليةية للمدينة بفضل العوامل الطبيعية المتاحة كالتربة الخصبة والمناخ الملائم وغزارة المياه من نهر العوجا.

    الاشتباكات والعمليات الفدائية

    منذ تشكيلها، كانت بتاح تكفا بؤرة توتر بين فلسطينيي القرى المجاورة والمستوطنين اليهود، مع تكرار النزاعات بشأن التعديات على الأراضي الزراعية.

    ومع بداية الانتداب البريطاني عام 1922، أصبحت مستوطنة بتاح تكفا مركزًا للعصابات الصهيونية التي شنت هجمات على القرى الفلسطينية، حيث ارتكبت جرائم قتل واختطاف وسط تجاهل من السلطات البريطانية.

    في فترات الكفاح الوطني، خاصة ثورتي 1921 و1936، هاجم الثوار الفلسطينيون بتاح تكفا، لكن السلطات البريطانية وفرت الحماية للمستوطنين.

    قبل عام 1947، ازداد التوتر بين قوات الانتداب والعصابات الصهيونية التي كانت تخطف جنودًا بريطانيين، مما أدى لفرض حظر على المستوطنة.

    خلال الانتفاضة الفلسطينية الثانية (2000-2005)، كانت بتاح تكفا هدفًا لعدة عمليات فدائية. ففي مايو 2002، نفذت كتائب شهداء الأقصى عملية أدت لمقتل إسرائيليين وإصابة 37 آخرين.

    وفي ديسمبر 2003، تبنت كتائب الشهيد أبو علي مصطفى عملية قرب بتاح تكفا أسفرت عن مقتل 4 إسرائيليين وإصابة 15 آخرين.

    وفي فبراير 2006، بعد غارة إسرائيلية على غزة، قام فلسطيني بهجوم بسكين في المدينة أسفر عن مقتل إسرائيلية وإصابة 5 آخرين.

    Petah Tikva Israel February 2023 The Large Park in Petah Tikva and a neighborhood with tall residential buildings next to it
    إحدى الحدائق السنةة في بتاح تكفا (شترستوك)

    المالية

    بتاح تكفا تُعد مدينة رائدة في مجالات الإسكان والصناعة والتجارة، بفضل التنمية الاقتصاديةات المستمرة في بداية القرن الـ21، وازدهار الزراعة، لا سيما مزارع الحمضيات.

    تأتي بتاح تكفا كأكبر مركز صناعي في إسرائيل بعد حيفا، حيث تضم ثلاث مناطق صناعية رئيسية: كريات أرييه وكريات ماتالون وسيغولا.

    تحتوي هذه المناطق على شركات التقنية المتقدمة ويستخدم فيها تقنيات المعلومات، فضلاً عن مصانع الصناعات الثقيلة والشركات الناشئة.

    تشتهر المدينة أيضًا بصناعات متنوعة، بما في ذلك الأغذية والزيوت والبلاستيك والأشغال المعدنية، إضافة إلى الشركات الطبية والتكنولوجية.

    أصبحت بتاح تكفا معروفة بتكنولوجيا المعلومات المتقدمة، فهي تحوي أكبر مركز بيانات في إسرائيل، والمقر القائدي لشركة تيفا للصناعات الدوائية، ومقرات إقليمية لشركات برمجيات عالمية مثل إنتل وأي بي إم وأوراكل.

    أبرز المعالم

    تحتوي بتاح تكفا على عدة معالم تاريخية، منها:

    • تل ملبس (تل أفيق)

    وهو موقع أثري يقع على تل منخفض، ويعتبر مركزًا لمدينة كنعانية قديمة ذُكرت في النصوص المصرية منذ القرن الـ18 قبل الميلاد، كما ورد في الكتاب المقدس في سياق هزيمة بني إسرائيل على يد الفلسطينيين.

    خلال الحفريات، وُجدت آثار منزل الحاكم من العصر المصري في القرن الـ15 قبل الميلاد، بالإضافة إلى ألواح طينية مكتوبة بعدة لغات، مما يدلل على علاقات دبلوماسية قديمة.

    في القرن الأول قبل الميلاد، قام الملك هيرودس الكبير ببناء مدينة أنتيباتريس في نفس الموقع.

    • الكنيس الكبير

    شُيد بين عامي 1890 و1898، ويشتهر بساعاته الشمسية التي صممها الحاخام موشيه شابيرا، حيث يحتوي على 3 ساعات شمسية على الواجهة الغربية، بالإضافة إلى ساعة تعرض الوقت بالأرقام العبرية.

