الوسم: استراتيجيات

  • تقييد المهاجرين في أوطانهم: أحدث استراتيجيات أوروبا لمواجهة الهجرة

    تقييد المهاجرين في أوطانهم: أحدث استراتيجيات أوروبا لمواجهة الهجرة


    يسعى الاتحاد الأوروبي لزيادة العقبات أمام المهاجرين عبر إبرام اتفاقيات مع دول العبور لتقليل تدفقات المهاجرين. صرحت اليونان عن نشر قوات قرب السواحل الليبية لمنع المهاجرين من الوصول إليها. هذا التحرك يتم بالتنسيق مع السلطات الليبية والأوروبيين، ويستهدف تقليص دور المهربين. منذ عام 2015، أصبحت اليونان بوابة رئيسية للمهاجرين، مع تغير مسارات الهجرة وزيادة أعداد القادمين من ليبيا. تعكس هذه السياسات مقاربة أمنية للمهاجرة، مما أدى إلى انتهاكات حقوق الإنسان وزيادة التعقيدات القانونية للمهاجرين، في ظل ظروف غياب الرعاية المناسبة لهم في مراكز الاستقبال.

    في جهوده لإحباط المهاجرين، يسعى الاتحاد الأوروبي إلى فرض مزيد من القيود عليهم، ويبرم اتفاقيات مع دول العبور لصدهم عن متابعة رحلتهم.

    أحدث التدابير التي اتخذها الاتحاد الأوروبي هو الإعلان من اليونان عن نيتها نشر قوات بالقرب من السواحل الليبية، وهي نقطة انطلاق المهاجرين، لمنعهم من الوصول إلى أوروبا.

    ما هي طبيعة هذه الخطوة؟ وما خلفياتها؟ وما الإضافات التي ستقدمها؟ وهل نجحت الاتفاقيات الأوروبية مع دول العبور في تقليل تدفقات المهاجرين؟

    تصميم خاص _خريطة البحر المتوسط - لبيبا - اليونان
    (الجزيرة)

    غزو المهاجرين في عقر دارهم

    وفقًا لتقرير صادر عن وكالة رويترز، لفت رئيس الوزراء اليوناني كيرياكوس ميتسوتاكيس إلى أن اليونان ستقوم بنشر فرقاطتين وسفينة أخرى قبالة المياه الإقليمية الليبية لمنع المهاجرين من الوصول إلى جزيرتي كريت وغافدوس.

    وأفاد ميتسوتاكيس أن هذه الخطوة تتم بالتنسيق مع السلطات الليبية والقوات الأوروبية في المنطقة، بهدف إيصال رسالة مفادها أن المهربين لن يكون لهم حق تحديد من يمكنه دخول بلادنا.

    ذكر مسؤولان حكوميان لرويترز أن السفن الثلاث ستغادر اليونان قريبًا، لكن لم تتضح بعد كيفية عمل السفن الحربية اليونانية ولا الدور الذي سيلعبونه في عمليات البحث والإنقاذ في ليبيا أو المياه الدولية.

    ويوضح الموقع الأوروبي “إنفو ميغرانتس” المتخصص في الهجرة أنه وفقًا للاتفاقيات البحرية الدولية، تُقسم المياه الدولية إلى مناطق مسؤولة عنها دول ساحلية، وعادة تُحدد المنطقة الإقليمية لكل دولة ضمن شريط ساحلي يمتد على مسافة 12 ميلاً بحريًا.

    وعلاوة على ذلك، تُحدد منطقة بحث وإنقاذ لكل دولة تكون مسؤولة عن إدارة وتنسيق عمليات الإنقاذ ضمنها، وتوجد في وسط البحر المتوسط مناطق بحث وإنقاذ تابعة لمالطا وإيطاليا وليبيا.

    إعلان

    وهذا يعني أن السفن التابعة لدولة معينة تستطيع التحرك داخل مياهها الإقليمية ومنطقة البحث والإنقاذ الخاصة بها لمساعدة أي شخص يتعرض للخطر في البحر.

