وتفكر شركة ريو تينتو في مبادلة الأصول مقابل الأسهم لتقليص حصة تشاينالكو البالغة 11%، وهي أكبر مساهم فيها في الصين. الائتمان: T. شنايدر / Shutterstock.com.
يقال إن الاندماج المقترح بين شركتي ريو تينتو وجلينكور قد يواجه تحديات تنظيمية كبيرة، خاصة في الصين.
بحسب أ رويترز وفقًا للتقرير، قد تحتاج الشركات إلى بيع أصولها للحصول على الموافقة.
اكتشف تسويق B2B عالي الأداء
اجمع بين ذكاء الأعمال والتميز التحريري للوصول إلى المتخصصين المشاركين عبر 36 منصة إعلامية رائدة.
اكتشف المزيد
وفي وقت سابق من هذا الشهر، كشفت شركتا ريو تينتو وجلينكور أنهما 시작ا مناقشات أولية بشأن الاندماج المحتمل. قدمت كلا شركتي التعدين تفاصيل محدودة حول الهيكل المحتمل للصفقة أو الأصول التي قد تكون متضمنة.
وأشاروا إلى أن الاقتراح الحالي يتضمن عملية استحواذ على جميع الأسهم، مع احتمال استحواذ شركة ريو تينتو على “بعض أو كل” شركة جلينكور.
وواجهت عمليات الاندماج واسعة النطاق السابقة في قطاع التعدين تدقيقا تنظيميا مماثلا من الصين، مثل استحواذ جلينكور على إكستراتا في عام 2013، رويترز ذكرت. خلال الصفقة، باعت شركة جلينكور حصتها في منجم النحاس لاس بامباس إلى مشترين صينيين مقابل ما يقرب من 6 مليارات دولار (41.78 مليار يوان).
ومن المتوقع أن تقوم الجهات التنظيمية في الصين بدراسة الهيمنة المحتملة لكيان مشترك بين ريو تينتو وجلينكور في أسواق النحاس وخام الحديد.
وقد بدأت شركة ريو تينتو بالفعل في دراسة مبادلة الأصول مقابل الأسهم لتقليص حصة الـ 11% التي تمتلكها أكبر مساهميها، شركة تشاينالكو، شركة الألومنيوم الصينية التي تديرها الدولة.
وتشمل الأصول محل الاهتمام منجم سيماندو لخام الحديد التابع لشركة ريو تينتو في غينيا ومشروع النحاس أويو تولجوي في منغوليا.
زاد الطلب على أصول النحاس نظرًا لأهميتها في التحول إلى الطاقة الخضراء وتقنيات الذكاء الاصطناعي.
وقد حولت كل من شركتي ريو تينتو وجلينكور تركيزهما نحو النحاس، لتتماشى مع المنافسين مثل BHP الأسترالية.
كما لوحظت الأهمية المتزايدة للنحاس من قبل لاعبين آخرين في الصناعة، حيث تخطط أنجلو أمريكان وتيك ريسورسز لدمج بقيمة 53 مليار دولار، الأمر الذي سيتطلب أيضا تدقيقا تنظيميا صينيا.
<!– –>
قم بالتسجيل للحصول على جولة الأخبار اليومية لدينا!
أُعلن عن إنشاء ‘مجلس السلام’ الجديد تحت إشراف البيت الأبيض، حيث يشترط على الدول الراغبة في الانضمام تقديم مساهمات مالية كبيرة تصل إلى مليار دولار. تهدف المبادرة الظاهرة لإنهاء الحرب في غزة إلى إعادة هيكلة النظام الدولي بعيدًا عن الأمم المتحدة، مما يحول العلاقات الدولية لمزادات للنفوذ. رغم نفي البيت الأبيض وجود رسوم ثابتة، تشير التقارير إلى أن الالتزام المالي سيكون محورًا أساسيًا. هذه الخطوة تثير تساؤلات حول مستقبل الدبلوماسية المتعددة الأطراف، وتصب في رؤية ترامب لتعزيز السلطة الأمريكية وترسيخ شروط جديدة للتحالفات الدولية.
تقارير | شاشوف
في خطوة تعيد صياغة مفاهيم التحالفات الدولية، وتؤكد النهج ‘التعاقدي’ الذي تميزت به السياسة الخارجية للرئيس دونالد ترامب، انتشرت في الأوساط الدبلوماسية في واشنطن والعواصم الغربية أنباء مثيرة للجدل حول الشروط المالية للانضمام إلى ‘مجلس السلام’ الجديد الذي أطلقه البيت الأبيض.
المبادرة التي تم تقديمها ظاهرياً كآلية لإنهاء الحرب في غزة وإدارة مرحلة ما بعدها، تحمل في جوهرها رؤية طموحة لإعادة تشكيل النظام الدولي بعيداً عن المؤسسات التقليدية مثل الأمم المتحدة. وتشير التقارير من ‘بلومبيرغ’ إلى أن الإدارة الأمريكية تطلب من الدول المتقدمة للعضوية مساهمة مالية ضخمة تصل إلى مليار دولار، مما يثير تساؤلات حول تحول الدبلوماسية إلى ‘سلعة’ تُشترى بالمال لضمان مقعد قرب الرئيس الأمريكي.
لم يتوقف الجدل عند التسريبات الصحفية فقط، بل امتد إلى رد الفعل الرسمي من البيت الأبيض، الذي وصف التقرير بأنه ‘مضلل’، نافياً وجود ‘حد أدنى’ لرسوم العضوية. ومع ذلك، فإن اللغة الدبلوماسية المستخدمة في النفي تضمّنت تأكيدات ضمنية على جوهر المبادرة، حيث ربط البيان بين العضوية وضرورة إظهار ‘التزام عميق’ بالسلام والأمن، وهو مصطلح غالباً ما يُفهم في سياق إدارة ترامب على أنه التزامات مالية أو صفقات تسليح وتجارية.
هذا التناقض الظاهر بين النفي الرسمي والتسريبات يعكس استراتيجية التفاوض المفضلة لدى ترامب: رفع سقف التوقعات المالية إلى أقصى حد، مع ترك المجال مفتوحاً للدول لتقديم عروضها، مما يحول العلاقات الدولية إلى ساحة مزاد للنفوذ.
تأتي هذه الخطوات في توقيت حساس جداً، حيث يشهد قطاع غزة وقفاً هشاً لإطلاق النار منذ أكتوبر الماضي، وتتطلع القوى الدولية نحو إطار عملي لإدارة القطاع المنكوب. ويبدو أن ترامب يسعى لاستغلال هذه الحاجة الملحة لفرض ‘مجلس السلام’ كبديل واقعي للمؤسسات الدولية التي تعاني من العجز، مستخدماً ورقة ‘إعادة الإعمار’ والأمن لجمع الأموال وتوزيع النفوذ.
دعوة قادة دول مهمة مثل فرنسا وألمانيا وكندا، بالإضافة إلى قوى إقليمية مثل مصر وتركيا، تشير إلى مساعي أمريكا لخلق تحالف ‘الراغبين والقادرين على الدفع’، متجاوزة بذلك البيروقراطية المعقدة للأمم المتحدة وحق النقض في مجلس الأمن.
في قراءة أعمق، لا يمكن فصل هذه المبادرة عن الرؤية الشخصية لترامب الذي سيتولى رئاسة المجلس في دورته الأولى، مما يمنحه سيطرة مركزية لم يسبق لها مثل في ملفات النزاع العالمي. فالهيكلية المقترحة التي تحدد العضوية بثلاث سنوات قابلة للتجديد ‘بقرار من الرئيس’، تجبر الدول الأعضاء على الالتزام دائماً برضا واشنطن، سواء سياسياً أو مالياً، لتجنب فقدان مقعدها.
هذا النموذج يحول الشراكة الاستراتيجية من علاقة ثابتة مبنية على القيم والمصالح المشتركة، إلى علاقة مؤقتة وشروطية تخضع للتقييم الدوري من قبل سيد البيت الأبيض.
يثير الحديث عن مبلغ ‘المليار دولار’ كشرط للعضوية أسئلة كثيرة حول مستقبل العمل الدبلوماسي متعدد الأطراف. إذ إن تقرير ‘بلومبيرغ’، الذي استند إلى مصادر مطلعة، لم يكن من فراغ، بل يتماشى تماماً مع تصريحات سابقة لترامب دعى فيها حلفاء الناتو لدفع مستحقات الحماية، وحث دولاً أخرى على دفع ثمن الأمن الذي تقدمه أمريكا.
ورغم نفي الخارجية الأمريكية والبيت الأبيض لوجود ‘تسعيرة ثابتة’، إلا أن الإشارات إلى تصريحات سابقة للمبعوث الخاص ستيف ويتكوف تؤكد أن الجانب المالي هو حجر الزاوية في تشكيل هذا المجلس، وأن ‘الالتزام العميق’ المطلوب ليس مجرد مواقف سياسية، بل مساهمات مادية ملموسة في صناديق يديرها المجلس.
التحدي الأكبر الذي يواجه حلفاء واشنطن هو التوفيق بين الانخراط في هذا المجلس والالتزامات تجاه القانون الدولي والمؤسسات الأممية. فمجلس السلام هذا يبدو مصمماً للالتفاف على الأمم المتحدة، والانخراط فيه قد يعني ضمناً الموافقة على تهميش الشرعية الدولية.
الدول الأوروبية، على وجه الخصوص، ستواجه صعوبة في تبرير دفع أموال ضخمة لهيئة لا تخضع لرقابة دولية واضحة، ولا تضمن تمثيلاً عادلاً للأطراف المتنازعة، مما يجعل استجابتهم للدعوة اختباراً حقيقياً لمدى استقلاليتهم عن الهيمنة الأمريكية في ظل ترامب الثاني.
تقرير ‘الرصد المشترك’ في يناير 2026، أظهر أن اليمن يواجه أزمة اقتصادية وغذائية شديدة، حيث يحتل المرتبة الرابعة عالمياً من حيث انعدام الأمن الغذائي. أكثر من 18.3 مليون شخص متوقع أن يواجهوا مستويات أزمة أو أسوأ. تباينات اقتصادية حادة تظهر بين مناطق حكومة عدن وصنعاء، حيث تعاني الأخيرة من حرمان غذائي شديد. كما سجل الفارق بين الأسعار المحلية والعالمية في صنعاء 14%، مضاعفاً من تكاليف المعيشة. الوضع مستمر في التدهور مع نقص المساعدات المتزايد والنزوح المستمر، مما ينذر بعام 2026 مليء بالتحديات الاقتصادية.
الاقتصاد اليمني | شاشوف
كشف ‘تقرير الرصد المشترك’ الصادر في يناير 2026، والذي يعده تحالف من كبرى المنظمات الدولية (البنك الدولي، منظمة الأغذية والزراعة، برنامج الأغذية العالمي، منظمة الأمم المتحدة للطفولة، ومنظمة الصحة العالمية)، عن واقع اقتصادي وغذائي معقد يواجه اليمنيين مع بداية العام الجديد.
يشير التقرير وفق تحليل ‘شاشوف’ إلى أن اليمن لا يزال يحتل المرتبة الرابعة عالمياً في قائمة الدول الأكثر انعداماً للأمن الغذائي، حيث تشير التوقعات إلى أن أكثر من نصف السكان (حوالي 18.3 مليون نسمة) سيواجهون مستويات ‘الأزمة’ (المرحلة الثالثة من التصنيف المرحلي المتكامل) أو ما هو أسوأ بحلول مطلع عام 2026.