    • ساحة هامياسديم

    تمثل الموقع التاريخي لأولى بئر حفرت في المدينة عمق 21 مترًا، وكانت تعتبر المركز التاريخي للمدينة، وتضم نصبا تذكارية لمؤسسي المستوطنة تخليدًا لذكرى بداية الاستيطان.


    رابط المصدر

  • الجزيرة الآن الحرب العالمية الثانية.. المواجهة الدموي الذي يشكل العالم إلى اليوم

    الجزيرة الآن الحرب العالمية الثانية.. المواجهة الدموي الذي يشكل العالم إلى اليوم

    مقدمة الترجمة

    يقدم المؤرخ العسكري البريطاني أنتوني بيفور نظرية لتفسير المواجهةات الآنية من خلال الحرب العالمية الثانية، التي يرى أن أصداءها تشكل السياسات العالمية إلى اليوم.

    ويرى بيفور، في مقاله المنشور بمجلة “فورين أفيرز”، أن جميع القوى/الدول الفاعلة في الحرب تقريبا تقدم روايتها الخاصة حولها، وأن بمقدور تلك الرواية أن تفسر السياسات الراهنة لتلك القوة/الدولة في عالم اليوم. يشمل ذلك الولايات المتحدة وروسيا وأوروبا وحتى الصين التي ورثت مقعد الإمبراطورية اليابانية في أعقاب الحرب.

    يركز بيفور بشكل كبير على روسيا، وهو يقرأ أفكار بوتين وسياساته اليوم باعتبارها إرثا وامتدادا لأفكار وسياسات ستالين، خاصة في الفضاء الجيوسياسي. ولا يخف المؤرخ البريطاني بطبيعة الحال تحيزه إلى الرواية الغربية، لدرجة أنه يبرر إلقاء الولايات المتحدة القنبلة الذرية فوق ناغازاكي وهيروشيما على أنه قرار ينطوي على “موازنة أخلاقية صعبة”، زاعما أنه أنقذ أعدادا كبيرة من البشر، أضعاف أولئك الذين قتلتهم القنابل الأميركية.

    GettyImages 2644229
    أدولف هتلر يتفقد قوات جيشه النازي (غيتي)

    نص الترجمة

    نادرا ما يكون التاريخ مرتبا أو منظما، حيث تتداخل العصور وتستطيل الأعمال غير المكتملة من حقبة إلى أخرى. كانت الحرب العالمية الثانية حربًا لا مثيل لها من حيث حجم تأثيرها على حياة الناس ومصائر الأمم، وكانت في الوقت نفسه مزيجا من المواجهةات التي صنعتها الضغائن العرقية والوطنية التي أعقبت انهيار 4 إمبراطوريات وإعادة رسم النطاق الجغرافي في مؤتمر باريس للسلام بعد الحرب العالمية الأولى.

    وقد ذهب العديد من المؤرخين إلى أن الحرب العالمية الثانية (بحدودها الزمنية التي نعرفها اليوم بين عامي 1939 و1945) كانت مجرد جزء من حرب طويلة ممتدة منذ عام 1914 (تاريخ اندلاع الحرب العالمية الأولى) حتى عام 1945، أو ربما حتى انهيار الاتحاد السوفياتي عام 1991.. حرب أهلية عالمية نشبت أولا بين الرأسمالية والشيوعية، ثم بين الديمقراطية والدكتاتورية.

    لا شك أن الحرب العالمية الثانية جمعت خيوط تاريخ العالم معا، بفضل نطاقها المتسع جغرافيا والدور الذي لعبته في تسريع نهاية حقبة الاستعمار في أفريقيا وآسيا والشرق الأوسط. ولكن رغم تقاسم معظم الدول لهذه التجربة ودخولها في ذات النظام الحاكم الذي بُني في أعقابها، فإن كل دولة مُشارِكة في النظام الحاكم خلقت روايتها الخاصة لذلك المواجهة الكبير وتمسكت بها حتى النهاية.

    وحتى مسألة بسيطة نظريا مثل: متى بدأت الحرب؟ لا تزال موضع جدل، ففي الرواية الأميركية مثلا، بدأت الحرب تأخذ مسارا جديا فقط عندما دخلت الولايات المتحدة على خط المواجهة في أعقاب الهجوم الياباني على بيرل هاربور يوم 7 ديسمبر/كانون الأول 1941، وبعد إعلان “الدكتاتور” الألماني أدولف هتلر الحرب على واشنطن بعد ذلك ببضعة أيام.

    من جانبه، يصر القائد الروسي فلاديمير بوتين على أن الحرب بدأت في يونيو/حزيران 1941، عندما غزا هتلر الاتحاد السوفياتي، متجاهلاً الغزو السوفياتي والنازي المشترك لبولندا في سبتمبر/أيلول 1939، والذي يمثل بداية الحرب بالنسبة لمعظم الأوروبيين.

