عدن: أزمة السيولة تؤثر بشكل كبير على اقتصاد اليمن – شاشوف


تواجه اليمن أزمة سيولة حادة، تفاقمت بسبب ضعف توزيع الأموال في المناطق تحت حكومة عدن. على الرغم من وجود أرصدة في البنوك، فإن عجز الموظفين عن سحب رواتبهم بسبب سقف السحب اليومي يعكس خللاً عميقاً في النظام المالي. تتداخل عوامل الحرب والفساد مع تراجع الإيرادات العامة والتحويلات المالية غير الرسمية، مما أدى إلى تصاعد شركات الصرافة كبديل للبنوك. انتشار النقد خارج النظام المصرفي عطّل الوظيفة النقدية، وأدى إلى شلل اقتصادي خطير. الحل يتطلب إصلاحات هيكلية شاملة لتعزيز الثقة واستعادة التوازن النقدي، مع مخاوف من استمرار الأزمة.

الاقتصاد اليمني | شاشوف

تُعد أزمة السيولة المستمرة منذ أشهر واحدة من أخطر التحديات الاقتصادية، حيث تعاني المناطق اليمنية التي تحت إدارة حكومة عدن من اختلالات شديدة في توزيع السيولة ووظيفتها داخل الاقتصاد. يواجه الموظفون كابوسًا شهريًا يتمثل في inability سحب رواتبهم أو الوفاء بالتزاماتهم، رغم وجود أرصدة فعلية في البنوك.

تُظهر الأزمة التي يتابع تفاقُمها مرصد ‘شاشوف’ وجود خلل بنيوي يتجاوز القطاع المصرفي إلى الدولة بأكملها، حيث تتداخل عوامل الحرب والفساد وفقدان الثقة، لتنتج واحدة من أخطر الأزمات النقدية في تاريخ اليمن الحديث.

على عكس الأزمات التقليدية، لا يُعاني الاقتصاد اليمني من نقص في الكتلة النقدية، بل من قلة ‘الأوراق النقدية’ داخل النظام المصرفي. تفرض البنوك سقف سحب يومي يصل إلى 80 ألف ريال في بعض الحالات، مما يجعل الوصول إلى الأموال شبه مستحيل بالنسبة للكثيرين. تعكس هذه الظاهرة خروج كميات كبيرة من النقد من البنوك إلى خارج النظام المالي الرسمي، سواء عبر الاكتناز في المنازل أو عبر قنوات غير رسمية، مما يؤدي إلى شلل فعلي في وظيفة البنوك كوسيط مالي.

يشير المحلل الاقتصادي أحمد الحمادي إلى أن استمرار أزمة السيولة يعود إلى تراكمات متعددة أبرزها تآكل الإيرادات العامة بعد توقف صادرات النفط منذ عام 2022، بالإضافة إلى تفكك النظام المالي ولجوء المؤسسات الحكومية إلى إيداع أموالها لدى شركات الصرافة بدلًا من البنك المركزي بعدن. كما يشمل ذلك رفض السلطات المحلية والمؤسسات السيادية توريد إيراداتها لدى المركزي وانتشار الفساد الإداري عبر صرف رواتب لأسماء وهمية، مما يؤدي إلى تآكل الأموال وتحويلها إلى المضاربة.

أدت هذه العوامل إلى فقدان بنك عدن المركزي قدرته على السيطرة على الكتلة النقدية، وتحول جزء كبير منها إلى أدوات للمضاربة بدلًا من كونها وسيلة للتبادل والإنتاج، بل أيضاً وُجهت اتهامات لبنك عدن المركزي بالمساهمة في تفاقم الأزمة، وفقًا للحمادي.

تُعد واحدة من أبرز ملامح الأزمة صعود شركات الصرافة كبديل فعلي للبنوك، حيث أصبحت هذه الشركات الوجهة الرئيسية للسيولة، مستفيدة من سرعة تنفيذ العمليات وضعف القيود مقارنة بالبنوك. لكن هذا التحول تم على حساب النظام المصرفي، إذ أدى إلى سحب السيولة من البنوك وتراجع دورها في تمويل الاقتصاد.

