عائدات الصراع مع إيران: ما الذي ساهم في ارتفاع الصناعات الدفاعية الأمريكية؟ – شاشوف
تشير تقارير ‘شاشوف’ إلى أن الحرب على إيران عززت ميزانيات الدفاع وسلاسل الإمداد العسكرية في الولايات المتحدة، مما أدى إلى ازدهار غير مسبوق لشركات الدفاع مثل ‘آر تي إكس’ و’لوكهيد مارتن’. وقد زادت الطلبات العسكرية بشكل كبير، مما أسفر عن استنزاف سريع للمخزونات وإعادة فتح خطوط الإنتاج. تتداخل القوات العسكرية مع السياسة، مما يعزز نفوذ ‘المجمع الصناعي العسكري’ الذي يؤثر على القرارات الحكومية. بينما تسجل الشركات أرباحًا كبيرة، تؤدي التكلفة المتزايدة للحرب إلى ضغوط اقتصادية على المواطنين، مما يعمق الطابع العسكري للاقتصاد الأمريكي ويعقد الصورة الجيوسياسية العالمية.
الاقتصاد العالمي | شاشوف
تشير البيانات المالية والتقارير الاقتصادية التي تتعقبها مرصد ‘شاشوف’ إلى أن الحرب على إيران كانت ولا تزال عاملاً رئيسياً في ميزانيات الدفاع وسلاسل التوريد العسكرية في الولايات المتحدة. مع تصاعد العمليات العسكرية وزيادة استهلاك الصواريخ والطائرات المسيّرة وأنظمة الدفاع الجوي، دخلت شركات الصناعات الدفاعية الأمريكية في مرحلة ازدهار غير مسبوقة، مدفوعة بزيادة الطلبيات الحكومية وتوسيع الإنفاق العسكري داخلياً وخارجياً.
تشير المعطيات إلى أن هذا التصعيد، الذي بدأ مع الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران وما تبعها من هدنة هشة، خلق بيئة تشغيلية كثيفة للأنظمة العسكرية الحديثة، مما أدى إلى استنزاف سريع للمخزونات وإعادة فتح خطوط الإنتاج بصورة متسارعة. هنا، أصبحت الحرب محركاً اقتصادياً مستمراً يشكّل أولويات التصنيع والاستثمار في قطاع الدفاع الأمريكي.
قفزة ضخمة للشركات
في قلب هذه الطفرة، برزت شركات عملاقة مثل ‘آر تي إكس’، ‘لوكهيد مارتن’، ‘نورثروب غرومان’، و’جنرال إلكتريك أيروسبايس’ باعتبارها المستفيد الأكبر من هذه المرحلة. فقد سجلت ‘آر تي إكس’ مبيعات بلغت 22.1 مليار دولار في الربع الأول من 2026، بزيادة تقارب 8.9% عن العام السابق، في حين ارتفعت الطلبيات المتراكمة لديها إلى مستوى قياسي بلغ 271 مليار دولار، مما يعكس استمرار الطلب العسكري لسنوات قادمة.
أما ‘لوكهيد مارتن’، المورد الأساسي لوزارة الحرب الأمريكية ‘البنتاغون’، فقد واصلت تحقيق إيرادات قريبة من 18 مليار دولار خلال الفترة نفسها، مدفوعةً بالطلب المستمر على مقاتلات ‘إف-35’ وأنظمة الدفاع الجوي والصواريخ الباليستية. وفي هذا السياق، حققت ‘نورثروب غرومان’ مبيعات قرب 9.9 مليار دولار، بينما ارتفعت إيرادات ‘جنرال إلكتريك أيروسبايس’ بنسبة 25% لتصل إلى 12.4 مليار دولار، نتيجة ارتفاع الطلب على محركات الطائرات العسكرية وأنظمة الطيران المتقدمة.
ويرى خبراء تابعون لـ شاشوف أن خصائص الحرب على إيران تكمن في كثافة استخدام الأسلحة الدقيقة والصواريخ والطائرات المسيّرة، مما أدى إلى استنزاف سريع للمخزونات العسكرية الأمريكية والإسرائيلية على حد سواء.