    وهناك من يُرجعون بدايات الحرب إلى تواريخ أبعد من ذلك، فبالنسبة للصين، بدأ الأمر عام 1937، مع اندلاع الحرب الصينية اليابانية، أو ربما قبل ذلك مع الاحتلال الياباني لإقليم منشوريا (التابع للصين) في عام 1931. هذا ويعتقد كثيرون من اليساريين في إسبانيا أن الأمر بدأ في عام 1936 مع إطاحة الجنرال فرانكو بالجمهورية، مما أدى إلى اندلاع الحرب الأهلية الإسبانية.

    تشكل هذه الرؤى العالمية المتضاربة مصدرا للتوتر وعدم الاستقرار في الإستراتيجية العالمية. ينتقي القائد الروسي بوتين من التاريخ الروسي ما يناسبه، فيجمع بين تكريم التضحيات السوفياتية في “الحرب الوطنية العظمى”، كما تُعرف الحرب العالمية الثانية في روسيا، وبين الأفكار “الرجعية” للروس البيض القيصريين المنفيين بعد هزيمتهم على يد الشيوعيين الحمر في الحرب الأهلية الروسية خلال الفترة 1917- 1922.

    هذه الأفكار “القيصرية” تقدم مبررات دينية للهيمنة الروسية على كامل الكتلة الأوراسية، “من فلاديفوستوك (في أقصى الشرق الروسي) إلى دبلن (إيرلندا في أقصى الغرب الأوروبي)”، على حد قول ألكسندر دوغين، المنظر والأيديولوجي الأقرب إلى بوتين، كما تؤصل لكراهية متجذرة لأوروبا الغربية الليبرالية (جدير بالذكر أن هذه الأفكار تنتشر نسبيا وسط الدائرة المقربة من القائد الأميركي دونالد ترامب).

    في غضون ذلك، أعاد بوتين تأهيل صورة الزعيم السوفياتي خلال فترة الحرب العالمية الثانية جوزيف ستالين، الذي يُعد، كما اعترف الفيزيائي السوفياتي المنشق أندريه ساخاروف، مسؤولاً مباشرا عن قتلى بالملايين، أكثر من هتلر نفسه.

    ويذهب القائد الروسي إلى حد الإصرار على أن الاتحاد السوفياتي كان بوسعه أن يحقق النصر في الحرب ضد ألمانيا النازية بمفرده، بينما يعترف ستالين وغيره من الزعماء السوفيات أن الاتحاد لم يكن ليتمكن من الصمود دون المساعدات الأميركية. ويدرك هؤلاء الزعماء أن الحملة الجوية الاستراتيجية التي شنتها الولايات المتحدة وبريطانيا ضد المدن الألمانية أجبرت الجزء الأكبر من القوات الجوية الألمانية على العودة والانسحاب من الجبهة الشرقية، الأمر الذي منح السوفيات التفوق الجوي.

    وعلاوة على كل ذلك، يرفض بوتين الاعتراف بأهوال العصر الستاليني. وكما أخبرتني ماري سوامز ابنة رئيس الوزراء البريطاني الأسبق ونستون تشرشل في حفل عشاء عام 2003، فإن تشرشل سأل ستالين خلال اجتماع غير رسمي في أكتوبر/تشرين الأول 1944 عن الأمر الذي يندم عليه الزعيم السوفياتي أكثر من ندمه على أي شيء آخر في حياته.. أخذ ستالين بعض الوقت للتفكير قبل أن يجيب بهدوء: “قتل الكولاك”- أي الفلاحين أصحاب الأراضي.

    بلغت هذه الحملة ذروتها مع المجاعة الكبرى “هولودومور” في عامي 1932 و1933، حيث تسبب ستالين عمداً في المجاعة الأوكرانية، مما أسفر عن مقتل أكثر من 3 ملايين شخص، وغرس الكراهية لموسكو بين العديد من الناجين وذرياتهم.

    على صعيد آخر، أنتجت الحرب العالمية الثانية توازنا غير مستقر في كثير من الأحيان داخل المعسكر الغربي بين أوروبا والولايات المتحدة، بعدما أجبرت الحرب وطموحات هتلر للهيمنة؛ المملكةَ المتحدة على التخلي عن الدور الذي عينته لنفسها كشرطي العالم، والتوجه إلى الأميركيين طلبا للمساعدة.

    كان البريطانيون فخورين حقا بدورهم في النصر النهائي للحلفاء، ولكنهم حاولوا إخفاء الألم الناجم عن تراجع نفوذهم العالمي من خلال ترديد المقولة المبتذلة القائلة بأن بريطانيا “تحملت فوق طاقتها” في الحرب، وكذا من خلال التمسك “بعلاقتها الخاصة” مع الولايات المتحدة.

