طلب إدارة ترامب ميزانية ضخمة جديدة لتعويض نقص الذخيرة: الحرب تُهدد مخزون واشنطن وتثير القلق لدى حلفائها عالمياً – شاشوف


تواجه الولايات المتحدة أزمة حادة في سلاسل الإمداد العسكري بسبب الاستنزاف الكبير للذخائر خلال الحرب مع إيران، مما يؤثر سلبًا على قدرتها الدفاعية والتزامها تجاه حلفائها. ومع زيادة استهلاك الأسلحة باهظة الثمن، مثل صواريخ ‘توماهوك’، تفوق معدلات الإنفاق العسكري القدرة الإنتاجية للصناعات الدفاعية، مما يدفع الولايات المتحدة لطلب ميزانية دفاعية قياسية تبلغ 1.5 تريليون دولار لسد العجز. هذا الاستنزاف ألحق الضرر بثقة الحلفاء، مثل اليابان، الذين بدأوا في تعزيز قدراتهم العسكرية المحلية للتقليل من اعتمادهم على الإمدادات الأمريكية، مما يعيد تشكيل موازين القوى في المنطقة.

تقارير | شاشوف

في تحول دراماتيكي يُسلط الضوء على هشاشة سلاسل الإمداد العسكري العالمية، تجد الولايات المتحدة نفسها عالقة في فخ استنزاف استراتيجي واقتصادي غير مسبوق. فقد تحولت الحرب المستمرة مع إيران إلى ‘ثقب أسود’ يلتهم الترسانة الأمريكية من الذخائر الذكية وفائقة الدقة، بوتيرة تفوق كثيرًا قدرات المجمع الصناعي العسكري الأمريكي على التعويض. لم يعد هذا الاستنزاف مجرد أزمة لوجستية مؤقتة، بل أصبح معضلة اقتصادية وعسكرية هيكلية تهدد جوهر العقيدة الدفاعية لواشنطن وتضع قدرتها على إدارة أزمات متوازية موضع تساؤل حقيقي.

تركز الأزمة حول الاستخدام المفرط والكثيف للأسلحة باهظة التكلفة، خاصةً صواريخ ‘توماهوك’ والانسيابية والذخائر الموجهة التي تتجاوز تكلفتها ملايين الدولارات. ونتيجة لطبيعة العمليات في الشرق الأوسط، تم الاعتماد شبه الكلي على هذه الذخائر النوعية لضرب أهداف محصنة أو تكتيكية، مما أدى إلى فقدان مخزونات حيوية بُنيت على مدار عقود بمليارات الدولارات.

والنتيجة هي اختلال حاد في الميزانية العسكرية، حيث تُهدر مليارات الدولارات في غضون أسابيع في حرب تكون فيها وتيرة الاستهلاك الميداني أعلى بكثير من معدلات الإنتاج الصناعي، وهو ما يعد كارثيًا.

هذا النزيف الحاد في المخزون الاستراتيجي لم يقتصر تأثيره على الجبهات المباشرة، بل أحدث صدمات قوية في عواصم الدول الحليفة التي تعتمد على المظلة الأمنية الأمريكية.

فقد أدى تركيز الأولوية المطلقة لإمداد العمليات في الشرق الأوسط إلى تقويض قدرة واشنطن على الوفاء بالتزاماتها الدفاعية والتسليحية مع حلفائها الاستراتيجيين، مثل اليابان ودول المحيطين الهندي والهادئ، مما جعل هؤلاء الحلفاء في موقف استراتيجي مكشوف وأجبرهم على إعادة تقييم اعتمادهم المطلق على سلاسل الإمداد الأمريكية.