    اليونان وليبيا.. مسار الهجرة الجديد

    تفيد صحيفة كاثيميريني اليونانية بأن اليونان منذ عام 2015 تعتبر بوابة رئيسية للمهاجرين القادمين من الشرق الأوسط وأفريقيا وآسيا، حيث وصل حوالي مليون شخص إلى جزرها، مما تسبب في أزمة إنسانية غير مسبوقة.

    لكن مسار الهجرة عبر اليونان شهد تحولًا في السنوات الأخيرة، إذ انخفضت تدفقات المهاجرين من تركيا بشكل ملحوظ، بينما زاد عدد الوافدين من ليبيا، خاصةً السودانيين إلى جانب مصريين وبنغلاديشيين.

    وثق تقرير لموقع يورونيوز الصادر في 11 يونيو/حزيران الحالي بعنوان “من الخرطوم إلى كريت اليونانية.. لاجئو السودان يبحثون عن حياة آمنة في أوروبا”، أن ليبيا أصبحت المعبر القائدي للسودانيين الفارين من الحرب نحو أوروبا عبر اليونان.

    وحسب تقارير أولية من مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، ارتفع عدد السودانيين القادمين إلى أوروبا بنسبة 134% خلال الأشهر الخمسة الأولى من عام 2025 مقارنة بالفترة ذاتها من السنة الماضي.

    ووفقًا لوكالة فرونتكس المختصة بمراقبة النطاق الجغرافي الأوروبية، كان مسار شرق المتوسط الأكثر نشاطًا للهجرة نحو الاتحاد الأوروبي بين يناير وأبريل 2025، حيث بلغ عدد السودانيين العابرين من هناك 1469 شخصًا، مقارنة بـ361 في نفس الفترة من عام 2024.

    تشعر اليونان بالقلق إزاء الزيادة السريعة في طريق الهجرة من طبرق شرق ليبيا إلى جزيرة كريت (300 كيلومتر) وجزيرة غافدوس المجاورة، حيث وصل 5161 شخصًا إلى غافدوس وكريت السنة الماضي، وهو ارتفاع بمقدار ستة أضعاف مقارنة بعام 2023، عندما بلغ العدد 815 شخصًا، وفقًا للوكالة.

    FILE PHOTO: Migrant rescue operation off the island of Crete
    اليونان تشعر بالقلق إزاء النمو المتسارع لطريق الهجرة من طبرق في شرق ليبيا إلى جزيرة كريت (رويترز)

    البحث عن اتفاق مع ليبيا

    يفيد موقع “ليبيا أوبزيرفر” أن الانتشار البحري اليوناني بالقرب من السواحل الليبية يأتي في وقت تسعى فيه اليونان وليبيا إلى تحسين العلاقات المتوترة بسبب اتفاقية بحرية عام 2019 بين السلطة التنفيذية الليبية وتركيا، والتي عارضتها اليونان بشدة.

    وتأتي هذه الخطوة في ظل تصاعد التوترات بين أثينا والسلطة التنفيذية الليبية المؤقتة والسلطة التنفيذية الموازية في شرق ليبيا، عقب إعلان اليونان عن نيتها منح تراخيص للتنقيب عن الهيدروكربونات في المياه جنوب جزيرة كريت.

    وفي الوقت نفسه، أوردت صحيفة كاثيميريني اليونانية أن وزير الخارجية جورج جيرابيتريتيس سيزور ليبيا مطلع يوليو المقبل لبحث عدة قضايا ذات اهتمام مشترك، أبرزها النزاع على النطاق الجغرافي البحرية وأزمة الهجرة غير النظام الحاكمية.

    وتسعى السلطة التنفيذية اليونانية إلى إبرام شراكة مشابهة لتلك التي تم توقيعها بين إيطاليا وليبيا في عام 2017، بهدف وقف قوارب المهاجرين في طريقها إلى اليونان.

    38174317 1751200188
    وزير الخارجية اليوناني يعتزم زيارة ليبيا لمناقشة قضايا تتعلق بالنزاع على النطاق الجغرافي البحرية وأزمة الهجرة غير النظام الحاكمية (الأناضول)

    اتهامات لليونان

    أفاد موقع “إنفو ميغرانتس” أن اعتراض سفن المهاجرين قبالة ليبيا قد يترتب عليه تداعيات قانونية لقوات اليونان.