    كان تشرشل منزعجًا من احتمال عودة القوات الأميركية إلى ديارها بعد انتهاء الحرب في المحيط الهادئ عام 1945، ورغم أن المواقف الأميركية ظلت تتذبذب بين السعي إلى دور عالمي نشط والارتداد إلى الانعزالية، فإن التهديد القادم من موسكو ضمِنَ استمرار انخراط واشنطن بشكل عميق في أوروبا حتى انهيار الاتحاد السوفياتي عام 1991.

    واليوم، دخلت أول حرب قارية كبرى في أوروبا منذ الحرب العالمية الثانية عامَها الرابع، ويرجع هذا جزئيا إلى القراءة الانتقائية التي يتبناها بوتين للتاريخ الروسي، في حين تهدد المواجهةات القاتلة في الشرق الأوسط وأماكن أخرى بالانتشار على نطاق أوسع، وفي الوقت نفسه، يبدو أن إدارة ترامب تتخلى عن القيادة العالمية للولايات المتحدة في خضم “حالة مزاجية مرتبكة”.

    قبل 80 عامًا، مهدت نهاية الحرب العالمية الثانية الطريق لنظام دولي جديد يرتكز على احترام السيادة الوطنية والنطاق الجغرافي، ولكن الآن، ربما حان الوقت أخيرا لدفع فاتورة باهظة نتيجة التناقض الأميركي، والاستسلام الأوروبي، وشهية “الانتقام” الروسية.

    ميدان - مؤتمر طهران 1943 (ستالين ورزفيلت وتشرشيل)
    ونستون تشرشل (يمين) وفرانكلين روزفيلت (وسط)  وجوزيف ستالين. (مواقع التواصل)

    أكثر من مجرد أرقام

    من المؤكد أن القسوة الشديدة التي اتسمت بها الحرب العالمية الثانية ظلت محفورة في ذاكرة أجيال عديدة، حيث كان ذلك أول صراع حديث يفوق ضحاياه المدنيون -بكثير- أعداد قتلاه المحاربين، ولم يكن ذلك ليصبح ممكنا إلا من خلال نزع الصفة الإنسانية عن العدو على أساس أيديولوجي، وإثارة النزعات القومية إلى حدها الأقصى، والترويج للعنصرية باعتبارها أمرا مسلما به، فضلا عن “الحرب الطبقية” اللينينية التي أيدت إبادة جميع المعارضين.

    ومن اللافت للنظر أن الدبلوماسيين السوفيات كافحوا بعد الحرب لمنع ذكر الحرب الطبقية -التي شملت عمليات القتل الجماعي التي ارتكبها الاتحاد السوفياتي ضد الأرستقراطيين والبرجوازيين والفلاحين مالكي الأراضي- في اتفاقية الأمم المتحدة لعام 1948 بشأن الإبادة الجماعية.

    وإجمالا، لقي قرابة 85 مليون شخص حتفهم خلال الحرب العالمية الثانية، من ضمنهم أولئك الذين قضوا بالمجاعة والمرض. لقد قتلت ألمانيا النازية الملايين، بينما فقدت بولندا خُمس سكانها (نحو 6 ملايين شخص) خلال الحرب.

    وبشكل أكثر بشاعة، خسر الصينيون ما يزيد على 20 مليون إنسان، وكان عدد القتلى الصينيين من المجاعة والمرض أكبر من عدد القتلى نتيجة المواجهة في ساحة المعركة، بينما تتراوح أعداد قتلى السوفيات بين 24 و26 مليونا.

    كان ستالين يدرك في عام 1945 أن إجمالي الخسائر تجاوز 20 مليون إنسان، ولكنه اعترف بثلث هذه الخسارة فقط (7.5 ملايين قتيل)، محاولا على ما يبدو إخفاء الحجم الحقيقي للرعب الذي أطلقه ضد شعبه.

    بيد أنه في هذا المقام لا يكفينا أن نتذكر الموتى الذين أخفى قاتلوهم عمدا هويات العديد منهم، فقد غيّر المواجهة أيضا حياة الناجين وأسرى الحرب والمدنيين المسجونين في المعسكرات بطرق يتعذر الإحاطة بها. في كثير من الأحيان، كان أولئك الذين استسلموا لمصيرهم في قائمة الضحايا الأوائل، بينما كان الناجون من أولئك الذين لديهم تصميم شديد على العودة إلى أسرهم، والتمسك بمعتقداتهم، وتقديم شهاداتهم على جرائم يتعذر الحديث عنها من فرط بشاعتها.

