الوسم: البولندي

  • الملاكم ناوروتسكي: ما سبب قلق أوروبا من القائد البولندي الجديد؟

    الملاكم ناوروتسكي: ما سبب قلق أوروبا من القائد البولندي الجديد؟


    قبل عامين، انتصر الائتلاف المدني في الاستحقاق الديمقراطي المجلس التشريعيية البولندية، مما أدى إلى إنهاء سيطرة حزب القانون والعدالة. شكلت السلطة التنفيذية الجديدة سياسات لتعزيز العلاقات مع الاتحاد الأوروبي، وأعادت الأموال المجمدة من بروكسل. لكن الاستحقاق الديمقراطي الرئاسية في يونيو 2025 شهدت فوز كارول ناوروتسكي من الحزب المحافظ، مما يثير قلقاً في الاتحاد الأوروبي. على الرغم من خلفيته المثيرة للجدل، نال دعمًا قويًا من الناخبين بفضل خطابه الوطني المحافظ. انتخابه يعكس الانقسام بين توجهات الاندماج الأوروبي والتوجهات الأمريكية، ويشير إلى احتمال عودة اليمين للحكم في الاستحقاق الديمقراطي المقبلة.

    قبل عامين، كانت أوروبا على موعد سعيد حينما هبت رياح جديدة من شرق القارة، وذلك بعد صدور نتائج الاستحقاق الديمقراطي المجلس التشريعيية في بولندا. إذ تمكن الائتلاف المدني من تحقيق فوز مفاجئ بحصوله على حوالي 54% من الأصوات في انتخابات عام 2023، مما أنهى سيطرة حزب القانون والعدالة المحافظ (الذي يتبنى نهجًا قوميًا يمينيًا) منذ عام 2015.

    بسرعة، أطلقت السلطة التنفيذية الجديدة سياسات تهدف إلى تعزيز العلاقة مع الاتحاد الأوروبي والانخراط في هياكله، وعملت على إجراء مصالحة تهدف إلى تصحيح المسار بعد فترة من الحكم التي أبعدت بولندا عن محيطها الأوروبي. وبالتالي قامت بإجراء إصلاحات قضائية، كان غيابها سببًا في تجميد أموال الاتحاد الأوروبي المخصصة لبولندا. وفي المقابل، استجابت أوروبا لهذه الخطوات من خلال رفع حالة التجميد عن 600 مليون يورو.

    لكن بعد مرور عامين فقط، شهدت الأمور تحولات كبيرة في الشارع البولندي، حيث كانت البلاد في شهر يونيو/حزيران الجاري على موعد مع جولة الإعادة من الاستحقاق الديمقراطي الرئاسية، التي دارت بين رئيس بلدية وارسو، الليبرالي المدعوم من الائتلاف المدني رافال ترازاسكوفسكي، والملاكم والمؤرخ المدعوم من حزب القانون والعدالة المحافظ كارول ناوروتسكي.

    لم تعتبر هذه الاستحقاق الديمقراطي مجرد استفتاء على السلطة التنفيذية الليبرالية السابقة، بل كانت أيضًا مؤشرًا على مكانة بولندا في العالم، خاصة مع الاستقطابات الحالية بين أميركا وأوروبا في ظل صعود القائد الأميركي دونالد ترامب، حيث تتجاذب بولندا رؤيتين: واحدة ترى بولندا جزءاً من أوروبا واتحادها، والأخرى تفضل الانتماء لواشنطن وأيديولوجية ترامب بشكل عام.

    An election convention of Karol Nawrocki, candidate for Polish presidential election in 2025, in Szeligi
    مؤيدون أمام مؤتمر انتخابي لكارول ناوروتسكي في بولندا 2 مارس/آذار 2025 (رويترز)

    عكس هذا الاستقطاب بوضوح خلال الاستحقاق الديمقراطي الأخيرة لدرجة أن استطلاعات الرأي لم تتمكن من توقع النتيجة بدقة لصالح أي من المتنافسين، وحتى ظهرت نتائج الاستحقاق الديمقراطي في النهاية، حيث حسم ناوروتسكي المحافظ نتيجة الاستحقاق الديمقراطي بفوزه بـ 50.89% مقابل 49.11% لمنافسه الليبرالي.