    إعلان

    لا يزال خفر السواحل اليوناني تحت التحقيق في حادثة اعتراض سفينة قبالة ساحل بيلوس في يونيو 2023، حيث وجه المدعون السنةون في اليونان تهمًا لـ17 فردًا من طاقم زورق خفر السواحل اليوناني بتهمة غرق سفينة مهاجرين أثناء محاولة سحبها بعيدًا عن المياه اليونانية.

    أسفر الحادث عن وفاة أكثر من 600 شخص، وزعم الناجون أن السلطات حاولت التستر على الحادث، وهو ما تنفيه السلطة التنفيذية اليونانية.

    استشهد الموقع بمتخصصة في سياسات الهجرة في مركز الإستراتيجية الأوروبية تدعى هيلينا هان، حيث نوّهت أن المهاجرين تعرضوا لعمليات تنكيل عنيفة على النطاق الجغرافي البحرية والبرية بين اليونان وبلغاريا.

    ولقد جمع الموقع العديد من الشهادات من المهاجرين الذين يصفون ظروفهم المعيشية الصعبة والقمع من السلطات اليونانية، مثلما قال مواطن كونغولي يُدعى بيير: “على طول الطريق، يتعرضنا للسرقة والاعتداء من قبل الذين يُفترض أن يكونوا حامينا (الشرطة) هذا مُحبط”.

    ونفت أثينا دائمًا ممارسة التعذيب بحق المهاجرين.

    مسار الموت

    بحسب تقرير يورونيوز، يعتبر مسار الهجرة الجديد من شرق ليبيا إلى اليونان خطرًا جدًا، حيث يضطر المهاجرون لعبور مسافة 300 كيلومتر في البحر المفتوح، وغالبًا ما يُحشرون في قوارب صيد متهالكة أو سفن صغيرة.

    في 14 ديسمبر/كانون الأول الماضي، غرق قارب أدى إلى وفاة ما لا يقل عن 8 أشخاص قبالة سواحل جزيرة كريت، في حين فُقد حوالي 40 آخرين.

    وفي مايو/أيار، انتُشلت جثتا طفلين صغيرين قد تكونا توفيتا من العطش من قارب مطاطي مكتظ، حيث قال الناجون إن القارب غادر ليبيا قبل ثلاثة أيام لكن محركه تعطل بسرعة، كما توفي شخص ثالث بعد سقوطه في المياه، وفشل إنعاش رابع.

    على متن القوارب الخشبية، قد يموت المهاجرون أيضًا من التسمم بسبب استنشاق أبخرة الوقود، ويغرق الكثير من القوارب دون أن تترك أي أثر.

    في مارس/آذار 2024، توفي ما لا يقل عن 60 شخصا أثناء عبور البحر الأبيض المتوسط، حيث تم إلقاء جثثهم في المياه، كما ذكر 25 ناجيًا من قارب تم إنقاذه بواسطة سفينة إنسانية.

    وذكرت منظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسيف) في تقريرها المنشور في 15 أبريل أن نحو 3500 طفل لقوا حتفهم أو فقدوا خلال السنوات العشر الماضية، بمتوسط طفل واحد يوميًا، أثناء محاولاتهم عبور وسط البحر المتوسط بين شمال أفريقيا وإيطاليا.

    ومنذ عام 2014، أي منذ أول تعداد أجرته المنظمة الدولية للهجرة، توفي أكثر من 24 ألف مهاجر في وسط البحر الأبيض المتوسط، ومنذ بداية عام 2025، توفي 316 شخصاً في هذه المنطقة البحرية نفسها.

    ظروف مزرية

    حسب موقع إنفو ميغرانتس، فإن الوصول إلى اليونان ليس هو بداية السعادة، بل هو بداية معاناة جديدة حيث يواجه اللاجئون ظروفًا مزرية.