    وحتى تكتمل الصورة القاتمة، لم يتمكن العديد من الجنود الأسرى من العودة إلى ديارهم. بادئ ذي بدء، قُبض على أفراد القوات المسلحة الأحمر السوفياتي الذين جُنِّدوا قسرا من قبل القوات المسلحة الألماني أثناء وجودهم في فرنسا بزيهم العسكري الألماني وسُلِّموا إلى الضباط السوفيات الذين أعدموا القادة في الغابات ونقلوا البقية إلى الاتحاد السوفياتي، حيث حُكم عليهم بالعمل بالسخرة في الشمال المتجمد.

    وبعد أيام قليلة من استسلام ألمانيا، أمرت القوات البريطانية في النمسا بتسليم أكثر من 20 ألف يوغسلافي مناهض للشيوعية في المنطقة الخاضعة لسلطتها إلى السلطات اليوغسلافية الشيوعية، التي أطلقت النار عليهم ثم دفنتهم في مقابر جماعية.

    كما سلّمت القوات البريطانية السلطات السوفياتية بعض أبناء الكزاخ (أحد الأعراض السلافية الشرقية) وهم مواطنون سوفيات لكنهم قاتلوا من أجل ألمانيا. ومن المؤكد أن السلطة التنفيذية البريطانية كانت تعلم أن عقوبة قاسية تنتظر هؤلاء الجنود، لكنها خشيت أن يؤدي السماح لهم بالرحيل إلى احتفاظ السلطات السوفياتية بأسرى الحرب البريطانيين الذين حررهم القوات المسلحة الأحمر في بولندا وشرق ألمانيا.

    وبالمثل، جمع القوات المسلحة الأحمر 600 ألف جندي ياباني في شمال الصين ومنشوريا، وأرسلهم جميعًا إلى معسكرات العمل في سيبيريا حيث مارسوا أعمالا شاقة حتى الموت.

    لعقود طويلة بعد الحرب، ظلت تلك الذكريات حية في أذهان أولئك الذين عاشوها بأنفسهم وتركت بصماتها القاسية في نفوسهم. وعلى إثر ذلك، جرى تشكيل النظام الحاكم الذي تلا الحرب العالمية الثانية على يد أجيال كان هدفها منع وقوع مثل هذه المأساة مرة أخرى. ولكن بالنسبة لأولئك الذين لم يعيشوا هذا المواجهة، وينظرون إلى الوراء من عالم اليوم، فإن عدد ضحايا الحرب العالمية الثانية ربما يكون مجرد رقم، وهم معذورون في ذلك لأنه يصعب استيعاب حقيقة مقتل عشرات الملايين. غير أن فقدان هذه الصلة المباشرة مع الماضي يعني بالتبعية فقدان العزم المشترك الذي أنتج -على مدار 80 عاما- سلاما متصلا، وإن كان غير كامل، بين القوى العظمى.

    القصف الذري على هيروشيما وناجازاكي
    الحرب العالمية الثانية كانت بمثابة فجر العصر النووي على إثر إلقاء الولايات المتحدة قنبلتين نوويتين على اليابان عام 1945. (رويترز)

    معارك غير منتهية

    خلّفت الحرب العالم مكانًا مختلفًا تمامًا. وفي الدول المتحاربة، لم يبق سوى عدد قليل من الناس الذين لم يتأثروا مباشرة بويلات الحرب، فالعديد من النساء اللواتي قُتل خُطّابهن في الحرب لم يتزوجن أبدًا ولم ينجبن أطفالًا، بينما لم يتمكن الرجال العائدون من استيعاب حقيقة أن النساء تَولين إدارة كل شيء، مما جعلهم يشعرون أنهم عديمو القيمة.

    وكان رد الفعل الأقوى في أوروبا القارية. ففي ألمانيا مثلا، سمع الرجال الذين سُجنوا أثناء الحرب للمرة الأولى عن عمليات الاغتصاب الجماعي التي ارتكبها القوات المسلحة الأحمر، وشعروا بالإهانة لأنهم لم يكونوا متاحين للدفاع عن نسائهم، ولم يتمكنوا أيضا من التكيف مع حقيقة أن النساء تعاملن مع الصدمة بالطريقة الوحيدة الممكنة وهي التحدث عنها إلى بعضهن بعضا.

    وفي فرنسا وغيرها من البلدان المحتلة، تساءل الرجال الذين عادوا من السجون ومعسكرات العمل القسري في ألمانيا؛ كيف تمكنت النساء من البقاء على قيد الحياة دون أي وسيلة للدعم، وبدؤوا يشكون في علاقاتهن مع جنود العدو أو تجار القطاع التجاري السوداء. وليس مستغربا أن هذه الاستجابات أدت إلى فترة من ردود الفعل الاجتماعية المدمرة استمرت طيلة أربعينيات وخمسينيات القرن العشرين.