تُظهر البيانات الاقتصادية الواردة في التقرير وجود اختلالات هيكلية عميقة في الأسواق، حيث يعجز 61% من الأسر على مستوى البلاد عن تلبية احتياجاتها الغذائية الدنيا. يتضح من التقرير تباين حاد في المؤشرات الاقتصادية والمعيشية بين مناطق نفوذ ‘حكومة عدن’ ومناطق سيطرة ‘حكومة صنعاء’، حيث سُجلت مستويات الحرمان الشديد من الغذاء بنسب أعلى في المناطق الخاضعة لحكومة صنعاء، خصوصاً في محافظات البيضاء وريمة والجوف وحجة، وتصل التوقعات في هذه المناطق إلى حدوث مستويات كارثية (المرحلة الخامسة من التصنيف) لنحو 41,000 شخص، وهو أعلى مستوى في تصنيف انعدام الأمن الغذائي.
سلط التحليل الاقتصادي الضوء على مؤشرات ‘واردات الغذاء والوقود بالوكالة’ كأدوات لقياس الفجوة بين الأسعار المحلية والعالمية، والتي أطلقت مئات الإنذارات الحمراء والصفراء. تكشف هذه المؤشرات عن تشوهات سوقية لا ترتبط فقط بسعر الصرف، بل بسلاسل الإمداد والتسعير الداخلي، وتأتي هذه البيانات وسط تقلبات مستمرة، وتوقعات بتفاقم الوضع مع اقتراب موسم الجفاف ونقص المساعدات الإنسانية.
تضخم ‘دولاري’ وفجوة أسعار الوقود
سجل مؤشر ‘واردات الغذاء بالوكالة’، الذي يقيس الفارق بين أسعار السلع الغذائية المحلية وأسعارها في السوق العالمية، عددًا قياسيًا من الإنذارات، مع رصد 162 إنذارًا عند مستوى ‘خطر حرج’ و114 إنذارًا عند مستوى ‘خطر مرتفع’.
تتركز الغالبية العظمى من هذه الإنذارات في المحافظات الخاضعة لسيطرة حكومة صنعاء، حيث أظهرت البيانات أن القيمة بالدولار الأمريكي للسلع الغذائية هناك أعلى بكثير من الأسعار العالمية، مما يشير إلى تضخم في التكاليف لا يبرره سعر الصرف المستقر نسبيًا في تلك المناطق.
في تفصيل دقيق لهذا التشوه السعري، وجد مرصد ‘شاشوف’ أن التقرير يشير إلى أن الفجوة بين السعر المحلي والسعر العالمي في مناطق حكومة صنعاء تجاوزت ‘عتبة الخطر الحرج’ بنسبة 14%، لتصل إلى أعلى قيمة لها منذ أبريل 2019. وسجلت محافظة الجوف أعلى قيمة للمؤشر، حيث تجاوزت العتبة الحرجة بنسبة 49%. هذا التباعد يشير إلى أن المستهلك في تلك المناطق يدفع ثمن السلع بقيمة حقيقية (مقومة بالدولار) تفوق بكثير ما يدفعه المستهلك في الأسواق الدولية، مما يضغط على القدرة الشرائية للمواطنين.
أما بالنسبة للطاقة، فقد سجل مؤشر ‘واردات الوقود’ 215 إنذارًا بمخاطر مرتفعة، وجميعها تركزت في المناطق الخاضعة لسيطرة حكومة صنعاء بالإضافة إلى سقطرى. كشف التحليل المالي أن السعر التراكمي للتر البترول وكيلوجرام غاز الطهي في مناطق حكومة صنعاء بلغ في المتوسط 1.63 دولار أمريكي، وهو ما يقارب ضعف السعر العالمي المكافئ البالغ 0.79 دولار فقط. هذا الفارق الكبير يعكس أعباءً إضافية على تكاليف المعيشة والإنتاج في تلك المناطق.
وعلى صعيد حركة الموانئ، أظهرت البيانات ارتفاعاً في واردات الغذاء عبر موانئ البحر الأحمر (الخاضعة لسيطرة حكومة صنعاء) لتصل إلى 596,000 طن متري في نوفمبر، بزيادة سنوية قدرها 28%. في حين شهدت الموانئ الجنوبية (الخاضعة لسيطرة حكومة عدن) انخفاضًا بنسبة 32% في الواردات الغذائية مقارنة بالعام السابق. تشير هذه البيانات إلى تغير في مسارات التدفق السلعي، لكنها لم تنعكس على انخفاض الأسعار النهائية للمستهلك في مناطق الشمال.
هشاشة الوضع
حذر التقرير من أن التوقعات الاقتصادية لليمن على المدى القصير والمتوسط تظل ‘هشة للغاية’ في عموم البلاد. في مناطق حكومة عدن، أدت التطورات الأخيرة مطلع ديسمبر 2025 في المحافظات الجنوبية والشرقية، والنزاع للسيطرة على مناطق إنتاج النفط في حضرموت، إلى تعطيل إنتاج الوقود. تسببت هذه الاضطرابات في انقطاعات مستمرة للكهرباء ونقص محتمل في الوقود، مما يهدد بتراجع قدرة الدولة على تقديم الخدمات العامة الأساسية مثل المياه والصحة.
في المناطق الخاضعة لسيطرة حكومة صنعاء، يُتوقع أن يزداد الوضع سوءًا مع نقص المساعدات الإنسانية واقتراب موسم الجفاف. تشير التقديرات المستندة إلى نموذج الرصد المشترك إلى أن 14 مليون شخص (أي 35% من السكان) يعيشون في مناطق معرضة لخطر الانزلاق إلى مستويات ‘الطوارئ’ (المرحلة الرابعة) أو ما هو أسوأ، منهم 7.6 مليون في مناطق حكومة صنعاء و6.4 مليون في مناطق حكومة عدن.
كما رصد التقرير عودة مؤشر ‘النزوح’ للارتفاع، حيث سُجلت أعلى معدلات نزوح منذ نوفمبر 2023، مدفوعة بشكل أساسي بالصراع. وقد نزحت 462 أسرة جديدة في شهر نوفمبر وحده. يضيف هذا النزوح المستمر ضغوطًا اقتصادية على المجتمعات المضيفة ويزيد من أعداد الفئات الأشد احتياجًا، مع صعوبة الوصول إلى المتضررين.
يخلص التقرير إلى أن الاقتصاد اليمني لا يزال يعمل في ظل ظروف معقدة، حيث لم تنجح التحسينات النقدية الطفيفة في مناطق حكومة عدن، ولا استقرار الصرف الاسمي في مناطق حكومة صنعاء، في إبعاد شبح انعدام الأمن الغذائي الذي يهدد الملايين. تؤكد البيانات التي يرصدها ‘شاشوف’ أن الفجوة الكبيرة بين الأسعار المحلية والعالمية تشير إلى وجود عوائق هيكلية وتشوهات في السوق، تجعل الغذاء والوقود سلعًا باهظة الثمن مقارنة بالدخل المحدود للمواطن اليمني.
يهدف التقرير إلى تقديم إنذار مبكر لصناع القرار والجهات الفاعلة، مؤكدًا أن استمرار تجزئة المؤسسات الاقتصادية وتجدد الصراع على الموارد، سيعني حتمًا تعميق الأزمة الإنسانية وجعل عام 2026 عامًا آخر من التحديات الاقتصادية الجسيمة.
في عام 2026، دخل الاقتصاد في قطاع غزة مرحلة ‘الاندثار المؤسسي’، حيث تراجع مفهوم ‘الدورة الاقتصادية’. تعاني غزة من أزمات معيشية حادة نتيجة الحصار وتدمير البنية التحتية، ما أدى إلى انعدام الاستهلاك والإنتاج. البطالة تفوق 77%، والدخل الشهري لا يكفي للضرورات الأساسية. الأسعار ارتفعت بشكل جنوني، مما جعل العملة عاجزة عن تحقيق التبادل. المواطنون مضطرون لبيع ممتلكاتهم أو الاستدانة لتوفير الطعام، بينما تحولت الخدمات الأساسية إلى سلع تجارية باهظة. الواقع الاقتصادي الحالي يهدد النسيج الاجتماعي ويخلف آثارًا ستستمر لعقود، دون أي خطط لإعادة الإعمار أو التعافي.
الاقتصاد العربي | شاشوف
بدأ المشهد الاقتصادي في قطاع غزة مع بداية عام 2026 يتجاوز الأوصاف التقليدية للأزمات، ليدخل في مرحلة ‘الاندثار المؤسسي’ الشامل. لم يعد الصراع مرتبطاً بمستويات الفقر فحسب، بل حول اختفاء مفهوم ‘الدورة الاقتصادية’ بشكل كلي. يُظهر القطاع حالياً عملية ‘تصفير’ متعمدة لكل عناصر الإنتاج والاستهلاك، حيث تضافرت سياسات الحصار مع تدمير البنى التحتية لإرساء واقع جيوسياسي واقتصادي جديد يهدف لتحويل المجتمع الغزي من مجتمع منتج إلى كتلة بشرية معطلة تعيش في حالة ‘انكشاف معيشي مطلق’.
تسبب هذا التحول الجذري في تلاشي الفوارق بين الطبقات الاجتماعية، إذ انصهرت الطبقة الوسطى من موظفين وأصحاب مهن في بوتقة الفقر، وانتهى بهم المطاف في طوابير طويلة بانتظار المساعدات، التي أصبحت أداة ضغط سياسي وبيولوجي.
نجم عن الحرب واقع اقتصادي مشوه يتسم بـ ‘تضخم الفراغ’، حيث ترتفع الأسعار بشكل جنوني ليس بسبب زيادة الطلب بل نتيجة انعدام العرض وتدمير سلاسل التوريد بالكامل. جعل هذا الوضع العملة النقدية، رغم ندرتها، تفقد وظيفتها كأداة للتبادل المستقر، لتتحول إلى وسيلة ملاحقة فاشلة خلف السلع الأساسية التي تُباع بأسعار مضاعفة آلاف المرات.
الانهيار الحالي ليس فقط نتيجة العمليات العسكرية، بل هو ثمرة سياسة ‘التجويع الممنهج’ التي استهدفت تدمير الأسواق المحلية والمشاريع الصغيرة وقطع الأراضي الزراعية. أصبحت المواد الغذائية والدوائية والمياه عرضة للتلاعب من قبل تجار الحروب في غياب أي سلطة رقابية قادرة على وقف الانفلات السعري الذي يأكل ما تبقى من أرزاق السكان.
في هذا السياق القاتم، يبدو تآكل القدرة الشرائية كأحد أخطر مظاهر الأزمة، إذ لم يعد الدخل الشهري للموظفين – الذي يُصرف جزئياً – كافياً لتلبية احتياجات أسبوع واحد من المتطلبات الأساسية. هذا الخلل الهيكلي دفع الأسر لاستنزاف مدخراتها بالكامل، ثم الانتقال لمرحلة ‘الاستدانة الوجودية’ أو بيع ممتلكاتها البسيطة من أجل تأمين وجبات الطعام. إنها حالة من ‘الانتحار الاقتصادي القسري’، حيث يضحي المجتمع بمستقبله ومدخرات أجياله الحالية من أجل البقاء، مما سيخلق فجوة تنموية واجتماعية ستعاني آثارها لعقود طويلة بعد انتهاء النزاع، دون وجود أي خطط دولية جادة لإعادة الإعمار أو ضخ السيولة في عروق الاقتصاد المحلي.
ورغم محاولات الصمود البطولية من السكان، تشير المؤشرات العامة إلى أن غزة تعاني من ‘اقتصاد ما تحت الصفر’. الاعتماد شبه الكلي على المساعدات الخارجية، التي تصل بشكل محدود وتتعرض لمزاجية المعابر، جعل الاقتصاد الغزي يفقد صفة الاستقلالية، ويصبح ‘اقتصاد إغاثي بامتياز’، ضائعة فيه كرامة الفرد بين الحاجة الملحة وتقييد المساعدات. إن تداخل عوامل البطالة العالية، وتآكل الدخول، وارتفاع الأسعار بشكل فلكي، خلق حلقة مفرغة من الفقر متعدد الأبعاد، تتجاوز نقص المال إلى حرمان من الخدمات الأساسية والتعليم والبيئة الصحية، مما يهدد باندلاع انفجار اجتماعي محتمل نتيجة ضغط معيشي بلغ نقطة الانفجار.
