موجات الصدمة في هرمز تلامس الاقتصادات الغربية والعالم يستعد لأسوأ أزمة طاقة منذ السبعينيات – بقلم شاشوف


مع تصاعد الحرب على إيران، أصبح مضيق هرمز نقطة اختناق تهدد الاقتصاد العالمي، حيث يعبر حوالي 20% من إمدادات النفط. ارتفعت الأسعار وتدهورت توقعات النمو، مما أدى إلى نقص في الأسواق الآسيوية. الخبراء يتوقعون تفاقم الأزمة، وقد تصل أزمة الوقود إلى أوروبا قريباً. رغم محاولات الدول استغلال المخزونات الاحتياطية، يعد الحل المؤلم الوحيد ‘تدمير الطلب’ عبر رفع الأسعار بشكل كبير لتقليل الاستهلاك. هذه الظروف تكشف عن هشاشة أمن الطاقة العالمي والاعتماد المفرط على ممرات نقل محددة، ما يسبب قلقاً بشأن مستقبل الاقتصاد والأسواق.

الاقتصاد العالمي | شاشوف

مع دخول الحرب على إيران شهرها الثاني، تحول مضيق هرمز، الذي يمر عبره حوالي 20% من استهلاك النفط العالمي وخُمس إمدادات الغاز الطبيعي المسال، إلى نقطة اختناق تهدد بتعطيل شرايين الاقتصاد العالمي.

ما بدأ كصدمة إمدادات محلية، سرعان ما أدى إلى ارتفاع حاد في الأسعار وتراجع ملحوظ في توقعات النمو الاقتصادي عالمياً. وفي آسيا، التي تعتمد بشكل شبه كامل على طاقة الخليج، بدأت تظهر علامات النقص الفعلي في الأسواق، حيث تسعى دول مثل تايلاند وباكستان إلى ترشيد الاستهلاك وتقنين الوقود، مما يذكّر بطوابير الانتظار الطويلة.

لكن التحذيرات الأكثر خطورة لا تأتي من شوارع آسيا، كما تشير متابعات شاشوف، بل من غرف العمليات في كبرى شركات الطاقة العالمية. ووفقاً لأكثر من ثلاثين خبيراً وتاجراً ومديراً تنفيذياً في قطاع النفط والغاز الذين تحدثوا مع شبكة ‘بلومبيرغ’، تتكون قناعة راسخة بأن العالم لا يزال في حالة ‘إنكار’ تجاه حجم الكارثة.

المقارنات مع ‘صدمة النفط’ التاريخية في السبعينيات لم تعد مجرد مبالغة صحفية، بل أصبحت تقييمات واقعية لاحتمالات اتساع الأزمة. فالإجماع بين هؤلاء الخبراء يؤكد أن أزمة الوقود التي تعاني منها آسيا ليست سوى المرحلة الأولى، وأن ارتداداتها ستصل قريباً إلى الشواطئ الغربية، مما يضع أوروبا أمام خطر نقص شديد في إمدادات الديزل، وهو شريان الحياة اللوجستي، في غضون أسابيع، مما يؤدي إلى ارتفاع جنوني في أسعار الشحن.

بالأرقام، ذكرت ‘بلومبيرغ’ حسب تحليل شاشوف أن إغلاق مضيق هرمز قد سحب نحو 11 مليون برميل يومياً من التداول العالمي، بعد احتساب جميع التدخلات الإسعافية (كإفراج المخزونات الاستراتيجية).

هذا العجز الصافي، التقدير بـ9 ملايين برميل يومياً، يتجاوز إجمالي الاستهلاك اليومي لدول صناعية كبرى مثل بريطانيا وفرنسا وألمانيا وإسبانيا وإيطاليا مجتمعة. أمام هذا العجز الهيكلي، يرى باتريك بويان، الرئيس التنفيذي لشركة ‘توتال إنيرجيز’ الفرنسية، أن استمرار الأزمة لثلاثة أو أربعة أشهر سيحولها إلى ‘مشكلة هيكلية عالمية’، محذراً من استحالة تكديس خُمس النفط والغاز العالميين في الخليج دون دفع ثمن باهظ يتجاوز مجرد ارتفاع الأسعار إلى ركود اقتصادي حاد.

حلول مؤقتة وأدوات ضعيفة

لم تقف الدول المستهلكة مكتوفة الأيدي أمام هذا الشلل التام، ولكن أدواتها تبدو ضعيفة أمام مرض شديد. لجأت الإدارة الأمريكية وحلفاؤها إلى الإفراج عن كميات قياسية من مخزونات الطوارئ الاستراتيجية، في خطوة منسقة مع وكالة الطاقة الدولية قد تضخ ما بين مليوني إلى ثلاثة ملايين برميل يومياً.

في مفارقة جيوسياسية، اضطرت واشنطن مؤقتاً إلى غض الطرف عن عقوباتها الصارمة، مما سمح ببيع ملايين البراميل من النفط الروسي والإيراني العالق في ناقلات عائمة، ليجد طريقه سريعاً إلى مشترين متعطشين. هذه الخطوات وفرت بعض الوقت، لكنها لا تقدم حلاً مستداماً بمجرد نضوب هذه المخزونات المؤقتة.

وعلى الجانب الآخر من الخليج، سارع كل من المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة لتقليل الاعتماد على مضيق هرمز، من خلال ضخ أقصى طاقة ممكنة من النفط عبر شبكات خطوط الأنابيب البديلة، مثل خط أنابيب ‘شرق-غرب’ السعودي الذي ينتهي في البحر الأحمر، وخط أنابيب ‘أبوظبي للنفط الخام’ الذي يصب في ميناء الفجيرة المطل على بحر العرب.