    في غضون ذلك، ظل المواجهة السياسي العنيف مستمرا حتى بعد انتهاء الأعمال الحربية العدائية. في أغسطس/آب 1945، وبعد فترة طويلة من انتهاء القتال في المسرح الأوروبي، بدأ الاتحاد السوفياتي إطلاق سراح الجنود الإيطاليين العاديين الذين أسرهم في الجزء الأخير من حملة قوى المحور للسيطرة على ستالينغراد. لكن هؤلاء الجنود أُرسلوا إلى أوطانهم بدون ضباطهم، لأن زعيم الحزب الشيوعي الإيطالي ناشد موسكو تأخير عودة السجناء الأعلى رتبة الذين قد يدينون الاتحاد السوفياتي علناً ويضرون بفرص الحزب في الاستحقاق الديمقراطي المقبلة.

    وبينما تجمعت الجماعات الشيوعية في محطات السكك الحديدية بإيطاليا للترحيب بالجنود العائدين، كانوا يتوقعون منهم أن يكونوا أكثر تعاطفا مع قضيتهم. لكنهم فوجئوا برؤية الجنود الذين كتبوا عبارة “تسقط الشيوعية” (Abbasso Comunismo) على عربات القطار، ليندلع الاشتباك في المحطات. وعلى إثر ذلك، اعتبرت الصحافة الشيوعية الجنود العائدين الذين انتقدوا الاتحاد السوفياتي بأي شكل من الأشكال؛ أنهم “فاشيون”.

    لقد أزيلت النطاق الجغرافي أو أعيد رسمها خلال الحرب وبعدها، ولم يعد الكثير من النازحين يعرفون جنسياتهم بعدما جرى اقتلاع أعداد كبيرة من السكان، وفي بعض الأحيان مدن بأكملها، أو إخلائها، أو قتل جميع سكانها على يد الجماعات شبه العسكرية والشرطة السرية والقوات المسلحة. ولا أدل على ذلك مما حدث في عام 1939، حين دُفع البولنديون من منطقة لفيف (Lwów) التي أصبحت فجأة ضمن حدود الغرب الأوكراني؛ إلى المناطق المهجورة في كزاخستان أو سيبيريا حيث تُركوا لمواجهة الموت.

    خضعت لفيف البولندية للاحتلال السوفياتي مرتين، كما احتلها النازيون الذين أرسلوا اليهود إلى معسكرات الموت. وفي أعقاب الحرب، حصلت المدينة على اسم أوكراني جديد، وهو لفيف “Leviv” (بنطق متقارب تقريبا ولكن باختلاف اللغة والهجاء).

    وفي مؤتمر يالطا في فبراير/شباط 1945، حين التقى زعماء بريطانيا والاتحاد السوفياتي والولايات المتحدة لمناقشة شكل أوروبا بعد الحرب، أجبر ستالين قوى الحلفاء على قبول إزاحة بولندا بأكملها إلى الغرب، واستقبال المقاطعات الألمانية السابقة على الجانب الغربي، على أن يستوعب الاتحاد السوفياتي المقاطعات البولندية إلى الشرق. ولإكمال تنفيذ هذه الخطة، نفذ القوات المسلحة الأحمر أكبر عملية تهجير قسري ممنهج للسكان في العصر الحديث، حيث نقل أكثر من 13 مليون ألماني وبولندي وأوكراني من مناطقهم.

    ومع استمرار مناقشات يالطا إلى مؤتمر بوتسدام في أغسطس/آب 1945، أصبحت رغبة ستالين في توسيع الأراضي السوفياتية أكثر وضوحا، مبديا اهتمامه بتولي السيطرة على المستعمرات الإيطالية السابقة في أفريقيا، ومقترحا الإطاحة بنظام فرانكو في إسبانيا.

    وحين داعبه السفير الأميركي لدى الاتحاد السوفياتي آنذاك، أفريل هاريمان، على هامش المحادثات قائلا “لا بد أنه من دواعي سرورك أن تكون في برلين الآن بعد كل ما عانته بلادك”، أجابه ستالين بجمود قائلا: “لقد وصل القيصر ألكسندر إلى باريس”.

    لم تكن تلك الملاحظة من ستالين مجرد مزحة على الإطلاق، ففي السنة السابق، أمرت القيادة السوفياتية بوضع خطط لغزو فرنسا وإيطاليا والاستيلاء على المضائق بين الدنمارك والنرويج. وخلال عام 1945 قال الجنرال السوفياتي سيرغي شتيمينكو، في إحدى محادثاته: “لقد كنا نتوقع أن يتخلى الأميركيون عن أوروبا التي تغط في الفوضى، وأن تصاب بريطانيا وفرنسا بالشلل بسبب مشاكلهما الاستعمارية”.