موت ‘العمل’ وتحول المهارات البشرية إلى عبء معطل
يعد الشلل الذي أصاب سوق العمل في قطاع غزة بمثابة الضربة القاضية للعمود الفقري للمجتمع، إذ تشير البيانات من الهيئات الدولية والمحلية إلى أن معدلات البطالة وصلت إلى مستويات كارثية تجاوزت 77%، مما يعني عملياً توقف الحياة المهنية لثلاثة أرباع القوة العاملة. لم يُنتج هذا الانهيار نتيجة طبيعية، بل كان ثمرة للتدمير المباشر للمناطق الصناعية والمشروعات الصغيرة التي كانت تستوعب آلاف العمال. فقد العامل الغزي مكانه في الهيكل الإنتاجي، وتحولت مهاراته المكتسبة على مر السنين إلى ‘رأس مال معطل’ لا يستطيع استغلاله، مما أدى إلى شعور جماعي بالإحباط والانزلاق القسري عن القوى العاملة النشطة.
هذا التدهور الهيكلي أدى إلى انخفاض حاد في نسبة المشاركة في القوى العاملة إلى مستويات متدنية جداً (38%)، مما يعكس ظاهرة ‘اليأس الوظيفي’، حيث توقف مئات الآلاف عن البحث عن عمل بسبب انعدام الفرص. يمثل هذا الانفصال بين المواطن وسوق العمل تهديداً استراتيجياً على المدى الطويل؛ إذ يفقد العامل المعطل لفترات طويلة مهاراته التقنية، وتضمحل قدرته على العطاء، مما يجعل عملية إعادة تأهيل العمالة في مرحلة ما بعد الحرب مهمة معقدة تتطلب استثمارات هائلة. علاوة على ذلك، فإن تحول العمال المهرة إلى عمالة غير منتظمة تبحث عن أعمال هامشية لتأمين الحد الأدنى من القوت اليومي، يؤدي إلى ‘انحدار كفاءة’ القوى البشرية، ويقضي على أي فرصة مستقبلية لبناء اقتصاد قائم على المعرفة أو الصناعة.
وعلى صعيد آخر، يعيش القطاع العام والموظفون الحكوميون أزمة ‘الرواتب المنقوصة’، التي تآكلت قيمتها الفعلية بأكثر من 60% جراء الأزمات المالية وتوقف التحويلات النقدية. الموظف الذي كان يمثّل صمام الأمان للاستهلاك المحلي أصبح اليوم عاجزاً عن تغطية فواتير الغذاء، حيث فقدت الرواتب المبتورة قدرتها على مجابهة التضخم الجامح. إن هذا النزيف في الدخول لا يقلل من الإنفاق فحسب، بل أدى أيضاً إلى توقف الحركة التجارية في الأسواق المحلية، وخلق ركوداً تضخمياً خانقاً تمزق فيه القوة الشرائية بين شح النقد وارتفاع الأسعار، مما يجعل الوظيفة عبئاً نفسياً بدلاً من كونها مصدر استقرار.
غياب برامج الدعم المباشر أو صناديق التعويض عن البطالة، في ظل تدمير القطاع الخاص، جعل المجتمع الغزي يواجه حالة من ‘التيه المهني’. فلم تسرق الحرب الوظائف فحسب، بل سلبت ‘المستقبل الوظيفي’ للشباب والخريجين الجدد الذين وجدوا أنفسهم خارج حسابات الزمن الاقتصادي. هذا الواقع المرير يحول البطالة من أزمة اقتصادية إلى قنبلة موقوتة تهدد النسيج الاجتماعي والقيمي، حيث ينمو جيل كامل في بيئة تفتقر لأبسط مقومات الكسب الشريف والمستدام، مما يفتح الأبواب أمام ظواهر اجتماعية سلبية تزيد من تعقيد المشهد الإنساني المتأزم بالفعل.
فوضى الأسعار واندثار الرقابة: تجارة الجوع والموت
تمثل القفزات السعرية في أسواق غزة حالة فريدة من ‘التشوه الاقتصادي القسري’، حيث بلغت معدلات التضخم مستويات تتجاوز عقل الإنسان وتجاوزت 3000% في فترات ذروة الأزمة.
هذا الارتفاع ليس مجرد انعكاس لنقص السلع، بل هو نتاج لمنظومة كاملة من ‘اقتصاد الظل’ التي نشأت على أنقاض المعابر المغلقة وسلاسل التوريد المتضررة. غياب الرقابة الفعلية على الأسواق، والتحكم من قبل قلة من التجار في السلع النادرة التي تصل عبر المساعدات أو عبر ممرات ضيقة، حول لقمة العيش إلى مزاد علني لا يجني ثماره إلا من يملك السيولة، وهم قلة جداً في مجتمع يعاني من جفاف نقدي.
أدى الانفلات السعري إلى تغيير جذري في أنماط إنفاق الأسر، حيث اضطرت العائلات للمفاضلة بين احتياجات لا يمكن الاستغناء عنها؛ كالرغيف والدواء، أو حليب الأطفال ووقود الطهي. إن وصول أسعار بعض المواد الأساسية إلى مستويات خيالية في ظل فقدان الدخل يعني حتماً إنهاء القدرة الشرائية للفقراء، ويحوّل الأسواق من مراكز للتبادل التجاري إلى ساحات للقصور والعجز.
الميزانية المحدودة للأسر الغزية، التي كانت تكفي بالكاد قبل الحرب، لم تعد اليوم قادرة على الحصول على أبسط مستلزمات البقاء، مما جعل رحلة التسوق اليومية معركة خاسرة تنتهي غالباً بعودة أفرادها فارغين أو محملين بشيء ضئيل لا يكفي.
علاوة على ذلك، فإن الخسائر الاقتصادية التراكمية التي تجاوزت 70 مليار دولار منذ بداية النزاع تعكس حجم الدمار الذي أصاب رأس المال المادي والسلعي. هذا الدمار خلق فجوة هائلة بين العرض المحدود والاحتياجات الهائلة، مما فتح الأبواب أمام ‘احتكار القلة’ واستغلال حاجة الناس. التضخم في غزة لم يعد مجرد ظاهرة مالية يمكن معالجتها بأدوات السياسة النقدية، بل تحول إلى ‘تضخم أمني’ مرتبط بالقدرة على الوصول إلى الغذاء.
استمرار ارتفاع الأسعار بــ 150% حتى في فترات ‘الهدوء النسبي’ يدل على أن الأسواق تعاني من تشوهات هيكلية عميقة، وأن الثقة في استقرار الأسعار قد تلاشت، مما يدفع السكان للتخزين القهري أو المساومة البدائية.
هذا الواقع الضاغط يؤدي بالمجتمع الغزي إلى مواجهة ‘المجاعة الصامتة’، حيث تتوفر السلع على الرفوف بأسعار تجعلها كأنها غير موجودة. الارتفاع الحاد في أسعار الخضراوات واللحوم والسلع التموينية، أجبر الغالبية العظمى على التحول إلى ‘النوع الغذائي الواحد’ المعتمد على المعلبات والمعونات الجافة، مما تسبب في تفشي حالات سوء التغذية وفقر الدم.
إن الحرب الاقتصادية هنا لا تستهدف الجيوب فحسب، بل تستهدف الأجسام والعقول، عبر حرمانها من الحد الأدنى من السعرات الحرارية والبروتينات اللازمة للبقاء، مما يشكل جريمة اقتصادية متكاملة الأركان تتجاوز في خطورتها أرقام العجز المالي والديون.
اقتصاد ‘المصروفات القسرية’
أفرزت الحرب في غزة طبقة جديدة من ‘المصروفات القهرية’ التي لم تكن موجودة قبل عام 2024، وهي تكاليف الخدمات الأساسية التي تحولت من حقوق عامة إلى سلع تجارية باهظة. وجد النازحون والسكان أنفسهم في حاجة لدفع مبالغ يومية مقابل الحصول على مياه الشرب، أو شحن الهواتف، أو شراء الحطب للطهي، أو حتى الحصول على مساحة لنصب خيمة.
هذه التكاليف اليومية، التي تتراوح بين 10 إلى 20 شيكل لكل أسرة، قد تبدو صغيرة في الظروف الطبيعية، لكنها تشكل عبئاً ثقيلاً في مجتمع انعدم فيه الدخل، مما يحوّل التفاصيل الصغيرة للبقاء إلى نزيف مالي دائمي.
تحول الخدمات الحيوية إلى سلع تخضع للمقايضة والمضاربة يبرز كملمح أساسي من ملامح ‘اقتصاد الحرب’ في غزة؛ فالمياه التي كانت تُورَّد عبر الشبكات بأسعار رمزية، أصبحت اليوم تتطلب مجهوداً كبيرًا ومبالغ نقدية فورية. وكذلك الطاقة؛ حيث أدى انقطاع الكهرباء إلى نشوء تجارة ‘شحن البطاريات’ و’بطاقات الإنترنت’ بأسعار استغلالية، مما زاد من عبء الأسر التي تحاول التواصل أو متابعة الأخبار. هذه المصروفات اليومية المتراكمة تؤدي إلى تآكل سريع لما تبقى من سيولة نقدية، وتجبر العائلات على التخلي عن شراء الغذاء من أجل دفع تكاليف الخدمات الحيوية.
هذا الواقع خلق حالة من ‘الفقر المائي والرقمي’، حيث تضطر الأسر لتقنين استهلاك المياه أو تقليل التواصل بسبب التكاليف. كما أن الاعتماد على الحطب كبديل لغاز الطهي المفقود لم يعد خياراً بدائياً، بل أصبح تجارة منظمة يتصاعد سعرها مع زيادة الطلب، مما يضيف طبقة أخرى من المعاناة الاقتصادية والبيئية. إن هذه الأعباء اليومية المستحدثة تعمل على استنزاف ما تبقى من ‘رمق مالي’ في المجتمع، وتحول الأفراد إلى رهائن لخدمات بدائية تعرض بأسعار عالية، في غياب أي تدخل دولي لتوفير هذه الخدمات بشكل مجاني أو مدعوم كجزء من المساعدات الإغاثية.
وفي النهاية، فإن تراكم هذه التكاليف القسرية يؤثر على المواطنين الغزيين بسحب آخر دفاعاتهم الاقتصادية. فالمبالغ البسيطة المخصصة لمياه الشرب والشحن والطهي تُقطع من ميزانية الدواء والكساء، مما يجعل الحياة تحت الحد الأدنى هو المعيار المتاح.
اليوم، يمثل اقتصاد غزة منظومة مهترئة تتغذى على ما تبقى من مدخرات السكان، وتحوّل معركة البقاء إلى صراع مالي مرير يبحث المواطن فيه عن مقومات الحياة، مما يمنح حالة العجز الشامل بُعداً أكبر ويجعل فكرة ‘التعافي الذاتي’ مجرد خيال في ظل هذه الظروف الراهنة.
تتجه العلاقات بين الاتحاد الأوروبي وأمريكا نحو التوتر بعد تهديدات ترامب بفرض رسوم جمركية على الدول الأوروبية دعمًا لغرينلاند، مما أثار ردودًا سياسية حادة. وصفت بعض القيادات الأوروبية سلوك ترامب بالابتزاز والترهيب، مشيرين إلى أن هذا يتجاوز الأعراف الدبلوماسية. التوترات تهدد اتفاق التجارة الذي كان يُعتقد أنه سيخفف الصراعات، وظهرت دعوات لتعليقه. وزراء في ألمانيا وفرنسا وهولندا أبدوا مواقف صارمة، مؤكدين عدم الخضوع للضغوط الأمريكية. التحذيرات من بروكسل تشير إلى إمكانية وقوع أزمة أكبر قد تؤثر بشكل دائم على العلاقات الأوروبية-الأمريكية.
