على الرغم من قوة المؤشرات الاقتصادية، لماذا لا يلاحظ الأمريكيون تحسناً في مستوى معيشتهم؟ – بقلم قش


يستمر الاقتصاد الأمريكي في تسجيل نتائج إيجابية من حيث النمو وسوق العمل، رغم انخفاض معدلات البطالة. ومع ذلك، تبقى مشاعر التشاؤم لدى المواطنين تجاه الوضع الاقتصادي مرتفعة، حيث لا تُعبر المؤشرات الاقتصادية عن التحديات اليومية التي تواجه الأسر في تكاليف المعيشة. أُطلق مشروع ‘طاولة المطبخ’ من قبل خبراء اقتصاديين لفهم الضغوط المالية للعائلات وتحسين السياسات الاقتصادية. تعتبر القدرة على تحمل تكاليف المعيشة، مثل أسعار الغذاء والإسكان، التحدي الرئيسي بالنسبة للأمريكيين، مما يبرز الحاجة لسياسات تساهم في تحسين الحياة اليومية وليس فقط تحقيق نمو اقتصادي.

تقارير | شاشوف

يستمر الاقتصاد الأمريكي في تسجيل نتائج إيجابية على مستوى المؤشرات الكلية، حيث يحافظ على معدلات نمو ثابتة، ويبقى سوق العمل قوياً مع انخفاض البطالة مقارنة بالمتوسطات التاريخية.

ومع ذلك، لا تعكس هذه الصورة المتفائلة المزاج العام في الولايات المتحدة، حيث تُظهر استطلاعات الرأي استمرار حالة من التشاؤم تجاه الأوضاع الاقتصادية والمعيشية.

تسلّط هذه المفارقة الضوء على الفجوة المتزايدة بين ما تظهره البيانات الرسمية وما يشعر به المواطن في حياته اليومية. في الواقع، بالنسبة لغالبية الأسر الأمريكية، لا تحدد قوة الاقتصاد بحجم الناتج المحلي أو عدد الوظائف الجديدة، بل بقدرتها على شراء الغذاء، وسداد الإيجارات، وتحمل تكاليف الوقود والرعاية الصحية والتعليم، وهي نفقات تواصل استنزاف دخول ملايين الأسر رغم تباطؤ معدلات التضخم.

في هذا الإطار، سلط تقرير أعدّه موقع ‘أكسيوس’ وشاهده ‘شاشوف’ الضوء على محاولات جديدة يقودها مجموعة من كبار خبراء الاقتصاد المرتبطين بالحزب الديمقراطي لفهم أسباب اتساع هذه الفجوة، من خلال التركيز على الضغوط المالية التي تواجهها الأسر الأمريكية بدلاً من الاعتماد على المؤشرات الاقتصادية التقليدية المتداولة بشكل شائع.

المؤشرات الاقتصادية الإيجابية لا تعكس الواقع المعيشي

تشير البيانات إلى أن الاقتصاد الأمريكي لا يزال يحافظ على وتيرة نمو مستقرة، وأن سوق العمل يظهر مرونة ملحوظة مقارنة بالعديد من الاقتصادات المتقدمة. إلا أن هذه النتائج لم تُترجم إلى شعور إيجابي واضح لدى المواطنين تجاه الاقتصاد.

يعتقد خبراء الاقتصاد أن السبب في ذلك يعود إلى أن تباطؤ التضخم لا يعني عودة الأسعار لمستوياتها السابقة، بل يعني أن وتيرة الارتفاع أصبحت أبطأ. لذا، لا تزال الأسر تدفع أسعاراً مرتفعة للسلع والخدمات الأساسية مقارنة بما كانت عليه قبل موجة التضخم التي تبعت جائحة كورونا.

كما أن الزيادات التي شهدتها الأجور خلال السنوات الأخيرة لم تكن كافية لتعويض الارتفاع الكبير في تكاليف المعيشة، خاصة في مجالات الغذاء والطاقة والإسكان والرعاية الصحية، مما أدى إلى استمرار الضغوط المالية لدى نسبة كبيرة من الطبقة المتوسطة.

يؤكد الاقتصاديون أن المواطنين يقيمون أداء الاقتصاد بناءً على قدرتهم على إدارة ميزانياتهم الشهرية، وليس من خلال قراءة التقارير الاقتصادية أو متابعة مؤشرات الأسواق المالية.

مشروع جديد لقياس الاقتصاد من منظور الأسر

في سعي لفهم هذه الظاهرة بشكل أعمق، أطلق عدد من كبار المسؤولين الاقتصاديين السابقين مشروعاً يحمل اسم ‘طاولة المطبخ’ (Kitchen Table Project)، كما أفادت ‘شاشوف’، في إشارة إلى القرارات المالية اليومية التي تتم مناقشتها داخل المنازل.

