من الهند إلى سويسرا والإمارات: شركة ذهب تتحول إلى مركز إحدى أكبر التحقيقات المالية العالمية – بقلم شاشوف


تشهد أسواق الذهب العالمية تحقيقات معقدة في الهند، بعدما تظهر تناقضات كبيرة في البيانات المالية لشركة رئيسية بتجارة الذهب. بدأت القضية من مراجعة روتينية كشفت عن فجوة ضخمة بين الإيرادات المعلنة والنتائج الفعلية، مما أدى إلى إجراء تحقيقات متعددة الجنسيات تشمل شركات في أوروبا والإمارات وأفريقيا. تتعلق المخاوف بتعقيد سلاسل التوريد في الذهب، حيث تتداخل المحاسبة مع المخاوف من غسل الأموال. بينما تنفي الشركة الاتهامات وتعتبر الفروقات ناتجة عن اختلاف في تفسير القوائم المالية، تواصل الجهات الرقابية التدقيق في الأنشطة المعنية لضمان الشفافية والثقة في سوق الذهب.

تقارير | شاشوف

في أسواق الذهب العالمية، تتداول مليارات الدولارات يومياً عبر شبكة معقدة تتضمن المناجم والمصافي وشركات الوساطة والمؤسسات المالية، مما يجعل أي خطأ في البيانات المالية أو حركة المعدن النفيس يتجاوز مخالفات محاسبية إلى قضية تتعلق بنزاهة إحدى أكثر الصناعات حساسية في الاقتصاد العالمي.

ومن هنا، استرعت التحقيقات الجارية في الهند انتباه الهيئات الرقابية الدولية، حيث كشفت عن تناقضات كبيرة في البيانات المالية لشركة تعتبر من أبرز اللاعبين في تجارة الذهب العالمية.

القضية، وفقاً لتقرير “شاشوف”، بدأت من مراجعة روتينية للبيانات المالية، مما أدى إلى اكتشاف فجوة هائلة بين الإيرادات المعلنة والنتائج التي توصل إليها المنظمون. ومع اتساع نطاق التحقيقات، لم تعد الأنظار تتجه نحو الشركة الهندية فقط، بل شملت شركات تابعة في أوروبا وعلاقات تجارية في الإمارات واستثمارات في أفريقيا، مما حول القضية إلى ملف متنوع الجنسيات يجمع بين المحاسبة والتجارة الدولية وقواعد مكافحة غسل الأموال.

وتكمن خطورة الملف ليس فقط في الرقم المتداول، الذي يقترب من 159 مليار دولار، بل في طبيعة شبكة الأعمال التي تخضع للتحقيق. فالذهب يختلف عن العديد من السلع الأخرى، حيث يمر عبر حلقات متعددة من التكرير وإعادة التصدير قبل وصوله للأسواق النهائية، مما يجعل إثبات مصدر الإيرادات وتتبع حركة المعدن أكثر تعقيداً، ويضيف أبعاداً ل任何 اختلافات في السجلات المالية بما يتجاوز نطاق الشركة نفسها.

التحقيق لم يبدأ من الإيرادات… بل من تناقضات كشفتها الوثائق

على عكس ما يُعتقد، لم تبدأ هيئة الأوراق المالية الهندية تحقيقها من كمية الإيرادات، بل من مقارنة القوائم المالية للشركة الأم مع البيانات الخاصة بالشركات التابعة، مما كشف عن فروقات كبيرة في الأرقام المسجلة داخل المجموعة.

وبعد أشهر من الفحص، توصلت الهيئة إلى أن الجزء الأكبر من الإيرادات المعلنة خلال السنوات الخمس الماضية لا يجد ما يدعمه بما يكفي من الوثائق التي تم مراجعتها، مما دفعها لفتح أحد أكبر التحقيقات المالية في تاريخ سوق المال الهندي.

وانتقل مسار التحقيق إلى سويسرا، حيث تمتلك المجموعة مصفاة “فالكامبي”، إحدى أهم منشآت تكرير الذهب في العالم. بدلاً من أن تكون المصفاة دليلاً على قوة النشاط التجاري للمجموعة، أصبحت محور الأسئلة التي يطرحها المحققون بشأن كيفية تسجيل الإيرادات وتوزيعها بين الشركة الأم والشركات التابعة، وما إذا كانت القوائم المالية تعكس النشاط الحقيقي للمجموعة أم أنها تأثرت بطريقة احتساب الإيرادات داخل الكيان الموحد.

خيوط التحقيق تكشف شبكة تجارة ذهب عابرة للحدود

ومع توسع نطاق التحقيق، لم تعد القضية تقتصر على مراجعة القوائم المالية أو مقارنة الإيرادات المعلنة، بل انتقلت إلى تتبع المعاملات التجارية والمالية التي نفذتها المجموعة خارج الهند. وخلال مداهمات نفذتها مديرية الإنفاذ الهندية، عُثر على ثغرات في سجلات عدد من العمليات الخارجية، بالإضافة إلى معاملات وتسويات تجارية قُدّرت قيمتها بنحو 318 مليون دولار، مرتبطة بكيانات أجنبية في الإمارات ودول أخرى حسب قراءات شاشوف.

