الرهان الاقتصادي: أهم وسائل إيران لتجاوز الحصار البحري الأمريكي – شاشوف
يهدد الحصار البحري الأمريكي على موانئ إيران بإحداث اختناق اقتصادي. طهران تعتمد على ‘اقتصاد الطوارئ’، مع ثمانية عناصر للتخفيف من الأثر. قطاع النفط، الذي يمثل العمود الفقري للاقتصاد، حقق الاكتفاء الذاتي بنسبة 80% في المعدات. تمتلك إيران قدرة تكريرية بنحو 2.4 مليون برميل يومياً، مما يحافظ على استقرار الوقود. الأمن الغذائي يدعمه مخزون استراتيجي كبير. قطاع البتروكيماويات يعزز العوائد المالية. التجارة الإقليمية تمثل أحد الحلول البديلة. تزداد أهمية موانئ بحر قزوين كمنفذ بديل. ومع ذلك، يحذر اقتصاديون من التأثير المتزايد للحصار على التضخم وتكاليف النقل.
الاقتصاد العالمي | شاشوف
الضغط الناتج عن الحصار البحري الأمريكي على الموانئ الإيرانية يهدد بإحداث اختناق اقتصادي يمتد من السواحل إلى الداخل. وهذا يحتم على طهران تفعيل مجموعة معقدة من الأدوات والبدائل للحد من التأثير وتوزيع الصدمة. وحسب معلومات ‘شاشوف’ من أحدث التقارير، فإن هذا الصمود المحتمل يعتمد على ثمانية عناصر رئيسة تشكل ما يُمكن وُصفه بـ’اقتصاد الطوارئ’ أو ‘اقتصاد المقاومة’ في مواجهة الضغوط الخارجية.
يبدأ هذا الهيكل من الداخل، وبالتحديد من قطاع النفط، الذي يُعد العمود الفقري للاقتصاد الإيراني. فقد تمكنت إيران خلال سنوات العقوبات الطويلة من تطوير قاعدة تصنيع محلية واسعة ضمن هذا القطاع، بحيث يُنتَج أكثر من 80% من المعدات النفطية محلياً. وهذه النقطة تحمل بُعداً استراتيجياً بالغ الأهمية، إذ تقلل من اعتماد القطاع على الاستيراد في مجالات حساسة مثل الصيانة والتشغيل وقطع الغيار، وهو ما يعني أن الحصار البحري، رغم شدته، لا يؤدي بالضرورة إلى شلل فوري في إنتاج النفط.
وبالإضافة إلى ذلك، تبرز قاعدة التكرير المحلية كخط الدفاع الثاني ضد الاختناق، حيث تشير البيانات إلى أن القدرة التكريرية لإيران بلغت حوالي 2.4 مليون برميل يومياً، مع تشغيل جميع المصافي بكامل طاقتها خلال العام الماضي. وفي ظل الحصار، يصبح استمرارية تدفق البنزين والديزل أمراً حيوياً، لأنه يؤثر مباشرةً على قطاعات النقل والكهرباء والصناعة. أي خلل في هذا السياق قد يسبب اضطرابات سريعة داخلية. لذلك، فإن الحفاظ على استقرار منظومة الوقود يُعتبر أحد العناصر الأساسية لتفادي الانهيار الاقتصادي المتسلسل.
أما فيما يتعلق بالأمن الغذائي، فيتجاوز الأمر مجرد الإنتاج الزراعي إلى إدارة المخزون الاستراتيجي بكفاءة. فقد دخلت إيران الحرب وهي تمتلك أكثر من 5 ملايين طن من السلع الأساسية المخزنة، ولم تضطر، بعد أسابيع من الحرب، إلى السحب من احتياطياتها الاستراتيجية وفقاً للمعطيات المتاحة التي سجلها شاشوف. مما يُشير إلى أن الدولة لا تعتمد فقط على الاكتفاء الذاتي الجزئي في بعض السلع مثل القمح، بل تعتمد أيضاً على سياسة تخزين مدروسة تمنحها القدرة على امتصاص الصدمات قصيرة ومتوسطة الأجل.
وفي الجانب المالي والتصديري، يلعب قطاع البتروكيماويات دوراً محورياً، إذ يمثل حوالي ربع الصادرات غير النفطية وقرابة خمس القيمة المضافة الصناعية، بالإضافة إلى مساهمته الكبيرة في توفير العملة الصعبة. وقد ازدادت أهمية هذا القطاع خلال الحرب، إذ تحول إلى أداة لإدارة الأزمة داخلياً بعد قرار السلطات بإعادة توجيه بعض الصادرات إلى السوق المحلية لتلبية احتياجات الصناعات التحويلية.
ومن بين الركائز الملحوظة أيضاً، اعتماد إيران على شبكة تجارة إقليمية نشطة مع دول الجوار، وهي شبكة لم تُبنَ كرد فعل طارئ، بل تطورت تدريجياً خلال سنوات العقوبات، حيث تجاوزت قيمة التجارة غير النفطية مع الدول المجاورة 74 مليار دولار في سنة واحدة، مع استمرار هذا الزخم في العام التالي.
وفي نفس السياق، تكتسب موانئ بحر قزوين في شمال إيران أهمية متزايدة لأنها تمثل منفذاً بديلاً نسبياً بعيداً عن نطاق الحصار. هذه الموانئ المرتبطة بشبكة السكك الحديدية توفر إمكانية الوصول إلى الممر الشمالي-الجنوبي، الذي يربط إيران بأسواق آسيا الوسطى وروسيا. ورغم أن هذه المسارات لا يمكن أن تعوض بالكامل حجم التجارة البحرية عبر الخليج، كما ذكر شاشوف، إلا أنها تمثل جزءاً من استراتيجية الالتفاف اللوجستي، التي تهدف إلى توزيع المخاطر وتقليل الاعتماد على مسار واحد.
ولجأت طهران إلى حزمة من الإجراءات الحكومية الطارئة بهدف تسهيل التجارة والإنتاج في زمن الحرب، مثل إعطاء الأولوية لاستيراد السلع الأساسية والمواد الخام، وتسهيل تراخيص خطوط الإنتاج، وتمديد الإجراءات الإدارية. وتوفر هذه الإجراءات أدوات سريعة للتخفيف من حدة الاختناقات، وتمنح القطاع الخاص مساحة للحركة في ظل القيود المتزايدة.
مع ذلك، يحذر اقتصاديون من المبالغة في تقدير قدرة هذه الركائز على الصمود، إذ يعاني الاقتصاد الإيراني من تضخم يتجاوز 50% سنوياً. وأي ضغط إضافي، مثل الحصار البحري الأمريكي، قد يؤدي إلى تفاقم الأزمة عبر رفع تكاليف النقل والتوريد، خاصة مع التحول إلى المسارات البرية الأكثر كلفة. كما أن تعطل الصادرات، خصوصاً النفطية، يهدد بتقليص تدفقات العملة الأجنبية، ما قد يؤدي إلى تراجع قيمة العملة وارتفاع الأسعار بشكل أكبر.