يقود المشروع كل من لايل برينارد، المستشارة الاقتصادية السابقة في البيت الأبيض خلال إدارة جو بايدن، وروهيت شوبرا، الرئيس السابق لمكتب الحماية المالية للمستهلك، ويهدف إلى إعادة تقييم الأداء الاقتصادي من منظور تأثيره المباشر على حياة المواطنين.

يركز المشروع على قياس مدى قدرة الأسر على تحمل تكاليف المعيشة ومدى تأثرها بالنفقات المفاجئة وتقلب أسعار السلع والخدمات الأساسية، بدلاً من الاعتماد فقط على مؤشرات مثل الناتج المحلي الإجمالي أو معدلات البطالة.

يعتقد القائمون على هذه المبادرة أن تطوير سياسات اقتصادية أكثر فعالية يتطلب فهماً أعمق للمشكلات اليومية التي تواجهها الأسر، مما قد يسهم في صياغة حلول أفضل تتماشى مع الواقع المعيشي.

القدرة الشرائية تتصدر أولويات الأمريكيين

تشير نتائج الدراسات واستطلاعات الرأي إلى أن قضية القدرة على تحمل تكاليف المعيشة أصبحت التحدي الاقتصادي الأول بالنسبة للأمريكيين، حيث تبرز أسعار المواد الغذائية، خاصة أسعار اللحوم، في مقدمة المخاوف، إذ شهدت ارتفاعات ملحوظة مؤخراً.

ويعزو الخبراء هذه الزيادات إلى عوامل عدة، من بينها موجات الجفاف التي أثرت على الثروة الحيوانية، والارتفاع في تكاليف الإنتاج، بالإضافة إلى تركّز صناعة تعبئة اللحوم في يد عدد قليل من الشركات، فضلاً عن تأثير الرسوم الجمركية وبعض المخاطر الصحية المرتبطة بالقطاع الزراعي.

كما تبقى أسعار الوقود والإسكان والرعاية الصحية عبئاً كبيراً يثقل كاهل ميزانيات الأسر، مما يفسر استمرار الشعور بالضيق الاقتصادي رغم استقرار معدلات التوظيف وتحسن بعض المؤشرات الكلية.

يؤكد الاقتصاديون أن معالجة هذه التحديات تتطلب سياسات تهدف إلى خفض تكاليف المعيشة بصورة مباشرة، بدلاً من الاكتفاء بالحفاظ على النمو الاقتصادي أو السيطرة على معدلات البطالة.

أبعاد سياسية تتجاوز الاقتصاد

أصبحت أزمة القدرة على تحمل تكاليف المعيشة محوراً رئيسياً للنقاشات السياسية داخل الولايات المتحدة كما تشير تحليلات ‘شاشوف’، خصوصاً بين صفوف الحزب الديمقراطي الذي يسعى إلى تطوير أجندة اقتصادية أكثر ارتباطاً باهتمامات الناخبين.

من المتوقع أن يقدم مشروع ‘طاولة المطبخ’ خلال الأشهر المقبلة مجموعة من المقترحات العملية لمعالجة الضغوط التي تواجه الأسر الأمريكية، مما قد يشكل أساساً لبرامج اقتصادية مستقبلية في حالة استعادة الديمقراطيين للأغلبية في الكونغرس أو العودة إلى البيت الأبيض خلال الانتخابات الرئاسية المقبلة.

يُعتبر نجاح أي برنامج اقتصادي مقياساً ليس فقط من خلال تحقيق معدلات نمو مرتفعة، بل بقدرته على تحسين مستويات المعيشة وتعزيز القوة الشرائية للأسر، وهي قضية باتت تتصدر أولويات الناخب الأمريكي.

مع استمرار ارتفاع تكاليف الحياة مقارنة بما كانت عليه قبل سنوات، يبدو أن استعادة ثقة المواطنين بالاقتصاد الأمريكي ستظل تحدياً أكبر من مجرد تحقيق أرقام إيجابية في التقارير الاقتصادية الرسمية.

تظهر التجربة الأمريكية الحالية أن قوة الاقتصاد لا تقاس فقط بالمؤشرات الكلية، بل بمدى تأثيرها على الحياة اليومية للمواطنين. فبينما تستمر الولايات المتحدة في تسجيل نمو اقتصادي واستقرار في سوق العمل، لا تزال ملايين الأسر تواجه ضغوطاً معيشية ناجمة عن ارتفاع تكاليف الغذاء والسكن والطاقة والرعاية الصحية، مما يفسر استمرار النظرة المتشائمة تجاه الاقتصاد.

تشير هذه المفارقة إلى أن التحدي الحقيقي أمام صانعي القرار في الفترة المقبلة لن يكون فقط الحفاظ على النمو أو الحد من التضخم، بل العمل على استعادة الشعور العام بالتحسن الاقتصادي من خلال سياسات تستهدف خفض تكاليف المعيشة وتعزيز القدرة الشرائية، لضمان أن تكون نتائج الاقتصاد الكلية محسوسة في حياة المواطنين اليومية.