فتح مضيق هرمز أمام السفن التجارية يعزز الأسواق المالية ويخفض أسعار الطاقة – شاشوف
أعلن وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي فتح مضيق هرمز أمام جميع السفن التجارية، مما يشكل تحولاً جيوسياسياً هاماً مع استمرار اتفاق وقف إطلاق النار في لبنان. أدى هذا الإعلان إلى تراجع كبير في أسعار النفط والغاز، وتحسن ملحوظ في الأسواق المالية. رغم ذلك، لا تزال أزمة الطاقة قائمة مع توقعات ببطء التعافي في الإمدادات، ما يؤثر على السياسات النقدية العالمية. في سياق دبلوماسي معقد، تجري مفاوضات للإفراج عن أصول إيرانية مقابل تقليص مخزون اليورانيوم، مما قد يستغرق وقتًا طويلاً للتوصل إلى اتفاق شامل.
الاقتصاد العالمي | شاشوف
نقلت “رويترز” الإخبارية عن حدوث تحول جذري في المشهد الجيوسياسي، إثر إعلان وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي فتح مضيق هرمز بالكامل أمام جميع السفن التجارية.
تأتي هذه الخطوة الاستراتيجية بالتزامن مع اتفاق مؤقت لوقف إطلاق النار في لبنان لمدة عشرة أيام، مما يمثل متنفساً مهماً لحركة الملاحة العالمية بعد خمسين يوماً من الحرب العنيفة. يبرز هذا الإعلان الجهود الإيرانية لتخفيف التوترات البحرية التي عرقلت تدفقات التجارة، ليبدد جزءاً من حالة الذعر التي انتابت العواصم الكبرى.
قامت الأسواق العالمية بترجمة هذا الانفراج الدبلوماسي إلى خسائر كبيرة في قطاع الطاقة، الذي يُعتبر الأشد تأثراً بأزمة الإمدادات. تراجعت عقود خام برنت تسليم يونيو بنسبة 10.5% لتستقر عند 89.33 دولار للبرميل، في حين هبط خام غرب تكساس الوسيط تسليم مايو بنسبة 11% ليلامس 83.6 دولار للبرميل. ولم تقتصر الخسائر على النفط وحسب، بل طالت أيضاً أسعار الغاز القياسية في أوروبا التي انخفضت بنسبة 7.4%، مدفوعة بتوقعات استئناف التدفقات الطبيعية عبر أحد أهم الشرايين المائية العالمية.
عكست الأسواق المالية حالة من الانتعاش والتباين الملحوظ، حيث قفزت العقود الآجلة لمؤشري “ستاندرد آند بورز 500” و“ناسداك 100” إلى أعلى مستوياتهما خلال الجلسة بسبب تحسن شهية المستثمرين. وشهد الدولار الأميركي خسائر ملحوظة، بينما انتعشت أسعار المعادن الثمينة؛ إذ ارتفع الذهب بحوالي 2.1% ليبلغ السعر الفوري 4864.51 دولار للأونصة، مدعوماً بانخفاض العوائد وضعف الدولار، على الرغم من تقليص السبائك لمكاسبها مع استيعاب المستثمرين لبيانات الإدارة الأميركية حول مسار المفاوضات.
كواليس الدبلوماسية ومقايضة الأصول باليورانيوم
لم يكن فتح المضيق مفاجئاً، بل هو تتويج لحراك دبلوماسي مكثف يُجري خلف الأبواب المغلقة بهدف إنهاء الحرب. تشير التقارير، بما في ذلك ما نشره موقع “أكسيوس”، إلى أن واشنطن تدرس بجدية الإفراج عن 20 مليار دولار من الأصول الإيرانية المجمدة، مقابل تسليم طهران لمخزوناتها من اليورانيوم المخصب.
هذه الصفقة الشاملة ألمح لها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، مشيراً إلى أن التنازلات الحالية تمهد الطريق لاتفاق ينهي الأزمة قريباً، مع إمكانية تنفيذ زيارة تاريخية إلى باكستان التي استضافت الجولة الأولى من هذه المفاوضات المهمة.