حين تتجمد النقود خارج الاقتصاد

يصف اقتصاديون الوضع الحالي بأنه مصيدة سيولة، حيث تُحتجز الأموال خارج البنوك، سواء لدى شركات الصرافة أو في المنازل. وهذا أدى إلى مفارقة حادة، حيث يعاني الناس من شح داخل البنوك يمنع السحب والتمويل، بينما يوجد فائض في السوق الموازية يُستخدم للمضاربة وليس للإنتاج، مما يؤدي إلى تعطّل وظيفة النقود كوسيط للتبادل ويقود الاقتصاد إلى حالة من الشلل الجزئي.

تمتد الأزمة لتؤثر على تفاصيل الحياة اليومية، فالمرضى يؤجلون العلاج لعدم توفر السيولة، والمدارس تُهدّد بحرمان الطلاب بسبب عدم دفع الرسوم، والتجار عالقون في عدم القدرة على تجديد بضائعهم، بينما يضطر المستهلكون إلى تقليل إنفاقهم إلى الحد الأدنى. وهناك مخاوف متزايدة من تعطل سلاسل الإمداد الغذائي بسبب صعوبة حصول التجار على الأموال اللازمة للاستيراد، مما قد يُفاقم الأزمة المعيشية.

تشير تقارير تابعتها ‘شاشوف’ إلى أن بعض السلطات المحلية والجهات الحكومية ساهمت في تعميق الأزمة عبر امتناعها عن توريد الإيرادات إلى بنك عدن المركزي وفتح قنوات مالية موازية خارج الرقابة. وقد أدى هذا التمرد المالي إلى تعزيز قوة مالية خارج الدولة، مما زاد من صعوبة إدارة السيولة واستعادة التوازن النقدي.

جوهر الانهيار: أزمة الثقة

تمثل الأزمة الحالية جوهرًا ‘لأزمة ثقة’ متعددة المستويات، حيث فقدت الثقة بالبنوك وتُعتبر المؤسسات الحكومية غير موثوقة، مما يجعل الأفراد يفضلون الاحتفاظ بالنقد خارج النظام. هذه الأزمة قد تدفع الاقتصاد نحو حلول بدائية مثل الاعتماد على المقايضة وتوسيع القنوات المالية غير الرسمية وتراجع استخدام النظام المصرفي بالكامل.

يتفق الاقتصاديون على أن الحل لا يمكن أن يكون مؤقتًا، بل يتطلب إصلاحًا هيكليًا شاملًا، يشمل ضبط المالية العامة وتوحيد الإيرادات داخل البنك المركزي وإغلاق الحسابات الحكومية لدى شركات الصرافة، بالإضافة إلى اصلاح نظام الرواتب وإزالة الأسماء الوهمية، وتعزيز الرقابة على المال العام.

يرى الباحث الاقتصادي وحيد الفودعي أن معالجة أزمة السيولة تتطلب الانتقال من الحلول الإسعافية السريعة إلى إصلاحات مستدامة، تبدأ بإدارة فعالة للكتلة النقدية وتعزيز الرقابة، وصولاً إلى إعادة هيكلة القطاع المصرفي وبناء نظام مالي أكثر كفاءة واستعادة الثقة.

تظل أزمة السيولة مؤشرًا صارخًا على معضلة تؤثر على بنية الاقتصاد والدولة معًا. فحين تفقد النقود وظيفتها، تخرج من النظام، ويتآكل دور المؤسسات، يصبح الاقتصاد مهددًا بالشلل الكامل. ويبقى التساؤل: هل تستطيع حكومة عدن استعادة السيطرة على الدورة النقدية في المدى القريب، أم أن الاقتصاد اليمني يتجه نحو مزيد من التفكك والاعتماد على أنماطه غير الرسمية التي قد يصعب احتواؤها مستقبلًا؟