تقارير | شاشوف
العلاقات بين الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة تتجه نحو مرحلة من التوتر الشديد، بعد أن أثارت تهديدات الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب بفرض رسوم جمركية مشددة على الدول الأوروبية التي تدعم غرينلاند موجة غير مسبوقة من ردود الفعل السياسية الحادة في العديد من العواصم الأوروبية. لم تعد القضية مجرد خلاف تجاري أو مفاوضات اقتصادية، بل تحولت إلى مواجهة واضحة بشأن مبدأ السيادة وحدود الضغط الأمريكي على حلفائه.
الجدير بالذكر أن رد الفعل من الجانب الأوروبي جاء هذه المرة بلهجة نسبية موحدة، اتسمت بشفافية غير مألوفة في وصف سلوك الولايات المتحدة. حيث استخدم عدد من القادة والوزراء الأوروبيين كلمات مثل “ابتزاز” و”ترهيب”، مشيرين بوضوح إلى أن تصرفات ترامب تتجاوز الأعراف الدبلوماسية التقليدية، مما يهدد أسس الشراكة عبر الأطلسي.
في هذا الإطار، أصبح الاتفاق التجاري بين الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة، الذي أبرمته المفوضية الأوروبية مع ترامب الصيف الماضي، رهينة لهذا التصعيد السياسي. الاتفاق الذي كان يُنظر إليه كوسيلة لتخفيف التوتر التجاري، أصبح اليوم أداة ضغط في يد الأوروبيين، خاصة مع تزايد الدعوات داخل البرلمان الأوروبي لتعليقه أو تعطيله.
قضية غرينلاند، المنطقة الدنماركية ذات الحكم الذاتي، أصبحت رمزا لمواجهة أوسع بين أوروبا وإدارة ترامب، مواجهة لا تتعلق فقط بجزيرة في القطب الشمالي، ولكن بمستقبل العلاقات بين الحلفاء، وحدود استخدام الاقتصاد كسلاح سياسي.
اتهامات مباشرة: “لن نخضع للابتزاز”
كانت أشد التصريحات الأوروبية من برلين، حيث أعلن وزير المالية الألماني ونائب المستشار لارس كلينغبايل بوضوح أن ألمانيا وشركاءها الأوروبيين “لن يخضعوا لابتزاز ترامب”. هذا الموقف جاء كرسالة سياسية مباشرة تعكس حجم الغضب داخل أكبر اقتصاد في أوروبا.
كلينغبايل أكد أن بلاده ستظل منفتحة على الحوار مع الولايات المتحدة وإيجاد حلول مشتركة، غير أنه رسم خطا فاصلا عند الحديث عن استخدام الرسوم الجمركية كوسيلة ضغط مرتبطة بقضايا سيادية. الرسالة كانت واضحة: الشراكة لا تعني الخضوع، والتحالف لا يبرر القبول بالإملاءات.
من جهته، جاء موقف الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بتصريحات لا تقل حدة، حيث وصف تهديدات ترامب بخصوص غرينلاند بأنها “غير مقبولة”، مؤكدًا أن أوروبا لن تستسلم لأي ترهيب، سواء كان يتعلق بأوكرانيا أو غرينلاند أو أي موضوع سيادي آخر. وبيّن أن رد الفعل الأوروبي، في حال تأكيد تلك التهديدات، سيكون موحدًا ومنسقًا.
هذا الخطاب الفرنسي يعكس قناعة متزايدة داخل أوروبا بأن التهاون مع هذا النوع من الضغوط قد يفتح المجال لمطالب أمريكية أكثر تطرفاً في المستقبل، ويقوض فكرة الاستقلالية في القرار الأوروبي.
هولندا وغرينلاند: وصف مباشر للضغط الأمريكي
في أمستردام، تجاوز وزير الخارجية الهولندي ديفيد فان فيل ذلك، واصفًا تصرفات ترامب بشكل مباشر بأنها “ابتزاز”. وأكد أن ربط قضية غرينلاند بالتجارة لا يخدم مصالح الناتو ولا استقرار المنطقة، بل يضعف الثقة بين الشركاء الغربيين.
أوضح الوزير الهولندي أن الوجود الأوروبي في غرينلاند، بما في ذلك المشاركة في تدريبات الناتو، كان يهدف لإظهار الاستعداد الجماعي للدفاع عن هذا الإقليم، وليس لاستفزاز الولايات المتحدة. واعتبر استخدام الرسوم الجمركية كرد على هذا الدعم أمرًا يعكس منطقًا تصعيديًا خطيرًا.
وفي ذات السياق، عبرت حكومة غرينلاند عن تقديرها العلني للدعم الأوروبي. وذكرت وزيرة الأعمال والطاقة والمعادن في حكومة غرينلاند، نايا ناتانيلسن، أن الإقليم يمر بــ “أوقات استثنائية تستلزم الاحترام والشجاعة”. هذا التصريح يحمل دلالات سياسية واضحة تعكس أن غرينلاند تعتبر الموقف الأوروبي دعماً أساسياً في مواجهة الضغوط الأمريكية.
بينما يصر ترامب على أن أمريكا لن تقبل بأقل من الملكية الكاملة للجزيرة، يستمر قادة الدنمارك وغرينلاند في التأكيد على أن الإقليم ليس للبيع، وأن أي محاولة لفرض هذا الخيار من خلال الضغط الاقتصادي مرفوضة بالكامل.
تحذيرات من بروكسل: “دوامة تراجع خطيرة”
في بروكسل، اتخذت التحذيرات طابعًا مؤسسيًا. فقد حذرت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين، بالإضافة إلى رئيس المجلس الأوروبي، من أن تهديدات ترامب قد تقود بالعلاقات عبر الأطلسي إلى “دوامة تراجع خطير”. وأكدا أن الرسوم الجمركية المرتبطة بقضية غرينلاند تقوض الثقة، وتضعف قدرة الجانبيين على التعاون في مسائل دولية أكثر حساسية.
فون دير لاين شددت على أن أوروبا ستظل متحدة ومنسقة في ردها، وأن الدفاع عن سيادة الدول الأعضاء ومناطقها ليس قابلًا للمساومة. هذه المواقف تعكس تحولاً في نبرة المفوضية، التي كانت تفضل سابقًا التهدئة والحلول الوسط في التعامل مع واشنطن.
التحذير الأوروبي لم يكن اقتصاديًا فقط، بل سياسيًا وأمنيًا أيضًا. فبروكسل ترى أن الربط بين التجارة وقضية غرينلاند يهدد أسس التحالف الغربي، خاصة في وقت تواجه فيه أوروبا تحديات أمنية متزايدة على حدودها الشرقية والشمالية.
عقد سفراء دول الاتحاد الأوروبي اجتماعًا طارئًا لمناقشة الرد على التهديدات الأمريكية، مما يعكس إدراكًا جماعيًا بأن الأزمة لم تعد تحتمل التأجيل أو العلاج الجزئي.
اتفاق التجارة في مرمى النيران السياسية
مع هذا التصعيد، بات اتفاق التجارة بين الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة مهددًا بشكل غير مسبوق. تصريحات مانفريد فيبر، رئيس حزب الشعب الأوروبي، بأن الاتفاق “لم يعد ممكنًا في هذه المرحلة”، شكلت نقطة تحول سياسية، حيث تمثل حزبه أكبر كتلة في البرلمان الأوروبي.
فيبر أكد أن دعم حزبه للاتفاق كان قائمًا على مبدأ الشراكة، لكنه تلاشي مع تهديدات ترامب بشأن غرينلاند. وطالب بتعليق خفض الرسوم الجمركية على المنتجات الأمريكية، مما يعكس استعدادًا أوروبيًا لاستخدام الأدوات الاقتصادية كرد على الضغط السياسي.
هذا الموقف يعزز احتمال تشكيل تحالف عريض داخل البرلمان الأوروبي، يجمع بين اليمين واليسار، لعرقلة الاتفاق أو تأجيله إلى أجل غير مسمى. وهو تطور يعكس أن الغضب من سلوك ترامب لم يعد مقتصرًا على تيار سياسي محدد.
مع توسيع الرسوم الأمريكية بنسبة 50% على الصلب والألمنيوم لتشمل مئات المنتجات الأوروبية، أصبح ينظر إلى الاتفاق بشكل واسع باعتباره غير متوازن، بل وربما أداة لاستمرار الضغط الأمريكي بدلاً من احتوائه.
تصريحات القادة الأوروبيين في الأيام الماضية تمثل تحولاً نوعيًا في العلاقات مع أمريكا، حيث انتقل الخطاب من التحفظ الدبلوماسي إلى الوصف الصريح لسلوك ترامب على أنه ابتزاز. هذا التحول يعكس إحساسًا أوروبياً متزايدًا بأن الصمت أو التهدئة لم يعودا خيارين مجديين.
قضية غرينلاند أصبحت اختبارًا لقدرة أوروبا على الدفاع عن سيادتها ومبادئها في مواجهة حليف تاريخي يستخدم أدوات اقتصادية كوسائل ضغط سياسية. والردود الأوروبية تشير إلى أن الاتحاد أصبح أكثر استعدادًا لتحمل كلفة المواجهة، حتى وإن كان ذلك على حساب اتفاق تجاري كبير.
في النهاية، لا تبدو الأزمة مرشحة للحل السريع. فإذا استمرت إدارة ترامب في ربط التجارة بقضايا السيادة، فإن اتفاق التجارة قد يكون مجرد ضحية أولى في مسار تصعيد أوسع، قد يعيد تشكيل طبيعة العلاقة بين أوروبا وأمريكا لسنوات قادمة.
أصدر النائب العام في عدن قرارًا بتكليف لجنة تحقيق في سلوكيات الفساد المتعلقة بالمجلس الانتقالي الجنوبي، وعلى رأسهم عيدروس الزبيدي، الذي يُتهم بإدارة موارد الدولة بشكل غير قانوني. المعلومات تشير إلى أن المجلس كان يسيطر على أموال ضخمة عبر فرض رسوم غير مسبوقة على المواطنين والتجار، مما أثر على استقرار العملة وأدى إلى حرمان الموظفين من رواتبهم. يتزامن هذا مع صراعات داخل المجلس، مما يزيد من الأزمة الاجتماعية. الخبير الاقتصادي دعا إلى ضرورة الشفافية وإعادة الأموال إلى البنك المركزي لتعزيز الثقة وتلافي استغلال الموارد.
الاقتصاد اليمني | شاشوف
في التطورات الأخيرة التي يتابعها “شاشوف” بشأن ملف الفساد واستنزاف الموارد العامة ضمن “المجلس الانتقالي الجنوبي”، أصدر النائب العام في عدن، قاهر مصطفى، القرار رقم (2) لعام 2026، الذي كلف بموجبه اللجنة القضائية بالتحقيق في وقائع الفساد والإثراء غير المشروع، بالإضافة إلى الجرائم المنسوبة لـ”المتهم عيدروس الزبيدي”، والتصرف وفقاً للقانون كما أفادت وكالة سبأ التابعة لحكومة عدن.
واتبعت القنوات الرسمية التابعة للحكومة لغة جديدة في التعاطي مع ما تسميه “المجلس الانتقالي المنحل”، واصفة الزبيدي بـ”المتهم”. وتشير التطورات الأخيرة إلى انتقال الملف إلى القضاء لمحاسبة من يُعتقد أنهم متورطون في إدارة الأموال العامة خارج إطار الدولة.
ومع سقوط المجلس الانتقالي، أصبحت خفايا اقتصاده الموازي واضحة، حيث اعتمد على جبايات وضرائب فُرضت على المواطنين والتجار بعيداً عن البنك المركزي والموازنة العامة.