على الصعيد الأوروبي والخليجي، يُظهر التقدير المزيد من الحذر والواقعية تجاه الجدول الزمني للسلام. بينما تتزايد المبادرات لتهدئة الجبهات، يرى القادة والمسؤولون أن صياغة اتفاق سلام نهائي وشامل بين واشنطن وطهران قد يستغرق ما لا يقل عن ستة أشهر من المفاوضات المعقدة.
هذا يتطلب تمديداً مستمراً لوقف إطلاق النار، وهو ما ناقشه الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ورئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر في اجتماع خصص لبحث تداعيات الحصار البحري المزدوج وإعادة هيكلة الأمن الإقليمي.
رغم هذه الانفراجة، تبقى مسألة السيادة والتحكم في مضيق هرمز ورقة مساومة حساسة بيد صانعي القرار الإيرانيين. فبالرغم من السماح بالعبور، تشير التقارير إلى أن طهران تخطط لفرض رسوم عبور على السفن التجارية حتى بعد انتهاء الحرب، وهذا يعكس رغبتها في ترسيخ نفوذها في المستقبل. تواجه الدبلوماسية اختباراً صعباً، فكما تصف المحللة في أسواق “فيليب نوفا” بريانكا ساشديفا، انتقل المشهد من مرحلة التصعيد إلى فترة من الاستقرار النسبي يقودها الحوار، إلا أن الغموض باقي كعامل رئيسي في التقلبات المقبلة.
تداعيات اقتصادية ممتدة لتعافي البنية التحتية
فتح المياه الإقليمية لا يعني أن أزمة الطاقة العالمية قد حُلت، فآثار الحرب تركت آثاراً عميقة في بنية المنطقة التحتية. وقد حذر المدير التنفيذي لوكالة الطاقة الدولية، فاتح بيرول، من أن إصلاح الأضرار الكبيرة التي لحقت بمنشآت إنتاج النفط والغاز في الخليج قد يستغرق حوالي عامين. مما يعني أن التعافي في المعروض العالمي، والذي فقد نحو خُمس تدفقاته خلال ذروة الإغلاق، سيكون تدريجياً وبطيئاً، مما يفرض تسعيرات جديدة للمخاطر في الأسواق حتى مع استئناف الملاحة.
هذا البطء المتوقع في التعافي يضع البنوك المركزية العالمية في موقع دقيق تجاه سياساتها النقدية. إذ جعلت الحرب التي كادت أن تُشعل موجة تضخمية جديدة بسبب أسعار الطاقة، المستثمرين يشعرون بالقلق من تأجيل قرارات خفض أسعار الفائدة. ولذلك، كان الملاذ الآمن هو الوجهة المفضلة، حيث شهدنا ارتفاعاً في أسعار الفضة بنسبة 5% وصعوداً ملحوظاً في البلاتين والبلاديوم، بينما يحاول الذهب تعويض خسائره السابقة بنسبة 8% التي تكبدها منذ أواخر فبراير، مستفيداً من بيئة تتسم بالغموض فيما يخص التضخم والعوائد المتقلبة.
في خضم هذه العواصف الاقتصادية، لعبت التصريحات السياسية دوراً مزدوجاً في توجيه بوصلة المستثمرين. فقد أسهمت تصريحات الرئيس ترامب المتقلبة خلال الأشهر الماضية في خلق حالة من الارتباك، ولكنه سارع في الآونة الأخيرة لطمأنة الناخبين الأمريكيين بشأن تكاليف المعيشة.
وأكد ترامب أن الحرب تسير بشكل جيد وتقترب من نهايتها، مما ساعد في تهدئة تقلبات خام برنت وحصرها ضمن نطاق 10 دولارات هذا الأسبوع، مقارنة بتذبذبات بلغت 38 دولاراً في مارس، ليتراجع بذلك مقياس تقلبات العقود إلى أدنى مستوى له.
يمكن القول إن إعلان طهران فتح مضيق هرمز يمثل نقطة تحول حاسمة في مسار الحرب، حيث استبدلت الأسواق العالمية لغة المدافع بلغة الدبلوماسية والمفاوضات المعقدة. ومع ذلك، فإن الانتقال من اقتصاديات الحرب إلى الانتعاش الكامل يحتاج إلى وقت أطول مما توحي به شاشات التداول الخضراء، لا سيما مع استمرار التحديات اللوجستية والحاجة إلى استثمارات ضخمة لاستعادة البنية التحتية لطاقة قصوى.