عندما تتخلى الحروب عن الذهب… هل تفوّق الدولار على ‘الأصول الآمنة’؟ – بقلم شاشوف
في ظل الحروب، اعتاد المستثمرون اللجوء إلى الذهب كملاذ آمن؛ لكن الحرب على إيران شهدت تراجعًا حادًا في السعر بنسبة 13%. تكمن الأسباب في عوامل اقتصادية معقدة، حيث أدت سياسة تشديد الفيدرالي الأمريكي وارتفاع أسعار الفائدة إلى تعزيز الدولار، مما جعل الذهب أقل جاذبية. كما تزايدت عمليات جني الأرباح بسبب ارتفاع الأسعار، مما حول السيولة إلى الدولار والسندات. رغم ذلك، لا يعني هذا فقدان الذهب لمكانته، إذ يُتوقع أن يبقى جزءًا من استراتيجيات التحوط طويلة الأجل، مع استمرار المخاطر الجيوسياسية والديون العالمية العالية.
منوعات | شاشوف
في أوقات التوتر الكبيرة، لطالما لجأ العالم إلى الذهب، فالحروب تؤدي إلى ارتفاع قيمته، والقلق يزيد من بريقه، لكن ما يحدث اليوم، خلال الصراع مع إيران، يبدو وكأنه خرقٌ واضح لهذه القاعدة. فبدلاً من أن يرتفع الذهب، شهد انخفاضاً قدره نحو 13% منذ بداية النزاع، مما أربك الأسواق وأثار تساؤلات حول فقدان الذهب لمكانته كملاذ آمن.
في الحقيقة، لم تعد الحروب العامل الوحيد الذي يحرك الأسواق، إذ دخلت عوامل أكثر تعقيداً، تتصدرها السياسة النقدية الأمريكية التي أصبحت اللاعب الأهم. ومع تشديد الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي لسياسته وارتفاع أسعار الفائدة، تعزز الدولار وفقاً لمتابعة “شاشوف”، مما جعل الذهب أكثر تكلفة للمستثمرين من خارج الولايات المتحدة، وأقل جاذبية مقارنةً بأدوات مالية ذات عوائد ثابتة مثل السندات.
ومع ارتفاع أسعار الفائدة، تزداد جاذبية العوائد المضمونة، بينما يتراجع الإقبال على الذهب الذي لا يوفر لحامليه أي دخل. وهنا تنكشف المنافسة الحقيقية بين الذهب والدولار.
لكن الأمر لا يتوقف عند السياسة النقدية، حسب أحدث التحليلات التي وردت إلى شاشوف. فداخل الأسواق، وصل الذهب إلى مستويات مرتفعة دفعت العديد من المستثمرين إلى جني الأرباح بسرعة، ومع ما يُعرف بـ”التشبع الشرائي”، بدأت عمليات تفكيك المراكز الاستثمارية المزدحمة، مما أدى إلى تحويل السيولة تدريجياً نحو الدولار والسندات، وهذا السلوك أعاد إلى الأذهان ما شهدناه خلال أزمة 2008، حينما تراجع الذهب مؤقتاً قبل أن يستعيد قوته لاحقاً.
وفي جانب آخر، بدأت البنوك المركزية، التي كانت من أكبر محركات الطلب على الذهب في السنوات الأخيرة، تغير استراتيجياتها. فبعد فترة من الشراء المكثف، تريثت بعض الدول، بينما لجأ بعضها الآخر إلى بيع جزء من احتياطياته لمواجهة ضغوط اقتصادية أو لدعم عملاتها المحلية.
تجدر الإشارة إلى أن الإجابة عن “لماذا لا يرتفع الذهب مع الحروب” تكمن في أن السوق لم يعد يتحرك بعامل واحد. فوفق تقديرات مؤسسات مالية كبرى تتبعها شاشوف، مثل “غولدمان ساكس” و”جيه بي مورغان”، فإن تأثير الدولار والفائدة أصبح في المدى القصير أقوى من تأثير التوترات الجيوسياسية، بمعنى آخر، لم تعد الحرب كافية وحدها لدفع الذهب للأعلى.
مع ذلك، لا يعني هذا أن الذهب فقد مكانته التاريخية. تشير رؤى طويلة الأجل، تدعمها مؤسسات مثل “بلاك روك”، إلى أن المعدن النفيس سيظل جزءاً أساسياً من استراتيجيات التحوط، تزامناً مع عوامل مثل ارتفاع الديون العالمية وإمكانية خفض الفائدة في المستقبل، بالإضافة إلى استمرار المخاطر الجيوسياسية.
لم يفقد الذهب مكانته كما يبدو، لكن قواعد اللعبة تغيرت. اليوم، لم يعد يكفي أن تندلع الحروب لكي يتألق المعدن الأصفر، بل بات عليه أن يتنافس مع الدولار، ويواجه سياسات نقدية صارمة، ويتكيف مع سلوك استثماري أكثر براغماتية.
تم نسخ الرابط