صدمة هرمز تضرب الأسواق: إخفاق مفاوضات واشنطن وطهران يهدد بكارثة طاقة عالمية – بقلم شاشوف
عادت أزمة الطاقة لتؤثر سلباً على الاقتصاد العالمي بعد انهيار المحادثات بين الولايات المتحدة وإيران. أدى ذلك إلى اضطراب الأسواق وزيادة أسعار النفط، لتتعزز التوقعات ببلوغها 105 دولارات للبرميل مع استمرار إغلاق مضيق هرمز. تأثرت دول الشرق الأوسط بأسعار مستحقة للوقود، بينما سحبت الولايات المتحدة 172 مليون برميل من احتياطياتها الاستراتيجية. التصعيد العسكري المحتمل قد يؤثر سلباً على حركة الملاحة الإقليمية، مما قد يؤدي إلى أزمة طاقة هيكلية. تحذر التقارير من أن استمرار هذا الوضع قد يدفع الاقتصاد العالمي نحو ركود تضخمي عميق، ما لم تُعالج الأزمات بشكل دبلوماسي.
تقارير | شاشوف
عاد شبح أزمة الطاقة ليطفو بظلاله الثقيلة على الاقتصاد العالمي، بعدما تبددت الآمال الدبلوماسية جراء انهيار المحادثات المباشرة بين الولايات المتحدة وإيران في عاصمة باكستان.
وفقاً لتحليل اطّلع عليه «شاشوف» عبر شبكة «CNN»، فإن هذا الانسداد الدبلوماسي أعاد الأسواق فوراً إلى حالة من الذعر والتذبذب العشوائي، حيث أدرك المتداولون أن حرب إيران لن تتوقف في القريب، وأن أمن تدفقات الطاقة عبر أبرز الممرات المائية في العالم سيبقى محاطاً بضبابية عدم اليقين والتهديد المستمر.
ترجمت شاشات التداول هذا الفشل الدبلوماسي إلى أرقام صارمة؛ فبعد أن استكانت الأسواق الأسبوع الماضي بتراجع أسعار خام برنت وغرب تكساس نحو 95 دولاراً للبرميل إثر إعلان هدنة مؤقتة، عادت المؤشرات لتصعد مجدداً.
تشير التوقعات الراهنة إلى اندفاع الأسعار نحو كسر حاجز 105 دولارات للبرميل قريباً، خاصة مع استمرار إغلاق مضيق هرمز الذي يمثل بمفرده نحو 30% من تجارة النفط العالمية و20% من الغاز الطبيعي المسال، مما يجعل سلاسل الإمداد تحت رحمة حرب بلا تهدئة.
لم تقتصر تأثيرات هذه الأزمة على بورصات وول ستريت أو لندن، بل طالت بعمق الاقتصادات المحلية في الشرق الأوسط. فقد اضطرت دول المنطقة إلى تحميل هذه الكلفة الباهظة مباشرة على المستهلكين؛ حيث قامت الإمارات العربية المتحدة برفع أسعار الوقود المحلية بشكل ملحوظ، ليصل سعر لتر البنزين «سوبر 98» إلى مستويات قياسية تفوق 3.34 درهم، وفي ذات السياق، اعتمدت الأردن زيادات حادة دفعت بسعر لتر البنزين «أوكتان 95» لتجاوز 1.10 دينار، بحسب متابعات «شاشوف»، مما يعكس بوضوح كيف تحولت صدمة العرض العالمية إلى أعباء تضخمية تلتهم الجيوب المحلية في كل مكان.
استنزاف الاحتياطيات وفشل التدخلات المؤقتة
في محاولة يائسة للحد من ارتفاع الأسعار وتخفيف وطأة صدمة المعروض، لجأت الإدارة الأمريكية إلى أقوى أدواتها الاقتصادية التدخلية. فقد أظهرت البيانات سحب واشنطن نحو 172 مليون برميل من احتياطيها البترولي الاستراتيجي خلال هذا العام، وهو ثاني أكبر سحب في تاريخ البلاد، مما أدى إلى تراجع المخزون السيادي الأمريكي إلى أدنى مستوياته خلال عقود. كانت الغاية من هذه الخطوة هي ضخ سيولة نفطية كافية لتعويض الإغلاقات، لكن حجم الأزمة كان يفوق قدرة المخزونات على استيعابه.