    اعتُبرت هذه النتيجة ضربة للحكومة المؤيّدة للاتحاد الأوروبي، إذ أن للرئيس حق النقض على التشريعات في البلاد، ويشكل جزءًا كبيرًا من سياستها الخارجية ويمثلها في الخارج، بالإضافة إلى أنه القائد الأعلى للقوات المسلحة في حالات الحرب. كما زادت هذه النتيجة من المخاوف في الاتحاد الأوروبي على حصنه الشرقي وأحد أهم أعضائه في السنوات الأخيرة.

    تمتلك بولندا جيشًا قويًا إذ استثمرت مبالغ ضخمة في السنوات الأخيرة، حيث وصلت استثماراتها السنة الماضي إلى 4.12% من الناتج المحلي الإجمالي في قواتها المسلحة. وتهدف إلى أن تصبح أكبر قوة برية في القارة، ووفقًا لمنصة دويتشه فيله، تمتلك بولندا حاليًا 150 ألف جندي لكنها تسعى للوصول إلى 300 ألف جندي بحلول عام 2035.

    على الرغم من ضعف قوتها البحرية، إلا أنها تعمل بجد على تعزيز بقية الفروع من خلال الحصول على أحدث المعدات العسكرية من دول مختلفة مثل الولايات المتحدة وكوريا الجنوبية، ومن المتوقع أن تحصل قريبًا على طائرات “إف- 35” المقاتلة. بالإضافة إلى أنها تعتبر نقطة الإمداد الحيوية للأسلحة الأوروبية المرسلة لأوكرانيا، وقد أنفقت بولندا حتى الآن 3 مليارات يورو لدعم كييف في حربها ضد روسيا، ولكن يبدو أن هذا الدعم اليوم قد يكون موضع شك في ظل صعود ناوروتسكي.

    ناوروتسكي حارس النادي الليلي المحافظ!

    أنا ببساطة واحد منكم

    • كارول ناوروتسكي مخاطبًا البولنديين من بلدة بيالا بودلاسكا الشرقية أثناء حملته الانتخابية.

    تاريخ ناوروتسكي الاجتماعي معقد ويحتوي على الكثير من المعلومات المهمة. وُلِد لعائلة متواضعة الحال مادياً في مدينة غدانسك، وكان مهتمًا بشكل خاص بلعبتي الملاكمة وكرة القدم خلال شبابه. رغم الظروف الصعبة، تمكن من الحصول على شهادات تعليمية رفيعة، حيث حصل على درجة الدكتوراه في التاريخ وماجستير في إدارة الأعمال في تخصص إدارة المشاريع والإستراتيجية.

    استطاع تمويل دراسته من خلال العمل في وظائف بسيطة متنوعة أثناء تعليمه، وقد وصف غريغورز بيرندت، المشرف السابق على أطروحته الدراسية، بأنه دعا مجتهد حقيقةً وقوي الإرادة ومقاتل. فقد استطاع كتابة أطروحته في غضون عام من خلال 158 مقابلة أجراها.

    وتمكن ناوروتسكي من تولي مناصب مرموقة قبل أن يفوز بالاستحقاق الديمقراطي الرئاسية، حيث أدار متحف الحرب العالمية الثانية في مدينته (غدانسك) من عام 2017 إلى 2021، ثم تولى رئاسة معهد الذكرى الوطنية، وهو المعهد المعني بدراسة التاريخ الحديث المعقد. وحسب لوموند، قام ناوروتسكي بتحويل المعهد إلى أداة سياسية وأيديولوجية بيد حزب القانون والعدالة.

    يُعتبر ناوروتسكي محافظًا، وعادةً ما يميل المحافظون اليمينيون في الغرب نحو روسيا. لكن في بولندا، هناك شبه إجماع على الخصومة مع موسكو. وفق منصة دويتشه فيله، فأصدر ناوروتسكي عبر منصبه في رئاسة المعهد أوامر بتدمير النصب التذكارية السوفياتية بعد بداية الحرب الروسية الأوكرانية، مما أثار غضب الكرملين. ولفتت لوموند إلى أن هذه الخطوة وضعته على قائمة المطلوبين في روسيا.

    اختار حزب القانون والعدالة ناوروتسكي كمرشح في هذه الاستحقاق الديمقراطي الرئاسية، بل دفع به كمستقل رغم أن تنظيم حملته الانتخابية وميزانيتها جاء من الحزب، ولم يكن لديه خبرة سياسية قبل تلك الاستحقاق الديمقراطي بل لم يكن حتى عضوًا في أي حزب.