    فبمجرد اقترابهم من الشاطئ الجنوبي لجزيرة كريت أو جزيرة غافدوس المرتبطة بها، تبدأ قوارب الصيد القادمة من ليبيا في إطلاق نداءات الاستغاثة حيث يتم إنزال حمولتهم من المهاجرين، ويبقى هؤلاء في مناطق تعاني من نقص في الخدمات لعدة أيام إلى أن يتم نقلهم إلى مراكز الاستقبال.

    كما نقل موقع ل”الزيارة إلى كريت” عن عمدة ريثيمنو ورئيس مجلس كريت الإقليمي جيورجيس ماريناكيس دعوته للحاجة إلى إيجاد حل لمشكلة الإقامة المؤقتة لهؤلاء الأفراد، موضحًا أن السلطة التنفيذية المحلية لا تمتلك الموارد اللازمة للتعامل مع التدفقات المتزايدة للمهاجرين.

    وقال كريستينا جياناري، ناشطة في منظمة مستقلة تعنى بالمهاجرين في منطقة خانيا، “يتم استقبال المهاجرين في مساحة كبيرة، بدون البنية التحتية اللازمة، لا توجد مراحيض، ولا مكان للاستحمام. هناك مراحيض تثير اشمئزاز الآخرين لأنها متسخة للغاية، لا يوجد صابون، ينامون على الأرض على سجاد متسخ، ويتغطون ببطانيات قديمة بها ثقوب، الوضع بائس”.

    إعلان

    وفيما يتعلق بالرعاية الطبية، قالت جياناري “ليس لدينا أي منظمات غير حكومية هنا في كريت، كنا نأمل أن تفتح منظمة أطباء بلا حدود مكاتب هنا، ولكن بعد التواصل معهم، أبلغونا بأن ذلك غير ممكن في الوقت الحالي”.

    اتفاقات دول العبور

    ذكرت صحيفة “لافيا ليبيرا” الإيطالية في تقرير بعنوان “رقابة أوروبا الخارجية على حدودها لوقف المهاجرين لم تجدِ نفعًا” أنه على مدى السنوات، أبرم الاتحاد الأوروبي والحكومات الوطنية اتفاقيات مع دول ثالثة لمنع المهاجرين من الدخول، من تركيا إلى ألبانيا، مروراً بليبيا وتونس والنيجر ورواندا.

    تتضمن هذه الاتفاقيات غالبًا مع دول المنشأ أو العبور -التي تُعطى عادةً أموالاً مقابل ذلك- تنظيم دوريات لمراقبة النطاق الجغرافي، ومعالجة طلبات اللجوء، واحتجاز المهاجرين في مرافق خاصة.

    مع ذلك، أثارت هذه الاتفاقيات الكثير من الانتقادات، بسبب ضعف فعالية تنفيذها في تقليل الهجرة، وارتفاع تكاليفها، وعدم شفافيتها، وخطرها على حقوق الإنسان.

    “أمْنَنة” ملف الهجرة

    في خطاب ألقاه الممثل الأعلى السابق للشؤون الخارجية في الاتحاد الأوروبي جوزيب بوريل أمام الأكاديمية الدبلوماسية الأوروبية عام 2022، ذكر: “أوروبا حديقة مثالية للحرية السياسية والازدهار الماليةي حيث تسير الأمور بشكل جيد، لكنها محاطة بغابة ولا يوجد جدار عالٍ بما يكفي لحماية الحديقة”.

    أضافت باحثة في مركز كارنيغي للشرق الأوسط، ياسمين زرهلول، أن تصريحات بوريل تعكس التصور الشائع لدى الأوروبيين بأن الهجرة تمثل تهديدًا لاستقرارهم ورفاههم.

    تقول زرهلول إن هذه النظرة هي ما دفعت الاتحاد الأوروبي إلى تبني سياسات أمنية مشددة في ملف الهجرة، وهو نهج أدى لزيادة انتهاكات حقوق الإنسان وفشل في كبح موجة الهجرة.

    وهكذا، مهدت سياسة الاتحاد الأوروبي الطريق لما يمكن تسميته بـ”أمننة” ملف الهجرة، أي التعامل مع الهجرة كقضية تتعلق بالاستقرار، مما حول دول الجوار الأوروبي من شركاء إلى حراس حدود.


    رابط المصدر