تفيد آخر المعلومات التي حصل عليها شاشوف، ونشرها ناشطون، أبرزهم الصحفي فتحي بن لزرق، بأن المجلس كانت لديه سيطرة على موارد ضخمة في عدن ومحافظات جنوبية أخرى، أهمها فرض رسوم على كل لتر وقود وارد عبر ميناء الزيت، تراوحت بين 12 و25 ريالاً، بالإضافة إلى جبايات على القاطرات القادمة من مأرب، وفرض رسوم على الحاويات الخارجة من الميناء، بما في ذلك تلك المتجهة إلى مناطق حكومة صنعاء.
أدت هذه الممارسات إلى استحواذ المجلس على ما يقارب 30 مليار ريال يمني شهرياً، موزعة بين 10 مليارات من الحكومة مباشرة، و10 مليارات من ميناء الزيت، و10 مليارات من جبايات متفرقة. وقد كانت هذه الأموال تُحوَّل إلى حسابات في بنوك تجارية قبل تهريبها إلى الخارج، مما ساهم في انهيار سعر صرف الريال اليمني.
أثر الفساد على الموازنة ورواتب الموظفين
تسببت هذه التدفقات المالية غير القانونية في حرمان موظفي الدولة من رواتبهم، وتفاقُم أزمة الخدمات الأساسية. كما ساعد الصرف المباشر للموارد لصالح المجلس الانتقالي على تحويل مخصصات التعليم والصحة والزراعة وغيرها، مما أثّر سلباً على قدرة الحكومة على الوفاء بالتزاماتها الأساسية.
وتزامن الكشف عن الملفات المالية مع صراعات داخلية في المجلس الانتقالي، أبرزها هروب رئيسه عيدروس الزبيدي إلى أبوظبي، وتصريحات متناقضة حول حل المجلس أو استمرار عمله. وأظهر هذا الانقسام ضعف البنية المؤسسية، وصعوبة السيطرة على الخطاب السياسي، مع تدخلات إقليمية متضاربة بين الإمارات والسعودية.
وفقاً لرئيس تحرير صحيفة عدن الغد، بن لزرق، كان المجلس الانتقالي يسيطر على الموارد العامة لمصلحة قياداته، بما في ذلك شركات مثل “إسناد” المملوكة للزبيدي شخصياً، والتي استخدمت لإدخال الوقود دون دفع الضرائب أو الرسوم المستحقة للدولة.
تم تحويل الأموال المجمعة إلى ما عُرف بـ “اللجنة الاقتصادية” التابعة للمجلس، مما يعكس استخدام المال العام كأداة نفوذ سياسي واستراتيجي.
أدى توقف رواتب الموظفين المدنيين إلى تأثير مباشر على مستوى معيشة المواطنين وزيادة الاحتقان الاجتماعي. هذه السياسات وسعت من الاقتصاد الموازي وأضعفت قدرة الدولة على جمع الإيرادات وإعادة توزيعها، وفقدت الثقة بين المواطنين والسلطات، بالإضافة إلى هدر موارد حيوية مثل الوقود والطاقة، مما زاد من تكاليف النقل وأسعار السلع الأساسية.
يوضح الخبير الاقتصادي “أحمد الحمادي” في حديث لـ”شاشوف” أن نتائج التحقيق القضائي مرهونة بجدية التحقيق، لضمان محاسبة المسؤولين ومصادرة الأموال المستولى عليها وإعادتها إلى الأوعية الإيرادية، مشيراً إلى أن ذلك سيُفقد الحكومة حججها المتكررة حول عدم قدرتها على تلبية المتطلبات المالية والخدمية والمعيشية.
وأكد على أهمية إعادة تحويل الجبايات والإيرادات إلى البنك المركزي لضمان الشفافية، وإصلاح الحوكمة المحلية من خلال منع استغلال السلطات المحلية لموارد الدولة خارج القنوات الرسمية.
من المتوقع أن يكون التحقيق القضائي خطوة حاسمة نحو استعادة الأموال العامة وفرض الشفافية على الموارد، وإنهاء تحويل الموارد إلى أدوات نفوذ شخصي واستراتيجي على حساب المواطن اليمني.
أبرمت كندا والصين اتفاقاً استراتيجياً جديداً يغير شكل التحالفات التقليدية في أمريكا الشمالية. الاتفاق يشمل خفض الحواجز الجمركية، حيث ستتبادل كندا بذور الكانولا مع السيارات الكهربائية الصينية. هذا التحول جاء في وقت تسعى فيه كندا لتقليل اعتمادها على الاقتصاد الأمريكي المتقلب. يعكس الاتفاق تغييراً في السياسة الكندية، بعيداً عن الردود الجامدة للعلاقات السابقة مع الصين في عهد ترودو. كما يؤكد على الرغبة في إنشاء شراكة تعتمد على المصالح المتبادلة. مع هذا التقارب، قد تزداد التوترات بين كندا والولايات المتحدة، خاصة تحت إدارة ترامب.
الاقتصاد العالمي | شاشوف
في خطوة جيوسياسية يمكن اعتبارها زلزالاً يضرب أسس التحالفات التقليدية في أمريكا الشمالية، أطلقت أوتاوا وبكين عصراً جديداً من العلاقات الاستراتيجية التي تتخطى مجرد التبادل التجاري لتصل إلى حد إعادة تشكيل الاصطفافات الدولية. الاتفاق الأخير الذي وقعه رئيس الوزراء الكندي مارك كارني مع الرئيس الصيني شي جين بينغ في بكين، ليس مجرد اختراق للجدار الجمركي الذي بنته واشنطن حول الأسواق الغربية، بل يُعبر عن إعلان كندي واضح بالتمرد على السياسات الحمائية التي يفرضها الرئيس دونالد ترامب. إن قرار خفض الحواجز التجارية بشكل متبادل يأتي في وقت بالغ الحساسية، حيث يسعى كلا البلدين لفك الارتباط بالاقتصاد الأمريكي الذي بات يُعتبر مصدراً للتقلبات بدلاً من الاستقرار.
تفاصيل الصفقة تتجاوز أرقامها إلى جوهر السيادة الاقتصادية؛ حيث اتفقتا الصين وكندا على مقايضة استراتيجية تضمن تدفق بذور “الكانولا” الكندية إلى الأسواق الصينية المتعطشة، مقابل فتح كندا أبوابها أمام طوفان السيارات الكهربائية الصينية المتطورة.
هذا الاتفاق، وفق اطلاع شاشوف، يأتي بعد سنوات من الجمود الدبلوماسي والعداوة الجانبية التي تميزت بها فترة رئيس الوزراء السابق جاستن ترودو، ليؤكد أن “كارني” -المصرفي المركزي السابق الذي يدرك لغة المصالح جيداً- اختار البراغماتية الاقتصادية على حساب التحالفات الأيديولوجية الثابتة، معيداً توجيه بوصلة بلاده نحو الشرق في وقت تُغلق فيه أمريكا أبوابها وتشن حروباً تجارية على الجميع.
ما يثير الدهشة في الأوساط الدبلوماسية ليس الاتفاق في حد ذاته، بل الجرأة الكندية في تحدي الإملاءات الأمريكية المتعلقة بقطاع التكنولوجيا والسيارات. بينما كانت إدارة بايدن السابقة، ومن بعدها إدارة ترامب الحالية، تضغط لفرض رسوم تُراوح بين 100% على المركبات الصينية، اختارت أوتاوا السير في اتجاه معاكس تماماً، مما يفتح “ثغرة” واسعة في الجدار الشمالي للقلعة الأمريكية.
هذا التحول يعكس قراءة كندية جديدة للمشهد العالمي، ترى أن النظام الدولي المتعدد الأطراف الذي قادته واشنطن لعقود قد بدأ بالتداعي، وأن البحث عن شركاء جدد لم يعد خياراً بل ضرورة وجودية للبقاء.
الزيارة التي قام بها كارني، وهي الأولى لزعيم كندي منذ ثماني سنوات، حملت رسائل سياسية لا تقل أهمية عن الملفات الاقتصادية. الحديث عن “نظام عالمي جديد” والتكيف معه، والتصريحات التي تصف المحادثات مع بكين بأنها “أكثر استقراراً” من تلك التي تُجري مع الجارة الجنوبية، تشير إلى عمق الفجوة التي أحدثتها سياسات ترامب “العدائية” تجاه الحلفاء. كندا، التي لطالما كانت الحليف الأقرب واتباع السياسة الخارجية الأمريكية، تُعلن اليوم بوضوح أنها لن تكون ضحية للصراعات التجارية الأمريكية، وأنها مستعدة للرقص مع التنين إذا كان ذلك يضمن مصالحها الوطنية، حتى لو أدى ذلك إلى استياء الصقر القابع في البيت الأبيض.
“الكانولا” مقابل السيارات: تفاصيل الهروب من الهيمنة
في قلب هذا الاتفاق المثير للجدل، تظهر تفاصيل فنية تعكس رغبة الطرفين في تحقيق مكاسب سريعة وملموسة. الصين، التي كانت تستخدم ورقة الرسوم الجمركية كسلاح عقابي، وافقت على خفض الرسوم على بذور اللفت (الكانولا) الكندية بشكل دراماتيكي من 85% إلى 15% بحلول الأول من مارس المقبل، حسب قراءة شاشوف.
هذا التنازل الصيني الكبير لا يُحيي فقط آمال المزارعين في غرب كندا الذين عانوا لسنوات من انغلاق السوق الصينية، بل يُعيد الحياة لشريان حيوي في الاقتصاد الكندي، وهو ما انعكس فوراً على أسواق المال حيث قفزت العقود الآجلة للكانولا في نيويورك، مستبشرة بعودة الطلب من ثاني أكبر اقتصاد في العالم.
في المقابل، قدمت كندا تنازلاً وصفه المراقبون بالأجرأ، بالسماح بدخول حصة ضخمة تبلغ 49 ألف سيارة كهربائية صينية إلى أسواقها برسوم جمركية زهيدة تبلغ 6%، متخليّة بذلك عن السياسة السابقة التي كانت تتماشى مع الرسوم العقابية الأمريكية البالغة 100%. هذا القرار لا يعني فقط تدفق التكنولوجيا الصينية الخضراء بأسعار تنافسية للمستهلك الكندي، بل يمثل اعترافاً كندياً بتفوق الصناعة الصينية ورفضاً لمحاولات واشنطن خنق هذا القطاع. إنه تحوّل من سياسة “الحماية العمياء” للصناعة الأمريكية، إلى سياسة “الاستفادة الذكية” من التطور الصيني لتسريع التحول الطاقي في كندا.
لم تقتصر المكاسب الكندية على بذور اللفت، بل تمتد لتشمل تعليق بكين لرسوم “مكافحة التمييز” على سلع زراعية أخرى حساسة مثل الكركند وكسب الكانولا، مع وعود بإعفاء المواطنين الكنديين من تأشيرات الدخول، مما يُسهّل حركة التجارة والسياحة، حسب اطلاع شاشوف. هذه الحزمة من التسهيلات تشير إلى رغبة بكين الملحة في كسر العزلة التي تحاول واشنطن فرضها عليها، عبر الاستمالة لحلفاء أمريكا التقليديين وتقديم “جزرات” اقتصادية يصعب رفضها، خاصة في ظل التباطؤ الاقتصادي العالمي. الاتفاق مصمم بدقة ليكون “مربحاً للطرفين” بشكل فوري، مما يجعل من الصعب على أي إدارة كندية مستقبلية التراجع عنه دون تكبد خسائر فادحة.
اللافت في الأمر هو الجدول الزمني السريع للتنفيذ، حيث يتوقع كارني سريان التعديلات الجمركية في غضون أسابيع قليلة، وتحديداً مع بداية شهر مارس، ويمتد التعليق حتى نهاية عام 2026 على الأقل. هذه السرعة تعكس إلحاحاً سياسياً لدى الطرفين لتثبيت دعائم الشراكة الجديدة قبل أن تتمكن واشنطن من حشد رد فعل مضاد. كارني يراهن هنا على أن الفوائد الاقتصادية الملموسة ستكون كفيلة بإسكات الأصوات المعارضة في الداخل الكندي، وستمنحه ورقة قوة في مواجهة الضغوط المتوقعة من إدارة ترامب التي لن تقف مكتوفة الأيدي أمام هذا التقارب.
