نتائج متواضعة وتكاليف مرتفعة.. إعادة إعمار غزة تستنفد موارد التمويل – شاشوف


تواجه عمليات الترميم في غزة تكاليف مرتفعة وكفاءة منخفضة وسط الأوضاع الاقتصادية الصعبة. أصبحت كلفة الترميم تزيد بأكثر من 6 أضعاف مقارنة بما كانت عليه قبل الحرب، مما يظهر عدم توازن واضح بين التكاليف والنتائج. الارتفاع الحاد في أسعار الوقود أثر بشكل كبير على تكاليف التشغيل. يتطلب إعادة الإعمار أكثر من 70 مليار دولار، مع 20 مليارًا ضرورية في السنتين الأوليين فقط. ومع استمرار الضغوط على الموارد، تبرز مشكلات تتعلق بجودة الخدمات الأساسية، مما يهدد فعالية جهود الإعمار ويستنزف الموارد المالية دون تحقيق تحسن ملموس.

الاقتصاد العربي | شاشوف

تتميز عمليات الترميم في قطاع غزة بكفاءة منخفضة وتكاليف مرتفعة بشكل غير مسبوق، ضمن بيئة اقتصادية وإنسانية معقدة للغاية. ومع استمرار الحرب وتدمير البنية التحتية، لم تعد عمليات إصلاح الأضرار مجرد استعادة مؤقتة للخدمات، بل أصبحت مساراً مكلفاً يستنزف الموارد المالية المخصصة للإعمار.

تشير الأرقام التي رصدها “شاشوف” إلى أن كلفة الترميم حالياً تتجاوز ستة أضعاف مستوياتها قبل الحرب، مما يعكس اختلالاً حاداً في معادلة التكلفة والعائد، حيث تُنفق أموال ضخمة دون الحصول على نتائج تفي بالحاجة المتزايدة للسكان. يظهر هذا الخلل بوضوح في القطاعات الحيوية مثل المياه والطاقة وإزالة الركام والنظافة، التي تشهد ارتفاعاً في النفقات دون تحسين مكافئ في جودة الخدمات أو استدامتها.

يبرز التضخم بشكل صارخ في تفاصيل المشاريع اليومية، إذ ارتفعت تكلفة إنشاء أصغر بئر غاطس إلى نحو 15 ألف دولار أو أكثر، مقارنة بأقل من 3 آلاف دولار قبل الحرب، مما يشير إلى زيادة تتجاوز خمسة أضعاف في مشروع يُفترض أنه من أبسط أعمال البنية التحتية. ولا يقف الأمر عند هذا الحد، فتواجه السوق نقصاً حاداً في المواد الخام، مما يجبر الجهات المنفذة على الاعتماد على مواد مستعملة ومعاد تأهيلها، وهذه السياسة تؤدي إلى زيادة الكلفة بدلاً من تخفيضها بسبب الجهد الإضافي المطلوب لمعالجتها، بالإضافة إلى أنها لا توفر نفس مستوى الجودة الذي كانت تقدمه المواد الجديدة.

تشير أحدث التقارير إلى أن هذا التراجع في الجودة مقابل ارتفاع الكلفة يضع مشاريع الترميم أمام معضلة مزدوجة، تتمثل في إنفاق أكبر للحصول على نتائج أقل، مما يثير تساؤلات حول جدوى الاستمرار بهذا الاتجاه في ظل محدودية الموارد.

أزمة ارتفاع أسعار الوقود

تتفاقم الأزمة مع الزيادة الحادة في أسعار الوقود، التي أصبحت أحد أبرز العوامل المؤثرة في زيادة كلفة الترميم. فقد ارتفع سعر لتر السولار إلى نحو 35 شيكلاً (11.72 دولاراً) في الوقت الحالي، بعد أن سجل في بعض الفترات مستويات قياسية وصلت إلى 60 و100 شيكل (20 و33.49 دولاراً)، مقارنةً بسعر يتراوح بين 5 و6 شياكل (2.01 دولار) قبل الحرب.

هذا الارتفاع الكبير انعكس مباشرة على تكاليف تشغيل المعدات الثقيلة والمولدات الكهربائية، التي تُعَد العمود الفقري لعمليات إزالة الركام وفتح الطرق وتشغيل محطات تحلية المياه ونقلها، مما أدى إلى تضاعف كلفة هذه الخدمات بشكل ملحوظ. وبمواجهة هذا الواقع، لم تعد المشكلة في توفر المعدات، بل في القدرة على تشغيلها، حيث أصبح الوقود عاملاً حاسماً في تحديد وتيرة العمل واستمراريته.

ومع ذلك، فإن الضغوط لا تقتصر على الوقود والمواد الإنشائية، بل تشمل أيضاً سلاسل الإمداد المرتبطة بالخدمات الأساسية، خاصة في قطاع المياه. تعاني محطات التحلية من نقص حاد في الفلاتر، التي لم تدخل إلى القطاع سوى بكميات محدودة منذ بداية الحرب، مما أدى تقريباً إلى اختفائها من السوق المحلي.

هذا النقص انعكس مباشرة على جودة المياه المنتجة، بينما تتزايد الحاجة إلى كميات أكبر، مما يضيف بعداً إنسانياً خطيراً للأزمة الاقتصادية، ويجعل تكلفة الترميم لا تُقاس فقط بالأرقام، بل أيضاً بتراجع مستوى الخدمات الأساسية للسكان.

عُقدة تكاليف إعادة الإعمار

على المستوى الكلي، تبدو الصورة أكثر تعقيداً، إذ تُقدَّر كلفة إعادة إعمار غزة بنحو 70 مليار دولار، مما يجعلها واحدة من أكبر عمليات إعادة البناء في تاريخ المنطقة. تشمل هذه الكلفة إزالة حوالي 60 مليون طن من الركام وإعادة تأهيل أكثر من 425 ألف وحدة سكنية مدمرة كلياً أو جزئياً وفق متابعة شاشوف.

تشير التقديرات إلى أن حوالي 20 مليار دولار مطلوبة خلال العامين الأولين فقط لإعادة بناء المساكن والبنية التحتية الحيوية، مثل المياه والكهرباء والطرق، لكن التحدي يكمن في القدرة على تأمين التمويل الدولي واستدامته، في ظل قيود مستمرة على إدخال المواد الخام وبطء تدفق الأموال، مما يهدد بتحويل الإعمار إلى عملية طويلة الأمد تفتقر إلى الفعالية.

يحذر مختصون من أن استمرار نمط “التعافي المبكر” الحالي قد يؤدي إلى انفصاله عن مسار إعادة الإعمار الحقيقي، مما يتحول إلى حالة دائمة من التدخلات المؤقتة مرتفعة الكلفة ومنخفضة الأثر. قد تنفد المواد المتاحة لتنفيذ المشاريع خلال أسابيع أو أشهر قليلة، مما يهدد بتوقف الأعمال في أي لحظة، رغم الأموال الكبيرة المخصصة لها.

بين تضخم التكاليف وضعف النتائج، يبرز خطر استنزاف موارد المانحين دون تحقيق تحسن ملموس في جودة الحياة، مما يضع قطاع غزة أمام معادلة قاسية: إنفاق مليارات الدولارات في بيئة تعاني من نقص حاد في الموارد، مقابل خدمات لا تزال عاجزة عن تلبية الحد الأدنى من الاحتياجات.