    GettyImages 2215128890 1748897398
    كارول ناوروتسكي، يدلي بصوته مع زوجته مارتا وابنته كاتارزينا خلال الاستحقاق الديمقراطي الرئاسية في 18 مايو/أيار 2025 في بولندا (غيتي)

    جدير بالذكر، أنه لم يكن معروفًا لمعظم البولنديين حتى تقديمه للجمهور في 25 نوفمبر/تشرين الثاني 2024 بواسطة حزب القانون والعدالة. وحسب الصحيفة الفرنسية، يعتبر ذلك سياسة شائعة لدى الحزب في العقد الأخير، حيث يدفع بوجوه جديدة تمامًا إلى الساحة السياسية، كما فعل مع القائد السابق أندريه دودا الذي لم يكن معروفًا إلا كمحامٍ مغمور قبل انتخابه.

    هناك عدة عوامل في تاريخ ناوروتسكي الاجتماعي وبناء شخصيته في تلك الاستحقاق الديمقراطي قد ساعدته على الفوز، حيث أظهرت المعلومات الأولية أنه حصل على أصوات من الرجال لا سيما الأقل من 29 عامًا بينما صوتت النساء وكبار السن للمرشح الليبرالي. خلفيته العصامية قد جذبت أصواتًا له، بالإضافة إلى نشأته في حي عاملي في غدانسك وعمله خلال فترة الدراسة كحارس ملهى ليلي.

    علاوة على ذلك، كان ناوروتسكي ناشطًا ناجحًا في رياضة الملاكمة، وقد قدم نفسه كقوي للناخبين الذكور وفقًا لتقارير وكالة رويترز، حيث كان يركز على نشر مقاطع فيديو لنفسه في الحلبات. كما حرص على تسليط الضوء على أسرته المحافظة وعلى زوجته مارتا وأبنائهم الثلاثة لتعزيز صورته كأب محب.

    لكن هناك جوانب أخرى في سيرته أثارت الجدل، خصوصًا فيما يتعلق بعلاقته بالدعارة. إذ أجرى موقع أونيت المحلي تحقيقًا لفت إلى أنه شارك في شبكة دعارة أثناء عمله بفندق كبير في سوبوت، وهو ما نفاه بشدة مهددًا باللجوء إلى القضاء ضد التقرير. ومع ذلك، لم يتراجع الموقع.

    أيضًا، تشير تقارير انتقادية إلى أنه اشترى شقة في غدانسك من متقاعد مسن، وحين وعده برعايته، قام بعد ذلك بإيداعه في دار رعاية للمسنين وتمويل ذلك من أموال الدولة. وقد تبرع لاحقًا بالشقة لجمعية خيرية بعد ظهور القصة للعلن وتأثيرها على سمعته.

    جدير بالذكر أنه قد اعترف بفخر بمشاركته في مشاجرة جماعية بين مشجعين كرة القدم عام 2009، شارك فيها 140 مشجعًا، وقد تم إدانة بعضهم لاحقًا بارتكاب جرائم. واعتبرها نوعًا من الرياضة رغم تحذيرات عديدة.

    ومع ذلك، أظهرت الاستحقاق الديمقراطي أن تلك الأحداث لم تؤثر بشكل ملموس على رؤى معظم الناخبين لناوروتسكي، إذ اعتقد الكثيرون أن الهجمات عليه هي جزء من دعاية خصومه الليبراليين والإعلام الذي يعارضهم، في سياق الرغبة السنةة لرؤيتهم محافظًا قويًا يتصدى لتوجهاتهم. وقد أثرت أفكار ناوروتسكي التي طرحها ودعا فيها لانتقاد السلطة التنفيذية الموالية للاتحاد الأوروبي، والتي اعتبرها نخبة حضرية بعيدة عن هموم المواطن العادي، في جاذبيته الانتخابية.

    اجتذب خطابه المعارض للإجهاض (الذي يثير جدلاً في بولندا) وكذا ما يعتبره أجندة مجتمع الميم قطاعات عريضة من المواطنون البولندي، إذ اعتبره جزءًا من القيم المسيحية التقليدية التي تمسكوا بها. بينما في المقابل، استعار ناوروتسكي بعض المفاهيم والشعارات التي استخدمها دونالد ترامب في حملته الانتخابية، مثل “بولندا للبولنديين” و”استعادة الوضع الطبيعي”، حيث ظهرت الأعلام الأميركية في تجمعاته الانتخابية. وكان هناك رغبة تتزايد وسط الشعب البولندي لرؤية تجارب مشابهة لما يجري في الولايات المتحدة.