الانعطافة الكبرى
يمثل هذا التقارب قطيعة تامة مع إرث العقد الماضي المظلم في العلاقات الكندية الصينية، وتحديداً حقبة رئيس الوزراء السابق جاستن ترودو. تلك الفترة التي شابتها أزمة “مينغ وانتشو” المديرة المالية لشركة هواوي، واحتجاز الصين للمواطنين الكنديين (مايكلفور ومايكل كوفريغ)، أو ما عُرف بـ “دبلوماسية الرهائن”، قد طويت صفحتها تماماً. اليوم، يستبدل مارك كارني لغة الإدانات الحقوقية والمواجهات الدبلوماسية بلغة المصالح والشراكات الاستراتيجية، في نهج يُذكّرنا بالسياسة الواقعية الكلاسيكية، حيث الاقتصاد هو المحرك والمصالح هي البوصلة، بعيداً عن الشعارات الليبرالية التي كلفت أوتاوا الكثير.
تصريحات كارني حول “النظام العالمي الجديد” وتراجع النظام المتعدد الأطراف لم تكن زلة لسان، بل هي تشخيص دقيق للحالة الدولية الراهنة. عندما يتحدث رئيس وزراء دولة من مجموعة السبع بهذه الصراحة عن تداعي النظام الذي أسسته أمريكا، فهذا يعني أن الثقة في القيادة الأمريكية للغرب قد تآكلت بشكل خطير.
كارني يرى أن واشنطن لم تعد الضامن للأمن والازدهار، بل أصبحت مصدراً للاضطراب، وبالتالي فإن تنويع التحالفات بات مسألة أمن قومي لكندا، وليس مجرد خيار تجاري. إنه يعيد تعريف “التهديد الأمني” ليكون شاملاً للمخاطر الاقتصادية الناجمة عن السياسات الأمريكية المتقلبة، وليس محصوراً في التنافس العسكري مع الصين.
في هذا السياق، جاءت تصريحات وزيرة الصناعة الكندية ميلاني جولي التي تتبَّعها شاشوف لتصب الزيت على نار الخلاف مع واشنطن، حين وصفت المحادثات مع الصينيين بأنها “أكثر قابلية للتنبؤ” من التعامل مع الجار الأمريكي. هذا التصريح الصادم من وزيرة كانت تصف الصين سابقاً بأنها “قوة تزعزع الاستقرار”، يكشف حجم الإحباط الكندي من إدارة ترامب.
هذا التحول الكندي لا يحدث بمعزل عن التحركات المماثلة لقادة أوروبيين مثل المستشار الألماني فريدريش ميرتس ورئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر، الذين قاموا أيضاً بزيارات إلى بكين. يبدو أن هناك تياراً “واقعياً” جديداً يتشكل داخل المعسكر الغربي، يرفض الانجرار الأعمى خلف الحرب الباردة الجديدة التي ترغب فيها واشنطن، ويفضل انتهاج سياسة “الفصل الانتقائي”، حيث يتم التعاون في التجارة والاقتصاد، بينما يتم الإبقاء على الحذر في ملفات الأمن والذكاء الاصطناعي. كارني يقود هذا التيار في أمريكا الشمالية، مُحاولاً صياغة نموذج جديد للعلاقة مع بكين يجمع بين الحذر الأمني والانفتاح الاقتصادي.
الرهان الخطير بين المكسيك وغرينلاند
لا يمكن قراءة هذا التقارب الكندي الصيني بمعزل عن شخصية دونالد ترامب وسياساته التي دفعت الحلفاء نحو الحافة. التهديدات الترامبية المستمرة، بدءاً من التلويح بضم جزيرة غرينلاند بالقوة -وهو ما يُعتبر تهديداً مباشراً للسيادة في القطب الشمالي الذي تعتبره كندا فناءها الحيوي- وصولاً إلى التدخلات العسكرية والسياسية الفجة في فنزويلا، خلقت حالة من الذعر الاستراتيجي في أوتاوا. الإدارة الكندية باتت تنظر إلى واشنطن ليس كشقيق أكبر، بل كجار متهور يصعب التنبؤ بتصرفاته، مما جعل البحث عن “بوليصة تأمين” صينية خياراً مغرياً رغم محاذيره.
المخاطرة الكبرى تكمن في توقيت هذا التقارب الذي يسبق مفاوضات تجديد اتفاقية التجارة الحرة لأميركا الشمالية (USMCA). المسؤولون الأمريكيون كانوا يضغطون بشدة على كندا والمكسيك لتشكيل جبهة موحدة ضد الصين، وبناء “حصن أمريكا الشمالية”. خطوة كارني بفتح الأبواب للسيارات الكهربائية الصينية تُنسف هذه الاستراتيجية الأمريكية من أساسها، وتضع كندا في مسار تصادمي مباشر مع ترامب. يرى بعض المحللين أن كارني يستخدم “الورقة الصينية” كأداة ضغط تفاوضية ليقول لترامب: “لدينا بدائل”، لكنها لعبة محفوفة بالمخاطر قد تدفع ترامب لفرض عقوبات انتقامية صارمة على الاقتصاد الكندي المتشابك عضوياً مع الاقتصاد الأمريكي.
يرى الخبراء، ومنهم البروفيسور جوزيف ماهوني، أن كندا تحاول خلق توازن دقيق ومستحيل. بينما تهدد أمريكا بابتلاع غرينلاند وتضغط على الحلفاء، يحاول كارني القول إن “التهديدات تغيرت”. لكن إغضاب ترامب الذي يعتبر الرسوم الجمركية “أجمل كلمة في القاموس” قد يكون له ثمن باهظ. هل تعتبر هذه الخطوة انتحاراً سياسياً أم عبقرية دبلوماسية؟ الجواب يعتمد على مدى قدرة الاقتصاد الكندي على تحمل غضب واشنطن، ومدى جدية الصين في تعويض كندا عن أي خسائر قد تتكبدها في السوق الأمريكية. إنها مقامرة كبرى بمستقبل العلاقات الشمالية.
في النهاية، يبدو أن كارني يسير على حبل مشدود فوق وادٍ سحيق. فهو من جهة يحاول حماية بلاده من “شظايا” قنابل ترامب التجارية، ومن جهة أخرى يفتح بلاده لنفوذ قوة عظمى منافسة لا تقل شراسة. تحذيرات الأكاديميين من أن هذا التقارب سيعتبر في واشنطن “خيانة” وليست مجرد سياسة تجارية، تشير إلى أن الأشهر القادمة ستشهد توتراً غير مسبوق في العلاقات الكندية الأمريكية.
كارني يراهن على أن العالم قد تغير، وأن أمريكا لم تعد اللاعب الوحيد في المدينة، لكنه يغامر باختبار صبر أقوى رجل في العالم وأكثرهم انفعالاً، في وقت أصبحت فيه الحدود بين التجارة والأمن القومي شبه معدومة.
والدرس الأهم من هذا الحدث هو أن الفراغ الذي تتركه الولايات المتحدة بانسحابها نحو الانعزالية وعدائيتها تجاه الحلفاء، يتم ملؤه بسرعة وكفاءة من قبل الصين. بكين أثبتت مرة أخرى قدرتها على استغلال التناقضات الغربية ببراعة، مقدمة نفسها كشريك “موثوق” وداعم للتجارة الحرة في مواجهة الحمائية الأمريكية.
نجاح الصين في اختراق السوق الكندية بقطاع حساس كالسيارات الكهربائية، وعبر بوابة حكومة محافظة (حكومة كارني)، يعد نصراً دبلوماسياً واقتصادياً لشي جين بينغ، ويضعف موقف واشنطن التفاوضي في أي صراع تجاري مستقبلي، حيث لم يعد بإمكانها الاعتماد على وحدة الصف في أمريكا الشمالية.
في سياق سياسي حساس، يواجه الاتحاد الأوروبي اختبارًا مزدوجًا يتعلق بالاقتصاد والسيادة بسبب قضية غرينلاند وتأثيرها على اتفاق تجاري مع الولايات المتحدة. البرلمان الأوروبي يعتبر الصفقة أكثر من مجرد أرقام، حيث يربطها بالقيم والأمن، ويعكس توتراً داخل الاتحاد بين الراغبين في حماية المصالح الاقتصادية وأولئك القلقين من فقدان السيادة. غرينلاند تكتسب أهمية استراتيجية مع تصاعد التنافس الدولي، وتعتبر النقاشات حول الاتفاق تعبيرًا عن الخلافات الداخلية في الاتحاد، وسط مخاوف من تقويض موقفه التفاوضي على صعيد أوسع.
تقارير | شاشوف
في سياق سياسي يكتنفه الحساسية، يواجه الاتحاد الأوروبي تحديًا مزدوجًا يتعلق بالاقتصاد، السيادة، والأمن، حيث برزت قضية غرينلاند في مناقشات حول اتفاق تجاري واسع مع الولايات المتحدة. وهذا ما كان مُتوقعًا أن يكون مجرد مسار تقني للموافقة البرلمانية، إلا أنه تطور بسرعة إلى ساحة صراع سياسي تعكس توترًا أعمق في العلاقات عبر الأطلسي.
البرلمان الأوروبي، الذي يمتلك السلطة النهائية لإقرار الاتفاق، أصبح ينظر إلى الصفقة التجارية كأكثر من مجرد أرقام ورسوم جمركية، بل كأداة ضغط محتملة للرد على التصريحات والتهديدات من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بشأن الإقليم الدنماركي شبه المستقل. ويعكس هذا المنظور، وفقًا لما أشارت إليه ‘شاشوف’، تحولًا متسارعًا داخل المؤسسات الأوروبية نحو ربط التجارة بالقيم، السيادة، والأمن الجماعي.
يأتي هذا الجدل في إطار عالمي مضطرب، حيث تتزايد التنافسات الجيوسياسية في القطب الشمالي، ويصبح دور غرينلاند الاستراتيجي أكثر أهمية بفضل مواردها الطبيعية وموقعها الحيوي في معادلات الأمن والدفاع، خاصةً في ظل التنافس بين الولايات المتحدة والصين وعودة روسيا القوية إلى الساحة السياسية القطبية.
في خضم هذه الظروف، لم يعد الاتفاق التجاري مع الولايات المتحدة مجرد ملف اقتصادي معلق في بروكسل، بل أصبح مرآة تعكس عمق الخلافات داخل الاتحاد الأوروبي نفسه، حيث ينقسم الأعضاء بين من يرون ضرورة حماية المصالح الاقتصادية بأي ثمن، وآخرين يرون أن تجاهل التهديدات السيادية الخطيرة قد يؤدي إلى تآكل الموقف الأوروبي على المدى البعيد.
الاتفاق التجاري بين بروكسل وواشنطن
الاتفاق التجاري الذي تم التوصل إليه بين المفوضية الأوروبية والإدارة الأمريكية في صيف العام الماضي، صُمم أساسًا لاحتواء شبح حرب تجارية شاملة والتي كانت قد بدأت تلوح في الأفق مع عودة ترامب إلى البيت الأبيض. سعت بروكسل حينها إلى تحقيق نوع من الاستقرار التجاري، وفقًا لمتابعة ‘شاشوف’، حتى لو كان ذلك على حساب تقديم تنازلات أثارت جدلًا واسعًا داخل العواصم الأوروبية.
على الرغم من أن أجزاء من الاتفاق دخلت حيز التنفيذ، إلا أن المصادقة البرلمانية النهائية تظل شرطًا ضروريًا لإضفاء الطابع القانوني الكامل عليه. وهنا يبرز البرلمان الأوروبي كلاعب سياسي رئيسي، لاسيما في ظل تزايد الأصوات الرافضة لتمرير الاتفاق بصيغته الحالية.