أدت هذه النتائج إلى توسيع السلطات دائرة التدقيق للتأكد مما إذا كانت تلك العمليات قد تمت وفق الأطر القانونية والتنظيمية، أم أنها تخفي معاملات لم تُفصح عنها بشكل كافٍ.

كما أعادت القضية تسليط الضوء على مصفاة “فالكامبي” السويسرية، التي تُعتبر من أهم مراكز تكرير الذهب في العالم. على مدار السنوات الماضية، واجهت المصفاة انتقادات من منظمات رقابية وتقارير إعلامية بسبب محدودية الإفصاح عن مصادر بعض الشحنات الواردة إليها، لا سيما تلك القادمة عبر مراكز تجارة إقليمية مثل دبي.

ورغم أن تلك الانتقادات لا تُعتبر دليلاً على وجود مخالفات في القضية الحالية، فإنها دفعت المحققين إلى إيلاء اهتمام أكبر لسلسلة التوريد المرتبطة بالمصفاة، والتحقق من سلامة حركة الذهب والوثائق المصاحبة له.

وزادت الشكوك بعد تقارير رصدها شاشوف التي تناولت وجود فارق يقارب 40% بين مخزون الذهب المعلن في بعض السجلات والمخزون الذي تم التحقق منه على أرض الواقع، إضافة إلى نقص في الوثائق الخاصة باستثمارات خارجية يُزعم أنها مرتبطة بمشروعات تعدين في أفريقيا. لم تؤكد السلطات بعد أن هذه الملاحظات تمثل دليلاً قاطعاً على ارتكاب مخالفات جنائية، لكنها اعتُبرت مؤشرات تستدعي مواصلة التحقيق قبل تحديد طبيعة المخالفات والمسؤوليات القانونية المحتملة.

الشركة تنفي الاتهامات.. والجهات التنظيمية تتمسك بمواصلة التحقيق

من جهتها، رفضت شركة “راجيش إكسبورتس” الاتهامات الموجهة إليها، مؤكدة أن البيانات المالية التي أعلنتها تستند إلى القوائم الموحدة للمجموعة، والتي تشمل نتائج جميع الشركات التابعة، بما في ذلك مصفاة “فالكامبي”. ترى الشركة أن هيئة الأوراق المالية اعتمدت في جزء من استنتاجاتها على القوائم المالية المستقلة لبعض الشركات التابعة، مما أدى –بحسب وصفها– إلى ظهور فروقات لا تعكس الأداء الحقيقي للمجموعة ككل.

وصرح رئيس مجلس إدارة الشركة، راجيش ميهتا، بأن المصفاة السويسرية قامت بتكرير آلاف الأطنان من الذهب خلال الأعوام الأخيرة، وهو حجم نشاط يبرر –من وجهة نظره– تسجيل إيرادات مرتفعة بمئات المليارات من الدولارات عند احتساب أعمال المجموعة بصورة موحدة. وأضاف أن الخلاف القائم مع الهيئة التنظيمية يتعلق بمنهجية عرض الإيرادات واحتسابها، وليس بإخفاء معاملات أو تضخيم متعمد للأرقام، مشدداً على استعداد الشركة للتعاون مع الجهات المختصة وتقديم جميع المستندات المطلوبة.

رغم هذا الدفاع، تبدو القضية بعيدة عن نهايتها، إذ تواصل الجهات الرقابية والسلطات المختصة مراجعة الوثائق والمعاملات المرتبطة بالشركات التابعة والكيانات الخارجية قبل إصدار أي نتائج نهائية. وحتى ذلك الحين، تبقى هذه القضية واحدة من أكبر اختبارات الشفافية التي يواجهها قطاع الذهب العالمي، كما تعكس التحديات التي تواجه الهيئات الرقابية في متابعة شركات تعمل عبر عشرات الأسواق والولايات القضائية، حيث يصبح التمييز بين الخلافات المحاسبية والمخالفات المالية المحتملة أكثر تعقيداً في ظل تشابك العمليات التجارية الدولية.

بغض النظر عن النتائج التي ستسفر عنها التحقيقات، فإن القضية سلطت الضوء على الحاجة إلى تشديد الرقابة على تجارة الذهب العالمية، خصوصاً بالنظر إلى الطبيعة المعقدة لسلاسل التوريد التي تمتد من المناجم إلى المصافي ثم للأسواق المالية ومصانع المجوهرات. كما أعادت التأكيد على أن الشفافية في الإفصاح المالي أصبحت عاملاً حاسماً للحفاظ على ثقة المستثمرين في واحدة من أكبر أسواق السلع الاستراتيجية في العالم.

انتظاراً للنتائج النهائية للتحقيقات، تظل الأسئلة مفتوحة حول مدى دقة البيانات المالية للشركة، وطبيعة المعاملات التي خضعت للتدقيق، وما إذا كانت القضية سوف تقتصر على خلاف محاسبي كما تدعي الشركة، أم أنها ستقود إلى كشف مخالفات أوسع قد تدفع السلطات الهندية والدولية إلى إعادة النظر في آليات الرقابة على تجارة الذهب عبر الحدود.