هذا الاستنزاف لم يولد فجوة تشغيلية فحسب، بل فتح المجال لموجة إعادة تسليح واسعة النطاق، تشمل طلبات ضخمة لإنتاج صواريخ ‘باتريوت’ و’توماهوك’ و’جيم-تي’، فضلاً عن أنظمة دفاع جوي متقدمة.
ويؤكد محللون أن هذا النمط من الحروب عالية الكثافة يخلق ما يشبه ‘حلقة طلب مستمرة’، فعندما يحدث أي تصعيد عسكري، يتبعه استهلاك جديد ثم موجة إعادة إنتاج، مما يحول قطاع الدفاع إلى اقتصاد شبه مستقل ضمن الاقتصاد الأمريكي الأوسع، يرتبط مباشرة بالقرارات الجيوسياسية.
إلى جانب البعد الاقتصادي، أعادت هذه الطفرة فتح ملف النفوذ السياسي لما يُعرف بـ ‘المجمع الصناعي العسكري’ في الولايات المتحدة، وهو المفهوم الذي حذَّر منه الرئيس الأمريكي السابق دوايت أيزنهاور عام 1961. اليوم، تبدو شركات الأسلحة أكثر من مجرد موردين، بل مؤثرين مباشرين في صياغة السياسات الدفاعية والخارجية، من خلال التمويل السياسي، وجماعات الضغط، ومراكز الأبحاث المرتبطة بها.
وباتت هذه الشركات تملك قدرة تأثير غير مباشرة على قرارات الإنفاق العسكري، بما في ذلك الدفع نحو توسيع برامج التسليح أو دعم سياسات خارجية أكثر تدخلاً. كذلك، فإن ارتباطها الوثيق بصناديق استثمار كبرى مثل ‘بلاك روك’ و’ستيت ستريت’ يعزز من انغماسها داخل النظام المالي العالمي، مما يجعل أرباحها جزءاً من حركة الأسواق وليس فقط من القرارات العسكرية.
الحرب كرافعة للأسواق والاستثمار
انعكست هذه التطورات بشكل مباشر على أسواق المال الأمريكية، حيث سجلت أسهم شركات الدفاع مكاسب قوية مدفوعة بتوقعات استمرارية الطلب العسكري لسنوات مقبلة. وارتفعت أرباح سهم ‘آر تي إكس’ بنسبة تتجاوز 21%، بينما عززت صناديق استثمار كبرى حصصها في شركات السلاح، مما جعل القطاع الدفاعي واحداً من أكثر القطاعات استقراراً وربحية في ظل عدم الاستقرار العالمي.
لكن هذا النمو ليس دون تكلفة أوسع على الاقتصاد الكلي، إذ تشير بيانات التضخم في الولايات المتحدة إلى زيادة ملحوظة وصلت إلى 3.5%، مدفوعة بارتفاع أسعار الطاقة والإنفاق العسكري. مما يخلق معادلة مزدوجة، بين أرباح قياسية للشركات وضغوط معيشية على المواطن الأمريكي.
ورغم المكاسب المالية الكبيرة، تُظهر بيانات وزارة الحرب الأمريكية أن تكلفة الحرب على إيران تجاوزت 25 مليار دولار حتى الآن، معظمها مخصص للذخائر والتشغيل واستبدال المعدات. يحذر نواب وخبراء من أن استمرار هذا النمط قد يؤدي إلى إعادة تشكيل أولويات الإنفاق داخل الدولة، بحيث تتوسع الحصة العسكرية على حساب الصحة والتعليم والبنية التحتية، مما يعمّق الطابع ‘العسكري’ للاقتصاد الأمريكي على المدى الطويل.
في ضوء هذه المعطيات، يُعتبر أن الحرب على إيران جزء من شبكة مصالح اقتصادية معقدة، تتداخل فيها الشركات الكبرى مع القرار السياسي ومع أسواق المال. إذ إن ارتفاع الطلب على السلاح وتوسع الإنفاق الدفاعي واستمرار التوترات الجيوسياسية، كلها عناصر تعزز بعضها البعض ضمن دائرة مغلقة يصعب كسرها. هنا تصبح الحرب آلية داخلية لإعادة إنتاج الأرباح والنفوذ، مما يجعل استمرار التوترات خياراً يخدم أطرافاً متعددة داخل النظام الاقتصادي والسياسي الأمريكي، حتى وإن كان ذلك على حساب الاستقرار العالمي.