    وفي الواقع، دعمت الإدارة الأميركية ناوروتسكي بشكل كبير، حيث لم يقتصر الدعم على المنشورات في وسائل التواصل بل بلغ حد الاتصال وتقديم النصائح خلال الحملة الانتخابية. إلى جانب تصريحات وزيرة الاستقرار الداخلي الأميركية كريستي نعوم التي نوّهت أن انتخابه سيجعل بولندا تقود البلاد نحو القيم المحافظة، مع وعد باستمرار الوجود العسكري الأميركي هناك وتوفير المعدات عالية الجودة.

    تجدر الإشارة إلى أن الولايات المتحدة يوجد بها حاليًا 10 آلاف جندي متمركز في بولندا.

    U.S. Defence Secretary Austin Visits Troops At Polish Base
    وزير الدفاع الأميركي السابق لويد أوستن (يسار) يزور القوات الأميركية في القاعدة العسكرية ببولندا (غيتي)

    لذا كان يُنظر إلى هذه الاستحقاق الديمقراطي بشكل واسع على أنها تعبير عن صراع بين أوروبا وأميركا على الرقعة البولندية. بينما تسعى أوروبا لتظهر متحدّة في مواجهة ترامب، جاء قرار الشعب البولندي باختيار رئيس يميني يرفع شعارات ترامب ويتعهد بمواجهة السلطة التنفيذية الليبرالية الساعية للتواصل مع الاتحاد الأوروبي.

    أصبح جزءًا أساسيًا من حملته الانتخابية هجومه على برلين واستغلالها للدول الأوروبية، حيث صرح أنه سيضغط على برلين لدفع تعويضات لبولندا عن الحرب العالمية الثانية. ورفض اعتماد اليورو عملة في بلاده.

    استنادًا إلى دراسة بحثية نشرتها كلية لندن للاقتصاد، من المتوقع أن يتبع ناوروتسكي سياسة عدائية تجاه ألمانيا والاتحاد الأوروبي، وسيكون متماشيًا مع القائد الأميركي، وسينتقد بشدة أجندة المفوضية الأوروبية المتعلقة بالهجرة والمناخ، وسيعمل بالتعاون مع الكتلة اليمينية في الاتحاد.

    وحسب النائب الفرنسي في المجلس التشريعي الأوروبي برنارد غيتا، فإن رئاسة ناوروتسكي قد لا تؤدي إلى قطيعة فورية مع الاتحاد، لكنها قد تترك آثارًا سلبية على المدى الطويل، خاصة في ظل تحالفه مع ترامب الذي قد يسهم في فصل بولندا عن البرامج الأوروبية والتكامل.

    من جهة أخرى، يعتبر معظم المحللين أن موقف ناوروتسكي من الدعم العسكري لأوكرانيا لن يختلف كثيرًا عن السلطة التنفيذية الحالية. ومع ذلك، يُنظر إلى خطابه ضد اللاجئين الأوكرانيين على أنه مشحون بالخلافات، في ظل ارتفاع المشاعر السلبية لدى بعض البولنديين تجاه الأعداد المتزايدة من اللاجئين الأوكرانيين.

    وباختصار، لا يتوقع أن يؤثر انتخاب ناوروتسكي بشكل كبير على الوضع الراهن في بولندا أو القارة أو حلف شمال الأطلسي، لكن انتخابه قد يشير إلى أن الاستحقاق الديمقراطي المجلس التشريعيية المقبلة في عام 2027 قد تشهد عودة حكم اليمين كما في الرئاسة. هناك أيضًا احتمالية أن تكون هذه الاستحقاق الديمقراطي حلقة جديدة في تآكل النموذج الليبرالي بأوروبا وزيادة تأثير المعسكر اليميني داخل دول الاتحاد الأوروبي، مما قد يحدث تحولات على المدى المتوسط في أوروبا نفسها. وفي المدى القريب، يعكس هذا الفوز نجاحًا آخر للمد “الترامبي” في الغرب.

    علاوة على ذلك، فمن الممكن أن يجد معسكر أوربان في المجر حليفًا جديدًا يتحدى التخطيط الليبرالي في الاتحاد، خاصة وأن أوربان يعد من أبرز الزعماء الأوروبيين الذين احتفلوا بنتائج الاستحقاق الديمقراطي الرئاسية البولندية.


    رابط المصدر