اقتصاديات الحرب غير المتكافئة واحتراق مليارات الدولارات

البيانات العسكرية التي تتبعها ‘شاشوف’ وتتناقلها أبرز الشبكات والوكالات الإخبارية، مثل بلومبيرغ، تكشف أن التكلفة العملية المستمرة للحرب على إيران قد كلّفت الخزانة الأمريكية أرقامًا ضخمة، تركزت بشكل رئيسي في الذخائر الموجهة عالية القيمة. فقد تم استهلاك المئات من صواريخ ‘توماهوك’، التي تتجاوز تكلفة الصاروخ الواحد مليوني دولار، في وقت قياسي.

تعني هذه المعادلة الاقتصادية المختلة أن واشنطن تطلق أصولًا مالية وعسكرية كبيرة لتدمير أهداف قد لا تتجاوز قيمتها التكتيكية نصف هذا المبلغ، مما يزيد من فداحة الفاتورة الاقتصادية للصراع ويُعمّق حالة الاستنزاف غير المتكافئة.

هذه الشراهة في الاستهلاك تلامس واقعًا صناعيًا معقدًا؛ إذ أن شركات الدفاع الكبرى مثل ‘آر تي إكس’ (RTX)، التي تصنع صواريخ ‘توماهوك’، لا تمتلك خطوط إنتاج قادرة على تلبية الطلبات الطارئة المفاجئة. الإنتاج السنوي لهذه الأنظمة لا يتجاوز بضع عشرات إلى مائة صاروخ جديد، بينما يتم استهلاك أضعاف هذا العدد خلال أيام من القتال النشط. هذا العجز الهيكلي يكشف عن سنوات من سياسات المشتريات المحدودة ويؤكد أن ‘اقتصاد وقت السلم’، المعتمد على الإنتاج البطيء والمفيد للشركات، عاجز تمامًا عن تلبية متطلبات صراع إقليمي عالي الكثافة.

لمواجهة هذا العجز الكبير، تتجه الإدارة الأمريكية لطلب ميزانية دفاعية قياسية تقارب 1.5 تريليون دولار لعام 2026. لكن المفارقة هي أن هذه الزيادة الضخمة لن تُخصص لتطوير تكنولوجيا الجيل القادم أو تعزيز النفوذ في بحر الصين الجنوبي، بل ستُضخ بشكل أساسي كخطوة مكلفة لسد العجز في مستودعات الذخيرة الفارغة ودفع تكاليف التشغيل لتسريع خطوط الإنتاج الحالية. إنها ميزانية ‘تعويض خسائر واختناقات توريد’ أكثر من كونها ميزانية ‘تفوق استراتيجي’.

أزمة الوفاء بالالتزامات وانقطاع شريان التسليح عن الحلفاء

كان الضحية المباشرة والأكثر تضررًا من هذا الاستنزاف هو مصداقية الولايات المتحدة كمورد موثوق بالسلاح. فمسألة تأخر تسليم 400 صاروخ ‘توماهوك’ لليابان، ضمن صفقة قيمتها 2.35 مليار دولار، ليست مجرد تأخير إداري، بل تُظهر عجز واشنطن عن تلبية احتياجات جبهتين في آن واحد.

في حين كانت طوكيو تأمل في الحصول على هذه الأنظمة لتعزيز قدراتها الدفاعية، أُبلغت عمليًا أن الأولوية المطلقة ذهبت لتغذية الحرب المستمرة في الشرق الأوسط.

هذا التحول في توجيه سلاسل الإمداد يضع جميع عقود التسليح المستقبلية مع الحلفاء تحت ضغط ‘الظرف القاهر الأمريكي’. تطبق الولايات المتحدة فعلًا مبدأ سحب الموارد من المسارح الأقل سخونة إلى المسارح المشتعلة. لم يتوقف الأمر عند تأخير تسليم الصواريخ، بل شمل أيضًا نقل قوات بحرية متخصصة وبطاريات دفاع جوي حساسة من قواعد آسيوية، مثل أوكيناوا، إلى الشرق الأوسط، مما ترك فجوة أمنية في واحدة من أهم الساحات الجيوسياسية.

