فساد كبير في مشروعات الطرق باليمن.. مليارات ضائعة ومشاريع غير حقيقية – شاشوف
يتعرض الاقتصاد اليمني للفساد المتفشي في مشاريع البنية التحتية، خاصة في عدن ولحج، حيث أظهرت تحقيقات وجود تلاعب في تكاليف المشاريع وصرف أموال لأعمال غير منفذة. يعاني المواطنون من تدهور الطرق، مما يؤدي إلى خسائر بشرية ومادية مع كل موسم أمطار. تشير الوثائق إلى تضخيم التكاليف والمخالفات الفنية والقيام بمشاريع بالأمر المباشر، مما أدى إلى انهيار الطرق. يُظهر التحقيق وجود تجاوزات مالية في صندوق صيانة الطرق ومشاكل في إعداد التصاميم تنعكس على جودة البنى التحتية، مما يجعل المواطن ضحية لدوامة الفساد وسوء الإدارة.
الاقتصاد اليمني | شاشوف
تشير المعلومات الحديثة إلى انتشار أنواع من الفساد في مشاريع البنية التحتية والطرق في مناطق حكومة عدن، حيث تُظهر الوثائق والملاحظات من مسؤولين ومهندسين وجودَ تلاعب في تكاليف المشاريع، وصرف أموال على أعمال لم تُنجز، إضافة إلى إسناد مشاريع بالأمر المباشر، مما أسفر عن مخالفات فنية وهندسية أدت إلى انهيار الطرق وزيادة آثار السيول، بينما يدفع المواطنون ثمن ذلك بأرواحهم وممتلكاتهم.
وبحسب تحقيق استقصائي اطلعت عليه “شاشوف”، والذي نشرته صحيفة العربي الجديد اللندنية، يعد طريق “هيجة العبد” الجبلية في مديرية المقاطرة بمحافظة لحج، الرابط بين المحافظة ومدينة تعز، نموذجاً حياً ومتكرراً لفشل مشاريع الصيانة، إذ تنقطع الطريق مجددًا مع كل موسم أمطار رغم التدخلات الإسعافية والصيانات المتكررة على مر السنوات.

مشاريع وهمية وسرقة لمئات الملايين
يؤكد السائقون أنهم يسمعون دائمًا عن موازنات وأعمال صيانة، لكن النتيجة تبقى ذاتها، حيث تجرف السيول الطريق، مما يؤدي إلى توقف حركة السير وتحمل المواطنين للخسائر، مشيرين إلى أنهم نجاوا بصعوبة بعد أن جرفت السيول مركباتهم.
ويقول المدير العام لفرع مؤسسة الطرق والجسور في محافظة لحج، رياض زين، إن مشاريع التدخلات الطارئة لإزالة أضرار السيول التي تم تنفيذها بين 24 أغسطس و26 سبتمبر 2024، بتمويل وإشراف صندوق صيانة الطرق، شهدت تلاعباً واضحاً وتضخيمًا كبيرًا في التكاليف.
ووفقاً لمراجعة “شاشوف”، بلغت القيمة المعلنة للمشروع 354 مليوناً و810 آلاف ريال يمني، بينما لم تتجاوز التكلفة الفعلية للأعمال 27 مليوناً و779 ألف ريال، مما يعني أن الفارق الهائل يبلغ 327 مليوناً و31 ألف ريال.

كما تضمنت المستخلصات المالية تشغيل معدات لمدة 121 يوماً، في حين أن التشغيل الفعلي لم يتجاوز 16.5 يوماً، إضافة إلى تنفيذ بعض الأعمال بصورة جزئية وعدم إنجاز مشاريع أخرى بالكامل.
يشير التحقيق إلى أن هذه المخالفات لم تقتصر على مشروع واحد، بل تكررت في مشاريع أخرى، منها مشروع إزالة أضرار السيول في طريق طور الباحة – معبق بمحافظة لحج، حيث تظهر الوثائق رفع مستخلص مالي بقيمة 30 مليون ريال رغم عدم تنفيذ المشروع على أرض الواقع.
كما طلبت مذكرة رسمية من السلطة المحلية في لحج بتجميد المستخلصات المالية الخاصة بخمسة مشاريع وتحويل مخصصاتها إلى صيانة الطرق الحيوية، مؤكدة أن بعض مشاريع التدخلات الطارئة في المقاطرة لم تُنفذ أصلاً.