تعكس بيانات تتبّعها «شاشوف» من إدارة معلومات الطاقة الأمريكية خطورة الكارثة الميدانية؛ إذ قدرت خسائر الإنتاج بنحو 9.1 مليون برميل يومياً في شهر أبريل، ورغم تحسنها الطفيف لتسجل عجزاً بـ 6.7 مليون برميل يومياً في مايو، إلا أن الأسواق اضطرت لسحب 5.1 مليون برميل يومياً من المخزونات العالمية خلال الربع الثاني لتعويض النقص. هذا الاستنزاف السريع جعل الأسواق هشة للغاية، وجردها من أي حوائط دفاعية قادرة على امتصاص أي صدمات مستقبلية أو تصعيد مفاجئ.
يؤكد خبراء الاقتصاد أن ما نشهده اليوم ليس مجرد صدمة عرض كلاسيكية يمكن التعامل معها عن طريق ضخ بضعة ملايين من البراميل، بل هي تسعير إجباري لـ«علاوة المخاطر الجيوسياسية». ففشل المفاوضات يعني أن النفط سيستمر في التسعير بناءً على مخاوف من اتساع رقعة الحرب الإيرانية، وليس بحسب التوازنات التقليدية لقوى العرض والطلب. هذه الحالة من عدم اليقين تُثقل كاهل الأسواق وتستنزف قدرة الموردين على التخطيط، مما يؤدي لارتفاع تكلفة التأمين والشحن إلى أرقام فلكية يتحملها المستهلك النهائي.
من هرمز إلى باب المندب: شلل الممرات الاستراتيجية
تتجاوز خطورة المشهد الراهن حدود مضيق هرمز لتشمل شبكة الملاحة الإقليمية برمتها. وكما أوضحت شبكة «بلومبيرغ» في تغطيتها للأزمة، فإن الخطر الأكبر الذي ينتظر المتداولين هو اتساع رقعة التصعيد العسكري لتشمل مضيق باب المندب بالكامل. إن إغلاق هذين الشريانين في وقت واحد سيعني شللاً شبه تام لحركة ناقلات النفط والغاز المتجهة من الشرق الأوسط إلى أوروبا وآسيا، وهو سيناريو مرعب سيقود بالأسعار إلى مستويات غير مسبوقة تاريخياً.
على الرغم من أن العالم قد يتمكن من التعامل مع الصدمات قصيرة الأجل من خلال إعادة توجيه الإمدادات والاعتماد المكثف على المخزونات التجارية والاستراتيجية، إلا أن هذه التدابير تظل مجرد مسكنات مؤقتة وليست حلولاً علمية. إن استمرار تعثر المفاوضات يُبقي ملف أمن الطاقة تحت ضغط هائل، حيث يؤدي أي تأخير إضافي في الإمدادات مباشرة إلى أزمات وقود خانقة في البلدان المستوردة، وهبوط حاد في مستويات النمو الصناعي العالمي.
الانتقال من مرحلة «التقلبات السعرية» إلى مرحلة «أزمة الطاقة الهيكلية» بات قاب قوسين أو أدنى. فإذا تدهورت التدفقات النفطية أكثر جراء استمرار العمليات العسكرية، فإن السوق سيفقد توازنه الهش، وفق تناولات «شاشوف». وحتى يتم التوصل إلى صفقة سياسية قابلة للتنفيذ على الأرض، سيبقى الاقتصاد العالمي أسير تسعيرات مرتفعة تُفرض عليه بقوة السلاح، وسط عجز المؤسسات الدولية عن فرض واقع بحري آمن يضمن حرية التجارة.
في الختام، يُعتبر انهيار محادثات باكستان جرس إنذار عالي الخطورة، مؤكداً أن الحلول الدبلوماسية لحرب إيران لا تزال بعيدة المنال. لن يستطيع الاقتصاد العالمي تحمل هذا العبء لفترة طويلة دون الدخول في ركود تضخمي عميق. فطالما ظلت آبار النفط ومضخات الغاز رهينة لنتائج المعارك العسكرية، ورهائن لفشل طاولات التفاوض، ستبقى أسعار الطاقة سيفاً مسلطاً على رقاب الدول النامية والمتقدمة على حد سواء، بانتظار معجزة سياسية تعيد الهدوء إلى مياه الخليج المضطربة.
تم نسخ الرابط