قرار واشنطن باحتكار إنتاج الذخائر عالية القيمة لخدمة عملياتها الخاصة يعيد تشكيل قواعد اللعبة في التحالفات الدولية. الحلفاء التقليديون، مثل كوريا الجنوبية والمملكة المتحدة وأستراليا، الذين عقدوا صفقات بمليارات الدولارات للحصول على هذه الأسلحة الدقيقة، بدأوا يدركون أن العقود التجارية لا تضمن تدفقًا مستمرًا في أوقات الأزمات الكبرى. هذا الواقع يُضعف الثقة في المظلة الأمنية الأمريكية ويجعل الاعتماد على صفقات التسليح الغربية استراتيجية محفوفة بالمخاطر.

ارتدادات الصدمة: حلفاء واشنطن نحو توطين الصناعات السيادية

ردًا على هذا الانكشاف الاستراتيجي، لم تظل طوكيو مكتوفة الأيدي في انتظار مساعدة أمريكية، بل استخدمت نقص الإمدادات كحافز لتسريع صناعة الدفاع المحلية وتغيير عقيدتها الدفاعية. الإعلان الياباني السريع عن نشر صواريخ ‘تايب-12’ المطورة محليًا، بمديات تصل إلى 1000 كيلومتر، هو رسالة قوية بأن طوكيو بدأت فعليًا جهود فك الارتباط جزئيًا عن سلاسل التوريد الأمريكية، معتبرة أن توطين التكنولوجيا الصاروخية ليس خيارًا بل ضرورة سيادية تجنبًا لأي تقلبات في المخازن الأمريكية.

هذه التداعيات تشمل روسيا، حيث تشعر الدول الحليفة مع واشنطن بأن الاعتماد شبه الكامل على مصدر خارجي يعاني من اختناقات يعبر عن ثغرة قاتلة في أمنها القومي. على الصعيد العالمي، نشهد تحولًا ملحوظًا نحو تنويع مصادر التسليح واستثمار كبير في مجال التصنيع الدفاعي المحلي، لضمان استدامة الإمدادات بعيدًا عن احتكار الأمريكي.

في الجانب الآخر من المشهد الآسيوي، تراقب قوى كبرى مثل الصين الوضع الأمريكي وانزعاج الآسيويين بعناية. تدرك بكين تمامًا أن الاستنزاف الأمريكي الكبير للذخائر النوعية يؤدي إلى تقليل قدرة الردع الأمريكية في المحيط الهادئ. ومع ذلك، تبدي قلقًا متزايدًا من أن الانكشاف الذي شهدته أمريكا يمثل ذريعة مثالية لليابان لتعزيز قدراتها العسكرية وتطوير أنظمة هجومية، مما سيؤدي بالتأكيد إلى تغيير موازين القوى في المنطقة.

تمثل الحرب المستمرة نقطة تحول حاسمة في تاريخ الاقتصاد العسكري الأمريكي. لقد أثبتت هذه التجربة أنه لا قيمة فعلية للتفوق التكنولوجي إذا لم يكن مدعومًا بقاعدة صناعية مرنة وقادرة على الإنتاج بكثافة وسرعة.

الاستهلاك المفرط للذخائر المكلفة لم يعاقب الخزانة الأمريكية فحسب، بل أظهر فجوة مرعبة بين الطموحات الجيوسياسية لواشنطن وقدراتها اللوجستية والصناعية الحقيقية.

الدرس الأهم هو أن الانهيار الصامت للثقة في سلاسل الإمداد الدفاعي الأمريكية بات واضحًا. الحلفاء أدركوا استراتيجيًا أن المظلة الأمنية الأمريكية، رغم ضخامتها، مثقوبة بسبب ضعف الإنتاج، وأن مواردها قد تُسحب في أي لحظة لتغطية استنزاف في جبهة أخرى.


تم نسخ الرابط