عبر بيرند لانغه، رئيس لجنة التجارة الدولية في البرلمان الأوروبي، عن هذا المزاج المتوتر عندما أشار، في حديث مع ‘بلومبيرغ’ تابعته ‘شاشوف’، إلى أن احترام السيادة الوطنية هو شرط لا يمكن فصله عن أي شراكة تجارية. هذا الموقف يعكس اتجاهًا متزايدًا داخل البرلمان لرفض الفصل بين السياسة والاقتصاد، خاصة عندما يتعلق الأمر بدولة بحجم الولايات المتحدة.
تشعر المؤسسات الأوروبية بالقلق من أن تمرير الاتفاق مع التهديدات المتعلقة بغرينلاند قد يُفسَّر في واشنطن كإشارة ضوء أخضر لمزيد من الضغوط، ليس فقط على الدنمارك، بل على الاتحاد الأوروبي بشكل كامل، مما قد يُضعف موقفه التفاوضي في قضايا أخرى أكثر حساسية.
غرينلاند: من إقليم بعيد إلى بؤرة صراع دولي
لم تكن غرينلاند، حتى وقت قريب، حاضرة بقوة في النقاشات السياسية الأوروبية الأمريكية، لكنها تحولت فجأة إلى موضوع مركزي للخلاف بعد تجديد ترامب تصريحاته حول رغبة الولايات المتحدة في تعزيز نفوذها على الإقليم. هذه التصريحات أعادت إلى الأذهان محاولات سابقة لشراء غرينلاند، والتي قوبلت برفض قاطع من كوبنهاغن.
أهمية غرينلاند لا تقتصر على بعدها الرمزي المتعلق بالسيادة فحسب، بل ترتبط أيضًا بشكل وثيق بتوازنات القوة في القطب الشمالي، حيث تتقاطع مصالح الولايات المتحدة وروسيا والصين. يمتاز الإقليم بأنه منصة استراتيجية للإنذار المبكر والدفاع الصاروخي، بالإضافة إلى كونه غنيًا بالمعادن النادرة التي تستخدم في صناعات التكنولوجيا المتقدمة.
من هذه الزاوية، يرى عدد من المشرعين الأوروبيين أن التهاون مع الخطاب الأمريكي بشأن غرينلاند قد يُقوض ليس فقط سيادة الدنمارك، بل أيضًا الوحدة الأوروبية داخل حلف شمال الأطلسي. كما أن أي تصعيد في هذه المسألة قد ينعكس سلبًا على منظومة الأمن الغربي بشكل عام. وتفيد تقديرات مراكز بحث أوروبية بأن ربط الاتفاق التجاري بقضية غرينلاند هو محاولة لإعادة التوازن إلى العلاقات مع واشنطن، وتذكيرها بأن الشراكة عبر الأطلسي لا يمكن إدارتها بمنطق الإملاءات، مهما كانت الفجوة بين موازين القوة.
الرسوم الجمركية: وقود إضافي للخلاف
يزيد من تعقيد المشهد أن الاتفاق التجاري نفسه يتضمن بنودًا مثيرة للجدل، من أبرزها فرض رسوم جمركية بنسبة 15% على معظم السلع الأوروبية، مقابل إلغاء الرسوم الأوروبية على السلع الصناعية الأمريكية وبعض المنتجات الزراعية، وفقًا لتتبع ‘شاشوف’. وقد اعتُبر أن هذا الشكل يميل بشكل واضح لصالح الولايات المتحدة.
تفاقم الغضب البرلماني بعد أن وسعت واشنطن نطاق الرسوم الجمركية البالغة 50% على الصلب والألمنيوم لتشمل مئات المنتجات الأوروبية، في خطوة اعتبرها الكثيرون خرقًا لروح التفاهم الذي وُقع في السابق. هذه الإجراءات عززت الشكوك حول فائدة الاتفاق وجدية الإدارة الأمريكية في الالتزام به.
داخل البرلمان الأوروبي، تجلى هذا الغضب في مبادرات ملموسة، بما في ذلك رسالة قادها النائب الدنماركي بير كلاوسن، وتوقيعها من قبل عشرات النواب، تطالب بتجميد الاتفاق حتى تتراجع واشنطن عن تهديداتها المتعلقة بغرينلاند. تعكس هذه الخطوة تنامي الاستعداد لاستخدام أدوات اقتصادية كوسيلة للرد على الضغوط السياسية.
من جانبه، يعتقد بعض الكتل اليمينية والوسطية، وخاصة حزب الشعب الأوروبي، أن تعطيل الاتفاق قد يلحق ضررًا مباشرًا بالاقتصاد الأوروبي، لا سيما في ظل تباطؤ النمو العالمي وتراجع الصادرات، مما يعكس انقساما حادًا داخل المؤسسة التشريعية الأوروبية.
في خضم هذا الجدل، تحاول الدنمارك أن تسير على حبل دقيق بين الدفاع عن سيادتها وتفادي تصعيد قد يضر بعلاقاتها مع الولايات المتحدة. وفقًا لدبلوماسيين أوروبيين، لم تكن كوبنهاغن مستعدة لدعم جهود تعطيل الاتفاق التجاري، مُفضلًة العمل بهدوء على تهدئة التوتر عبر القنوات الدبلوماسية.
تفهم الدنمارك أن أي مواجهة مباشرة مع الولايات المتحدة قد تضعها في موقف حساس داخل حلف شمال الأطلسي، خاصة بفضل اعتمادها الأمني على الحماية الغربية. لذا، تسعى إلى فصل قضية غرينلاند عن المسار التجاري بقدر الإمكان، وهو موقف لا يحظى بإجماع داخل البرلمان الأوروبي. أشار بيرند لانغه وفقًا لمتابعة ‘شاشوف’ إلى أن خفض الرسوم الأمريكية من 50% إلى 15% قد يوفر مخرجًا عمليًا للأزمة، مما يُعطي حجة قوية لتمرير الاتفاق. وهذا الاقتراح يعكس إدراكًا أوروبيًا بأن واشنطن تملك مفاتيح تهدئة النزاع إذا ما أرادت ذلك بحق.
قضية غرينلاند تُظهر هشاشة التوازن القائم في العلاقات عبر الأطلسي، وتبين أن عودة ترامب تعيد إحياء أنماط من الصدام السياسي اعتقد الكثيرون أنها أصبحت جزءًا من الماضي. كما تسلط الضوء على الانقسامات الداخلية في أوروبا، والتي قد تحد من قدرة الاتحاد على اعتماد موقف موحد وحازم.
في الختام، سيحدد التعامل مع هذه القضية ليس فقط مصير اتفاق تجاري معين، بل أيضًا شكل العلاقات المستقبلية بين أوروبا وأمريكا لعالم يتزايد فيه التنافس الجيوسياسي، وتصبح فيه التجارة إحدى أبرز أدوات الصراع والنفوذ.
سجلت السعودية استثمارات قياسية في سندات الخزانة الأمريكية، بلغت 14.3 مليار دولار في نوفمبر 2025، مما يعكس تغييرًا في استراتيجيات إدارة احتياطياتها الأجنبية والتركيز على أدوات الدخل الثابت قصيرة الأجل. حيازات السعودية من السندات الأمريكية وصلت إلى 148.8 مليار دولار، منها 42.02 مليار في سندات قصيرة الأجل. تأتي هذه الخطوة في ظل عدم اليقين في الأسواق الأمريكية، حيث يسعى المستثمرون لحماية احتياطياتهم والاستفادة من العوائد القصيرة. وبينما تساهم هذه الاستثمارات في تعزيز العلاقات مع واشنطن، فهي تحمل مخاطر تتعلق بالاعتماد على السندات الأمريكية في ظروف اقتصادية متقلبة.
الاقتصاد العربي | شاشوف
وفقاً لأحدث البيانات التي توفرت من مرصد ‘شاشوف’ بالتعاون مع وكالة ‘بلومبيرغ’، سجلت استثمارات السعودية في سندات الخزانة الأمريكية خلال نوفمبر 2025 أعلى مستوى شهري في تاريخها، بصافي شراء بلغ 14.3 مليار دولار.
تعكس هذه الزيادة، التي أعلنت عنها وزارة الخزانة الأمريكية، تغييراً في استراتيجية الرياض بشأن إدارة احتياطياتها الأجنبية، حيث يتم التركيز بشكل متزايد على أدوات الدخل الثابت قصيرة الأجل. وقد بلغ إجمالي حيازة السعودية من السندات الأمريكية 148.8 مليار دولار، منها 42.02 مليار دولار في سندات قصيرة الأجل، مقارنة بـ 106.8 مليار دولار في سندات طويلة الأجل، مما يدل على ميل سعودي للاستفادة من العوائد المرتفعة مع الحفاظ على القدرة على إعادة التموضع السريع جراء أي تغييرات في أسعار الفائدة أو الظروف الاقتصادية.
السياق الاقتصادي: إدارة الاحتياطيات وسط المخاطر
تأتي هذه الخطوات في وقت تشهد فيه الأسواق الأمريكية حالة من عدم اليقين، حيث يراقب المستثمرون عن كثب قرارات بنك الاحتياطي الفيدرالي بشأن معدل الفائدة، وسط تباطؤ التضخم وارتفاع الخلافات بين ترامب والاحتياطي الفيدرالي – برئاسة جيروم باول – حول السياسة النقدية.
في هذا الإطار، يُعتبر شراء السعودية للسندات الأمريكية خطوة قد تحمل آثاراً سلبية محتملة، إذ تشير المؤشرات إلى توجه عالمي بعيد عن الدولار، وسط التوترات الاقتصادية والمالية التي تواجه الولايات المتحدة، بما في ذلك المخاطر المرتبطة بالعجز المالي والنزاعات حول السياسات النقدية.
ومع ذلك، تبرر الرياض قرار الشراء بمحاولة تأمين جزء من الاحتياطيات النقدية والاستفادة من العوائد قصيرة الأجل، مع إدراكها أن المخاطر السعرية المرتبطة بالسندات طويلة الأجل قد تتزايد في حال استمرار التوترات الاقتصادية الأمريكية.
وفقاً لما كشف عنه مرصد شاشوف، بلغت الاحتياطيات الأجنبية السعودية حوالي 1.7 تريليون ريال بنهاية عام 2025، بزيادة سنوية تقارب 5%. ويُعتبر الاتجاه نحو سندات الخزانة الأمريكية، وخاصة قصيرة الأجل، جزءاً من استراتيجية لإعادة توزيع الاحتياطيات نحو أصول أكثر سيولة ومرونة، استعداداً لمواجهة أي تقلبات محتملة في الأسواق العالمية. كما يسهم هذا التوجه في تعزيز العلاقات الاستثمارية بين الرياض وواشنطن ويدعم سيولة الأسواق الأمريكية على المدى الطويل.
بشكل عام، تمثل هذه التحركات خطوة استباقية في إدارة الاحتياطيات، مع تحقيق توازن دقيق بين العوائد والمخاطر، لكنها تحمل أيضاً إشارات تحذيرية مرتبطة بالاعتماد على السندات الأمريكية في ظل بيئة اقتصادية متقلبة وغير مستقرة على المدى القصير.
في تحول تاريخي، تحقق وزارة العدل الأمريكية مع جيروم باول، رئيس الاحتياطي الفيدرالي، مما يعكس صراعاً بين السلطة التنفيذية ورغبة الرئيس ترامب في السيطرة على البنك المركزي. هذا الضغط يأتي قبل انتهاء ولاية باول، ويشير إلى محاولات لترهيب صناع السياسة النقدية لتخفيض الفائدة. لكن باول يظهر صموداً ملحوظاً، متمسكًا باستقلال البنك. التوترات الاجتماعية والسياسية تثير مخاوف من تأثير سلبي على استقلالية الاحتياطي الفيدرالي. إذا نجحت استراتيجية ترامب، قد تتشكل سياسة نقدية جديدة تعود بعواقب وخيمة على الاقتصاد الأمريكي والدولار كعملة احتياطية عالمية، مما يعيد تعريف العلاقة بين السياسة والاقتصاد.