    لقد اعتقد القادة السوفيات أن هذا من شأنه أن يخلق فرصة سانحة لهم، لذا فإنهم لم يتخلوا عن خططهم إلا بعد معرفة أن الولايات المتحدة كانت قريبة من بناء القنبلة الذرية، رغم أن شهيتهم للتوسع ظلت قائمة.

    ومن المؤكد أن الحرب العالمية الثانية كانت بمثابة فجر العصر النووي، حيث نظر الكثيرون إلى اختراع القنبلة الذرية برعب، واعتبروا قصف الولايات المتحدة لهيروشيما وناغازاكي جريمة حرب. ورغم ذلك فإن استهداف هاتين المدينتين اليابانيتين في أغسطس/آب 1945 كان ينطوي على خيار “أخلاقي” بالغ الأهمية.

    فقبل أن تؤدي عمليات القصف إلى تسريع نهاية الحرب، كان الجنرالات اليابانيون يرغبون في مواصلة القتال بدلاً من قبول شروط الاستسلام التي أصدرتها قوى الحلفاء في إعلان بوتسدام في يوليو/تموز، وكانوا مستعدين للتضحية بملايين المدنيين اليابانيين من خلال إجبارهم على مقاومة غزو الحلفاء باستخدام الرماح المصنوعة من الخيزران والمتفجرات المثبتة على أجسادهم فقط.

    وبحلول عام 1944، كان حوالي 400 ألف مدني يموتون شهرياً بسبب المجاعة في مناطق شرق آسيا والمحيط الهادئ وجنوب شرق آسيا التي احتلتها القوات اليابانية. كان الحلفاء يريدون أيضًا إنقاذ أسرى الحرب الأميركيين والأستراليين والبريطانيين الذين كانوا يلقون حتفهم في المعسكرات اليابانية، أو كانوا يتعرضون للذبح على يد خاطفيهم بأوامر من طوكيو.

    وهكذا، ورغم أن القنبلة الذرية حصدت أرواح أكثر من 200 ألف ياباني، فإن هذا السلاح الرهيب ربما أنقذ عدداً أكبر بكثير في “مفارقة أخلاقية مقلقة”.

    s 10305204a 1746696122
    العديد من النساء اللواتي قُتل خُطّابهن في الحرب العالمية الثانية لم يتزوجن أبدًا ولم ينجبن أطفالًا. (شترستوك)

    العالم الذي صنعته الحرب

    في النهاية، لا شك أن الحرب العالمية الثانية أعادت ضبط مسار الإستراتيجية العالمية، سواء إلى الأفضل أو الأسوأ (على اختلاف موقع الناظر وانتمائه). وفي نهاية المطاف، مهدت هزيمة اليابان الطريق أمام صعود الصين الحديثة، وكان انهيار الإمبراطوريات البريطانية والهولندية والفرنسية في عامي 1941 و1942 بمثابة شهادة وفاة لأوروبا الإمبريالية، كما حفزت تجربة الحرب الاتجاه نحو التكامل الأوروبي، وفي الوقت نفسه، ارتفعت مكانة الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي إلى مصاف القوى العظمى.

    كذلك، أدت الحرب العالمية الثانية إلى ظهور الأمم المتحدة، التي كان من أهدافها القائدية حماية سيادة الدول، ومنع العدوان المسلح والاستيلاءِ على الأراضي بالقوة. كانت الأمم المتحدة حلما يراود القائد الأميركي فرانكلين روزفلت، وكان مستعدًا للسماح لستالين بالسيطرة الكاملة على بولندا لتحقيق هذا الحلم. ولكن في فبراير/شباط من السنة الحالي (2025)، أدارت الولايات المتحدة ظهرها للمبادئ التأسيسية للأمم المتحدة، وصوتت إلى جانب موسكو، ورفضت إدانة “العدوان” الروسي على أوكرانيا.

    كما أدت الحرب العالمية الثانية إلى نشوب الحرب الباردة، ويقول بعض المؤرخين إن هذا المواجهة الجديد بدأ في عام 1947 باتفاقية كلاي-روبرتسون (نسبة إلى لوسيوس د. كلاي، الحاكم العسكري للولايات المتحدة، والجنرال برايان روبرتسون، نائب الحاكم العسكري البريطاني) التي كانت بداية تخلي الحلفاء الغربيين عن ألمانيا الموحدة و”تخليق” ألمانيا الغربية مما أثار جنون ستالين.