ورغم أهمية هذه التحويلات الاستراتيجية، إلا أن قدرتها القصوى تظل قاصرة عن تعويض الحجم الهائل للتدفقات المفقودة. المعضلة الكبرى تكمن في أن قدرة السعودية الفريدة – كقائد فعلي لأوبك+ – على ضخ ملايين البراميل الإضافية من طاقاتها الإنتاجية الفائضة، باتت ‘مجمدة’ فعلياً؛ فالنفط موجود تحت الأرض، لكن بوابات التصدير الرئيسية موصدة بسبب الحرب.

وإذا كان وضع النفط حرجاً، فإن وضع الغاز الطبيعي المسال يبدو كارثياً. فالغاز ليس لديه ترف ‘خطوط الأنابيب البديلة’ التي تعبر الصحارى، ومخزوناته الاستراتيجية العالمية ضئيلة مقارنة بالنفط. التهديد هنا يتجاوز مجرد إعاقة المرور إلى تدمير البنية التحتية؛ فقد أدت الهجمات الصاروخية المتبادلة في إطار الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران إلى تضرر أجزاء من محطات تسييل الغاز العملاقة في المنطقة، بما في ذلك منشآت تابعة لشركة ‘قطر للطاقة’، التي حذرت من أن عمليات الإصلاح الجذرية قد تستغرق ما يصل إلى خمس سنوات، مما يعني خروج كميات هائلة من الغاز من المعادلة العالمية لفترة طويلة، مما يضغط على أسواق أوروبا – التي تخرج من شتاء بخزانات شبه خاوية – لتتنافس بشراسة وربما يأس مع المشترين الآسيويين لتأمين احتياجاتها.

تدمير الطلب: العلاج المر المحتمل

حتى الآن، لم يعكس مؤشر أسعار النفط، الذي يدور حول 112 دولاراً للبرميل، حالة الذعر الشديد التي يعيشها الفاعلون في القطاع. يعود ذلك جزئياً وفق تناول شاشوف إلى رهانات المتداولين على أن الضغوط الاقتصادية الهائلة ستجبر القيادات السياسية، وخاصة الرئيس الأمريكي، على إيجاد مخرج تفاوضي ينهي ‘الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران’ قبل الوصول إلى حافة الهاوية. كما ساهم الانخفاض الفوري في الطلب الآسيوي (المقدر بمليوني برميل يومياً)، المدفوع بالارتفاع الكبير في أسعار الوقود المكرر كالديزل الذي كسر حاجز 200 دولار، في تخفيف حدة العجز المباشر.

لكن هذا التوازن الهش يخفي تحته بركان اقتصادي. فإذا استمر إغلاق مضيق هرمز لمدة ربع سنة أخرى، فإن النماذج الاقتصادية، مثل نموذج SHOK التابع لـ ‘بلومبيرغ إيكونوميكس’، ترسم سيناريوهات قاتمة.

فوصول برميل النفط إلى 170 دولاراً لن يكون مجرد رقم على الشاشات، بل سيشكل ‘صدمة ركود تضخمي’ مزدوجة، تضاعف معدلات التضخم وتخنق النمو، مما سيجبر البنوك المركزية على اتخاذ سياسات نقدية أكثر تشدداً قد تعصف بالأسواق المالية وتلقي بظلالها الثقيلة على المشهد السياسي الأمريكي، خاصة مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي.

في ظل غياب الإمدادات الكافية، يصبح الحل الوحيد والمُرهق هو ‘تدمير الطلب’ (Demand Destruction). فالسوق سيضطر لرفع الأسعار إلى مستويات قاسية تجبر المستهلكين والمصانع – حرفياً – على التوقف عن الاستهلاك. يحذر خبراء استراتيجيون، مثل جيف كوري من ‘مجموعة كارلايل’، من أن العالم قد يحتاج إلى القضاء على ما بين 5 إلى 10 ملايين برميل يومياً من الطلب لتعادل السوق، وهو تكيف قسري سيعني إفلاس شركات، وتوقف خطوط طيران، وارتفاعاً فلكياً في أسعار السلع والبتروكيماويات والمنتجات الزراعية. باختصار، العالم يقف على حافة تحول طاقوي إجباري و’مؤلم للغاية’، مدفوعاً بقرارات سياسية قد تغير شكل الاقتصاد العالمي لسنوات قادمة.

تبرهن التداعيات المستمرة للحرب على إيران أن أمن الطاقة العالمي يقف على خط صدع جيوسياسي شديد الهشاشة. لم يعد مضيق هرمز مجرد ممر مائي، بل أصبح مقياساً لنبض الاقتصاد الدولي بأسره وفق تقارير شاشوف، والاعتماد المفرط على مسار بحري وحيد، وغياب بناء شبكات أمان لوجستية متكاملة، يكشف عن قصور استراتيجي شديد في إدارة المخاطر العالمية.

ومع استنفاد ‘المسكنات’ المؤقتة كالسحب من الاحتياطيات الاستراتيجية، يجد صناع القرار أنفسهم أمام خيارات متأزمة: إما الانزلاق نحو صراع مفتوح يضمن بقاء الأسعار عند مستويات مدمرة تعطل عجلة الإنتاج، أو الرضوخ لتسويات سياسية قد تغير موازين القوى في الشرق الأوسط. المؤكد أن عصر ‘الطاقة الرخيصة والمضمونة’ قد تلقى ضربة قاصمة، وأن المستهلك العادي – من طوكيو إلى نيويورك – هو من سيرتدي الفاتورة الأكبر لهذه المقامرة الجيوسياسية.


تم نسخ الرابط