الاقتصاد العالمي | شاشوف
في حدث تاريخي قد يؤثر على التقاليد الراسخة للمؤسسات المالية في أمريكا، يجد النظام المالي العالمي نفسه في نقطة تحول بعد إعلان وزارة العدل الأمريكية عن فتح تحقيق جنائي مع جيروم باول، رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي.
الواقعة التي حدثت في الحادي عشر من يناير 2026، لا تعبر عن إجراء قانوني اعتيادي، بل تعكس الذروة في صراع محتدم بين السلطة التنفيذية، التي يمثلها الرئيس دونالد ترامب، وبين السلطة النقدية التي تسعى للحفاظ على حصن استقلاليتها، حيث يسعى الرئيس بشكل واضح إلى إقناع البنك المركزي بدعم أجندته الاقتصادية قبل مغادرته المكتب البيضاوي.
الوضع في واشنطن يبدو غامضًا ومتوترًا، فالهجوم غير المسبوق الذي تطلقه الإدارة الحالية على جيروم باول وزملائه في المجلس يتجاوز الانتقادات اللفظية المتعارف عليها في الفترات الرئاسية السابقة، ليصل إلى استخدام أدوات القانون الجنائي كوسائل ضغط سياسية. التوقيت يحمل دلالات خطيرة، إذ يأتي تسريب التحقيق قبل أربعة أشهر فقط من انتهاء ولاية باول، مما يشير إلى أن الهدف ليس مجرد إزاحته بل ممارسة ضغط كبير لرغمه على الاستقالة بشكل نهائي، مما يتيح لترامب تعيين بديل أكثر ولاءً لخفض أسعار الفائدة.
رغم حدة الهجمة، يبدو أن جيروم باول وقراره بالمواجهة واضحاً، حيث يظهر إصراراً على عدم التخلي عن منصبه، ويبدو أنه سيبذل جهدًا للحفاظ على عضويته في مجلس المحافظين حتى نهاية فترته القانونية في يناير 2028، حتى بعد تسليمه لمطرقة الرئاسة في مايو المقبل. هذا الموقف يعكس إدراك باول العميق بأن استقالته تحت الضغط ستكون بمثابة إعلان وفاة لاستقلالية البنك المركزي، وهذا ما حذّر منه اقتصاديون ومؤرخون ماليون على مر العقود.
المعركة الحالية تتجاوز شخص باول وتمس الهيكل التنظيمي للمجلس بأكمله، حيث تشير التحليلات إلى أن استراتيجية ترامب لا تقتصر على تغيير الرئيس، بل تشمل محاولة تفكيك “الكتلة الصلبة” داخل المجلس. ومع ذلك، يبدو أن حسابات البيت الأبيض قد تكون غير دقيقة في تقدير قوة خصومهم؛ محاولات إقالة ليزا كوك فشلت، وإصرار الأعضاء على البقاء قد يمنع تحقيق ‘الانقلاب الناعم’ الذي يسعى إليه الرئيس، لكن الخطر يكمن في النفس الطويل الذي يمارسه ترامب والذي قد يمكنه من تحقيق انتصارات نهائية، حتى لو خسر هذه المعركة التكتيكية.
حرب الأعصاب واستراتيجية الترهيب المؤسسي
يبدو واضحًا أن التسريبات حول التحقيق الجنائي تهدف في المقام الأول إلى خلق بيئة عمل عدائية داخل الفيدرالي، لدفع صانعي السياسة النقدية نحو خيارين أحلاهما مر. تعتبر الاستراتيجية المعروفة بالـ “ترهيب المؤسسي” موجهة لضغط الأعضاء نفسيًا، إلا أن ردود الفعل الأولية تظهر تماسكًا غير متوقع.
تصرفات باول السابقة، مثل تصحيحه معلومات ترامب الخاطئة بخصوص تكاليف التجديد، تؤكد أن الرجل يتمتع بصلابة سياسية قد تجعل إزالته أصعب مما يتخيل مستشارو الرئيس.
على صعيد آخر، بقاء باول بعد انتهاء رئاسته يشكل ‘شوكة’ في حلق أي رئيس جديد قد يعينه ترامب، وسيعمل كعازل لمنع الانحراف الحاد بالسياسة النقدية. التاريخ يُظهر أن بقاء رئيس سابق كعضو عادي هو أمر نادر لكنه قانوني، وفي هذه الظروف، قد يصبح ضرورة لحماية المؤسسة. إخلاص باول لتقاليده المؤسسية سيكون الدافع له للاستمرار، مما يعقد خطط ترامب لإحداث فراغ سريع يمكن ملؤه بأشخاص غير ذوي خبرة أو استقلالية.
من جهة أخرى، فإن فشل هذه الضغوط قد يؤدي إلى نتائج عكسية، فمن الممكن أن تدفع لجنة السوق المفتوحة الفيدرالية إلى تشديد سياستها النقدية بدلاً من تسهيلها. سيضطر داعمو التيسير النقدي إلى تقديم تبريرات قوية لضمان عدم اعتبار قراراتهم استسلامًا للبيت الأبيض، مما قد يسهم في بقاء أسعار الفائدة مرتفعة لفترة أطول.
هذه الأجواء المتوترة ستجعل عملية البحث عن خليفة لباول معقّدة للغاية. المُرشحون المحتملون مثل كيفن هاسيت وكيفن ورش سيواجهون مواقف صعبة، حيث يجب عليهم إظهار الولاء لترامب، بينما يحتاجون لإثبات استقلاليتهم لإقناع مجلس الشيوخ والأسواق. هذا التناقض قد يحد من خيارات المؤهلين ويتيح المجال لأسماء أخرى، ولكن أي شخص جديد سيواجه شكوكًا مستمرة حول استقلاليته.
لم تكن ردود الفعل السياسية في الكابيتول هيل أقل حدة، حيث برزت أصوات جمهورية تعارض هذا التغلّب التنفيذي. السيناتور توم تيليس أعلن رفضه التصويت لتثبيت أي مرشح جديد للفيدرالي حتى وضوح القضية القانونية. هذا الموقف له وزن استراتيجي؛ حيث يستطيع تيليس إيقاف عجلة الترشيحات تمامًا، مما يضع إدارة ترامب في مأزق تشريعي.
المفارقة تكمن في رد فعل الأسواق المالية التي بدت تتفاعل بشكل غريب، فعلى الرغم من خطورة الأنباء المتعلقة بالنظام المالي، واجهت ‘وول ستريت’ الوضع برباطة جأش ملفتة. عوائد سندات الخزانة لأجل عشر سنوات تعرضت لتغيرات بسيطة، وأسواق الأسهم حافظت على استقرارها النسبي. يُفسّر المحللون هذا الهدوء كرهانات المستثمرين على قوة المؤسسات الأمريكية وقدرة الكونغرس على كبح جماح الرئيس، أو ربما كنمط من ‘الإنكار’ للتهديدات الحقيقية.
مع ذلك، فإن هذا الهدوء قد يكون الهدوء الذي يسبق العاصفة، حيث أن المخاطر الاقتصادية المرتبطة بفقدان الفيدرالي لاستقلاليته قد تكون ذات تأثيرات كبيرة. تاريخيًا، كانت استقلالية البنوك المركزية مفتاحًا للسيطرة على التضخم، وأي عبث بهذه المعادلة قد يؤدي إلى عودة المخاطر التضخمية.
إذا أدركت الأسواق أن الفيدرالي أصبح آلة سياسية، فإن المستثمرين سيتطلبون عوائد أعلى بشكل كبير لتعويض مخاطر تآكل قيمة الدولار، مما قد يرفع تكلفة الاقتراض الحكومي والخاص ويضر بالاقتصاد الذي يدعي ترامب حمايته.
الضمانات المنصوص عليها بقانون الاحتياطي الفيدرالي تُختبر بشدة الآن. ورغم أنه قد صمدت حتى الآن، إلا أن الضغط المستمر واستخدام ‘الثغرات’ القانونية قد يساهم في تآكل تلك الضمانات. الأسواق تراهن حاليًا على كفاءة المؤسسات، لكن إذا نجح ترامب في تضمين تعيينات غير مرغوبة، فإن رد الفعل المالي قد يكون مفاجئًا.
لعبة النفس الطويل وإعادة هندسة الفيدرالي
بشكل عام، يبدو أن ترامب يعول على الوقت وتغيير التركيبة الديموغرافية لمجلس المحافظين. عادةً ما تكون فترات العضوية الطويلة نادرة، والاستقالات الأدائية هي القاعدة منذ التسعينيات. ومع وجود أعضاء حاليين ذوي مدد خدمة طويلة، فإن الفرصة سانحة لإحداث تغيير ملحوظ بحلول عام 2029.
إذا تمكن ترامب من تعيين عضو ثالث موالي له بعد مغادرة باول في 2028 بجانب ستيفن ميران وميشيل بومان (الذي قد يُجدد له)، فسوف يضمن أغلبية كبيرة تعيد تشكيل السياسة النقدية لسنوات قادمة. التغير الأكبر لا يكمن فقط في الأفراد، بل في تغيير ‘الثقافة المؤسسية’ للفيدرالي. سيؤدي وجود أغلبية مخلصة للرئيس على حساب المبادئ الاقتصادية إلى تقويض مبدأ ‘الإجماع’، مما يفتح الباب لنظريات اقتصادية غير تقليدية تساهم في الأهداف السياسية قصيرة الأمد.
حسابات الانتخابات والتعيينات تشير إلى أنه حتى إذا لم يستطع ترامب إزاحة باول على الفور، فإنه يزرع بذور مجلس جديد كليًا. السيناريو الأكثر رعبًا هو أن يغادر ترامب في 2029 تاركًا خلفه مجلسًا مصممًا وفق رغباته، مما يجعل عودة الأمور إلى النهج التقليدي بناءً على البيانات أمرًا صعبًا.
مستقبل الاستقلالية على المحك
في الختام، يبدو أن الولايات المتحدة تقف عند نقطة تحول تاريخية تعيد تعريف العلاقة بين الاقتصاد والسياسة. الركائز الثلاث التي دعمت الفيدرالي لعقود، وهي الحماية القانونية من العزل التعسفي، وكفاءة الأعضاء، ودور مجلس الشيوخ كحارس للأعراف، تتعرض لانتكاسات متتالية.
بينما يتنظر الجميع كلمة الفصل من المحكمة العليا يوم 21 يناير لتحديد مدى حصانة رؤساء الهيئات المستقلة، فإن مجرد وصول الأمر إلى هذه النقطة يعد خرقًا لثقة النظام المالي الغربي. المعركة القادمة في مجلس الشيوخ لتثبيت خليفة باول ستكون الاختبار الحقيقي لقدرة المؤسسات التشريعية على مواجهة المد الشعبوي. فإذا تمكن ‘الحرس القديم’ من الجمهوريين من الدعاية لما يضمن الكفاءة، قد ينجو الفيدرالي بأقل الأضرار. أما إذا استسلمت السلطة التشريعية للإرادة الرئاسية، فقد نشهد تحولًا جذريًا في طبيعة البنك المركزي ليصبح أداة سياسية، وهو ما يشكل خطرًا وجوديًا على مكانة الدولار كعملة احتياطي عالمية.
قد يخسر ترامب معركته الشخصية ضد جيروم باول، وقد يبقى الأخير كرمز للعزيمة المؤسسية، و لكن يبدو أن الرئيس الأمريكي، من خلال استراتيجيته طويلة الأمد وتعييناته المستقبلية، قد ينجح في النهاية في كسب الحرب الأوسع. السيطرة على الفيدرالي ليست مجرد طموح عابر، بل هي حجر الزاوية في مشروع ترامب لإعادة تشكيل الدولة الأمريكية، و’حصن الدولار’ هو الجبهة الأخيرة التي تتعرض للهجوم الآن بلا هوادة.