    شهد ذلك السنة تصاعد التوترات، حيث أصدر ستالين في سبتمبر/أيلول أمراً للأحزاب الشيوعية الأوروبية بتجهيز أسلحتها استعداداً للحرب المستقبلية، وهو ما وضع الأساس للحصار السوفياتي لبرلين في السنة التالي.

    غير أن الأصول الحقيقية لتلك الأحداث تعود إلى ما هو أبعد من ذلك بكثير، وتحديدا إلى يونيو/حزيران 1941 حين أصيب ستالين بصدمة نفسية بسبب عملية بارباروسا، الغزو الذي قادته النازية ضد الاتحاد السوفياتي، والذي بدأ في ذلك الوقت. ومنذ ذلك الحين، بدا ستالين عازما على أن يحيط نفسه بدول تابعة في وسط أوروبا وجنوبها حتى لا يتمكن أي غازٍ من مفاجأة الاتحاد السوفياتي مرة أخرى.

    لقرون عديدة، كانت روسيا مهووسة بفكرة السيطرة على جيرانها لمنع تطويقها، وكان اهتمام ستالين منصبًّا بالأساس على بولندا. وفيما يبدو فإن بوتين حافظ على العقلية نفسها، لكن اهتمامه تركز على أوكرانيا، موطن النطاق الجغرافي الأكثر ضعفا لروسيا، والتي يراها بوتين جزءا لا يتجزأ من بلاده.

    وعندما تحرك القائد الروسي بناء على هذا “الادعاء” لغزو أوكرانيا في عام 2022، أعاد إلى الأذهان سمة من سمات زمن الحرب العالمية الثانية التي كانت غائبة إلى حد كبير عن الإستراتيجية العالمية منذ ذلك الحين. لقد ساهم الزعماء الأفراد، الذين تمتع العديد منهم بدعم الأنظمة الشمولية التي سيطروا عليها، في تشكيل مسار ذلك المواجهة الواسع. من تشرشل إلى روزفلت إلى ستالين، أعادت مؤامرات الزعماء ومكائدهم إحياء فكرة “الرجل العظيم” الذي يحرك مجرى التاريخ في المخيلة الشعبية.

    وفي السنوات الأخيرة، أصبح نفوذ الزعماء السياسيين أقل نسبيا. ويرجع ذلك إلى حقيقة أن النظام الحاكم الماليةي العالمي يقيد -إلى حد كبير- حرية تصرفهم، وهو الأمر الذي يفعله أيضا الفحص المستمر لقراراتهم من قبل وسائل الإعلام، والذي يجعل الكثيرين منهم أكثر أنذرا. ولعقود من الزمن، بدا الأمر كما لو أن شخصيات الزعماء لن تتمكن مرة أخرى من تحديد مسار الأحداث بالطريقة التي فعلتها إبان الحرب العالمية الثانية، لكن بوتين غيّر هذا الوضع، وترامب، الذي يتخذ من بوتين قدوة له، يغيّر هذا الوضع أيضا.

    واليوم، بينما احتفلت روسيا بيوم النصر في 9 مايو/أيار، يصر بوتين على استغلال قصة “الحرب الوطنية العظمى” التي تخوضها بلاده إلى أقصى حد. ويلمح بوتين إلى إمكانية إعادة تسمية مدينة فولغوغراد باسمها السابق ستالينغراد -وهو الاسم الذي تغير في عام 1961 كجزء من حملة الزعيم السوفياتي نيكيتا خروشوف لإزالة آثار الستالينية- بغية تسليط الضوء على انتصار القوات المسلحة الأحمر على “غزاة” المحور في معركة ستالينغراد عام 1943، وهي نقطة التحول النفسية العظيمة في الحرب من وجهة نظر بوتين والروس.

    في واقع الأمر، لا توجد مجموعة واحدة من الاستنتاجات التي يمكن استخلاصها من الحرب العالمية الثانية، فالحرب بطبعها تتحدى التعميم ولا يمكن إدراجها تحت تصنيفات سهلة أو ثابتة. وتجلب الحرب عددا لا يحصى من القصص حول المأساة، والفساد، والنفاق، والأنانية، والخيانة، والاختيارات المستحيلة، والسادية، لكنها تنطوي أيضًا على حكايات عن التضحية بالنفس، والرحمة، والبشر الذين تمسكوا بإيمانهم بالإنسانية رغم الظروف المروعة والقمع الوحشي. وسيظل المثال الذي يقدمه هؤلاء جديرًا دائمًا بالتذكر والمحاكاة، بغض النظر عن مدى قتامة المواجهةات التي نشهدها في عالم اليوم.

    _____________________________
    هذا المقال مترجم عن فورين أفيرز ولا يعبر بالضرورة عن الجزيرة نت


    رابط المصدر