امتدت المخالفات إلى محافظة عدن، حيث كشفت الوثائق عن مخالفات في مشروع إعادة تأهيل وصيانة طريق سوزوكي – جولة الرحاب، إذ تم صرف 169 مليوناً و600 ألف ريال مقابل أعمال مخالفة للمواصفات الفنية، مع اعتماد مستخلص مالي دون توقيع استشاري المشروع.
استمرت الشركة المنفذة في تنفيذ الأعمال رغم طلب إزالة المخالفات، وأجرت أعمال السفلتة دون معالجة طبقات الأساس والأساس المساعد، وهي خطوات هندسية أساسية لضمان تحمل الطريق وتصريف مياه الأمطار ومنع تسرب الرطوبة إلى الطبقات السفلية.
من جانبه، يقول نائب وزير الأشغال العامة والطرق “محمد ثابت” إن الوزارة تقوم بدور رقابي وتقدم ملاحظاتها الفنية للجهات المنفذة لمعالجة أي مخالفات وفق التصاميم والمواصفات قبل استلام المشاريع.
لكن المهندس “أحمد محمد صالح”، المشرف الميداني على مشاريع نفذها الصندوق الاجتماعي للتنمية، يرى أن المشكلة تتجاوز مجرد التنفيذ، موضحاً أن العديد من التصاميم الهندسية لا تأخذ في الاعتبار طبيعة التضاريس ومجاري السيول وآليات التصريف، مما يؤدي إلى تدفق مياه الأمطار نحو الأحياء السكنية والمنازل، إضافة إلى ظهور الشقوق والعيوب المتكررة في الطرق مع كل موسم أمطار.
مشكلات مالية وإدارية
يعكس واقع المواطنين آثار هذه الاختلالات، حيث يؤكد المواطنون وسائقو المركبات الأجرة في عدن أن تدهور الطرق وتشوهاتها يُسببان أعطالاً متكررة لمركباتهم، مما يزيد من أعبائهم المعيشية، في ظل اعتماد الأسر بأكملها على دخل هذه المركبات.
ويكشف التحقيق عن تجاوزات مالية داخل صندوق صيانة الطرق، حيث يؤكد المدير المالي المنتدب من وزارة المالية للإشراف على حسابات الصندوق “سعيد الحسيني” وجود فساد ممنهج في إدارة موازنة الصندوق البالغة 3 مليارات ريال سنوياً.
ووفقاً له، تم صرف 592 مليون ريال تحت مسميات مختلفة لا تتضمنها بنود الموازنة ولا تعتمد على أي مسوغات قانونية أو رقابية، بما في ذلك 12 مليون ريال كمساعدات علاجية لشخصين فقط، مما تسبب في عجز الصندوق عن تنفيذ خطط مشاريع الطرق والبنية التحتية خلال عامي 2023 و2024.
وبالنظر إلى مذكرة صادرة عن وزير المالية السابق “سالم بن بريك” في 09 يناير 2025، فقد تضمنت ملاحظات بشأن عدم موافاة وزارة المالية بالحسابات الختامية وعدم تصفية العهد المالية السابقة، مع التأكيد على وقف أي نفقات لا ترتبط بالأهداف التي تم إنشاء الصندوق من أجلها.
كما حملت مذكرة لاحقة صادرة في 11 مارس 2025 إدارة الصندوق مسؤولية ما تتعرض له الأرواح والمركبات نتيجة استمرار المخالفات وعدم الالتزام بالأطر القانونية والإدارية.

هنا تبدأ دائرة الفساد
تبدأ دائرة الفساد من مرحلة إعداد التصاميم وتقدير التكاليف، مرورًا بمديري المديريات ولجان المناقصات والمجالس المحلية وبعض مسؤولي الوزارات، وصولاً إلى إسناد مشاريع بالأمر المباشر في مخالفة لقرار مجلس الوزراء رقم 42 لسنة 2007 وقانون المناقصات والمزايدات رقم 22 لسنة 2007، اللذين يعتبران أي عقد يتم بالتكليف المباشر باطلاً ما لم تتوافر المبررات القانونية.
تدعم وثيقة صادرة عن مكتب وزارة المالية في محافظة تعز بتاريخ 25 أبريل 2026 هذه الاتهامات، حيث رفضت صرف مستحقات مشروع لترميم وتصريف مياه السيول في مديرية القاهرة، موضحة أن المشروع أُسند بالأمر المباشر دون استكمال الإجراءات القانونية أو الحصول على موافقة السلطة المحلية أو الهيئة الإدارية للمجلس المحلي، فضلًا عن مخالفة المادة التاسعة من قانون المناقصات.

تنعكس هذه التجاوزات بشكل مباشر على جودة البنية التحتية، حيث تظهر العيوب في الطرق بعد فترة قصيرة من تسليمها، ومع هطول الأمطار تتسرب المياه إلى طبقات الأساس، مما يؤدي إلى انهيار الطرق وتعطيل حركة النقل وتكرار الكوارث.
تفيد بيانات مركز رصد الكوارث التابع للأمم المتحدة بتضرر حوالي 329 ألف شخص في 16 محافظة يمنية جراء السيول خلال الفترة من 15 إلى 31 أغسطس من العام 2025، فيما أسفرت الفيضانات عن وفاة 62 شخصًا، بينهم 10 أشخاص في مدينة عدن، مع تأكيدات من مهندسين ومتضررين بأن ضعف البنية التحتية والفساد في تنفيذ المشاريع ساهم في زيادة حجم الخسائر البشرية والمادية.
يؤكد الواقع أن الأزمة الكارثية تتجاوز سوء التنفيذ إلى منظومة متكاملة من الاختلالات الإدارية والمالية والفنية، بدءًا من إعداد المشاريع ووصولاً إلى تنفيذها والرقابة عليها، مما يحول مشاريع البنية التحتية إلى أحد أبرز المجالات المفتوحة لاستنزاف المال العام، بينما يبقى المواطن اليمني هو الطرف الأكثر تأثرا في سلسلة فساد ضخمة بلا حدود.